العنوان المجتمع التربوي (1879)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-نوفمبر-2009
مشاهدات 48
نشر في العدد 1879
نشر في الصفحة 52
السبت 28-نوفمبر-2009
معانٍ تربوية
في أسماء السور القرآنية...(۷)
عبس والقيامة والفيل
بقلم: أ. د. محمد بديع (*)
هذه خواطر ملكت علي نفسي في ظروف صعبة وساخنة قال عنها الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: «إن هذا القرآن نزل في جو ساخن ولا يفهم إلا في مثل هذا الجو الساخن الذي نزل فيه».
ونعيش في هذه الحلقة مع المعاني التربوية في السور الكريمة: سورة عبس، والسور بأسماء يوم القيامة، والسور بأسماء بعض المخلوقات والكائنات كما يلي:
- «عبس» تخلد موقفًا تربويًا يجسد للمسلمين «حسن المعاملة وأدب العتاب»
- أسماء سور يوم القيامة تنبه المؤمن لأحداثه وتهيئه للاستعداد لهذا الموقف المهيب
- «الفيل» درس سياسي خالد فيه العبرة لكل طاغية يغتر بجبروته وسلطانه في الأرض
سورة «عبس»
اسم على حالة الرسول ﷺ حدثت عندما جاء عبدالله ابن أم مكتوم وانصرف عنه إلى علية القوم لعلهم يؤمنون، وهو يرجو بذلك نصر الإسلام وعزته، فعاتبه الله بعد أن وصف حالة العبوس التي انتابته، ولكن -بالله عليك- والسورة التي تصف هذا العبوس تقول عن رسول الله ﷺ: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ (عبس: 1، 2)
هل استمرت السورة تتحدث عن رسول الله؟ أم تحدثت إليه مباشرة: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾
لتشيع في نفسه الأنس بعد العتاب حتى مع العتاب، فهذا مقام الحبيب عند ربه الذي ما ودعه وما قلاه، بل شرفه وأدبه وأثنى عليه وزگاه.
أسماء سور يوم القيامة
أسماء السور التي لها علاقة بيوم سواء باسمها أو صفتها أو باسم حدث من أحداثها أو أهوال يوم القيامة، كثيرة يصل عددها إلى ١٤ سورة هذا فضلًا عن أن ما ذكر من تفاصيل ومشاهد لهذا اليوم العظيم في كثير من سور القرآن يدل دلالة قاطعة على ما يبصر به القرآن النفس المؤمنة كي تستعد لهذا الموقف المهيب، وتضبط حركتها في هذه الدنيا على طاعة الله ورسوله، كي تنجو من هذه الأهوال بنظرة بسيطة إلى السور التي تحمل أسماء تتصل بالدنيا مثل: «الزخرف»، و«التكاثر»، وباقي أسماء السور التي ذكرت أشياء من الدنيا، فلم تكن إلا للفت النظر إليها أنها خلق معجز من خلق الله في دنيانا، نحتاج إليها لنتعلم ونأخذ الدرس والعبرة من أهمية هذه الكائنات، أو إلى قدرة الله الخالق لنزداد إيمانًا وتعظيمًا وإجلالًا لله رب الكون رب السموات والأرض ومن فيهن رب العرش العظيم.
وبمقارنة هذه السور مع الأخرى التي تتكلم عن الآخرة نجد الآتي:
أولًا: القيامة لها أسماء واضحة، مثل: «الواقعة، والقيامة، والحاقة، والقارعة، والنبأ والغاشية»، أو أحداث من أحداثها بأسماء سور، مثل: «الأعراف، والزمر، والجاثية، والتغابن، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة».
والملاحظ أن الأسماء نفسها التي تحكي فقط مجرد اللفظ تبعث الرعب في النفس حتى من تركيبها، فضلًا عن معناها أو تخيل حقيقتها عند حدوثها، والذي لم يقع بعد، وكما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «فكيف لو رأوها؟» «رواه البخاري ومسلم».
أخي.. أختي أتريدون أن تشعروا ببعض الإحساس الذي يجب أن تولده هذه الأسماء في النفس البشرية؟ تعالوا نكرر يوم القيامة ذكرها على التوالي: «الواقعة، الجاثية، القيامة، الحاقة، القارعة، النبأ، الغاشية، الأعراف، الزمر، التغابن، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة» فقط ذكر الأسماء ماذا يترك في مسامعك وفي قلبك ونفسك من أثر، فما بالكم بمعايشة ما فيها من أهوال نجانا الله وإياكم منها؟
أما الدنيا فيكفيها من اسمها الذي تكرر في مقابل الآخرة، أنها دنيا دليل على درجتها الدنيا، أما الآخرة فليس بعدها شيء، كذلك لفظ الزخرف وهو اسم السورة الذي يُظهر صفة الدنيا في الزينة والزخرف﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: 7)
وبالبحث عن مكان وجود الاسم داخل السورة سنجد: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 33، 34، 35)
تصوير عجيب يحدثنا فيه ربنا أن رحمته بالبشر شاءت ألا يعطي جميع الكافرين به متاعًا وزخرفًا كثيرًا، وإلا لكفر الناس جميعًا والعياذ بالله، فليس إعطاء الدنيا لأحد دليل حب الله له، ولا حرمانه منها أو من بعض متاعها إهانة أو بغضًا من الله له ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (الفجر: 15، 16)
وفي الحديث الشريف: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب» «رواه أحمد في مسنده».
أما اسم «التكاثر» فصورة لتكالب الناس على الدنيا ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 1، 2)
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (الحديد: 20) بينما حقيقة أمرها أنها لو تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، حتى قال الرسول ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل أنهم يدعون له زوجة وولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم»، أي يعطيهم الدنيا التي لا قيمة لها ولا وزن «رواه البخاري ومسلم وأحمد».
أسماء سور المخلوقات والكائنات
أما أسماء سور المخلوقات والكائنات من خلق الله في الدنيا، فهي إما للفت نظر الإنسان إلى عجيب خلق الله وصنعه، أو إلى هذا المخلوق للاستفادة من آيات خلقه وتركيبه، مثل أسماء سور: «الرعد، النجم، الطور، القمر، الطارق، الشمس، الليل، الضحى، البروج، العلق، النمل، النحل، العنكبوت، العاديات، الفيل»، ﴿ هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ (لقمان: 11)
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88)
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14). أو على مجتمع الكائنات التي تعلم المجتمع البشرى كيف يعيش، وكيف ينظم حياته، وكيف يرتب المسؤوليات، ويوزعها، وكيف يواجه مشكلات الحياة، وكيف يحفظ مجتمعه من أعدائه «سورتا النمل والنحل».
سورة «الفيل»
الاسم هنا ليس علمًا على جنس الفيل ولكنه الفيل المخصوص بالواقعة التي حدثت، وهي ليست بسيطة، بل لخطرها وعظم شأنها وذيوع صيتها في العالم كله، كان يؤرخ بها، ويكفي تاريخ ميلاد الرسول ﷺ بعام الفيل، فهو ليس أي فيل، فما العبرة والدرس في الفيل؟ تعالوا لنقارن الحاضر بالماضي، فالدرس قائم ما بقيت سورة الفيل تعالوا لنتربى سياسيًا على مائدة القرآن.. «أبرهة» طاغية ملحد غره جبروته وسلطانه في اليمن، وزاد على غروره انبطاح واستسلام وخنوع زعماء العرب، ولم يجد على الساحة العالمية ما يهدد ملكه وجبروته إلا ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ورمزها المقدس «الكعبة المشرفة»، فماذا يفعل؟ هدد بهدم الكعبة إذلالًا للعرب وتحطيمًا لمقدساتهم، وليس هذا فقط، ولكنه الإجلال والتبشير بدينه بدلًا من دينهم فبنى «القليس» وعقد العزم وجهز جيوش الفيلة، وعلى رأسهم فيله كما هو على رأس الطواغيت، وتعالوا لنسير مع ركب أبرهة والدعايات الإعلامية بنشر خبر عزمه على هدم الكعبة بعد أن بنى القليس لتكون الكعبة البديلة ليحج الناس إليها، ويكون الدين البديل، وتعالوا لنعيش في حالة الرعب النفسية التي انتابت العرب وزعماءهم، فما أشبه الليلة بالبارحة، أبرهة يسير بجيشه وأفياله، والمتتبعون لأخباره ينتظرون السيارة أي الوفود المسافرة التي تحمل الأخبار أين وصل أبرهة؟ إنه يقترب من الكعبة، وماذا فعل كل زعماء العرب الذين مر عليهم؟
لم يتعرض له أحد ثأرًا لدينه ومقدساته، بل وعروبته أبدًا حتى بعد أن نهب وسلب ممتلكات من مر عليه لم يأته إلا عبد المطلب، وأبرهة يقول في نفسه: ليته ما أتى، لقد جاء يسألني إبله فقط، ولم يعترض على رغبتي في هدم الكعبة، بل قدم أمثاله من زعماء العرب كل التسهيلات التي طلبها أبرهة، ولكن الرد الذي لا يفهمه أبرهة جاء من عبد المطلب الذي رغم ضعف موقفه لم يصل إليه مستسلمو «منبطحة» هذا الزمان: «للبيت رب يحميه»، وشيء عجيب في السورة أن تفصل الآيات بين مكر أبرهة وإفساده في الأرض وبين عذاب أبرهة وفيله وجنوده، وهي الطير الأبابيل لنعد إلى السورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل: 1) إنها الرؤية بعيون القرآن فدقق النظر إليها بعدها تسمع «فعل ربك»، فقط وحده لا شريك له «نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» ثم ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (الفيل: 2) ما كيدهم؟ أليس إذلال العرب وإهانتهم والمرور على كل ممالكهم وتحطيم مقدساتهم؟ فماذا كانت نتيجة كيد أبرهة القديم؟ وبإذن الله سيكون لأبرهة الحديث، ألم يظهر جليًا خزيه وخذلانه؟ ألم يفقد سلطانه حتى على فيله الذي يأتمر بأمره؟ ألم ينتشر الخبر في كل الجزيرة المتلهفة إلى معرفة آخر الأخبار من خلال السيارة والركبان؟ إن أبرهة هزم أيها الناس؟ من هزمه؟ الله وحده «ربك» وليس وعيدًا بالعذاب في الآخرة فقط، ولكن عذاب في الدنيا لم تشهد البشرية مثله ﴿ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل: 4، 5) وهذه الحجارة ما زالت وستظل عند ربك ﴿ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (الذاريات: 34) معلمة ومحدودة ومجهزة... ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد: 10) ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (المرسلات: 16، 17) فاعتبروا يا أولي الأبصار، فللبيت رب يحميه إنما أنتم ستار القدرة وتأخذون الأجرة... ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38) ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54)
اعتنى الإسلام بتغذية الروح، بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية لقد وفر الإسلام للأرواح أجواء المتعة والرفاهية، وأطلق لها العنان لتسبح في ملكوت الله وبديع صنعه، ولتنظر في عظيم قدرته، ولتجول في أنحاء التاريخ وتقلبات الأيام، لتستسلم لملكه وقدرته ولآلائه ونعمه سبحانه وتعالى، فتقر له بالعظمة والجلال والكمال ولتعترف لذاتها بالقصور والضعف والانكسار والذل، ولتعلم أنه لا مقام لها في هذا الوجود إلا مقام العبودية لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26)
الحج.. رفاهية الروح
محمد معافى المهدلي
- الإسلام جعل الحج رحلة الروح إلى باريها وأطلق لها العنان لتسبح في ملكوت الله وبديع صنعه وتنظر في عظيم قدرته
- الحج رحلة في أعماق التاريخ يتجاوز فيها الحجيج الحقب والدهور ليتعرفوا على أمم قد خلت بقي لنا منها الذكرى والاعتبار
- في مناسك الحج تتذكر الأرواح الدار الآخرة وقدوم الخلائق الصغير والكبير والملك والمملوك بين يدي الله للحساب
إن الحج رحلة الروح إلى باريها وخالقها ومليكها، ولذا أضاف الله تعالى البيت الحرام إلى نفسه فقال عز وجل: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125)
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج: 26)
قال العلامة ابن القيم يرحمه الله: «وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حبًا له وشوقًا إلى رؤيته، فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرًا أبدًا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبًا وإليه اشتياقًا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم كما قيل:
أطوف به والنفس بعد مشوقة
إليه وهل بعد الطواف تداني
وألثم منه الركن أطلب برد ما
بقلبي من شوق ومن هيمان
فوالله ما أزداد إلا صبابة
ولا القلب إلا كثرة الخفقان
فيا جنة المأوى ويا غاية المنى
ويا منيتي من دون كل أمان
أبت غلبات الشوق إلا تقربًا
إليك فما لي بالبعاد يدان
«بدائع الفوائد: 2/ 281»
التعرف على الأمم
إن الحج رحلة عظيمة في أعماق التاريخ؛ حيث يتجاوز الحجيج الحقب والدهور ماضيًا ومستقبلًا ليتعرفوا على أمم قد خلت وانتهت وانقرضت، ولكن بقي لنا منها الذكرى والعظة والاعتبار، ولتعرف البشرية من ذكراها مكانة طاعة الله والانقياد لأمره، ووبال عصيانه ومخالفة نهيه.
من تلك الأمم، أمة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي جعل الله قصته ذكرى للأجيال إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الصافات: 102، 108)
فترك الله من تلكم الأحداث –فقط- ذكرى الطاعة والاستسلام والانقياد لأمر الله، والتسليم الكامل لأمره سبحانه وتعالى.
توافد الملايين
وأمتنا اليوم حين يتوافد منها الملايين إلى تلكم البقاع الطاهرة والأرض المباركة، تُرى هل استسلمت لأمر الله فوحدته وأطاعته وخضعت له واجتنبت نواهيه وزواجره؟ هل أغلقت أمتنا دور العصيان، وفتحت دور الإيمان؟!
بربك هل حُكمت فينا شريعة الإسلام وحنيفية إبراهيم؟ وأين أمتنا من تلكم السيرة العطرة في الانقياد والاستسلام التي كان عليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام؟!
إن تطواف الحاج وتجواله بمكة وفجاجها، وطوافه بالبيت العتيق ووقوفه بعرفة ونحره الهدي ومبيته بمنى، كل هذه الأنساك، إنما هي تذكرة للأمة بطاعة ربها، ودعوة لها للاستمساك بهدي ربها، والالتزام بسنة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في التوحيد الخالص والانقياد الكامل لأمر الله عز وجل.
وفيها إشارة واضحة جلية أن دين الأنبياء واحد، وهو ما يجهله جل بني آدم اليوم، إلا من رحم ربي.
فهل وعت أمتنا حكامًا ومحكومين هذه الحقيقة، وأهداف هذه الشعيرة، وحكم هذه الفريضة.
نزيف الدماء
هل أوقفت أمتنا نزيف الدماء حتى في الأشهر الحرم، في اليمن والعراق والصومال.. إلخ، ولو عملًا بشريعة قريش التي كانت تهاب القتال في الأشهر الحرم، وسمى العرب شهر شوال وذا القعدة كذلك، لأنهم كانوا يقعدون في هذه الأشهر عن القتال، لأنها من الأشهر الحرم، ثم جاء الإسلام فأقرهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (التوبة: 36)
فهل عمل المسلمون بشريعة الإسلام أو حتى بشريعة الجاهلية فأوقفوا أنهار الدماء التي تهراق على سفوح جبل الدخان والبصرة وبغداد وكابل وبيشاور ومقديشو..؟!
إن رحلة الحج تذكرة للأمة بالتاريخ ومآثر الأمم والحضارات، وتذكرة للبشرية بآيات العظمة والجلال والقدرة الإلهية، لتستلهم من ذلك أمتنا قيادات وقواعد، سبل النجاة وطرائق الخير وأسباب النصر والتمكين والعزة.
ثم إن رحلة الحج رحلة إلى المستقبل القريب، حيث تنهمر العيون دموعًا لتتناغم مع الدماء التي تهراق في يوم النحر، حيث تذهب الأرواح في رحلة مستقبلية غير بعيدة، لتتذكر الدار الآخرة، وقدوم الخلائق على الله، فيجازيهم على أعمالهم؛ حيث يأتونه جميعًا شعثًا غبرًا كما ولدتهم أمهاتهم، ليجازيهم على أعمالهم، فساحة عرفات الله أشبه بساحة القدوم على الله والوقوف بين يديه للحساب والجزاء؛ حيث يقف الصغير والكبير والملك والمملوك والحر والعبد بين يدي الحق فيحاسبهم على كل أعمالهم، ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7، 8)
وقال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49)
ولله در الشاعر عبد الرحيم البرعي حين قال:
يا راحلين إلى منى بقيادي
هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي
حرمتم جفني المنام ببعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا
عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي: يا نائمًا جد السرى
عرفات تجلو كل قلب صادي
من نال من عرفات نظرة ساعة
نال السرور ونال كل مراد
تالله ما أحلى المبيت على منى
في ليل عيد أبرك الأعياد
ضحوا ضحاياهم وسال دماؤها
وأنا المتيم قد نحرت فؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات الرضا
وأنا الملوع قد لبست سواد
يا رب أنت وصلتهم صلني بهم
فبحقكم يا رب فك قيادي
فإذا وصلتم سالمين فبلغوا
مني السلام أهيل ذاك الوادي
قولوا لهم عبد الرحيم متيم
ومفارق الأحباب والأولاد
صلى عليك الله يا علم الهدى
ما سار ركب أو ترنم حادي
حفظ الله حجاج بيت الله الحرام، وجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا، ووفق المسلمين أجمعين استلهام دروس الحج والعمرة، وأنعم على الأمة بالوحدة والسلام والنصر والتمكين، والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.