; المجتمع التربوي: المجتمع (2029) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (2029)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2012

مشاهدات 61

نشر في العدد 2029

نشر في الصفحة 54

السبت 01-ديسمبر-2012

  • نظرات في عـلم الحديث

آداب المحدث والطالب

د. عبد الرحمن رمضان

جرت عادة من صنفوا في علوم الحديث أن يبدؤوا بالقواعد والمصطلحات، بعد أن يمهدوا لذلك بتعريف علوم الحديث، وبيان أنواع علوم الحديث، والمصنفات فيه، ولكني لاحظت بعد تأمل أن الذي يجب البدء به قبل ذلك كله هو الحديث عن آداب المحدث والطالب.

وقد بدأ المصنفون بآداب المحدث قبل آداب الطالب مع أننا لو أمعنا النظر لعلمنا أن هذا الطالب بعد حين من الزمن سيصير محدثًا، فكان الأولى أن تعنى به أولًا وأن نعلمه الآداب التي يجب أن يتحلى بها عند طلبه لعلوم الحديث؛ لأنه إذا تعلم الطالب الأدب حين طلبه، كان تحلیه به عند تصدره للتحديث أولى، وها هو الإمام مالك شيخ المحدثين في عصره، وإمام المذهب المشهور عندما كان يطلب العلم من شيخه ربيعة، كانت تعممه أمه وتقول له: تعلم أدبه قبل علمه.

وإن طالب العلم إن لم يكن عنده أدب لم ينفعه علمه، بل ربما جر عليه سوء أدبه الحرمان من الخير كله، فهذا رجل رحل يطلب الحديث من شعبة بن الحجاج فصادف المجلس قد انقضى، وانصرف شعبة إلى منزله فبادر إلى المجيء إليه، فوجد الباب مفتوحًا فحمله الشره على أن دخل بغير استئذان، فرآه جالسًا يقضي حاجته فقال له السلام عليكم رجل غريب قدمت من بلد بعيد تحدثني بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم فاستعظم شعبة هذا، وقال: يا هذا دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني وأنا على مثل هذه الحال تأخر عني حتى أصلح من شأني، فلم يفعل واستمر في الإلحاح، فلما أكثر قال له: اكتب حدثنا منصور عن ربعي بن خراش عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ثم قال: والله لا أحدثك بغيره ولا أحدث قوما تكون فيهم.

«فتح المغيث للسخاوي ٣١٦/٢»

وقد ذكر المحدثون آدابا لطالب الحديث نذكر منها:

 ١ - إخلاص النية لله في طلب الحديث فلا يكون مقصوده المفاخرة والتباهي أو نيل المناصب بعلمه، وإنما يقصد بذلك العلم وجه الله تعالي، ونيل رضاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة»، وقال الشافعي يرحمه الله تعالى: أخشى أن من طلب العلم لغير الله ألا ينتفع به.

۲- أن يحسن خلقه، فيتحلى بمكارم الأخلاق، من صبر وحلم وتواضع وحياء، فإن صاحب السنة صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، «رواه الترمذي (١١٦٢) عن أبي هريرة، وقال: حسن صحيح»، وكنا ونحن صغار نسمع معلمينا يلقوننا عبارة «الأدب مفضل على العلم»، فرسخ في أذهاننا أن نحترم من علمونا ولكن انقلبت الحال هذه الأيام، نسأل الله العافية.

٣- أن يستعين على علمه بترك المعاصي قال الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (البقرة :٢٨٢). 

4- الاجتهاد في طلب العلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، رواه مسلم وقال يحيى بن كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.

وما أحسن قول بعضهم:

أخي لن تنال العلم إلا بستة                        سأنبيـك عـن تـأويـلـهـا ببيان

ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة                         وصحبة أستاذ وطول زمان

5- أن يوقر شيخه ولا يضجره، فعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حـقـه» «رواه أحمد وإسناده حسن»، وقد مكث ابن عباس سنتين يهاب سؤال عمر في مسألة، وقال أيوب السختياني كان الرجل يجلس إلى الحسن البصري ثلاث سنين فلا يسأله عن شيء هيبة له، ومما قيل في الإمام مالك:

يدع الجواب فلا يراجع هيبة                           والسائلون نواكس الأذقان

نور الوقار وعز سلطان التقى                      فهو المهيب وليس ذا سلطان

 ومن توقير الشيخ ترك الإطالة عليه والإثقال عليه بحيث يمل، فيحرم الطالب بركة الانتفاع بالعلم، كما حصل للشريف زيدك حين قرأ  كتاب «العمدة» على الشهاب المرادي حال كبره وضعفه، فأطال عليه حتى مله فدعا عليه قائلًا: لا أحياك الله حتى ترويه عني، فمات قبل أن يرويه عنه. 

٦- ألا يمنعه من طلب العلم حياء ولا كبر، قال الحسن من استتر عن طلب العلم بالحياء لبس الجهل سربالًا فقطعوا سرابيل الحياء فإذا من رق وجهه رق علمه، وقال الأصمعي: من لم يحمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا.

7 - ألا يكتم ما سمعه من العلم عن إخوانه، فهو لؤم من فاعله، ويخاف عليه عدم البركة في العلم وعدم الانتفاع به، إذ بركة الحديث إفادته ونشره قال مالك: بركة الحديث إفادة الناس بعضهم بعضًا، وقال ابن المبارك: أول منفعة الحديث أن يفيد بعضكم بعضًا.

8- أن ينسب القول لقائله، فهو من الأمانة العلمية، وإن من بركة العلم أن ينسب لأهله، ولكن للأسف تجرأ الكثيرون من أدعياء العلم وحملة الشهادات في أزماننا هذه فسرقوا جهود غيرهم ونسبوها لأنفسهم، مما حمل المسؤولين على إصدار قوانين لحماية الملكية الفكرية من السرقات، بعد أن كان الاعتناء العلم رحما بين أهله.

9- أن يستعين بالكتابة، مع بالضبط والتقييد وينبغي أن يكتب عن شيوخه كل ما يسمعه حتى لا تفوته أمور مهمة ولكن إذا تصدر للتحديث لا يحدث إلا بما يعرفه الناس، وبما يتأكد من صحته وثبوته.

١٠ - أن يعمل بما علم، فإنه من دواعي الحفظ، قال وكيع كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به وقال الثوري: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.

 ١١ - أن يبدأ في طلب العلم بالمختصرات السهلة التي تعينه على فهم العلم، مع الاستعانة بشيخ ثقة معتمد في حل ألغازها، وفك ما غمض من عباراتها، ثم يتدرب شيئًا فشيئًا حتى يصير له ملكة يستطيع من خلالها أن يطالع المطولات، فضلًا عن الحرص على التخصص، وألا ينتقل من كتاب لآخر حتى يفرغ منه، لا أن يقرأ من كل فن جرعة، ثم يزعم أنه صار عالمًا يشار إليه بالبنان، فهذا أحد أسباب ضياع الأمة، وقديمًا قالوا: من لم يتخصص فقد تلصص، والله الموفق..

  •  ما وراء الكاميرا

بقلم: د. سلمان بن فهد العودة 

رئيس مؤسسة الإسلام اليوم

تعرف تشارلز دوهیج»، الصحفي بجريدة «نيويورك تايمز»، على أثر العادات على الأفراد والشعوب في الوعي واللاوعي خلال تغطيته لأحداث الغزو الأمريكي للعراق. وعلى إثر تجربته كتب كتابه قوة العادة لماذا نفعل ما نفعله؟ وكيف نغير؟...

والذي أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة عام ٢٠١٢م.

لعل من أهداف الكتاب تمهيد الطريق للشركات التي تريد أن تكسب ماديًا عبر فهم نفسية المشتري وسلوكه العفوي غير الواعي وأن الناس يبدون مستعدين لتغيير عاداتهم ولو مؤقتًا - عندما يتعرضون لتحول جدي في حياتهم كالانتقال إلى مسكن جديد أو عمل أو سفر، أو زواج، أو حمل، أو ولادة، أو صدمة عميقة كالطلاق والفشل.

ويبدون متمسكين بعاداتهم بشكل فطري لشعورهم بما يهددها، أو بشكل ممنهج؛ حيث إن استقرار العادة وتكريسها مريح للسيف المستبد الذي يتكئ على المألوف، وللعقل الكسول الذي لا يحب الأسئلة ولا الطرق المتعددة، ويفضل تمرير الأمور كما ورثها دون تحويل.

فهم عادات الناس إذا هدف جوهري للسياسي والتاجر، وهو هدف أيضًا للمصلح الساعي لنقل الناس إلى الأفضل. 

على أن الكتاب لا يبدو بعيدًا عن الهدف الاستخباراتي، فقد تحدث كيف حل الجيش الغازي مشكلة المظاهرات المصحوبة بالعنف في بغداد والنجف والبصرة؟

حيث تبين أن الجيش الأمريكي كان يصور تلك المظاهرات، ويرسل الأفلام إلى خبراء نفسيين متخصصين في دراسة سلوك الحشود.

لم يكن الحل هو وضع الشرطة بقوتها وعنفها في مواجهة عنف الحشود.. قراءة المشهد وضعت أيديهم على عادات تمارسها تلك الحشود.. وكان قرارًا غريبًا لا يبدو وثيق الصلة بالأمر أن أوعز ضابط مختص المحافظ النجف والكوفة بمنع بيع الأطعمة والمشروبات في الشارع، خاصة بعد صلاة الجمعة!

تجمع الناس وارتفعت الأصوات، ولم يتدخل الأمن افتقد الناس الباعة المتجولين وبحلول المساء شعروا بالجوع والعطش، وفقدت المظاهرة وهجها.. كانت المشروبات والمأكولات جزءًا من المشهد لا غنى عنه.

إنها عادة أكثر من كونها حاجة.. الشاي والماء والمشروبات الغازية والبطاطس «البطاطا» والمأكولات الخفيفة تضفي على التجمع روحًا؛ لأنها عادة وتعاطيها جماعيا هو عادة أيضاً. وقد تكون هذه الأشياء العادية» هي أساس التجمع، ثم يتبرع أحدهم بإلقاء حجر، وتسري عدوى الاحتجاج لدى المتجمهرين!

 وقد يكون الاحتجاج هو الهدف، ولكن المرء بحاجة إلى طاقة حيوية ومن دون الأكل والشرب، وفي حر الظهيرة لن يمكنك الاستمرار!

 لم تكن هذه وصفة لمنع المظاهرات كما نظن إنها ذاتها وصفة لتحريك المظاهرات في بلد آخر يراد تشجيع التظاهر فيه لسبب ما.

 حدوث المظاهرات أو توقفها ليس دائمًا قرارًا أمريكيًا، وهي عادة سيئة أن نعتقد أن ما يحدث أحيانًا فهو يحدث دائمًا. 

ربما مصلحة الأمريكي ظاهرة في إيقاف مظاهرات ضده، وهي كذلك في تحريك مظاهرات في الاتحاد السوفييتي أو بولندا.. ولكنها قد لا تكون كذلك في مصر أو ليبيا أو تونس.

عقولهم قد تهديهم إلى الحياد في حالات عديدة لا مصلحة لهم في المجازفة بالوقوف مع أحد الطرفين، هذا ليس عجزًا دائمًا، بل هو نوع من الحكمة والتخطيط، وهو إنفاذ للقدر الإلهي الذي لم يجعل مقادير الخلائق بيد أحد غير الله تعالى! 

  • يا لها من أمانة!

إيمان مغازي الشرقاوي 

إجازة في الشريعة

أنْ يُودِعَه جاره أو أحد معارفه وديعة ليحفظها له، أو يعهد إليه بشيء ذي بال وقيمة يخشى عليه اللصوص أو الضياع، لهو أمر لا غرابة فيه، ولا ينكره أحد.. أما أن يترك وديعته عنده يستأمنه عليها وهو في الوقت نفسه يعاديه ويؤلب الناس على عداوته لهو أمر يحير العقل ويدعو إلى العجب، إذ كيف يأتمنه على ماله وفي الوقت ذاته يتهمه بالخيانة؟!

ائتمان مشركي مكة النبي صلى الله عليه وسلم على أماناتهم رغم مكرهم به وتخطيطهم لقتله ينبئ عن عظيم أمانته وصدقه وورعه

الأمانة ليست محصورة في الودائع بل هي مطلوبة في كل أمورنا لذا ذكرت في القرآن كصفة من صفات عباد الله المؤمنين

أما وقد حدث ذلك من مشركي مكة تجاه نبي الله صلى الله عليه وسلم مع مكرهم به وتخطيطهم لقتله، فإنه ولا شك ينبئ عن عظيم أمانته وصدقه وورعه، فمن يصدق مع الناس وهم لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا فهو مع الله تعالى أصدق، ومن يحفظ أماناتهم وهي تحت يده فهو لما سواها أحفظ ومع ذلك فقد اتهموه في أمانة البلاغ عن ربه عز وجل، ومازالت ودائعهم عنده!

درس في الأمانة

وفي الهجرة النبوية درس عظيم ودعوة صريحة لكل منا يدعونا ويعلمنا الأمانة والورع مع الناس جميعًا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ضرب لنا معظم الأمثلة في هذا الخلق الرائع، ولا خير فينا إن لم نعقل هذا الدرس ونعيه ونطبقه على أرض الواقع، كما لا خير فينا إن تعرينا منه في أمور حياتنا كلها، عند تعاملنا مع الله ورسوله، ومع أنفسنا والناس جميعًا.

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة عملية فريدة كيف نرد الحقوق إلى أهلها ولو كانوا لنا ظالمين فحينما اضطره قومه للخروج من مكة مهاجرًا إلى المدينة كان عنده ودائع كثيرة لأهل مكة، لكنه لم يفعل كما يفعل بعض الناس فينتقم ويأكل أموالهم ويثأر لنفسه، وقد خرج في الخفاء مطاردًا، لكنه الأمين الذي لم يكذب ولم يخن في حياته قط، قال ابن إسحاق: «أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته».

إنه موقف عظيم يدعو للتفكر والتأمل.. ويا لها من أمانة يُؤدى منهم، وأي أذى!

يطلبونه، يريدون قتله، ومن قبل كذبوه

وناصبوه العداء بكل أشكاله ومع هذا لم يأكل أموالهم ولم يستحلها لنفسه تعويضًا عما لحقه من ضرر وكان بإمكانه أن يفعل كما فعلوا هم حين نهبوا أموال وبيوت المؤمنين المهاجرين انتقامًا وظلمًا وإرهابًا، وذلك بعد هجرتهم منها.

الصادق الأمين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقب في الناس بالأمين وشهد له أصدقاؤه وأعداؤه بذلك، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي.

وقال النجاشي للمهاجرين: «ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ فكان الذي کلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام «مسند الإمام أحمد».

مفهوم الأمانة

والأمانة ليست محصورة في الودائع كما يفهم البعض، بل هي مطلوبة في كل أمورنا، لذا ذكرت في القرآن كصفة من صفات عباد الله المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لَآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون:8)، قال القرطبي في تفسيره: الأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به. 

والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد. وقد أمرنا الله بأداء الأمانات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء:٥٨)، والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد المظالم والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري.

 وقال القرطبي: وتتناول كذلك من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى، وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القتل دعا النبي إلى التخلق بخلق الأمات في حياتنا اليومية ومعاملات في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال - كل شيء إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث واشد ذلك الودائع «ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية».

وعن ابن عباس: الأمانة في كل شيء، في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، ولم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة، وأن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار.

نقل الأمانة

قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السموات والأرض والجبال فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب:72)، قال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود.

وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة، قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً(الأحزاب:72)، في عاقبة أمره. 

وقيل: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا ويستأمنهن على الدين، فقلن: لا نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا قال: وعرضها الله تبارك وتعالى على آدم فقال: بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: «أما إذا تحملت هذا فسأعينك أجعل لبصرك حجابًا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك».

وكل الأقوال في الأمانة لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله تعالى.

الأمانة في حياتنا

دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخلق بخلق الأمانة في حياتنا اليومية ومعاملاتنا فيما بيننا.. من ذلك قوله: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»، «رواه الترمذي، وحسنه السيوطي»، وقال: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» «رواه أبو داود».

 وقال: «الخازن المسلم الأمين، الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به: أحد المتصدقين» «متفق عليه»؛ أي هو ورب الصدقة الذي أخرجها في الأجر سواء، وقال: «من غسل ميتًا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه «رواه أحمد».

 فلنتخلق بخلق الأمانة، وليكن لنا من حدث الهجرة دروس في الأمانة ولنعلم أنها ثقيلة وكبيرة ومتعددة وكثيرة، فعلمك أمانة، وعملك أمانة، والدعوة إلى الله أمانة وعباداتك أمانة، وجوارحك أمانة، جسمك وصحتك أمانة عقلك وقلبك أمانة، وقتك أمانة، وظيفتك أمانة حقوق الزوجين أمانة حقوق الناس أمانة الأخوّة أمانة المال أمانة الأعراض أمانة الكلمة أمانة المسؤولية أمانة تربية الولد أمانة اليتيم والأرملة أمانة المسكين والضعيف أمانة بلدك أمانة صوتك أمانة، شهادتك أمانة، ومجمل ذلك أن عمرك كله أمانة فانظر كيف تحفظه، وبماذا تعمره وفيم تصرفه.

----------------------------------

المصادر

١- فقه السيرة الشيخ محمد الغزالي ص ۱۷۱، دار الكتب الحديثة، الطبعة السابعة.

٢- تفسير القرطبي، تفسير الطبري، تفسير ابن كثير.

3- موقع «الإسلام دوت كوم».

 ٤ - موقع «المحدث».

5- موقع «الدرر السنية»، «الموسوعة الحديثية». 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

118

الثلاثاء 25-أبريل-1972

ربيع الخير والضياء

نشر في العدد 98

149

الثلاثاء 02-مايو-1972

أكثر من موضوع (98)