; المجتمع التربوي.. عدد 1150 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1150

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 16-مايو-1995

وقفة تربوية

التعامل مع المغالين

المغالي هو ذلك الإنسان الذي يتجاوز ما جاء به الشرع، ويحسب أن ما يقوم به هو عين الصواب مما يسبب نفور الكثير من الناس عنه حتى من أقرب الناس إليه، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى سقوطه، وعودته للباطل، بسبب معاندته للفطرة، ومشادته للدين، وعدم الدخول فيه برفق وما شاد الدين أحد إلا غلبه.

 ولمثل هؤلاء معاملة من نوع خاص حتى تنجح في معالجتهم، فلا ينبغي التربيت على ظهورهم، ومجاملتهم، والسكوت عن مغالاتهم. 

بل لا بد من مجابهتهم بخطئهم، ومصارحتهم إنقاذاً لهم قبل السقوط أو الانحراف الشديد عن المنهج الوسط وعندما تقوم بمثل هذا قد تسمع منهم كلاما جارحا وتعاليا عن النصح وإصراراً على الخطأ، ولكن لا بد لنا من القيام بهذا الواجب درءا لمفسدة قد تجر بحراً متلاطما من الفتن عند السكوت عنهم، ولقد حدث للإمام الأعمش مثل ذلك ولكن تحمله.

 ورد عليه بما يتناسب مع عناده وإصراره، فقد صلى في مسجد قوم فأطال بهم الإمام، فلما فرغ قال له يا هذا لا تطل صلاتك، فإنه يكون خلفك ذو الحاجة والكبير والضعيف قال الإمام وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فقال له الأعمش أنا رسول الخاشعين إليك إنهم لا يحتاجون إلى هذا منك (1) 

ومثل هذا الموقف الحاسم مع المغالين وقفه واعظ الرشيد أبو السماك قائلا لمن يلبسون الصوف إظهارا للزهد، وكانت تلك الظاهرة قد. انتشرت في ذلك العصر والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد هلكتم (۲)

 إن حركات متطرفة كثيرة سفكت الدماء. وأحدثت فتنة لم تهدأ حتى الآن، إنما كان السبب الرئيسي في زيادتها وانتشارها عدم الوقوف في وجوه مبتدعيها من المغالين فزادت بدعتهم وغلوهم مع الأيام متصاحبا مع هوى في النفوس، وظلم من الحكام. (۲۰۱) العقد الفريد ٢/٣٧٣. 

 

من أخلاق الكرام

 وتعطي من حرمك

بقلم: محمد الجاهوش

روى علقمة بن وائل عن أبيه أنه وفد على رسول الله فأقطعه أرضا، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليعرفه بها.

 قال: فقال معاوية أردفني خلفك. 

فقلت: إنك لا تكون من أرداف الملوك.

 قال: أعطني نعلك أتقي الرمضاء

 قلت انتعل ظل الناقة

 فلما استخلف أتيته، فأقعدني على السرير، فذكرني الحديث، فقلت في نفسي: ليتني كنت حملته بين يدي. رواه الإمام أحمد في مسنده، بسند حسن (٣٩٩/٦) 

لا يبقي تقلب الجديدين شيئا من الدنيا على حاله، فالأقدار ماضية في حياة الناس رفعا وخفضا، عطاء ومنعا عزا وذلا. فلا يستغربن عاقل تبدل الحال ولا تقلب الدول، فبذلك جرى القلم، وسبق الكتاب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨).  وإلا فمن ذا الذي كان يدور في وهمه أن يصبح الطلقاء وأبناؤهم سادة الدنيا، وقادة الأمم، ويعتلي عرش الخلافة من وصفه النبي بأنه صعلوك لا مال له، يأنف الكبراء من إردافه على رواحلهم، ويضنون أن يعيروه نعلا تقي قدميه حرارة الرمضاء، ويكون أقصى إكرامه السماح له بانتعال ظل الناقة وما أحسبهم بمانحيه هذه التكرمة لولا حاجتهم الآتية إليه. ولو علموا ما خبأت له الأقدار لوهبوه الناقة برحلها، ولساروا في ركابه حفاة يقونه من الحر والقر.

 إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا 

                              من كان يصحبهم في المعشر الخشن 

وتأمل - أخي - موقف أمير المؤمنين معاوية كيف أكرم من بخل عليه، وأدنى من أبعده وجافاه، وما كان تذكيره إياه إلا إظهارا لجميل فضل الله ومنته فيما آل إليه ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحدِّثْ﴾) الضحى: ١١)

 ولكن أنى لبشر أن يرى ما غاب عن ناظريه، فضلا عن معرفة ما طوي من الغيب أو خفي من الأقدار؟ نعم.. لقد جرت المقادير بما لم يكن في حساب أحد أبدا، حيث لم تمض ثلاثون سنة وهي فترة وجيزة في عمر الأمم - حتى كان معاوية - رضي الله عنه - خليفة المسلمين وأمير المؤمنين يسوس الملك ويصرف الأمور، ويعقد الألوية، ويسير الجيوش ويفتح البلاد، كلمته الأولى في كل شيء، ولا صوت فوق صوته أبدا. خضعت لدولته الحواضر والبوادي في مصر والشام والجزيرة، واليمن، وفارس والروم، وسير الصوائف والشواتي، حتى أسوار القسطنطينية. خراسان، وإلى الخضراء كان يفد الملوك والسفراء، من شتى أنحاء الأرض يعلنون الولاء، ويتلطفون في عرض المطالب. 

وهكذا أقبلت الدنيا على المحرومين فعاشوا في جنات الشام، وأنهارها، وفي ربوع مصر والعراق وخيراتها، ملوك الدنيا وسادة الأمم، وانتهى إليهم تصريف الأمور في طول البلاد وعرضها، لا يرفض لهم طلب ولا يعصى لهم أمر، ولا يرد عليهم قول: 

إذا ادعوا جاءت الأيام مقبلة

       وإن دعوا قالت الأيام آمينا 

صفا دهرهم، وحلا عيشهم، وذاقوا من أفاويق الدنيا حلاوتها، ولذاذاتها، وغمرهم النعيم في بلاد مستحسنة، وزمان يشبه في الحسن البلاد، ويربو عليها.

حدث زياد الحارثي، قال: شربت عند يزيد بن معاوية شرابا لم أسلسل مثله فسألته عنه، فقال: رمان حلوان بعسل أصبهان، بسكر الأهواز، بزبيب الطائف بماء بردی، فسبحان من يورق الصخر لأقوام ويجري بلاقعهم زلالا سلسبيلا، ويبتلي آخرين حتى يظلم نهرهم، وتضيق مذاهبهم. وتبقى سنة التغيير، وتبدل الأحوال ماضية في حياة الناس. فبينما المرء يرفل بزينته، ويزدهي بقوته ثاني عطفه تيها وكبرا إذا به مسلوب العافية، معدوم النعمة تزدريه الأعين، ويدفع بالأبواب، وبالأمس كان ملء السمع والبصر!! وآخر أتته الدنيا على غير ميعاد، وأقبلت بزينتها – تخطب وده، بعد تمنع ونفار وتدخل حماه دون طلب ولا استئذان إنه قدر جار، وفلك دائر، والمرء بينهما يتقلب من حال إلى حال.. 

 

خواطر على الدرب:

النفوس الحية

إن تبلد الإحساس بما يجري في واقع الحياة لبعض الدعاة لهو أمر خطير يحتاج منا إلى وقفة جادة تقييمية لحالنا، ولعل السبب في ذلك هو كثرة العراقيل والإحباطات التي تصيب دعاة الحركة الإسلامية، وما هذه إلا سنة الحياة الكونية فالصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة، فكما يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (صحيح مسلم) فلا تضركم يا دعاة الخير تلك الهتافات المعوقة أو الشعارات الزائفة لدعاة الباطل، ولكن ليكن شعاركم دائما إن لم يكن بك علينا غضب يا رب فلا نبالي، فنحن بحاجة إلى دعاة شغلهم الشاغل هو الدعوة إلى الله، ينطلقون انطلاقة مشرقة مبصرة ليحملوا الدعوة على أكتافهم ويكونوا على قدر المسئولية لينالوا الأجر الوفير من ربهم سبحانه، ولنستمع إلى قول الإمام حسن البنا - رحمه الله - وهو يخاطب الدعاة فيقول:

 (نحن نريد نفوسا حية، قوية، فتية وقلوبا جديدة خفاقة غيورة ملتهبة، وأرواحا طموحة، متطلعة، متوثبة تتخيل مثلا عليا وأهدافا سامية، لتسمو نحوها، وتتطلع إليها ثم تصل، ولا بد أن تحدد هذه الأهداف، ولا بد أن تنحصر هذه العواطف والمشاعر، ولا بد من أن تركز حتى تصبح عقيدة لا تقبل جدلا ولا تحتمل شكا مريبا، وبغير هذا التحديد والتركيز ستكون هذه الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء لا ضوء له ولا حرارة فيه) الرسائل ص (۲۳۳). 

 نعم.. هذه هي النفوس الحية التي تكون سعادتها بسعادة الآخرين وهمها رضى ربها وخالقها عليها وراحتها عند أول قدم تضعها في الجنة، وإدراكها لمعنى الحياة يتمثل بقول الشهيد سيد قطب - رحمه الله - حين يقول: عندما نعيش لذواتنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نحن وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا، أي نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض. (أفراح الروح)

نعم أيها الداعية عش لغيرك تعش سعيدا، وتمت كبيرا، فراجع نفسك وخطط لمستقبلك الأخروي، وفكر جيدا، وسر على بركة الله ليحفظك بحفظه ويرعاك برعايته سبحانه..

خالد علي الملا 

 

النافذة التربوية

المربي

يقول الشيخ جمال الدين القاسمي في مقدمة كتابه «موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين» مبينا لنا صفات الداعية ووظيفته في هذه الحياة أتدري من المذكر أو الواعظ أو المرشد؟ هو إنسان حافظ لحدود الله قائم على إرشاد العقول، وتهذيب النفوس، وتثقيف الأذهان، وتنوير المدارك، وتصحيح المعتقدات، وإبانة سر العبادات، وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة وتراث الضلالة. المذكر وارث محمدي، واقف على مقاصد التشريع وحكمته عالم لمواضع الخلاف والوفاق، سائس لسامعيه بما يلائمهم من الأحكام لا يصعد بهم قمم الشدة والتعسير، ولا يهبط بهم إلى حضيض الترخيص غلواً في التيسير، بل يسير بهم على جادة الحق وسواء السبيل. المذكر ينشر العلم النافع بين الناس، ويحثهم على العمل به ويخاطبهم على قدر عقولهم، ويتنزل لإرشادهم إلى لغتهم، يعاشر بالنصح ويخالطهم لتأليف قلوبهم. المذكر هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وتحريرهم من رق الخرافات والوهم، وهو كالسراج، فإذا لم ينتفع بضوئه فلا فائدة من وجوده، وحق ما قيل: «لا يكون العالم عالماً حتى يظهر أثر علمه في قومه» إذ ليس مسئولا عن نفسه وحدها بل عنها وعن عشيرته وأمته، فمن الواجب عليه أن يعلم ويعظ ويبلغ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عبد اللطيف الصريخ  

الرابط المختصر :