الثلاثاء 04-أغسطس-1970
أوقفوا الحجر السياسي على عقول المربين وتلاميذهم
الخوف من المجهول، من لا شيء يلاحقنا دائمًا يتتبعنا في كل مكان، يجعلنا نحجر على عقول الناس، على أفكارهم، نكمم أفواههم، نريد منهم أن يكونوا أدوات، مجرد أدوات، بلا رأي، بلا نظر، تنفذ ما يطلب منها وتسير وفق خط مرسوم كما يسير القطار على خط مرسوم لا يحيد عنه ولا ينحرف شاءت، أم أبت بإرادتها أم برغم أنفها، وإذا كان القطار لا يفهم ولا يعي لكثرة ما اعتاد على السير في خط واحد، فإنه إذا حاد يومًا عن الطـريق فسيأتي بالخراب والدمار، والتشتيت والضياع، ولا يمكن إعادته بعد ذلك إلى خطه بعد فوات الأوان.
في مدارسنا نصر على المدرسين أن ينصرفوا إلى العلم، وإلى العلم فقط، إلى الحساب، إلى الجبر، إلى الطبيعة، إلى اللغة، إلى أن ١+١=٢ إلى كل هذه الأشياء التي في الكتب، ثم نصر عليهم أن يديموا النظر فيها، ولا يرفعوا أعينهم عنها، وأن يظلوا مكبين عليها، لا يهمهم سواها، فإذا نظروا حولهم قلنا لهم، لا! إلى كتبهم فانظروا، وعلى كراريسكم فاعكفوا، وليس لكم شأن فيما يدور حولكم فهذا ليس من اختصاصكم، فأنتم عبيد للقلم والقرطاس والدواة من النحاس، نكتب لكم فتقرأون ونؤلف لكم فتتعلمون.
ممنوع الكلام في السياسة:
يأتي المدرس إلى مدرسته فيشترط عليه أول ما يشترط أن يبتعد عن الـكلام في السياسة، فليس له دخل فيها، ولا يعنيه شيء في شئون المجتمع ولا في مذاهبه واعتقاداته، فعليه أن يغلق فمه عن الكلام في هذه الموضوعات ويصم أذنه عن سماع هذه الأخبار.
وأي سياسة هذه التي يمنعونه عنها؟ أهي سياسة اليابان أو الصين؟ أم هي سياسة أمريكا أو الاتحـاد السوفيتي؟ لا، فهؤلاء بعيدون عنا والتحدث عن سياساتهم لبلادهـم مسموح بالقدر الذي لا يمسنا ولا يتطرق إلينا وفي ماعدا ذلك فلنتكلم كما نشاء ونفند آراءهم كما نريد، فإذا أقمنا قيامتهم أو أقعدناها فنحن من ذلك في اطمئنان، أما سياسة البلد الذي نعيش فيه وشئون المجتمع الذي نحن من أفراده والمذاهب والاعتقادات التي نلمسها في نواحيه فمحظور التحدث فيها حتى لا يزوغ اللسان ويفتقد الأمان.
لا يمكن لإنسان أن يجـد مبررًا لهذا السجن الفكري الذي يعيشه المدرس والتلميذ معا، والخوف الذي يسيطر على المسئولين من حـديث الأساتذة والتلاميذ في السياسة هو خوف وهمي، إذ ليس معنى الحديث في السياسة أن تنسف الأوضاع القائمة ولا معنى الحديث في السياسة أن تهاجم الحكومة بغير وجه حق وأن تقوم المظاهرات لإحداث البلبلة والقلاقل، وأن تنتشر الفوضى في طول البلاد وعرضها، ولكن المقصود بهذا الحديث ألا يعيش الأستاذ المربي والتلميذ الناشئ حياة منعزلة تمامًا عما يجري في البلد الذي يعيش فيه فلا يكون لهم رأي في شيء ولا يوجهون توجيهًا معينًا ولا يرشدون إلى الخطأ والصواب فيما يدور حولهم.
موطن الداء:
إننا إذا كنا نخاف من أن الانحراف الفكري الذي يعشعش في أذهان بعض مدعي التربية التي نجلب منهم الكثير إلى بلدنا، سينتقل إلى أذهان التلاميذ، وأن هؤلاء المعلمين المنحرفين سيؤدون إلى انحراف التلاميذ وسيجرونهم إلى الهاوية ويودون بهم إلى الخراب والتدمير ويحملونهم على الفوضى والاضطراب، فإن العيب حينئذ لا يكمن في الفكرة، ولكن يكمن في القائمين عليها.
إن فكرة الكلام في سياسة البلد أمر حيوي وضروري لكل من المربي والتلميذ.
حسن الاختيار:
إن واجبنا أن نختار المربي الذي يؤمن بالله ويؤمن بالإسلام عقيدة وسلوكًا ويكون قدوة لتلاميذه في كل شيء ويقوم على تنشئتهم تنشئة صالحة ويوجههم توجيهًا سليمًا ويجدون كل شيء من هذه الأشياء منفذًا في حياته هو.
إننا لا نريد المربي الذي يقول لتلاميذه «إن الناس قد وصلوا القمر ولا زلنا نحن نقرأ القرآن» إن الخمر حلال وهو يعاقرها وأن الدين الإسلامي ناقص لا يصلح كنظام حياتي كما حدث في مدارسنا الثانوية.
لا نريد من المدرس أن يوجه التلاميذ إلى الصلاة في المسجد ويترك هو الصلاة، أن يمنعهم من التدخين وهو يدخن، أن يرشدهم إلى لباس المرأة المسلمة ويخرج هو مع زوجته كاسية عارية، أن يرشدهم إلى حرمة الخمر ويعاقرها هو، أن يمنعهم من الكذب ويمارسه هو، أن يدعوهم إلى الأخلاق الكريمة وهو أحط الناس خلقًا.
إن أمام وزارة التربية الفرصة لاختيار المدرس المؤمن صاحب الخلق الكريم وذلك باعتماد رجل مسلم يوثق بدينه وبصلاحه في كل بلد يجلب منه المدرسون فيقوم هذا الرجل بالتحري عن كل مدرس ترشحه الوزارة ويزكيه من حيث خلقه ودينه إنها مسئولية كبرى تقع على عاتقنا لأجيالنا فإن قمنا ربها خير قيام ارتاحت أنفسنا وسعدت أجيالنا وضمنا أجيالًا عالمة عاملة تنهض بالأمة وتحقق لها المجد وترفع من شأنها وتصون استقلالها ونكون بذلك سباقين إلى كل خير.
إن واجبنا إذا كنا نسعى إلى الخير فعلًا أن نقوم بكل دقة وإخلاص على اختيار المعلم المربي الصالح وأن يكون هذا الصلاح أول شيء نطلبه ونتحرى عنه قبل الشهادات العلمية والتربوية وشهادات الخبرة، فإذا أحسنا اختيار المربي، فإن لنا بعد ذلك أن نطمئن على أجيالنا من كل زيغ وانحراف، وحينئذ نترك للمعلم حرية التوجيه والكلام بل نطلب منه أن يقوم بتوعية تلاميذه توعية هو يؤمن بها ولا تحقق إلا الخير، ولنترك له أيضًا أن يقول عن الخطأ هذا خطأ وعن الصواب هذا صواب، وأن المنهج السليم هو كذا وأن السبيل القويم هو كذا، ويومئذ نكون قد أخرجنا أجيالنا من دائرة الحبر والورق التي نحاصرهم فيها.
أجيال الخوف:
إن الأجيال التي تربى على الخوف من التدخل في شئون بلادهم ونقد الأوضاع التي يعيشون فيها بحيث لا يهتمون إلا بأنفسهم ولا يفكرون إلا في ذواتهم بحجة الاهتمام في الدراسة فقط وأن حياة التلميذ تنحصر بين دفتي الكتاب وأنه يجب ألا يهتم إلا بمستقبله وبالإعداد لوظيفة كبيرة يشغلها ومنصب فخم يسعى إليه ومكتب عريض يتصدره، إن مثل هذه الأجيال لا ننتظر منها حين تمارس الحياة العملية إلا الجبن والخوف الذي تربت عليه ولا ننتظر منهم إلا الأنانية المفرطة وحب الذات والسعي في سبيل الكسب وتضخيم الثروة الشخصية، ولا يمكن أن ننتظر منهم غيرة اجتماعية وغيرة على مصلحة الأمة وسعيًا مخلصًا لتقدمها وازدهارها وحرصًا على عزتها وكرامتها، لأنهم لم ينشئوا على هذا ولم يربوا إلا على الاهتمام بأنفسهم فقط.
خطر مباشر:
وربما لم يبد الخطر واضحًا جليًا على البلاد من هؤلاء الأنانيين لأن أثرهم في تدمير المجتمع وتبديد ثرواته أثر سلبي قد لا يدركه بعض الناس وقد لا يقدرون خطره حق قدره إلا أن الخطر كل الخطر في فئة إيجابية أخرى تسللت إليها في الظلام مبادئ هدامة وإلحاد مغلف بالعلمانية وأساليب خبيثة زينها لهم دعاة انحلال وزيغ وأرباب فوضى واضطراب لاقتلاع جذور الأمة من الأساس وقلبها رأسًا على عقب ولتدمير كل خير ممكن أن تزرعه الأيدي النظيفة وإبادة كل فسيلة طرية من غرس طيب غرستها الأمة.
فإذا وجدنا هذا الشوك الخبيث متناثرًا في مسيرتنا يهددنا ويتوعدنا ويدعو علينا بالشر المستطير فلا نلوم إلا أنفسنا لأننا كنا السبب في ترك الأمور تسير وفق الأهواء ولم نهتم في تخير من يحسنون نعم التوجيه ويبتغون مرضاة الله في التربية والتعليم فهلا حررنا عقول أبنائنا وهلا اخترنا لهم الصالح من المربين لنأمن على القطار من الانحراف وحتى لا يدمر كل شيء.
أبو وائل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل