العنوان المجتمع التربوي (1362)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999
مشاهدات 54
نشر في العدد 1362
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 10-أغسطس-1999
▪ وقفة تربوية.. الكيف قبل الكم
میزان الله سبحانه وتعالى يختلف عن موازين البشر، فقد يكون العمل قليلًا فيدخل صاحبه الجنة، أو يكون من آخرين كثيرًا، ولكنه يدخلهم النار، والفيصل في ذلك هو نوع العمل الكيف وليس الكم.
ولقد حدثنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك الرجل الذي يأتي يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة بيضاء فينسفها ربي. نسفًا والسبب في ذلك أنه كان إذا خلا بمحارم الله انتهكها، أي لم يكن ذلك العمل الكثير الذي أتى به خالصًا لوجه الله تعالى.
وعندما تصفو الأعمال لله وحده، فإن الله يبارك فيها، وإن كانت قليلة، وينصر القليل على الكثير عندما يرى الإخلاص ونقاء العمل، لكنه يقدر الهزيمة على الكثيرين عندما يختلط عملهم، وتشويه الشوائب.
ولقد اشترط الله تعالى الإخلاص وهو نوع العمل، لقبول العمل، ولم يشترط كثرة العمل في قبوله.
يقول التابعي الجليل محمد بن كعب القرطبي: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة:1) أو «القارعة» لا أزيد عليهما، وأتفكر فيهما، وأتردد أحب إلي من أن أهز القرآن هزًّا، أو قال انثره نثرًا» «صفة الصفوة 2/133».
فليست العبرة بختم القرآن وإنما بالتفكر في آيات الله تعالى، فإنه لا يغير هذه النفس ويقربها إلى الله مثل التفكر في هذه الآيات، وهو نوع من الاهتمام بالنوع لا بالكم، وما هذا التراجع الذي كانت تعانيه الحركة الإسلامية أحيانًا إلا بسبب اهتمامها بالكم على حساب الكيف.
أبو خلاد
▪ تلاميذ في مدرسة الرسول ﷺ.. صنع النبي محمد ﷺ تلاميذ مصابيح اهتدت بها البشرية في ظلماتها
● أبو بكر التلميذ الأول: أول من آمن من الرجال.. وأكثر من لازم النبي ﷺ في حياته.
● صدّق الرسول ﷺ في حادثة الإسراء.. وخرج معه في الهجرة..وثبت المسلمين لحظة وفاته.. وحمى الإسلام بمعارك المرتدين ومانعي الزكاة.
كثيرًا ما سمعنا وقرانا عن الأساتذة والمعلمين والمصلحين ولا يختلف اثنان على أن الأستاذ العظيم هو الذي يستطيع أن يصنع تلامذة عظامًا.. والقارئ المنصف لسيرة النبي ﷺ- أيًّا كانت عقيدته- يستطيع أن يرى كيف صنع محمد ﷺ بهذا الدين الجديد كل هذا العدد الضخم من التلاميذ.
هؤلاء الذين تتلمذوا على يديه كانوا نماذج رفيعة للقادة والمحاربين وكانوا أمثلة عالية للزعماء والمصلحين فابو بكر وعمر وعلي، وأبو عبيدة، وخالد، وعشرات وعشرات تغيرت بهم معالم التاريخ وارتفعت البشرية بقيادتهم وزعامتهم إلى قمة سامقة، ستظل البشرية ترنو إليها لتصحيح مسارها كلما ضل بها الخطو أو انحرفت بها السبل.
في هذه السطور نحاول أن نلقي نظرة تأمل في بعض جوانب العظمة في تلميذ من تلامذة محمد المربي والمعلم العظيم.
كان أبو- بكر رضي الله عنه- أكثر من لازم النبي محمدًا الله وأخذ منه، وتلقى عنه، وأشربت روحه حلاوة هذا الدين وقد كان- كما تقول كتب السيرة- أول من أمن به من الرجال، بل أن المتصفح لآيات القرآن الكريم سيلفت نظره هذا الوصف الذي استأثر به أبو بكر- دون الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- بالصحبة والرفقة لسيد البشرية ورسول الله إلى العالمين ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ أن اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة:40).
الصديق والصاحب
كان- رضي الله عنه- جديرًا بهذه المكانة... مكانة الصاحب لمحمد صفوة خلق الله أجمعين.
ولقد جاء أبو بكر- حين أخذ المسلمون يهاجرون من مكة فرارًا بدينهم- يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فماذا قال له الرسول ﷺ: «ولا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا».. لقد اختار رسول الله أبا بكر دون غيره ليكون رفيق الرحلة إلى المدينة، وهو اختيار له معناه، وقد كان أبو بكر أسرع الملبين لدعوة الإيمان، وها هي شهادة أخرى لرسولنا الكريم، إذ يقول: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ما عكم- أي ما انتظر وتردد- حين ذكرته له وما تردد فيه».
حادث الإسراء: وموقف آخر يتجلي فيه حب أبي بكر وتصديقه الكامل للرسول ﷺ ذلك في حادث الإسراء، فقد أخبر الرسول أهل مكة بأنه أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه صلى هناك، وهنا انبرت قريش وراحت تحكي الأمر في ريبة واستهزاء وتقول: «هذا والله الأمر البين والقول العجيب إنا لنضرب أكباد الإبل شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرًا من الشام إلى مكة مقبلة، ويزعم محمد أنه ذهب إليها وعاد في ليلة».
وهزت القضية قلوب البعض، وتحركت في بعض نفوس المسلمين الريبة، وذهب بعض المشركين إلى أبي بكر يقولون: أرأيت ما يقول صاحبك؟ قال: ما يقول؟ فحكوا له فقال: إنكم تكذبون عليه. قالوا: بلى، ها هوذا في المسجد يحدث الناس فلنسمع إلى إجابة أبي بكر الذي أمن عن يقين قلبي، واعتقد عن اقتناع عقلي كذلك: «والله لئن قال فلقد صدق إنه ليخبرني بالخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه»..
ويا عظمة منطق التلميذ الذي آمن بأستاذه.. إنه آمن برب محمد الذي خلق الخلق، وفطر السموات والأرض، أفيعجز أن يصنع بمحمد ذلك؟ إنه ليخبرني بالخبر يأتيه من السماء إلى الأرض فأصدقه فهذا أعجب مما تعجبون وصدق الصديق.
دموع الهجرة
كثير من الناس يؤمنون بالزعماء ويعجبون بهم فيصحبونهم ويمتدحونهم، وهو إعجاب ممزوج في أكثر أحيانه بالمنفعة الشخصية، أما أبو بكر فأين كانت مصلحته ومنفعته يوم أمن بمحمد ﷺ، وهو يتعرض لأذى قريش؟ وأين كانت منفعته يوم هاجر معه؟
لقد كانت قريش تتربص بمحمد ﷺ، وقد اجمعت على قتله ورصدت مائة بعير لمن يأتي به حيًّا أو ميتًا.. تُرى من يرضى في هذه الظروف العصيبة بأن يصحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الطريق وهو مهاجر فرارًا بدينه والأعداء به متربصون ولحركاته بترصدون؟!
لكن أبا بكر الصديق الصدوق كان يتمنى أن يكون زميل الهجرة مع أستاذه ونبيه المطارد في عقيدته.
يقول ابن إسحاق: «كان أبو بكر- رضي الله عنه- رجلًا ذا مال فلما استأذن في الهجرة قال له رسول الله ﷺ: لا تفعل لعل الله يهيئ لك صاحبًا.. وطمع أبو بكر يومذاك بأن يكون رسول الله يعني نفسه.. ولم يخف أبو بكر.. ولم يرتعد لأنه سيكون مع النبي والخطر به محدق وكيد الأعداء به محيط، تقول عائشة- رضي الله عنها- أتانا رسول الله ﷺ في الهاجرة «أي زارهم في وقت اشتدت فيه حرارة الشمس» في ساعة لا يأتي فيها، فأخبر أبي بأن الله قد أذن له في الخروج والهجرة قالت: فقال أبو بكر.. والصحبة یا رسول الله؟ قال الصحبة، قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم بأن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي»
لقد أدرك الصديق أن نجاته الحقيقية إنما هي في اتباع محمد ومصاحبته وأدرك بقلب المؤمن الصادق أن الهلاك كل الهلاك في أن يتخلف. ويا لصدق اليقين، وبالروعة الإيمان.
.. وموقفان عظيمان
1. في وفاة الرسول ﷺ: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر فكان مما قاله: أن عبدًا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد. فبكي وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فلما توفي الرسول أفقدت الصدمة في نفوس الكثيرين من الصحابة رباطة جأشهم، وأطارت اتزانهم، ومنهم عمر الجلد القوي الذي راح يكذب من قال أن الرسول ﷺ مات.
ولكن أبا بكر– بعد أن تيقن الخبر– يذهب إلى المسجد حيث اجتمع الناس واضطربوا.. يقف في رسوخ الجبل الأشم ليقول قولته الخالدة: «أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، ثم يتلو على مسامع المسلمين هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).
ويتذكر المؤمنون الآية، ويعود إلى الصفوف المؤمنة الحزينة تماسكها.
2. حروب المرتدين ومانعي الزكاة: وتعرض المسلمون لمحنة أخرى حين ارتد قوم عن الإسلام، وحين منع الزكاة آخرون، ووقف أبو بكر الخليفة الأول، وقف يقول: «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم على منعه» ويتردد عمر ويخشى أن تثور فتنة وأن تسفك دماء، ولكن إصرار أبي بكر وهو يقول العمر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»، يدفع عمر إلى التفكير، ثم يقتنع بما رأى أبو بكر ويقول من بعد: «فو الله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق».
ولولا فضل الله ثم وقفة أبي بكر هذه لاشتعلت نار الفتنة وامتدت ولاهتزت العقيدة الناشئة، ولولا انتصاره في حروب المرتدين ومانعي الزكاة لما استطاعت جيوش المسلمين أن تمتد جحافلها إلى العراق والشام لتقوض صروح الظلم في فارس والروم.
وسام الاستحقاق
ترى هل نستطيع أن ندرك- بعد هذا الاستعراض السريع- لماذا استأثر الرسول الكريم أبا بكر بهذه المنزلة الكريمة.. وهذا الحب.. وهذه الثقة؟ هذه الثقة الغالية وهو يقول للناس: «دعوا أبا بكر فليصل بالناس»
وهذا الحب الذي يعبر عنه رسولنا بقولته الصادقة: «لو كنت متخذًا من العباد خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا».
إنها كلها أوسمة- وليس وسامًا واحدًا – نالها أبو بكر عن جدارة واستحقاق.
ولقد قضى أبو بكر في الخلافة الراشدة أقل من ثلاث سنوات كانت قليلة في عمر الزمن ولكنها كثيرة ومديدة في ميزان الأحداث العظام.
عثمان محمد عثمان
▪ تمشي ولا تعتبر
الكثير منا يكون له برنامجه اليومي ابتداء من صلاة الفجر ثم الدوام الرسمي، وقضاء الحاجات، وإنجاز المعاملات سواء في وقت الصباح، أو إذا أمسى إلى أن ينتهي به الأمر إلى المرقد عند النوم.
ونسير بالسيارة وينسى البعض أنها نعمة تحتاج إلى شكر وتأدية حقوق المنعم، فهل تخيل أحدنا يومًا أنه زالت عنه هذه النعمة فأخذ يمشي على قدميه لإنهاء ما يلزمه من أمور والانتهاء من برنامجه اليومي؟
فحري بنا إذن أن نشكر هذه النعمة، وهي بين أيدينا، لكي لا تزول.
وهذه النعمة مثال بسيط على نعم الله الكثيرة التي لا نشعر بها، فلابد للمرء في سكونه، وحركته، وجلوسه وقيامه... إلخ، أن يشكر نعم الله عليه وتأدية الفرائض والتزود بالنوافل كي تدوم نعم الله.
وكثير من هذه النعم في الكون هي لمن أراد أن يعتبر، وعلى سبيل المثال، هناك نعم في صلب كل منا حباها الله تبارك وتعالى ذوات أنفسنا كما ذكر عز وجل في كتابه: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: 23).
ومن نعمه تعالى أن خلق الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: 5).
والعبرة من خلق الأنعام- من الجمال والأبقار والأغنام، وكذلك الخيل والبغال والحمير- هو أن يحقق ذلك لنا المنفعة، وهو ما يتناسب مع طبائعنا، وتكويننا: ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النحل: 8:5).
إن نعم الله علينا كثيرة لا تُحصى ولا تُعد ويجهد المرء في إحصائها، ومن هنا لزم أن نسخرها في طاعته، وأن نبتعد عن كل ما يؤدي إلى زوالها، وفقدانها.
وأخيرًا لا بد من أن نسير ونعتبر في هذا الكون، وأن يكون لكل واحد فينا خلوات يخلو فيها مع ملكوت الله بحيث نعتبر بهذه النعم، ونستفيد من وجودها حولنا..
عبد العزيز الجلاهمة
▪ قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين.. وقفة للاعتبار.. على الأطلال
بقلم: د. حمدي شعيب
● حذفت القصة فاعل الدمار بجنة الكافر لجذب الانتباه إلى العامل الإيماني في الأحداث.
● واجه الكافر محنة ذهاب ملكه منفردًا مهينًا بعدما لم ينتفع بالنصائح واغتر بقوة الماديات.
● أي تيار يحمل الفكر العلماني المادي الدنيوي محكوم عليه بالزوال.
هذه الحلقة الأخيرة من السلسلة تتناول تحليل المشهدين الثالث والرابع من القصة، ويعرض الثالث مصير الكافر كما توقعه الرجل المؤمن، بينما يتناول الرابع التعقيبات القرآنية على القصة.
ومع هاتين الجولتين سريعتي الأحداث، نتوقف عند بعض الملامح التربوية في القصة من خلال نظرتنا المنهجية لها.
يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًاهُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا﴾ (الكهف: 44:42).
هذا المشهد يعرض حقيقتين جليتين:
الأولى: حقيقة الثمر الكثير، والزينة العظيمة والجنتين وكل الملك العريض، وقد دمر على آخره، وتحطم من كل جانب وزال منه كل شيء وأصبحت الجنة خاوية من كل نماء وفارغة من كل حياة.
والحقيقة الثانية: موقف الرجل الكافر، وقد وقف يقلب كفيه نادمًا آسفًا على حظه العاثر وجهده الضائع، وماله المحطم، وأخذ يتندم على إشراكه بالله ويعترف بربوبيته ووحدانيته، وقد أخذ يستعيذ من شركه، ولكن بعد فوات الأوان، ولم ينفعه صحبه، ولو كانت مع صالحين فلكل مصيره، ولكل شأن يغنيه، ولم ينفعه نصرة نصير أمام قدر الله سبحانه، وأمام التعرض لسننه الإلهية.
▪ شاهٌد... على عصره
عرض المشهد مصير الرجل الكافر، ولم يتعرض لموقف الرجل المؤمن، ولعلها لفتة طيبة تبين أن الرجل المؤمن قد عرض خطابه، وتوقع ما حدث لصاحبه، وانتهى دوره کناصح أمین ولو المخالفيه، لأنه الرائد الذي لا يكذب أهله.
وأمر آخر نستشعره، هو أن الله عز وجل يحفظ المؤمن بعيدًا عن مشهد الانتقام الإلهي والدمار والحطام ويبرأ به عن مواقف الندم والخسارة.
وصدق الرجل المؤمن في شهادته، وصدقه الحق سبحانه.
ولجلال موقف الشهادة، خاصة في الموقف يوم القيامة عندما يبعث الحق سبحانه من كل أمة شهيدًا عليها، وهو رسول كل أمة ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 41).
فإن المؤمن من هذه الأمة القوامة الراشدة يستشعر أنه مكرم من قبل الحق سبحانه بوضعه في المكانة الرائدة، بجعله من الشهداء على الناس ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: 78).
▪ تجهيل.. لمن يتجاهل
لقد بني الفعل للمجهول وحذف فاعله «وأحيط بثمره»، حتى «إن صاحب الجنتين لم يعرف الفاعل ولم يعرف السبب وذهبت به الظنون كل مذهب وليختلف المراقبون والمشاهدون والمحللون في تقدير الفاعل، وقليل منهم سيفطن إلى السبب الإيماني والعامل الرباني. وكما تبين فإن إسناد الأفعال إليه سبحانه في العطاء والإنعام كما في «وجعلنا»، فإنه ليس من المناسب أن يسند إذهاب النعمة وإزالتها عن صاحبها إلى الله، مع أن الله حكيم عادل في هذا الإذهاب، والله أعلم».
وهذا الملمح الطيب من شأنه أن يجعل قضية فقه السنن الإلهية من القضايا التي يحتكر فهمها المؤمنون.
وتدبر ما قيل عن حرب العاشر من رمضان فلقد شاط التيار المادي العلماني ولم يزل، ضد فكرة أن من عوامل النصر بعد العدة المادية- هو صدق اللجوء إليه سبحانه، وفي رأيهم أنما هو العتاد المادي والعدة التدريبية فقط، بل ويتهكمون على صيحة «الله أكبر»!
بل ويزيد التهكم عندما يسمعون أن الكوارث والزلازل، إنما تأتي نتيجة لما اقترفته أيدي البشر، ويغيب عنهم، هذه السنة الإلهية الاجتماعية، التي لا يفقهها إلا المؤمنون: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41)، وستظل هذه الحقائق، غائبة ومهمشة بل ومستهجنة من قبل التيار المادي العلماني، حتى يثوب أفراده إلى نهجه سبحانه.
▪ ضيق... وسعة
لقد عمم اللفظ القرآني كلمة ﴿مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ (الكهف: 42)، وجعلها «كلمة عامة شاملة لكل صور الاتفاق المادية والمعنوية أنفق عليها الكثير من المال أنفق عليها من وقته أنفق عليها الكثير من جهده البدني أنفق عليها الكثير من مشاريعه ومخططاته وبرامجه وخبراته أنفق عليها الكثير من أحلامه وخيالاته وآماله وأمنياته، وأنفق عليها حياته التي عاش من أجلها، وها هو كل ما أنفقه أمامه يراه ويتعامل معه، دمارًا وخسارة وفناء لذلك ندم ندامة بالغة، وأصبح يقلب كفيه، وهو يسترجع هذه النفقات، ويستحضر تلك الخسائر».
لقد اختار الرجل الكافر جنتيه، ورضي بأن تظل كل أحلامه مرتبطة بالأرض وثقلتها، بالطين ودونيته بالماديات والماديات فقط، حتى جاء الدمار لهذا المكمن الذي اعتز به واغتر به.
لقد اختار مستوى معينًا حصر فيه أحلامه وعاش له حياته، لقد اختار حدودًا معينة حصر فيها سعيه، وحصر فيها آماله ورتب عليها غاياته في هذه الحياة فاستحالت هذه النظرة إلى نوع من الضيق الشامل، وهو ضيق الدنيا، ذلك الضيق المادي استحال الذي عند الرجل الكافر بمرور الأيام وبطول المعاشرة إلى ضيق آخر ضيق فكري فأحدث في عقليته عملية ضمور شاملة وحركة استلاب مهينة، حتى إذا تحطمت تلك الغاية تحطم معها كل شيء.
ولو سمح مرة واحدة لأحلامه بالخروج من هذا الإسار المادي الرهيب وتخطي هذا السياج الذي بناه حول جنتيه، لكان لعقليته أيضًا أن تخرج من هذا الضمور الفكري، ولوجد البدائل فعندما يتحطم شيء سيجد العزاء في البديل الآخر، ولكنه استمراء ،الضيق، ولهذا كانت نهايته بمجرد نهاية جنتيه.
وتدبر كيف أن ربعي بن عامر، أراد ذات يوم أن ينقذ الفرس من هذا الضيق معلنًا لهم مهمة الأمة المسلمة الراشدة: «إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
فهي إذن دعوة لإعمار الدنيا والآخرة معًا، أو هي عملية انتشال من الضيق الشامل إلى السعة الشاملة الخالدة، ولكنها العقلية المادية التي نحصر نفسها في الدنيا وزينتها، وتستمرى الضيق المادي، وتعيش للأحلام الدنيوية، ولا ترى وراء الأفق كل الآمال في عيشة أبدية خالدة من جنة لا تعرف المحدودية جنة عرضها السماوات والأرض قد جهزها الحق سبحانه وأعدها لنوعية معينة من عباده، ثم دعا إليها بنداء علوي ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133).
وإنما هو الفرق بين الفكر المادي والفكر الديني.
ليس لي أرض وطين.. موطني حق ودين إنه نور مبين.. إنه بالله أكبر
▪ وقفة النهاية
لقد كان موقف الرجل الكافر في محنته موقفًا عصيبًا مهينًا، لقد واجه المحنة المدمرة منفردًا، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ (الكهف:43)، لقد كانت المحنة مضاعفة، فلقد ضرب بنصائح صاحبه المؤمن الأمين عرض الحائط واغتر بماديات لا تنفع حين لا ينفع الندم وواجه المصيبة وحيدًا من أي نصير، عاريًا من كل نصرة.
وإن كان مجرد الشعور بأن الله معك في السراء والضراء نعمة فأكرم بها من نعمة، تهون بجوارها كل النعم، وتتصاغر أمامها كل النقم.
ففي المحن وأمام الصعاب يعز المعين، ويندر الرفيق ويفتقد الصديق.
وإذا كان المعين هو الله فاكرم به من معين سبحانه، خاصة عند الصعاب، وأثناء المحن فهنالك تكون الحاجة لعونه سبحانه وتثبيته: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ (الكهف:44).
وهذه الوقفة القرآنية التي تجيء وكأنها استراحة قصيرة يستمتع فيها القارئ، وكل من يشاهد أحداث المشهد الثالث، مشهد المصير، بينما يقف على أطلال الجنتين، ويرى الكافر مكومًا مهمومًا محسورًا على إحدى تلال جنتيه، يستمع إلى تعليق خاطف ودرس سريع مجمل ومفيد.
▪ جوهر الصراع
ننتقل بعد ذلك إلى الجولة الرابعة التي تعرض التعقيب القرآني على القصة بقوله تعالى: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا﴾ (الكهف: 46:45).
وهي الجولة التي تأتي على هيئة فقرتين:
الأولى: عبارة عن مثل يضربه الحق سبحانه للحياة الدنيا، فهي عبارة عن مرحلة قصيرة زائلة سريعة الهلاك، فهي كماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل ولكن يختلط بنبات الأرض والنبات لا يجد الفرصة للنمو ولا للنضوج، وفجأة يصبح هشيمًا، عشبًا يابسًا مقطعًا، لا يقوى على الصمود أمام الرياح، فتسفه وتفرقه في الفضاء ولقد جاءت «الفاء» التي تفيد الترتيب مع التعقيب الفوري السريع، لتؤكد سرعة زوال الحياة.
ومن وراء الأحداث تبدو القدرة الإلهية تحرك الجموع والوجود، وكأن الخلق مجرد ستار لأقدار الخالق.
ويأتي هذا المثل، تعقيبًا على قصة صاحب الجنتين، وما حدث له ولجنتيه، ولأماله، ولغاياته.
ويؤكد أن أي تيار يحمل الفكر العلماني المادي الدنيوي الدوني، محكوم عليه من قبل الحق سبحانه بالزوال والدمار ولو تلألأ لسويعات، ولو تحكم لمراحل حياتية دنيوية زائلة.
والفقرة الأخرى: تأتي قانونًا قرآنيًّا عامًّا، وسنة إلهية ثابتة وكأنها عملية تركيز لأهداف القصة: المال بأنواعه، وصوره والبنون، زينة لهذه الحياة الدنيا، عبارة عن قشرة خارجية تطلى بها فيفتن من يفتن ويثبت من يثبته الحق سبحانه ولا يدرك الحقيقة وجوهرها إلا من يرى بنور الله.
والمنهج الإسلامي منهج الخروج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فهو لا ينهى عن الخروج الأول، الخروج إلى سعة الدنيا، كما أنه لا يهمل الخروج الثاني، إلى سعة الآخرة، والعمل لها، لذا فهو يعطي هذه الزينة الدنيوية قيمتها التي تستحقها على أساس ميزان الخلود میزان السماء ميزان الآخرة.
والقيمة الحقيقية هي للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات، وهو توجيه علوي كريم إلى التمتع بزينة الدنيا، بحيث لا تهمل الباقيات الصالحات التي هي منهج الخير الذي يتحرك به المسلم في حياته، لأنها خير أثرًا، وخير ما يعمل له العاملون وهي الأبقى.
فهي الباقية حياتيًّا، فيراها المسلم في نفسه مسيرته الحياتية ويستشعر أثرها في وفي أسرته في زوجته وفي ذريته، وفيمن حوله في علاقاته، وفي دعوته.
وهي الباقية أخرويًّا، فتؤهله إلى الخلود والبقاء السرمدي في جنة رب العالمين.
وتأتي هذه السنة الإلهية تلخص منهج الرجل الكافر، ونظرته للحياة ومنهج الرجل المؤمن وفكرته ونظرته للحياة، وتؤكد الفرق بين الزينة الزائلة والقيم الباقية، والفرق بين التيار الزائل والتيار الباقي، والفرق بين الزبد الذي يذهب جفاء، وما يمكث في الأرض ليعمرها بالخير والصلاح والنماء، لنفع الناس كل الناس.
فلقد زال الرجل الكافر، وزال عتبة بن ربيعة وزال من يمثلونه من تيارات مادية لا دينية، في كل عصر وفي كل أرض.
وبقي الصالحون في كل عصر: ورفع الله ذكرهم في الأولين والآخرين، كما رفع للرجل للمؤمن ذكره، وخلد موقفه العظيم ورفع الحق ذكر محمد- صلى الله عليه وسلم- كما امتن عليه سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: 4) وسيرفع الله ذكر كل من سار على نهجه وسلك سبيل المؤمنين، وجاهد مع العاملين تحت لواء تيار الحق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل