العنوان المجتمع التربوي(1189)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 85
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-فبراير-1996
رسول الإسلام
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (سورة آل عمران آية 144).
ومن هذا نعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان رسولًا مثل غيره من الرسل تمامًا، ولا يوجد ثمة فارق يميزه عن الأنبياء من حيث الدرجة أو المكانة.. فقد بعث الله جميع الأنبياء والمرسلين على اختلاف الزمان والمكان بدين واحد ليس غير.. وعلى هذا فلا يصح القول بأن بعضهم أفضل من بعض أو الادعاء بأن دين أحدهم أكمل من دين الآخر، ويؤيد هذا الرأى أحاديث كثيرة ننقل بعضها فيما يلي:
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تخيروني بين الأنبياء» (متفق عليه).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوا بين أنبياء الله» (رواه البخاري).
إذن فما هو الفارق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الأنبياء الآخرين سواه؟ الفارق يكمن في كون الآخرين رسلًا من الله فقط، في حين كان محمد صلى الله عليه وسلم إلى جانب كونه رسولًا - خاتم النبيين كذلك، كما ورد في الآية 40 من سورة الأحزاب، ﴿وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ﴾ (سورة الأحزاب آية 40 )، فإذا كان الأنبياء الآخرون بمثابة حلقات متوسطة من سلسلة النبوة كان محمد - عليه الصلاة والسلام - يمثل الحلقة الأخيرة من تلك السلسلة النورانية.
وإننا حين نتناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالدراسة والتحليل نلاحظ فيها أشياء لا نكاد نعثر عليها في تاريخ الأنبياء السابقين.
وعلى سبيل المثال: حظی محمد صلى الله عليه وسلم بالانتصارات السياسية الحاسمة على جميع خصومه، وبالتالي أصبح الدين الذي جاء به هو السائد الغالب في معظم أجزاء المعمورة.. وهذا شيء لا يوجد له مثيل لدى الأنبياء والمرسلين سواه. لقد كان المقصود من إتاحة الغلبة السياسية لمحمد صلى الله عليه وسلم هو الحفاظ على دين الله أو بالأحرى إنجاز الوعد الإلهي القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجرآية ۹).
ويشهد التاريخ بأن هذا الوعد قد تحقق مائة في المائة عن طريق الغلبة السياسية المتاحة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
تلك هي صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمدة من القرآن والسنة، وإن صورته الصادقة والصحيحة حقًا هي التي تستمد ملامحها وقسماتها مما جاء في القرآن والسنة دون غيرهما!!..
وحید الدین خان
من سمات الربانيين
الوعي السياسي
بقلم: نبيل حامد المعاز
يظن بعض الناس أن الرباني هو: ذلكم الرجل المنقطع للمساجد المتعلق بالمسبحة ليل نهار وأهم من ذلك أنه يعزل نفسه عما يفور به الزمن من أحداث تتعلق به وبأمته، لأن ذلك مما يعكر عليه جوه الروحاني!
ولا شك أن هذا من سوء الفهم الذي ابتليت به هذه الأمة المسكينة في كثير من قضايا الدين والدنيا، وقد ورد في تفسير معنى »الربانيين« أقوال كثيرة، منها: أنهم العلماء العاملون العارفون بالله الأتقياء الحكماء الراسخون في العلم الذين يعلمون الناس ويطلبون بعلمهم وجه الله، وقيل إنهم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره وكأنهم يقتدون بالرب سبحانه في تيسير الأمور على عباده، وقيل إن الرباني هو المنسوب إلى الرب وكان الظاهر أن يكون النسب »ربي«، ولكن زادوا الألف والنون للمبالغة (۱) ولكن من المعاني العظيمة التي استوقفتني - وخصوصًا لأنه ورد في كتب التراث - أن الرباني هو الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة، (۲)
وعلى هذا أقول: إن من الواجب على المسلم - وخصوصًا الداعية العامل لدين الله - أن يكون على درجة عالية من فقه الواقع السياسي الذي يحيط به، والأوجب من ذلك أن يتابع بشدة ويقظة ما يتعلق بأعدائه وما يحاك للإسلام والمسلمين، وبغير هذا ستفاجأ بجيوش الكفر تقرع علينا كل باب ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ﴾ (سورة النساء 102).
ولذلك يقول الفاروق عمر رضي الله عنه: «إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية» (3) نعم سيضر الإسلام من أغلق عليه بابه وجهل مخططات الجاهلية في ميادين المكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والعسكري... إلخ.
وما يزيد الحب والإعجاب بأصحاب النبي أنهم كانوا على درجة عالية من هذا الوعي السياسي ومن متابعة الأحداث العالمية، فقد كانوا- وهم بمكة- يتابعون الحروب الدائرة بين الفرس والروم، وهم في هذا الوقت مشغولون بأمر الدعوة الوليدة وما تتعرض له من إيذاء وتعنت، وتنزل السورة وتسمى سورة «الروم» لتؤكد للصحابة - ولنا من بعدهم - خطورة القضية ألا وهي متابعة المسرح العالمي الذي نريد أن يكون لنا فيه دور، فضلًا عن أن يكون لنا معه مواجهة.
وبلغ من حرص النبي على متابعة أخبار أعداء الإسلام أنه قال ساعة حصار الأحزاب للمدينة: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله: أن يكون رفيقي في الجنة» (4)، وكون الجزاء هو مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة يشير إلى أن هذا العمل خطير وضروري لسلامة الجماعة المسلمة، وروح الدين توجهنا إلى أن نتوسع في استشهادنا بهذا الخبر ليشمل كل زمان ومكان - والله أعلم - بل إنه قام بنفسه هو وأبو بكر باستطلاع أخبار قريش قبل غزوة بدر (5).
وهذا الوعي السياسي هو الذي فتح للدعوة أبواب خير كثيرة، وكان بفضل الله - من أهم أسباب أمانها، ومن ثمراته أنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم يختار الحبشة لتكون مهجرًا للمؤمنين حيث كان يعلم أن بها ملكًا لا يظلم بأرضه أحد.
وأختم هذه المقالة بوصية عملية لقراء »المجتمع»، وهي أن يقوموا بواجبهم في توعية جماهير المسلمين بالقضايا السياسية المتعلقة بهم في أسلوب سهل ميسر بعيدًا عن المبالغة والتهويل، ملتزمين بالموضوعية والصدق والدقة.
الهوامش
1- انظر «فتح القدير» للشوكاني 1/355 وكتب اللغة مادة »ريب».
2- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/122.
3- «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» للشيخ الندوي 131.
4- حديث صحيح روي في أكثر كتب التفسير والحديث والسيرة.
5 - راجع «سيرة ابن هشام» 2/133.
طريق الأمناء لتحقيق الوفاء
أنا منكم وأنتم مني
روى البخاري عن عمرو بن تغلب، قال: أعطى رسول الله قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: «إني أعطي قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب»، قال عمرو: «فما أحب أن لي بكلمة رسول الله من حمر النعم».. فكانت هذه التزكية تطييبًا لخاطر الرجل، أرجح لديه من أثمن الأموال، وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، لقد حرموا جميعًا أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تبدل القرار انتصارًا، وها هم أولاء، يرون يدي الفارين تعود ملأى، أما هم فلم يمنحوا شيئًا قط.
عن أبي سعيد الخدري لما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها، قليل ولا كثير، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: «لقى والله رسول الله قومه»، فمشى «سعد بن عبادة» إلى رسول الله فقال: «يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم؟ قال: فيم؟ قال فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء، قال رسول الله: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلا إمرؤ من قومي، فقال رسول الله: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإن اجتمعوا فأعلمني، فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم، فخرج رسول الله، فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟؟ قالوا: بلى، قال رسول الله: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المن لله ورسوله، قال: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمناك، ومخذولًا فنصرناك، فقالوا: المن لله ورسوله، فقال: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قومًا أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسمًا، ثم انصرف وتفرقوا».
والأنصار - في تاريخ الدعوات - مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى «سيرة ابن هشام جـ 4 ص 141 وما بعدها، وفقه السيرة للغزالي» فرغم كثرة ما بذلوه من مال وأنفس، لم يطلبوا لذلك أجرًا إلا من الله وحين استشرفت نفوسهم إلى بعض الغنائم، التي حظي بالكثير منها بعض مسلمة الفتح، كانت كلمات الرسول لهم أقوى من كل غنيمة، وكان بقاؤه معهم ودعاؤه لهم أعظم من أي مال، فطابت بذلك نفوسهم، وفاضت بالدمع عيونهم شكرًا لله أن من عليهم بالإيمان وهداهم لصحبة ونصرة رسول الإسلام، واعترفوا بذلك بصدق وشجاعة وهم يقولون: المن لله ورسوله.
وقد كان تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار بأنه باقٍ معهم وفاء منه لعهده معهم ليلة العقبة الكبرى قبل تسع سنوات حين قاطع أبو الهيثم بن التيهان كلام المتبايعين وقال: «يارسول الله إن بيننا وبين الرجال - يعني اليهود- حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟»، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»، هذا الوعد والعهد الذي قطعه الرسول الله على نفسه منذ تسع سنوات ظل ذاكرًا له محافظًا عليه، بل وأعلن تجديده في عزم وقوة، بعد أن جمع سعد بن عبادة له الأنصار، وقد شاعت بينهم مقولة «لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه» فأعلن لهم الرسول رغم حبه لمكة، وهو الذي قال فيها عندما خرج منها: «والله إني لأعلم أنك أحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، ومع حبه الشديد لمكة إلا أنه يعلن في الأنصار تمسكه بالعهد «لو أن الناس سلكوا شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار»، فلم يكن الوفاء بهذه العهود طلبًا لمصلحة ذاتية ولا مأثرة قومية ولا عادة جاهلية، وإنما كان تضحية عظيمة يتطلب الوفاء بها الصبر الجميل وإدراك أن ما عند الله خير للمتقين الأوفياء.
ومن نماذج الوفاء، ومن التزام الأوفياء، ما صنعه أنس بن النضر في معركة أحد، فقد حدثوا أنه قال: «يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين.. لئن أشهدني الله قتال المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين ما أصنع»، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال أنس: «اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء».. يعني المشركين- ثم تقدم يقاتل لا يدير ظهره، مقبلًا غير مدبر لا يلوى على شيء يهتف: «الجنة ورب النضر إني لأشم ريحها دون أحد»، فلما عثر عليه بعد المعركة وجد قتيلًا به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، وقد مثل به المشركون فما تعرف عليه أحد إلا أخته.. وهذا أمر مفترض في المسلمين مطالبون به إلزامًا لا تطوعًا.. قال تعالى: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ﴾ (سورة الأحزاب آية 23).
فهل هناك تضحية في سبيل الوفاء أعظم من هذه التضحية التي جاد فيها هذا المسلم بنفسه لله؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود، لقد تمزق جسده ووجدت به جراحات شتى حتى إنه لم يعرفه أحد غير أخته التي عرفته من بنائه، ولكن المسلمين لا يعرفون غير الوفاء حتى في الأمور التي قد تبدو للعقول غير مقبولة، ذلك لأن المسلمين يتبعون كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتبعون أهواءهم ورغبات نفوسهم.
إن كتاب الله يقرر أخوة المؤمنين ويؤكدها في قوله سبحانه ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ (سورة الحجرات آية 10) وهذه الأخوة الإيمانية تستوجب النصرة في كل حين، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ومع هذا فإن هذه النصرة للمؤمنين لا تتم إذا كان بيننا وبين هؤلاء الكافرين عهد وموثق، يقول سبحانه: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ ﴾ (سورة الأنفال آية ٧٢)، فأي تضحية وكظم الغيظ تتحملها نفوس الصادقين من المؤمنين، وهم يجدون أن وفاءهم بالعهد يمنعهم من نصرة إخوان لهم مؤمنين يستنصرون بهم فلا ينصرون، ويستغيثون فلا يغاثون، أتعرف المواثيق الدولية والأعراف العالمية شيئًا يقارب هذا أو يدانيه؟ وقد شاء الله أن يقف المسلمون الأولون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفًا عمليًا أثناء صلح الحديبية الذي كان من شروطه أن من أتى من قريش إلى المدينة رده الرسول ومن أتى قريشًا من المدينة لا يرده المشركون.