; المجتمع التربوي (1245) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1245)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1245

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 08-أبريل-1997

 

وقفة تربوية

نعم.. أنت فاشل

أرفع إصبعي «السبابة» وأوجهه إليك دون تردد، وأنظر إليك بتركيز كامل، وأرفع صوتي بأعلى نبرة أقدر عليها، لأقول لك «نعم... أنت فاشل» في حياتك الأسرية.. هذا الاتهام قطعًا لا أوجهه للجميع، بل لفئة محددة، موجودة في كل مجتمعات الدنيا يشتركون معًا بصفات مشتركة، والتي منها النجاح بأعمالهم الوظيفية، والذي يتبوؤون من خلاله أعلى المناصب «وزير» وكيل، وكيل مساعد مدير عضو مجلس إدارة صحفي ناجح رجل أعمال بارز حرفي مشهور، أو عالم دين وداعية بارز... إلخ، ولكنهم فاشلون في حياتهم الأسرية، فأبناؤهم منحرفون وزوجاتهم يلعن الساعة التي اقترن بهم فيها ويعشن لحظات العذاب كل ثانية، فاسمها زوجة فلان، ولكنها لا تراه في اليوم أكثر من «ست ساعات» خمسة منها يقضيها بالنوم... هؤلاء جميعا يعيشون في بحبوحة مالية كبيرة وقد يغرقون زوجاتهم وأبناءهم بالمال ورغد العيش، إلا أنهم لا يقدمون لهم شيئًا يذكر من الحياة الزوجية، أو الأبوة.

هؤلاء يقضون في أعمالهم من الساعات أضعاف ما يقضونه مع زوجاتهم وأبنائهم وحتى إذا وصلوا إلى بيوتهم فإنهم ينقلون بعض أعمالهم إلى أجواء البيت، إنهم عبيد للعمل يستخدمهم أرباب الأعمال وقودا يحرقونه لإدارة آلات المؤسسة، حتى إذا ما شارف ذلك الوقود على النفاد قذفوه بأقرب سلة للمهملات دون أن يذكره أحد منهم بخير وأحيانًا لا يطلب منهم أرباب العمل ذلك، بل هم يتطوعون بحرق أنفسهم من أجل كسب الشهرة أو المال أو المنصب وخسارة ابنائهم وزوجاتهم، أناشد هذه الشريحة من عبيد العمل الرجوع إلى بيوتهم فربما لم يبق في الحياة أكثر مما مضى، واسألوا أنفسكم ماذا يساوي هذا النجاح أمام تلك الخسارة؟

أبو خلاد

كلمة إلى الدعاة

من أبجديات الدعوة إلى الله تعالى

الحكمة.. التدرج.. الصبر

يقول الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:٢٦٩).

ولقد بين المولى أن الطريق الصحيح الدعوة الناس إلى عبادته هو طريق الحكمة في الدعوة والتدرج بهم في معرفة التكاليف والصبر عليهم في أداء الواجبات.

 ومن الحكمة أن أفهم ماذا أريد، وهو تحديد الهدف ثم تحديد الوسيلة التي تناسب الشخص الذي أدعوه، وباختصار هي وضع الشيء في موضعه الصحيح.

والدعوة أولى من غيرها للعمل بالحكمة، فقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل:١٢٥).

وللوقت دور مهم في نجاح مهمة الداعية إلى الله وقد قال أحد العلماء الزمن جزء من العلاج، وللصبر أثره الفعال في شفاء القلوب المريضة.

والتدرج سنة كونية، وما الجبال إلا من الحصى، وما ناطحات السحاب إلا لبنات رصت فوق بعضها، والتدرج نراه في خلق الإنسان فلقد مر الإنسان في خلقه بمراحل حتى أصبح على الصورة التي خرج بها من بطن أمه، وما النطفة والعلقة والمضغة والعظام التي يكسوها الله لحمًا إلا دليل قاطع على هذه السنة، ثم إن حياة الإنسان نفسها بعد مولده تجد فيها التدرج حيث يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (الروم:٥٤).

ولأن التدرج سنة وجب علينا اتباعها والعمل بها، وإلا وقعنا في المحظور وهو العجلة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء:١١)، فالمرء يتعجل الأمور ويستبطئ النصر ويتعجل النتائج، وإذا فعل الداعية ذلك فيكون مثله كمثل الزارع الذي يحصد الثمرة قبل نضجها، فقد خسر جهدا بذله في زراعتها وخسر الثمرة التي قطفها قبل أوان نضجها.

ولقد قص القرآن قصصًا كثيرة عن الأنبياء وصبرهم، وما قصة سيدنا نوح عنا ببعيدة، إذ دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، والنتيجة فما أمن معه إلا قليل، أهذه نتيجة تتناسب مع هذا الجهد الكبير، ولكنه صبر واحتمل، ونوع في وسائل دعوته حتى يعتذر إلى الله ، فلقد دعاهم ليلًا ونهارًا، وغير من طريقته فدعاهم بالجهر تارة ثم بالإسرار تارة أخرى، ولم ييأس.

فما بالنا نستعجل استجابة المدعو بعد أول لقاء أو أول تعارف وما بالنا نحكم على الناس دون أن نخالطهم أو نصبر عليهم، وقد جاء في الحديث الشريف «إن الصبر ضياء» ضياء القلوب حائرة وأفهام مظلمة وأناس غرتهم الدنيا بمتاعها.

وليكن الباعث على الصبر قول المولى : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (المدثر:٦)، صبر فيه أجر في الدنيا والآخرة، صبر الواثقين لا صبر العاجزين.

وقد قال الإمام علي -كرم الله وجهه-: «الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، وضياء لا يخبو».

وليكن لنا مثل في الطبيب الذي يعالج مرضاه، ونعني الطبيب الحاذق الذي لا يدع مريضه نهبًا للمرض بل يساعده بكل السبل الممكنة، وأحيانًا يرفض المريض الدواء لكنه عليه أن يعطيه، فتارة يغير الأقراص إلى حقن والكبسولات إلى شراب حتى يشفى المريض وحين ينجو المريض تظل صورة الطبيب وصبره وحيلته ماثلة أمام عينه قصة يرويها على مدار الزمن، وهكذا الدعاة يحتاجون إلى صبر الأطباء وحكمة الأنبياء، وذكاء في اختيار نوع الدواء وقبل ذلك اللجوء إلى الله بالدعاء.

 إيمان عامر

الرابط المختصر :