العنوان المجتمع التربوي(1316)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
وقفة تربوية: صور من الوفاء
الوفاء خلق رفيع لا يملكه إلا أولئك النفر من الناس ممن تتوافر فيهم الأصالة الإنسانية، وسلامة الطبع، أما الذين يعانون من أمراض النفس وعقدها، فيفتقرون إلى مثل هذا الخلق، حتى وإن حازوا من العلم ما حازوا، وبدت في ظاهرها معالم الالتزام.
يروي الأبشيهي في المستطرف (ص 292، 293) قصتين في الوفاء:
الأولى: فص الياقوت: «لما أحس مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه زياد فص ياقوت قيمته ألف ألف، وقال له: انج بهذا، فأخذه زياد، ودقه بين حجرين، وقال: والله لا ينتفع به أحد بعدك».
الثانية: المنصور وهشام: «سأل المنصور بعض بطانة هشام بن عبد الملك عن تدبيره في الحروب، فقال: كان -رحمه الله تعالى- يقتل كذا وكذا، فقال المنصور: عليك لعنة الله، تطأ بساطي وتترحم على عدوي، فقال: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي، لا ينزعها إلا غاسلي، فقال له المنصور: ارجع يا شيخ، فإني أشهد أنك لوفي حافظ للخير».
قد تدعوك ظروف الزمان، وتزيين الشيطان عندما تختلف مع من أسدى إليك معروفًا، أن تقرر هجره ومقاطعته، فلا تنس عند تلك اللحظات ذلك المعروف، ومواقف الخير التي وقفها معك، وتنسف ذلك كله في لحظة غضب تريد الانتصار فيها لنفسك، هذا إذا كان مع فرد واحد، فكيف إذا اختلفت مع جماعة الخير، التي اهتديت وترعرعت في جنباتها، وكانت سببًا في ثباتك وعلمك، ومعرفتك وشهرتك.. أيكون الوفاء أن تنسى كل ذلك؟!.
أبو خلاد
من مظاهر الاصطفاء الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
اصطفاء المكان
بقلم: د. عبد الباري محمد الطاهر(*)
* رفع إبراهيم -عليه السلام- قواعد البيت بعد أن عمر المكان وتأهل بالسكان.. فالبيت يعمر حقًّا بالطائفين والعاكفين والركع السجود.. وما كان هذا ليتأتى فور وصول أم إسماعيل ورضيعها.
عاش الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين عامًا، قضى منها ما يقرب من الثلثين قبل البعثة النبوية، تكونت فيها شخصيته، وتأهلت نفسه لأداء المهمة الكبرى التي ألقيت على كاهله، فكان هذا التأهيل والإعداد والتكوين اصطفاء من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم، حيث كانت يد القدرة تأويه من يُتم، وتغنيه من عيلة، وتهديه من ضلالة، وتطوى له الأرض طيًا، وتحرسه، وترعاه، وتسدد على طريق الحق خطاه.
ولم تسعفنا كتب السيرة بالأحداث التفصيلية الدقيقة عن حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وإنما قدمت لمحات متفرقة، يمكن بها تكوين صورة مشرقة، ذات ملامح محددة، ولعل ذلك لحكم كثيرة يعلمها الله تعالى من أهمها - فيما يبدو- التأكيد على حقيقة الاصطفاء الإلهي، والتكوين الرباني لهذا النبي، الذي سيحمل أعباء رسالة عالمية خاتمة إلى الثقلين الإنس والجن، يبدؤها بتربية جيل قرآني، ثم بناء مجتمع رباني، يربط هذا الكون بخالقه العظيم، ويحمي البشر من نزغات الشيطان الرجيم..
البقعة المباركة:
قدر الله تعالى أن يصطفي من هذه الأرض بقعة يباركها، تكون رمزًا لوحدة البشرية في أهدافهم وتوجهاتهم، وأنشأ سبحانه في هذه البقعة أول بيت يربط الناس بخالقهم الجليل، يلتمسون فيه الخير والبركة والهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 96).
وشاءت إرادة الله أن يعم الملائكة هذا البيت قبل هبوط أبي البشر آدم عليه السلام إلى الأرض، ثم هبط آدم فعمره، ثم أعاد ابنه من بعده تعميره، ثم تناساه البشر فترة من الزمن، حتى جاء زمن إبراهيم عليه السلام، الذي بدأ تعميره بترك ولده إسماعيل عليهما السلام وهو رضيع مع أمه إلى جوار هذا البيت، وقد تضرع إبراهيم عليه السلام إلى ربه قائلًا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).
وقد حقق الله تضرع خليله إبراهيم، فأخصب الوادي، واتجهت إليه قلوب تعلقت به وبساكنيه، كما حقق الله سبحانه تضرع أم إسماعيل، حيث تنزلت عليها السكينة، وتغشتها الرحمة، وتفجر الماء تحت قدمي وليدها، وجاءها من يؤنس وحشتها، وعمر المكان، حتى جاء إبراهيم بعد أن شب ولده إسماعيل -عليهما السلام- ورفعا معًا قواعد البيت، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 127- 128).
إنها حكمة الله تعالى التي ألهمها إبراهيم عليه السلام، حيث رفع قواعد البيت بعد أن عُمر المكان، وتأهل بالسكان، واشتد عود ابنه، وامتلأ قلبه بالإيمان، فالبيت يعمر حقًّا بالطائفين والعاكفين والركع السجود، وما كان هذ ليتأتى فور وصول أم إسماعيل ورضيعها إلى هذا المكان.
وازدادت هيبة البيت وعَمُر بالوافدين إليه بعد الأمر الإلهي الكريم لإبراهيم الخليل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج: 27)، كما ازدادت بركة هذا البيت بالإعلان الرباني العظيم أن: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: 97)، وبالبيان الإلهي الرائع: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة: 125).
وهكذا استمرت هذه البقعة المباركة إلى أن اصطفى الله آخر أنبيائه ليخرج منها.
إن هذا المكان الطيب المبارك قد ميزه الله سبحانه وتعالى بميزات كثيرة، منها أنه يقع في منطقة تعد ملتقى قارات العالم القديم الثلاثة: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، ومكة بذلك تقع في موقع متوسط من العالم الحديث، ولولا هذا الموقع المتوسط ما أمكن لهذا الدين أن يتوسع وينتشر في ربوع العالم الحديث بسهولة ويسر.
ومن هذا الموقع المتميز انتشرت الجماعات البشرية الأولى لتعمر باقي أجزاء العالم، فقد كان في هذا المكان منذ فجر التاريخ أول لقاء بين أبي البشر آدم عليه السلام وبين حواء عند جبل عرفات، وهذا المكان يجتمع فيه كل عام أكثر من مليوني مسلم لأداء فريضة الحج، وهو أكبر تجمع بشري يحدث لمناسبة من المناسبات، وهذا كله بفضل من الله وتوفيق.
دعوة إبراهيم عليه السلام:
أراد الله سبحانه وتعالى لهذا المكان أن يكون عالميًّا فأمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، ثم طلب خليل الله من ربه أن يبحث في هذا المكان العالمي المبارك رسولًا من بين سكانه، هاديًا، ومعلمًا، فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).
واخترقت دعوة إبراهيم عليه السلام حواجز الزمن، فاستمرت عمارة البيت الحرام بعد الخليل، يقوم بها العماليق، ثم جرهم، ثم قصي بن كلاب -جد النبي صلى الله عليه وسلم-، ثم قريش، وهذه العمارة الأخيرة هي التي شارك فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الخامسة والثلاثين من عمره الشريف.
وتحقق رجاء إبراهيم الخليل -عليه السلام- فبعث الله في ذرية ولده إسماعيل خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي سُئل عن مبدأ أمره فقال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى»... الحديث.
ميثاق النبيين:
هكذا اصطفى الله تعالى من ولد إسماعيل -عليه السلام- خاتم النبيين، وحقق رجاء خليله، واختار سبحانه لهذا الرسول الخاتم أطهر بقعة على وجه الأرض وأقدسها وأقدمها، وكأن هذا المكان جزء من نصر الله لهذا الدين، وتحقيق لعهد الله وميثاقه الذي أخذه على أنبيائه جميعًا من قبل مجيء خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم بنصرته ونصرة دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81).
فهذا التوافق الرائع بين عالمية النصر، وعالمية المكان، يعد من أكبر مظاهر اصطفاء الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
طهارة المنطلق:
إن انطلاق الرسالة الخاتمة من أطهر بقاع الأرض، من جوار المسجد الحرام، من جوار الكعبة المشرفة، التي تلجأ إليها الأفئدة، وتهفو لها النفوس، لهو من دلائل صفاء هذه الرسالة، وطهارتها، وعالميتها، ولهو من دلائل النبوة، ومن مظاهر الاصطفاء الإلهي، فالبيئة الطيبة، والمنبت الكريم يتناسبان مع المهمة النبيلة التي اختير لها خاتم الأنبياء والمرسلين.
وما أحرى دعاة الإسلام اليوم أن يتخذوا من المساجد منطلقًا لهم للدعوة إلى الله على بصيرة، فينتشرون في أنحاء المعمورة مبشرين ومنذرين، وليحققوا صدق إرثهم لهذا الدين؛ فالعلماء ورثة الأنبياء، سدد الله على طريق الحق خطاهم، ووفقهم وكلل بالنجاح مسعاهم.
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية المساعد بكلية المعلمين- أبها- السعودية.
الداعية الفعال:
إن مبادئ الإسلام الشاملة ومعطياته المتجددة ليست أفكارًا مجردة في الأذهان أيها الدعاة، وليست نظريات مسودة في الكتب، بل هي متجسدة في أمة، تلمسها الأيادي، وتبصرها العيون.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: «وانتصر محمد بن عبد الله يوم صنع أصحابه- عليهم رضوان الله- صورًا حية من إيمانه، تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل منهم قرآنًا حيًّا يدب على الأرض، يوم جعل من كل فرد نموذجًا مجسمًا للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام.
إن النصوص وحدها لا تصنع شيئًا، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلًا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكًا، ومن ثم جعل محمد صلى الله عليه وسلم هدفه الأول أن يصنع رجالًا لا أن يُلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبًا، وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة».
لا يقاس الدعاة بمقدار رصيدهم الثقافي ولا بمدى وعيهم بالنظريات التربوية ولا بسجله اللفظي، بل يقاس بكمية الجهد الذي يبذله في الحركة والعطاء والتضحية لله عز وجل ودعوته.
إن الدعوة لا تحتاج إلى عقول متخمة بالفكر الجامد والثقافة المقيدة، ولكن تحتاج إلى فهم يدفع صاحبه للترجل والهمة نحو العمل والسعي لخدمة الآخرين بتبليغهم دعوة الله عز وجل.
ولنكن ممن قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
ولنكن مفاتيح للخير، مغاليق للشر، كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس ناسًا مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه».
عدنان القاضي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل