العنوان المجتمع التربوي (1340)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 60
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 02-مارس-1999
وقفة تربوية
احذر عقربك
ما أكثر ما ندفن من الأموات ولا نتعظ، وما أكثر ما نسمع في الموت ولا نستعد، وما أكثر الفراق دون أن نتذكر، يقول أبو العتاهية:
عجبًا عجبت لغفلة الباقينا *** إذ ليس يعتبرون بالماضينا
مازلت ويحك يا بن آدم، دائبًا *** في هدم عمرك منذ كنت جنينا
ولاشك في أنه من أكبر أسباب هذه الغفلة زينة الدنيا، وزخارفها، لذلك قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فهتلككم كما أهلكتهم» "متفق عليه".
ويمثل الإمام ابن الجوزي الموت بالعقارب التي تلسع، ولكن حب الدنيا وكثرة الأمل يقسي القلب حتى إنه يفقد الشعور فيقول: «عقارب المنايا تلسع، وخدران جسم الآمال يمنع، وماء الحياة في إناء العمر يرشح» "سلوة الأحزان 16".
فالموت يقترب من كل منا كل يوم منذ أن كنا أجنة في بطون أمهاتنا، وعقارب المنايا تلسعنا كل يوم ولكن حبنا للدنيا يفقدنا الشعور بأهمية الاستعداد للموت، وتجنب لسعه.
أبو خلاد
***
بر المربين.. خلق العابدين (4)
تخير الوقت المناسب للحديث.. ولا تقصر في الخدمة
بقلم: عبد الحميد البلالي
• ملاطفة الشيخ لمريديه لا تعني التجرؤ عليه كأن ينادوه باسمه أو بما لا يليق
نواصل في هذه الحلقة الأخيرة من بحثنا هذا ذكر الآداب التي يجب أن يتحلى بها المتربي مع المربي، وقد ذكرنا طرفًا منها في العددين الماضيين، ونخص منها التواضع وإلقاء السمع له مع المبالغة بالتبكير للجلسة التربوية وحسن الإنصات، وعدم المقاطعة، والصبر على الجفوة ومر التعلم مع تعظيم حرمة المربي، ورد غيبته.
والنقطة التالية هي:
- اختيار الوقت المناسب للحديث:
ومن البر بالمربين اختيار الوقت المناسب للحديث معهم، أو طلب العلم منهم، وعدم إزعاجهم في الأوقات الحرجة أو في أوقات راحتهم، حتى وإن كان ذلك عن طريق الهاتف أو «البيجر» مع عدم الإلحاح في طلب المقابلة معهم إن أبدوا بعض العذر أو ما يدل من كلامهم عليه.
يقول ابن جماعة: ولا يطلب من الشيخ إقراءه في وقت يشق عليه فيه، أو لم تجر عادته بالإقراء فيه، ولا يخترع عليه وقتًا خاصًا دون غيره، وإن كان رئيسًا كبيرًا، لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة والعلم، وربما استحيا الشيخ منه فترك لأجله ما هو أهم عنده في ذلك الوقت، فلا يفلح الطالب، فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص بعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة، أو لمصلحة رآها الشيخ فلا بأس بذلك».
- الشكر والدعاء: إن من أحق الناس بالشكر، أولئك الذين يبينون لنا الطريق إلى مرضاة الله والجنة، والذين يحذروننا من السبل الموصلة إلى غضب الله وناره، والذين يسهرون الليل، ويضحون بأوقاتهم من أجل رفعتنا في الدنيا والآخرة.
هؤلاء المربون الذين تلقينا على أيديهم العلم والأخلاق، وأرضعونا أبجديات التصور الإسلامي الصحيح، وجعلوا منا شيئًا بعد أن كنا على هامش الحياة، يستحقون منا الشكر والدعاء، بل هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لهم، بل وأن نستمر بالدعاء لهم ما بقينا في هذه الحياة.
ويقرن الدعاء للمربي بالدعاء للوالدين في الصلوات والخلوات بحيث لا ينسى المتربي فضله عليه ما بقي في هذه الحياة، حتى إن اختلف يومًا معه، أو مع جماعته، فليس من الوفاء وشيم الرجال نسيان من أسدوا إلينا هذا المعروف.
يقول ابن جماعة: «أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسل يعتريه، أو قصور يعانيه، أو غير ذلك مما في إيقافه عليه وتوبيخه إرشاده وصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه، باعتناء الشيخ به، ونظره إليه، فإن ذلك أمثل إلى قلب الشيخ، وأبعث على الاعتناء بمصالحه».
خدمة المربي
والشكر ليس كلامًا يقال باللسان، إنما هو ترجمة عملية وقيام بحق الشيخ، وخدمة له دون أن يطلب ذلك، أو يلمح.
يقول ابن جماعة: «أربعة لا يأنف الشريف منهن وإن كان أميرًا، قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف».
ثم يذكر ابن جماعة في نهاية حديثه صورة من أروع صور البر للمربين بقوله: «ولقد رأيت من يقوم بإطعام شيخه لكبر سنه».
عدم النظر للسن
يقول إسحق بن راهويه: «كنا بمكة والشافعي وأحمد بن حنبل بها، فقال لي أحمد ابن حنبل: يا أبا يعقوب جالس هذا الرجل- يعني الشافعي – قلت: ما أصنع به، وسنه قريب من سننا؟ أترك ابن عيينة والمقبري؟ فقال: ويحك ذاك يفوت، وذا لا يفوت، فجالسته».
وهكذا شأن الداعية المخلص بما يقوم به من حق البر لمربيه حتى وإن كان قريبًا من سنه، فإخلاصه في طلب العلم والتربية يحطم حواجز السن، ومداخل الشيطان التي تدعوه لعدم البر والاحترام، أو التكبر في التلقي عن الأقران.
لقد كان الحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه يقول: «النبي أكبر مني، وأنا أسن منه» تلميحًا لعلو مقام النبوة وإن كان ابن أخيه صلى الله عليه وسلم أصغر منه سنًّا.
مخاطبة المربي:
ومن بر المتربي لمربيه عدم مناداته باسمه، بل يناديه بما يوحي بالتقدير والاحترام، والإجلال.
يقول الخطيب: «يقول أيها العالم وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا، وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضًا باسمه إلا مقرونًا بما يشعر بتعظيمه، كقول قال الشيخ، أو الأستاذ كذا، وقال شيخنا، أو قال حجة الإسلام، أو نحو ذلك».
وعندما ينزل الشيخ إلى من يربيه ويلاطفه، أو يمزح معه لا يعني هذا أن يتجرأ المتربي على من يربيه فيناديه باسمه، أو بما لا يليق به، وذلك بالرغم من عدم طلب المربي لهذه الألقاب أو رغبته في التعظيم، إلا أن حق المربي على من يربيه يقتضي مناداته بما يليق، ويناسب مع منزلته.
عدم إطالة المكث
المربي عنده الكثير من المشاغل العلمية والدعوية والأسرية، ويأخذ المتربون على يديه الكثير من وقته، وبالتالي فإن من البر له ألا يتجاوز المتربون الوقت الذي حدده لهم في المكث لدروس العلم والتربية، وأن يتذكروا أن له مشاغل أخرى وواجبات لا بد له من القيام بها، حتى إن تحرج هو من إيقاف الحديث أو الاستئذان منهم.
يقول ابن جماعة: «ومتى دخل الشيخ وحده يصلي أو يذكر أو يكتب أو يطالع، فترك ذلك أو سکت ولم يبدأه بكلام أو بسط حديث، فليسلم، ويخرج سريعًا، إلا أن يحثه الشيخ على المكث، وإذا مكث فلا يطيل، إلا أن يأمره بذلك».
من بر شیخه بره من يربيهم بعد ذلك
هذه قاعدة تكاد تكون ثابتة تمامًا، كما يحدث عندما يبر المرء والديه، فإن أبناءه من بعده يبرونه.
فالمتربي الذي يبر مربيه بهذه الأخلاق ويتخلق معه تخلق الولد مع والديه، متى ما أصبح مربيًّا ويحصل له من البر من المتربين على يديه مثل ما بر به شیخه من قبل.
وهذا ما أكده الشاعر عندما قال:
وقر مشايخ أهل العلم قاطبة حتى توفر إن أفضى بك الكبر
واخدم أكابرهم حتى تنال به مثلًا بمثل إذا ما شارف العمر
أخيرًا: لا يستغرب من أساء الأدب إلى مربيه، ولم يقم بما يليق به من البر أن يعامله المتربون على يديه بمثل ما كان يعامل به شيخه ومن كان يتلقي التربية على أيديهم.. فالقاعدة ماضية: «من بر شيخه بره من يربيه».
***
لا قيمة لعملك دون رحمة الله
«ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة»
هذا قول خير البشر على الإطلاق، قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- سيد البشر أجمعين الذي رد مثل هذا الرد عندما سأله صحابته- رضوان الله عليهم- حين قال لهم الرسول: «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ فرد عليهم: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة».
أي مهما عملت أيها العبد من أعمال الخير والصلاح فلن تدخلك هذه الأعمال الجنة وحدها متناسيًا رحمة الله عليك الذي حباك بشتى أنواع النعم التي لا تحصى ولا تعد، لذا يجب عليك أن تتذكر أن نعمة واحدة من نعم الله لو وضعوها بالميزان مقارنة مع أعمالك لطاشت وتطايرت هباء منثورًا كالرماد في مهب الريح.
نصيحة لكل عبد يخاف الله أن يسارع، ويحاسب نفسه، ويتهمها دومًا بالتقصير والشعور بأنها ناقصة وذليلة إمام نعم الله وقدرته، انطلاقًا من قوله وتعالى: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف:53)، وقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7).
وهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يقول ورأسه في حجر ولده عبد الله في مرض الموت لابنه: «ضعه: لا أم لك، ويلي، ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي»، وهذا أبو الدرداء يصيبه المرض، ويدخل عليه أصحابه ليعودوه فيقولون له: أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي، فيقولون أي شيء تشتهي؟ فيقول: الجنة.
هؤلاء هم الصحابة: علوا وارتقوا بأنفسهم عندما عرفوا قيمة أنفسهم، ولولا رحمة الله ثم حمدهم لنعمه تعالى عليهم ويقينهم أنها لا تتساوى مع أعمالهم القليلة، لما ارتقوا، وارتفعوا وسبقوا، وفازوا.
- عبد العزيز الجلاهمة
***
الروحانية ... في «اللقاءات الدعوية»
في وقت انشغل فيه الكثيرون بمجالس اللهو، ولقاءات اللغو، المباح منها والممجوج، ينشغل الدعاة العاملون بما يصلح أنفسهم، ويزكي قلوبهم، ويوحد كلمتهم، فيلتقون في لقاءات الدعوة والخير لإنشاء جيل صالح يقود الأمم إلى الله تعالى.
ومع كثرة الأعمال والمتطلبات، والنظر في خطة العمل والترتيبات النافعة، يحتاج الدعاة إلى وقفة تأمل، ونسمة روحانية، وإشراقة ربانية، تضفي على العمل خصوبة، وتورث في النفس همة.
وهذا المسلك الحميد، والمنهج التربوي العظيم، كان مؤسسه هو النبي- صلى الله عليه وسلم- الله فعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قلما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوم في مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا» "رواه الترمذي".
ما أجمل أن يتأمل الدعاة هذه الدعوات المباركات، فيرفعوا أكفهم في مجلسهم ليحددوا طريقهم، ويتذكروا هدفهم، فيطلبوا المدد والعون من الله سبحانه وتعالى، ذلك أنه لن تنجح أي خطوة، ولن تربو أي فكرة، إلا بتوفيق الله وعونه.
ومع هذا الاستشعار العظيم لمعية الله، تتطور الأفكار، وتعالج المشكلات، وتبارك الأعمال، بالتعاون المثمر والنقد البناء وبالمحبة والألفة، والأخوة، وهذا ما كان يشير إليه الإمام البنا- رحمه الله- حين علم الدعاة هذه الكلمات النافعات: «اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير».
إنه لحري بالداعية أن يحفظ هذا الدعاء الملهم، الذي يعبر عن صدق الدعوة، وحسن التوجه، يذكر الشيخ يوسف القرضاوي- حفظه الله- أيام سجنه مع مجموعة من المعتقلين من الإخوان المسلمين في مصر، وهم في حالة محنة شديدة، وبلية عصيبة قوله: «لا زلت أذكر دعوات إمامنا في صلاة الليل شيخنا محمد الغزالي- رحمه الله- ونحن في السجن، وهو يدعو ربه قائلًا: «اللهم فك بقوتك أسرنا، وأجبر برحمتك كسرنا، وتول بعنايتك أمرنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا...».
- علي بن حمزة العمري
***
العلم الأخروي سبيل للتمكين الدنيوي
بقلم: حسين بن علي الشقيري
- الواقع خير شاهد.. بدون العلم الشرعي تضل الأمة ولو كان بينها جهابذة علوم الدنيا.
ما أن تذكر كلمة «العلم» في مجلس إلا تبادر إلى الأذهان ما وصلت إليه الحضارة الغربية المادية من تطور في سائر المجالات من تقنية، ومخترعات، ووسائل مواصلات واتصالات وغيرها.
وفي المقابل حينما يذكر العالم الإسلامي سرعان ما تنصرف الأذهان إلى التخلف والجهل والأمية، متجاوزين بذلك حقيقة نسيتها الأمة الإسلامية ضمن ما نسيت من جذور ماضيها المشرق وركائز هويتها المتميزة، ألا وهي حقيقة ارتباط هذه الأمة بالعلم منذ بزوغ فجر هذا الدين ونزول الوحي على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بأمر ربه تبارك وتعالى له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).
منذ تلك اللحظة وضع الرسول الأمي- صلى الله عليه وسلم- قدمه على طريق العلم، وظل ثابتًا عليه مثابرًا في طلبه حريصًا على استيعابه حتى توفاه ربه تبارك وتعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 16-19) وما طلب الزيادة في أمور الدنيا إلا من العلم ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).
ثم حمل راية العلم من بعده أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين وساروا على النهج نفسه.
أخرج البخاري في صحيحه تعليقًا، وفي «الأدب المفرد» من طريق ابن عقيل: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله قلت: نعم، فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «يُحشر الناس يوم القيامة عراة... الحديث».
وفي البخاري عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد- وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك «الحديث»، ثم حمل أمانة العلم من بعدهم علماء القرون الفاضلة من التابعين، وتابعي التابعين.
قال صالح بن أحمد بن حنبل، رأى رجل مع أبي المحبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين؟ فقال- رحمه الله: معي المحبرة إلى المقبرة..
وما زالت الأمة الإسلامية تتوارث العلم خلفًا عن سلف إلى زماننا هذا يحدوهم قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»..، وقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا»، أي بعيدة عن الله إلا ذكر الله وما والاه من طاعته سبحانه.
وحينما أهمل المسلمون- في زماننا هذا- تلك الركيزة الأساسية في حياة امتنا- إلا بقية قليلة من العلماء- صاروا في ذيل الأمم، وصدق عليهم وصف العالم الثالث الموسوم بالجهل والأمية، والتخلف.
ورضي الله عن ابن مسعود الذي كان ينظر ببصيرة المؤمن حينما حذر من التساهل في ظل العلم خشية الهلاك، فقال: «إن أحدكم لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم، فاغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا ولا تكن الرابع فتهلك» صدق والله- رضي الله عنه.
فالعالم اليوم إما أمم متعلمة أو أمم تسعى إلى التعلم أو أمم غير متعلمة، ولا تسعى إلى التعلم وهي الدول المتخلفة وغالبيتها من الدول الإسلامية التي أصبحت عالة على غيرها من الأمم.
وإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تحيا من جديد ويستقيم أمرها، فعليها أن تبدأ بما بدأ به رسولها صلى الله عليه وسلم وهو العلم، كما في تمام حديث معاوية السابق «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا، حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمر الله» قال القرطبي: ظاهر السياق أن أول الحديث مرتبط بأخره.. أي لا يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا ما دامت متفقهة في دينها..
العلم المطلوب
إن أهم وأول علم تحتاج إليه الأمة الإسلامية هو العلم الشرعي.
قال الإمام الغزالي «وهو علم معاملة العبد لربه»، فهذا هو أصل العلوم كلها، وهو المقصود في الآيات الكريمة والأحاديث النبوية، وهو ما جاءت النصوص بالحث عليه، ومدحه ومدح أهله كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
وقوله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ابن ماجة بسند حسن عن أنس: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
ولا يعني ذلك إهمال العلوم الأخرى بل جميعها تقع تحت قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
ولقد أبدع المسلمون الأوائل من ذلك في العصور الزاهرة فاستفادوا من علوم الأمم السابقة، وبرعوا في الكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات وفنون الحرب وكثير من العلوم حتى أصبحت دولهم ملتقى الأمم لطلب العلم ومحطات للحضارة والتقدم ووضعوا قواعد العلوم الحديثة لمن بعدهم.. كل ذلك كان في إطار العلم الشرعي الذي هذب أخلاقهم، فسخروا العلوم الدنيوية لخدمة البشرية لا لتدميرها كما في زماننا هذا، وتنبع أهمية العلم في حياتنا من عدة أمور منها:
أولًا: حفظ الدين:
فدين الله تبارك وتعالى، وهو الإسلام، يحفظ بأمرين وصنفين من الناس: فالعلم والجهاد وبأهلهما، وهم العلماء والمجاهدون.
قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، فبدون العلم الشرعي تضل الأمة وتهيم في أودية التيه والضلال، ولو كانت تؤوي بين جنباتها جهابذة علوم الدنيا.
وواقعنا وواقع الغرب خير شاهد على ذلك، إذ سخر علومه لخدمة شهواته واستعباد شعوب الأرض المستضعفة بل وهلاك الحرث والنسل ما بين هيروشيما إلى ناجازاكي.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء وقادة البشرية إلى طريق الله المستقيم، ورحم الله الإمام أحمد إذ وصفهم بقوله: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله الموتى وبسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الضالين الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة مخالفين في الكتاب يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة».
ثانيًا: حماية العقيدة:
فتوحيد الله تبارك وتعالى هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه الساعي إلى الله عز وجل، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» "حديث حسن رواه الحاكم".
فهو أول واجب على المكلف، وآخر واجب مما يقتضي حفظه وصيانته، وبدون العلم الصحيح قد لا يستقيم اعتقاد المسلم ولا توحيده، لذا يجب على المسلم تعلم العقيدة الصحيحة وما يضادها من أنواع الشرك المختلفة.. وذلك كما قيل:
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه
إن تساهل الناس في هذا الأمر أدى إلى انتشار العقائد الفاسدة، والشركيات الباطلة وما هي إلا أثر من آثار الجهل بالعقيدة الصحيحة.
ثالثًا: تصحيح العبادة:
إن المتأمل لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالعبادة، كقوله فيما رواه البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «خذوا عني مناسككم» وغيرها من الأحاديث ليتبين أهمية تعلم العبادات قبل فعلها، والقيام بها.
ولذا أفرد البخاري- رحمه الله- في صحيحه بابًا مستقلًا سماه «باب العلم قبل القول والعمل».
قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19).
فالله تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يعبد على جهالة أو بتقليد أعمى أو اجتهاد بدون دليل.. فكل عبادة ممنوعة إلا ما جاء الدليل الصحيح على مشروعيتها من كتاب الله أو سنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- كما قال ابن تيمية- رحمه الله.
قال- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أنس «طلب العلم فريضة على كل مسلم» وهذا خطاب عام يشمل الرجال والنساء، فتعلم أحكام فروض الأعيان من العبادات واجب على كل مسلم، ولا يعذر بالجهل والتقصير في ذلك.
رابعًا: تحصيل الأجر والثواب:
إما بطلبه والسعي في تحصيله، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من سلك طريقًا يبتغي به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (ص/ ج 6298).
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تامًا حجته» "صحيح الترغيب 1 \ 38".
أو في ثمرته من فقه في مراتب العبادة وفضائل الأعمال فيحرص على أحبها إلى الله وأكثرها ثوابًا، فلا ينشغل بالمفضول على الفاضل ولا بمقتصر النفع على متعديه وهذا باب دقيق قل من يتنبه إليه، ففقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
قال ابن القيم- رحمه الله- عند الحديث عن أنواع شرور الشيطان: «ومنها أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل.. حتى إن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم وأجل وأفضل من تلك السبعين بابًا، وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله وشدة عناية بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين» "بدائع الفوائد- 1 \ 261".
أو بمعرفته بفضائل الأعمال والعبادات فيعمل بها ويكسب الأجر والثواب عليها، بينما غفل عنها أكثر الناس لجهلهم بها أو تساهلهم في تحصيل العلم المؤدي إليها.
وهذا باب واسع لا يفي المداد بتسطيره، وقل من يوفق له إلا من أراد الله له الخير.
خامسًا: تيسير العبادات:
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185).
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).
فالتيسير يأتي مع العلم، والمشقة تنبع من الجهل، وكلما ازداد المسلم فهمًا ومعرفة بمقاصد الشريعة، زاد تيسيره على الناس من غير حاجة إلى تأويل باطل أو مخالفة لنص.
روى جابر رضي الله عنه: أن رجلًا أصابه حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأخبر بذلك قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إن لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال» "ص/ ج 4363".
وكم شق كثير من الناس على إخوانهم لجهلهم بأحكام دينهم، فالإسلام دين اليسر لا دين العسر، لكنه اليسر الذي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا خلافًا لمن أراد أن يميع أحكام الإسلام أو يهدم مبادئه بحجة التيسير على الناس.. فأباح للمسافر قصر الصلاة والفطر في رمضان، وأباح المسح على الخفين، والتيمم لمن لم يجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، وشرع للمريض الصلاة قاعدًا أو على جنب أو إيماء إن لم يستطع أكثر من ذلك، بل وأباح كلمة الكفر حفاظًا على النفس والعرض.
سادسًا: وقاية من البدع والخرافات:
إن من أعظم أسباب البدع والمخالفات الجهل بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها أشد التحذير بقوله فيما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
قال ابن القيم رحمه الله «والبدعة أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد» "بدائع الفوائد 2 \ 260".
وما هلكت اليهود والنصارى إلا بكثرة اختلافهم على أنبيائهم وابتداعهم في دينهم ما ليس منه افتراء على الله، وعلى رسله عليهم أفضل الصلوات والتسليم.
وما أن يبتدع الناس في دينهم بدعة إلا هجروا مقابلها سنة وهكذا تدرس السنن وتنتشر البدع، سواء ما كان منها اعتقادًا أو تعبديًّا فكلها أبواب ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور، فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» "رواه النسائي".
ولو أردنا استقصاءها في زماننا لطال بنا المقام، ولاحتاج الأمر إلى مجلدات، وحسبنا أن نحيل إلى بعض المؤلفات النافعة في هذا الشأن لمن أراد السنة.. فمنها «الإبداع في مضار الابتداع- للشيخ علي محفوظ- رحمه الله» و «السنن والمبتدعات- لمحمد عبد السلام الشقيري» و «البدع والنهي عنها- لابن وضاح» وغيرها.
سابعًا: زرع الخشية من الله تعالى:
إن أعظم ثمرة من ثمار العلم غرس الخشية من الله تبارك وتعالى في النفوس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 28) فكلما ازداد المسلم علمًا ومعرفة بربه، ازداد له حبًّا وخشية... روى مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم لله».
ولقد كان علماء هذه الأمة هم عبادها.. فقد ورد عن الشافعي- رحمه الله- أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلثًا للعلم وثلثًا للعبادة وثلثًا للنوم، وروى القاضي أبو يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلًا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل.. فكان يحيى الليل صلاة وتضرعًا ودعاء.
وقال أحد السلف: نظرت إلى ابن المبارك، فقلت في نفسي: بم فضل علينا هذا؟ وبينما نحن جلوس، انطفأ السراج، فتسارع الناس يبحثون عن السراج، فلما أضاء، ونظرت إلى وجهه فإذا عيناه تذرفان الدموع، فلعله تذكر ظلمة القبر فذرفت عيناه، فقلت: بهذا فضل علينا.
هكذا هذب العلم أخلاق السلف، وزرع الخشية في قلوبهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ (الإسراء: 107-109).
الرابط المختصر :