العنوان المجتمع التربوي (1353)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 08-يونيو-1999
وقفة تربوية
أنفق ينفق الله عليك
إنها قاعدة إيمانية أصيلة لا تتغير، ولا تتبدل أبدًا، فما ينفقه المسلم في سبيل الله يعوضه الله في الدنيا، ويعظم أجره في الآخرة فقد قال تعالى في كتابه الكريم ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (الحديد: 11), وذكر الرسول في الحديث الصحيح قول الملك ودعاءه للذي ينفق «اللهم أعط منفقًا خلفًا» وحتى لو كان العطاء قليلًا بمقدار نصف تمرة من كسب طيب كما جاء في الحديث: «فإن الله يقبلها بيمينه، ويربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه, حتى تكون مثل الجبل».
إنها علاقة روحية بين العبد وربه ينفق فينفق الله عليه وعلى مقدار ثقته، وحسن ظنه بالله يعطيه الله سبحانه وتعالى العطايا، وهو الذي يملك خزائن السموات والأرض.
هذا هو الدرس الذي علمه عبد الله بن جعفر للحسن والحسين عندما لاحظا عليه كثرة الإنفاق، فقالا له: إنك أسرقت في بذل المال فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله عودني أن يتفضل علي، وعودته أن اتفضل على عبيده، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني عادته (حدائق الأزاهر: ٨٦).
فيا له من تعامل رائع مع الله تعالى، يحتاجه المؤمن لتدعيم علاقته الإيمانية برب العالمين.
أبو خلاد
فطنة البناة في تربية الدعاة (٣)
طرق اكتساب: الجرأة في المواجهة.. وبناء النفس.. وإنكار المنكر.. ومتابعة المدعوين
بقلم: عبد الحميد البلالي
تحدثنا في الحلقة الماضية عن بعض مواضع الفطنة التي يجب أن ينتبه إليها البناة عند ممارستهم فنون التربية مع الدعاة، ومنها التربية بالأحداث وعلى العمل والإخلاص. وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث في بعض المواضع الجديدة للفطنة بهدف الوصول إلى الغاية نفسها ألا وهي تقويم الدعاة، وتمتين بنيانهم التربوي والوصول بهم إلى مشارف الكمال.
من أهم الأدوات التي يحتاجها الداعية في حياته الجرأة في مواجهة الناس، لأنه من غير هذه الأداة لا يمكن له تبليغ دعوة الله إليهم.
ومن أهم واجبات البناة أن يربوا الدعاة على ترك الخجل عند مواجهة الناس, فمن العار على الدعاة أن يروا أهل الباطل يجترئون على نشر باطلهم، بينما أصحاب الحق يخجلون من نشره.
لقد رأى إمام التابعين الحسن البصري أحد أبناء التابعين.. فقال له: «حدثنا يا غلام, فقال الغلام: إنا لم نبلغ هذا يا أبا سعيد, فقال الحسن: وأينا بلغ هذا.. ود الشيطان لو تمكن من هذه,[1] والله لولا ما أعقد الله على العلماء لم ننطق. [2]
لقد فطن الإمام البصري لسبب امتناع الغلام عن التحدث إلى أن هذا المدخل شيطاني، وبين له وجوب التبليغ ولولا ذلك لكان أحب إلى البناة عدم النطق خشية الإعجاب بالنفس، وابتعادًا عن أذاهم عند النصيحة.
فطنة البناة في بناء أنفسهم: وكما أن لهؤلاء البناة ديدنهم في تربية الدعاة، فإنهم لا يغفلون عن أنفسهم، ويطلبون من الله دومًا إلا يكلهم إلى أنفسهم طرفة عين وما هذه الفطنة في تربية الدعاة إلا عادة استعملوها مع أنفسهم منذ البداية، وفطنوا لقدراتهم وملكاتهم، وإلى كل حرف، وكلمة وعبارة كانوا يتلقونها على أيدي من بناهم من البناة.
وهذا الإمام ابن الجوزي يروي لنا قصة فطنته منذ أن كان في بدايات الطريق عندما كان طالباً عند الإمام الأنماطي فيقول: «لقيت عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجرًا على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكي واتصل بكاؤه، فكنت وأنا صغير السن حينئذ يعمل بكاؤه في قلبي ويبني قواعد».[3]
إنها تلك القواعد الإيمانية والدعوية التي كانت تبنى في نفسه بسبب فطنته في تربيتها، بينما يستمع لمثل هذا الكثير، ولكنها لم تبن قواعد في نفوسهم تخرج لنا أمثال ابن الجوزي ذاك لأن فطنتهم لم تكن منصبة لبناء الآخرة كما كانت لبناء الدنيا وزخارفها.
الفطنة في الإسراع: يركز البناة في تربيتهم للدعاة على أهمية الوقت، فالوقت كما تقول العرب كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وقطع الوقت هو إدارته، ومعنى إدارته استغلاله الاستغلال الأمثل، إذ إن الوقت لا يمكن التحكم فيه لأنه يمضي ولا ينتظر أحدًا كائنًا من كان يقول الإمام ابن الجوزي: «الأيام صحائف الأعمال فخلدوها، أحسن الأعمال الفرص تمر مر السحاب، والثواني من أخلاق الخوالف من استوطأ مركب العجز عثر به، تزوج الثواني الكسل فولد بينهما الخسران». [4]
وصاح الإمام البنا من بعده بأتباعه: «الوقت هو الحياة».. كل ذلك لتربيتهم على الإسراع، فلا وقت لمن أدرك أهميته، وتشرب حديث النبي الله عندما قال: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل, ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة».[5]
يقول الإمام المناوي «معناه, من خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة، والمبادرة بالعمل الصالح خوف القواطع والعوائق».[6]
لقد قطن الأستاذ مصطفى السباعي لصرخة الإمام البنا ووجد صداها في نفسه، وسرت طبيعة الإسراع للآخرة في عروقه، فما كان يطيق البطيء الذي كان يعاتبه بقوله: «كيف يمكن أن نصطحب في الطريق، إذا كنت أطير برقا وتسير سلحفاة، فإما أن أسبقك وإما أن تؤخرني وكيف يمكن أن نعيش معًا وحرارتي كالنار، وبرودتك كالثلج، فإما أن أحرقك، وإما أن تجمدني».[7]
إنها طبيعة الإسراع التي تأنف المعايشة مع طبيعة الإبطاء، وإنها الفطنة في تربية البناة على هذه الطبيعة الرجولية، إذ قال: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ﴾ (يس: ۲۳).
عدم البلاغ الدعوي خوفًا من الإعجاب بالنفس قد يكون مدخلًا من مداخل الشيطان
إذا أصبحت التربية عادة مع النفس.. عندها تسهل تربية الآخرين
الفطنة في الإنكار: يتعلم البناة فنون الفطنة في إنكار المنكر من القرآن الكريم الذي يعطي نماذج كثيرة من خلال سوره وآياته, وذلك بتبشيع صورة المنكر على صورة مثال مشبه, منها على سبيل المثال قوله تعالى في الذين يغتابون الناس: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: ۱۲).
ومن فطنة النبي صلى الله عليه وسلم في إنكاره للمنكر أنه لم يكن يتعرض لصاحب المنكر مباشرة، بل يستغل الظرف الزماني والمكاني فيقول: «ما بال قوم يفعلون كذا وكذا...» فيفهم صاحب المنكر وهو المقصود. وقد اغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال «اذكر الفطن إذا وضع على عينيك»[8] إشارة إلى الموت.
والفطنة في الإنكار مطلوبة لأسباب عدة منها:
1 - قبول النصيحة.
2- إبعاد صاحب المنكر عن الإحراج.
3- كلما اقترن الإنكار بالمثل والصورة كان أدعى للردع.
ومن أجمل صور الفطنة في إنكار المنكر ما يرويه يعلى بن عبيد عن الإمام سفيان الثوري أحد عمالقة البناء عندما التقى بعض من يربيهم من الدعاة، وأراد أن ينكر عليهم خوضهم فيما لا ينفع من الحديث فقال لهم: «لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا لا قال: فإن معكم من يرفع الحديث».[9]
وهذا هو الإمام ابن عيينة يروي لنا عن هذه السجية في الإمام أبو حنيفة فيقول: «كان أبو حنيفة كثير الصلاة, والصيام, كثير الصدقة, فكان كل مال يستفيده لا يدع منه شيئًا إلا أخرجه، ولقد وجه إلي بهدايا استوحشت من كثرتها فشكوت ذلك إلى بعض أصحابه فقال: كيف لو رأيت هدايا بعث بها إلى سعيد بن أبي عروبة وما كان أحداً من المحدثين إلا بره برًا واسعًا. [10]
والكلمة الطيبة والثناء المستحق من أبرز وسائل كسب القلوب التي على المربي الانتباه إليها، ولقد نبه العالم المجاهد الشيخ محمد سعيد العرفي عالم دير الزور، ونائبها السابق في مجلس النواب السوري، والذي نفاه الاحتلال الفرنسي، نبه الإمام البنا في زيارة له لهذا الأمر في كسب القلوب فقال له: «يا أخي سم, فرد عليه الإمام البنا: وما أسمي يا سيد محمد؟ فرد عليه سم إخوانك وأصحابك ومنشاتك، قل لهذا: إنك تشبه أبا بكر، ولهذا: إنك تشبه عمر، فإن ذلك يبعث فيهم الحمية، ويدفعهم إلى القدوة الحسنة والأسوة الصالحة».[11]
فكما أن للهدية تأثير السحر في كسب القلوب، فإن الكلمة الطيبة والثناء الحق والتشجيع المناسب لا تقل عن الهدية في نفوس من تربيهم على الرغم من أنها لا تكلف المربي شيئًا سوى فطنته لاختيار الوقت المناسب في استخدامها.
الفطنة في متابعة المدعو: لم يكن ثبات أبي يوسف مع أبي حنيفة بسبب المال الذي كان ينفقه عليه فحسب، بل كان بسبب المتابعة لجميع أحواله متابعة دقيقة دون أن يصرح له أبو يوسف بشيء, ولكنها الفطنة التي تحلى بها الإمام أبو حنيفة في تربيته لأتباعه ويحدثنا أبو يوسف عن هذه المتابعة والاهتمام من شيخه بعد أن صار علمًا يقتدى به فيقول: «كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل، رث الحال, فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش, وطاعة والدي، وجلست فلما أردت الانصراف أومأ إليّ, فجلست, فلما انصرف الناس دفع إلي صرة، وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي: ألزم الحلقة، وإذا نفدت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء وكان كأنه يخبر بنفادها، حتى استغنيت وتمولت».[12]
وواضح من حديث أبي يوسف أن تأثره لم يكن فقط بالمال الذي كان يغدقه عليه، بمقدار تأثره بالمعاهدة والمتابعة لأحواله حتى جعله يقول دومًا «ما أعلمته بخلة قط ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها».
فالمربي الناجح لا ينتظر أن يخبره من يربيه بأحواله, بل إن فطنته تدعوه للشعور بأحوال من يربيهم، فيبادر لمساعدتهم ما أمكنه ذلك، وحتى لو لم ينجح في مساعدتهم، فيكفي المربي شعوره باهتمام مربيه، ليكون ذلك سببًا من أسباب ثباته على الحق. يقول الأستاذ محمد قطب: «ينبغي أن يكون عند المربي المقدرة على الاهتمام بالآخرين والاهتمام بأن يعطيهم ما عنده من الخير، وأما المتلقي فلا يمكن أن ينشرح صدره للتلقي من شخص يحس في أعماقه أنه لا يهتم به».[13]
مشكلات وحلول في حقل الدعوة
تجاوز التسلسل الإداري
التعريف:
هو تجاوز بعض أفراد المؤسسة التسلسل الإداري في المؤسسة عند الإقدام على عمل ما للمؤسسة، فبدلًا من الاتصال بالمسؤول المباشر، يتجاوزونه لمن هو أعلى منه في المسؤولين.
مظاهر المشكلة
1 - إنجاز بعض الأعمال دون علم المسؤول المباشر.
2- أخذ الإذن أو الاستشارة من غير المسؤول المباشر.
3- العجلة عند بعض الأفراد.
أسبابها
1- الحماسة الزائدة عند أفراد المؤسسة لإنجاز العمل.
2 - تأخر المسؤول المباشر وتخلفه عن اجتماعات العمل.
3- تقدير الفرد بأن الفرصة قد تضيع لو انتظر المسؤول المباشر
4-عدم وضوح العمل المؤسسي لبعض الأفراد.
5- شعور الفرد بأن المسؤول المباشر سيرفض الطلب.
٦- عدم ثقة الفرد بهذا المسؤول.
7- تسرع الفرد.
8- ضعف اتخاذ القرار عند المسؤول المباشر
9- قلة المعلومات لديه.
الحل
1-تدريب بعض المسؤولين المباشرين على فن اتخاذ القرار.
2- تعليم الأفراد وتدريبهم على الأسس الصحيحة للعمل المؤسسي.
3-عدم إشغال المسؤول المباشر بالكثير من التكاليف.
4 - تعليم الأفراد صفة التأني وعدم التسرع.
5- تغيير المسؤولين بين فترة وأخرى.
٦ - يجب على المسؤول الأكبر إحالة الفرد عند استشارته أو أخذ الإذن منه إلى مسؤوله المباشر.
من حكم ضرب المثل بـ «البعوضة» في القرآن الكريم:
لا تكن كالبعوض يبني حياته على أذى الآخرين.. ويسعد نفسه بامتصاص دمائهم
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة (٢٦). قد يعجب البعض من أن الله ضرب مثلًا بالبعوضة في القرآن الكريم، تلك الحشرة الصغيرة، التي تبحث عن أكثر أماكن الإنسان نورًا لتحط رحلها فيه فتحيل هدوءه إلى تضجر وتبرم فتختفي مرة وتبدو مرة أخرى، محاولة الانقضاض عليه في وقت قد أمنت جوارحه فيه إلى السكون والراحة، ثم تهبط بخلسة على ذلك الجسد الآمن. وصاحبه لا يشعر بهذا التخطيط ولا يحس بذلك الكيد، ثم تسلط رمحها البغيض على جسده المستقر، وفي برهة من الزمن، ينتبه ذلك المسكين إلى أنه طعن غيلة، وسرق أفضل دمه من جسده، فيتلفت يمنة ويسرة ليرى بأم عينيه أنها البعوضة تلك الحشرة التي تعيش على الآخرين، تهجم عليهم في غفلاتهم، وتمتص منهم دماءهم، فلا يملك حين يراها قد أفلتت طائرة من بين يديه إلا أن يطلق دعوات ممتزجة بزفرات التظلم والقهر بألا يحالفها التوفيق وأن يشفى غيظ قلبه، بأن يراها ميتة ودمه يقطر منها!.
عذرًا: فإني وجدت هذه الحشرة تقود فئامًا من الناس إلى طريقها، وتنهج بهم سبيلها المظلم القائم فساروا خلفها، واتبعوا أثرها، فأضحوا كأسراب البعوض، يبنون حياتهم على أذى الآخرين ويسعدون أنفسهم على حساب غيرهم.
سرب أكلة لحوم الناس: لقد ارتضى بعضهم أن يلوك لحم أخيه ميتًا، فهو لا يشغل وقته إلا بذكر أسوأ أحوال إخوانه المسلمين، يتلذذ باستنقاصهم، ويستطعم النيل منهم، ويصفهم بأقبح الأوصاف ويسمهم بأشنع السمات، ويضحك القوم بأخبارهم، ويبهج الأعداء بشر أقدارهم، سلم من لسانه اليهود والنصارى، ولم يسلم إخوانه منه فيا عجباً من هؤلاء كيف وقر الوقر في اذانه انهم من قول الباري سبحانه وتعالى حين قال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12).
أم كيف جهلوا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي, مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» رواه أبو داود.
فاتق الله يا عبد الله أن تكون ممن يخمشون وجوههم، وصدورهم بأظفار من نحاس, بل واتق الله أن تكون ممن ينصت لهؤلاء في طعنهم في أعراض الناس والأكل من لحومهم، ولا تتردد في أن تسكت ألسنتهم عن هذا الحرام، وكن درعًا لظهرأخيك في الغيب ليرد الله عنك النار يوم القيامة, فإن رسول الله صلى الله عليه يقول: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»، (رواه الترمذي وقال حديث حسن).
سرب الساعين بين الناس بالإفساد: وحملت فئة من كتائب البعوض لواء السعي بين الناس بالإفساد وإنشاء العداوة بين الأشقاء والأصدقاء، فلا يهدأ لهم بال حتى يروا الصديقين الحميمين قد تعاديا، والزوجين الحبيبين قد تفرقا والقريبين المتألفين قد اختلفا، سرى حب النميمة مجرى الدم في عروقهم، يحرقهم صفاء الأفئدة ويغيظهم حب التألف مرضت نفوسهم، واسودت قلوبهم، فأي ذم تذمهم بعد دم خالقهم لهم في كتابه العزيز حين قال: ﴿همازٍ مشاءٍ بنمیم﴾.
وأي وعيد يذكر لهم بعد وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول, وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (رواه البخاري).
فإذا كان هذا الحال الموحش لصاحب التميمة في قبره، فما حاله يوم يقف بين يدي ربه، وأمام خصمه؟؟
سرب الساخرين: وتستطيب فئة من معسكر البعوض البحث عن عيوب الناس فيرون القذاة في أعين إخوانهم، ولا يرون الجذع في أعينهم.. أصبح الاستهزاء لهم طبعًا، والسخرية لهم سمتًا، ما إن يعثر أحدهم على عيب لأخيه ليس من كسب يده، إلا ضخمه، وأضاف إليه الزور والبهتان، وطار به يذيعه في المجالس والبيوت، يضحك به أقرانه ويشفي به مرض نفسه، وقد حاد بذلك عن منهج الله القويم في كتابه الكريم حيث قال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 11). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (رواه مسلم).
سرب الجواسيس: ومن أسراب البعوض سرب لا يقل خطرًا على المسلمين من تلك الأسراب السابقة اعتاد أن يترصد لأفعالهم وأقوالهم, فيستمع منهم ما يكرهون سماعه، ويتجسس على ما يحبون إخفاء، وقد تناسى أن لعباد الله أسرارًا، بل قد تناسى أن الله ينهاه عن ذلك، فقال: (وَلَا تَجَسَّسُوا).
ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم «لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» (رواه الترمذي).
مكمن الخطر وأثره: الخطر إنما يكمن في كون كثير ممن استعرأ الحياة على حساب الآخرين رأى أن الغيبة عنده تسلية والنميمة نصيحة، والسخرية مزاحًا، والتجسس حب اطلاع فحسب، والواقع أن العبرة إنما هي بالمعاني وليست بالألفاظ والأسماء, ولنعلم جميعًا أن كل هذه المحرمات توغر في الصدور الحقد والحسد, وتبني في القلوب صروحًا مظلمة من الشحناء والبغضاء، ولو كان أولها المزاح واللهو، ويكفي أنها تملأ الصحائف لغوًا ينكس رأس الإنسان بين يدي خالقه يوم القيامة، ويخجله أمام خلقه.
سبيل الوقاية من أذى هذه الأسراب: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن تستظل أمته بظل الإخاء والترابط محذرًا من العوامل التي تنقض عرى ذلك الرباط ومخوفًا من إنشاء العداوات وأسبابها الخفية منها والظاهرة، وإلا فكيف يكون لهذا الدين کیان به تطبق أحكامه ویهابه به أعداؤه، ولا سبيل إلى هذه الغاية السامية إلا بتطهير القلوب من درن الغل المؤدي إلى تلك المساوئ التي تقدم الحديث عنها، والتي جمعها قول الهادي البشير حينما قال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره, التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (رواه مسلم).
فليتق المسلم ربه أن يحشر يوم القيامة في زمرة هذه الأسراب، وليعطِ إخوانه المسلمين حقوقهم، لتحفظ له حقوقه، فما لا يرضاه لنفسه يجب ألا يرضاه لغيره.
فيصل بن سعود الحليبي- الإحساء
الواقع الأليم يحمل في ثناياه بشائر النصر
مع إطلالة كل يوم جديد، يتطلع المسلمون إلى طي صفحات من الماضي، يحدوهم الأمل في مستقبل خال من قوائم النكبات التي يعيشها عالمنا الإسلامي، ولكن يبدو أن جهودنا ليست كافية لمغالبة الواقع المر، بل ومما يزيد الأسى والحسرة أن تفتح صفحة جديدة ومأساة مفجعة تنسينا القائمة الطويلة، فتتعدد الجبهات ويقف المسلمون حياري، ولسان حالهم يقول لو كان سهماً واحداً لأتقيته, ولكنه سهم وثان وثالث وصدق علينا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن ابن عمر: «إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء شديد، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن، فيرفق بعضها بعضًا وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه, هذه..... الحديث».
فها نحن نعيش مأساة أخرى في البلقان، ولم يجف مداد فجيعة البوسنة والهرسك ألا وهي مأساة كوسوفا، وما يتعرض له إخواننا وأخواتنا من تهجير وتقتيل وتدمير واغتصاب على أيدي النصارى الحاقدين مما يندى له جبين الإنسانية، ويتفطر القلب حزنًا ويسيل له القلم مدادًا حمر كلون الدم الذي طغى على طبيعة كوسوفا الجميلة الخضراء شاهدًا على بريرية نصاري القرن العشرين، وأصبح المسلمون في هذه المحنة بين نارين إحداهما حاضرة تقطع قلوبنا لوعة وحسرة هي ما يلاقيه إخواننا في كوسوفا على يدي جزاري الصرب الحاقدين من إبادة، وتطهير يشيب له الولدان مع عجز قاتل مخز من الدول الإسلامية من نصرة إخوانهم إلا من فتات طعام يقدم لهم بعد إذن جلاوزة النظام العالمي الجديد، ونار أخرى مقبلة لا يفطن إليها إلا من عرف طبيعة المرحلة المقبلة التي سيكون القول فيها للأسلحة الفتاكة والقوة العسكرية والعصا الغليظة لمن يجرؤ على أن يتساءل لماذا؟ عوضًا عن أن يقول: لا.
فحلف الأطلسي - إن نجحت مغامرته - لا سمح لله - مع الصرب وهم من بني جنسه فمسلسل الإرهاب والتأديب مع الدول الإسلامية سيكون – بلا شك أشد سطوة. فالقرن الحادي والعشرون - ما لم تتدارك الدول الإسلامية نفسها وتعيد ترتيب بيتها يحمل في طياته عودة جديدة للاستعمار الغربي بكل أشكاله العسكرية والاقتصادية والسياسية الاجتماعية والمعتمد على منطق القوة لا غير.
ولكن وسط هذا الظلام الدامس يشع نور خافت لا يراه إلا من عرف سنة الله في الكون، وتدبر آياته ووحيه المنزل على رسوله كما قال تعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
وكما قيل اشتدي أزمة تنفرجي ولن يغلب عسر يسرين ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6).
ولكن ينبغي للمسلمين، أن يعدوا أنفسهم للنصر، ولا يتواكلوا على السنن، بل يأخذوا بها، وكلهم أمل بأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
ولابد للدول الإسلامية من أن تعيد المصالحة مع دين الله وشرع الله، وأن تخلي بين الشعوب وإسلامها، وتزيل العوائق عن طريق العودة إلى الإسلام أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصًا جناحاه، وهذا الواقع الأليم مع مرارته - يحمل في ثناياه بشائر النصر لجند الله لا جند الشيطان ولا جند الشهوات ولا جند الدنيا.
فلنكن من جند الله، ولنأخذ بأسباب القوة كما أمرنا بذلك ربنا تبارك وتعالى بقوله ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
فنحن أمة تملك مفاتيح النصر، وأسباب الغلبة ويستفيد المسلمون من تضارب المصالح بين القوى وتقاتل الأعداء على القصعة حتى يدفعوا الشر عن أنفسهم، ولنا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في غزوة الأحزاب دروس وعبر، إذ انقلب الضعف والخوف إلى قوة ونصر بإذن الله.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ﴾ (الأحزاب:9-11) إلى قوله: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ﴾ (الأحزاب:25)
حسین بن علي الشقراوي- الرياض- السعودية
إنسان الاستنساخ بلا روح ولا إنسانية!
أدى خبر استنساخ النعجة دوللي ومن ثم نجاح تجارب استنساخ بعض الحيوانات الأخرى، وبدء الحديث عن رغبة العلماء في إجراء تجارب الاستنساخ البشري إلى حدوث ضجة عالمية كبيرة، واعتقاد كثير من الناس بأن العلماء أصبحوا يتدخلون في عملية الخلق التي هي من اختصاص الله وحده، أو أنهم توصلوا إلى معرفة سر الروح التي هي سبب وأصل الحياة، والواقع أن عملية الاستنساخ ليست عملية خلق بالمعنى المعروف لكلمة «خلق» يقول الله تعالى في كتابه العزيز ونحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴾ (الواقعة: 57- 59). ويقول أيضا: ﴿وقد خلقكم أطوارًا﴾ (نوح: 14).
فالعلماء لا يخلقون، لأن بداية الخلق من صنع رب العالمين، لكن كل ما يفعلون هو أنهم يأخذون خلية حية من الكائن الحي المراد استنساخه، ثم يضعونها في جو مناسب . فيزيائياً وكيميائيًّا لكي تتمكن من التكاثر، إلى أن تصير على هيئة الكائن الحي المأخوذة منه وذلك بسبب احتواء هذه الخلية على جميع الصفات الوراثية له وإن كان الأصل إنساناً فإن النسخة المنتجة مخبريًّا ستختلف عن ذلك الأصل.
نتيجة عدم وجود روح فيها فالروح أمر إلهي يحصل عليه الإنسان وهو في بطن أمه، وبعد مرور عملية الخلق بالمراحل التي ذكرها القرآن الكريم، وهي: نطفة علقة مضغة ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2). إذن عملية خلق الإنسان تحتاج إلى نطفة أمشاج، وهذه حسب تفسير ابن كثير: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، كما أن نفخة الروح لا تحصل إلا على المضغة، وهي المسبية للسمع والبصر، وسائر العمليات الأخرى.
هكذا فإن الكائن الحي المستنسخ من خلية إنسان سيكون بصورة إنسان، لكنه خال من الإنسانية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، إنه سيأكل وسيشرب وسينام، لكنه عديم التفكير والإدراك، وخال من العواطف الإنسانية بشكل كامل، وربما يكون هذا الشخص المستنسخ قادرًا على تعلم بعض الحركات التي تتعلمها حيوانات السيرك أو الحيوانات المستأنسة لكن ما أخشاه أن تلجأ الدول المتقدمة عند نجاح عمليات استنساخ البشر إلى صنع جيوش مستنسخة تدربها على أعمال القتل والتدمير، لأنهم سيكونون وحوشًا على هيئة بشر، وتهدد بهم الدول الأخرى في المستقبل.
محمد سمير الجداع- النمسا
[1] أي أن يترك الناس التناصح فيما بينهم بدعوى أنهم ليسوا أهلًا لذلك
[2] الزهد للإمام أحمد: ٣٦٨
[3] صيد الخاطر, دار الفكر, ص 140
[4] المدهش ۲۸۲
[5] رواه أبو نعيم في الحلية (ص٦٢٢3)
[6] فيض القدير 6/123
[7] هكذا علمتني الحياة, ص ١٤٤
[8] سير أعلام النبلاء 9/341
[9] سير أعلام النبلاء 7/268
[10] أخيار أبو حنيفة : ص 50
[11] مذكرات الدعوة والداعية، ص 91
[12] أخبار أبو حنيفة, ص ۹۲
[13] منهج التربية الإسلامية 2/49
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل