; المجتمع التربوي (1354) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1354)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1354

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 15-يونيو-1999

وقفة تربوية

غاية التواضع

 سئل الزاهد يوسف بن أسباط ما غاية التواضع؟ فقال: ألا تلتقي أحداً إلا رأيت له الفضل عليك (سير أعلام النبلاء (٩/۱۷0)

التواضع ضد الكبر، والكبر من أخطر الأمراض القلبية، ويعرفه الإمام الغزالي اصطلاحيًا فيقول: «هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق قدر الغير وقال أيضًا: «الكبر حالة يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسه أكبر من غيره» (إحياء علوم الدين 3/345).

وأخطر ما في الكبر أن الله يحرم صاحبه من دخول الجنة، بل يحرم من كان في نفسه الشيء القليل منه منها إذ قال النبي r في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (مختصر مسلم ٥٤).

ويذكر ابن قدامة ثلاث درجات من الكبر الأولى: أن يكون الكبر مستقرًا في القلب.

والثانية: أن يظهر لك بأفعاله من الترفع.

والثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه.

(مختصر منهاج القاصدين ص: ۲۲۹).

وبهذا السبب فإن الزاهد ابن أسباط يعلمنا كيفية تربية النفس على التخلص من هذا الداء العضال برؤية الفضل لكل من تقابل في هذه الحياة، حتى وإن كنت في ميزان الناس أفضل منه علماً وخلقاً وديناً، ذلك أن تسرب الكبر والعجب للإنسان آفة كبيرة تفسد ما جمع الإنسان من الأجر فيكون من الخاسرين.                                     

أبو خلاد

   كيف نكيف حياتنا اليومية مع القرآن

  • حياة القلب هي كل شيء وأنت طالب حياة فعليك بالقرآن علمًا وعملًا وإياك وأهواء الدنيا

  • آية واحدة كفيلة بإحياء القلب لو أحسنت استقبالها وتفاعلت مع روحها

بقلم: محمد عبد الله الخطيب ([1])

في زحمة الحياة، والجري وراء السراب، والسباق الرهيب من أجل المادة، قد يغفل الإنسان عن سر وجوده، والغاية التي خلق من اجلها، مع أن المطلوب دائماً اليقظة الإيمانية التي تحول بين القلب والمؤثرات المادية، وتعطل دوره في قيادة الإنسان إلى الله. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيتا فَأَحيَينَٰهُ وَجَعَلنَا لَهُۥ نُورا يَمشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيسَ بِخَارِج مِّنهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122)

لقد كان الأولون يقرأون القرآن فيرتقون إلى مستواه، أما نحن فنقرأ القرآن، فنشده إلى مستوانا، وهذا ظلم بين المنهج الله، ولقد تلقى الجيل الأول من المسلمين هذا الدستور، فصاغوا حياتهم على أساسه، وأخذوه على أنه تعاليم وتوجيهات للتنفيذ والتطبيق والعمل، فكان الفتح الجديد للعالم وكانت الحضارة الجديدة التي أنعشت الإنسانية وارتقت بها، وتمت المعجزة، لأن الأمة الإسلامية كانت في مستوى المنهج الرباني في الفهم والالتزام والصدق والإخلاص.

ويقول عبد الله بن مسعود -t-: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن فرزقنا العلم والعمل معًا».

ويقول سالم مولى أبي حذيفة -t- وقد كان نموذجًا لعطاء حامل القرآن، واستشهد في حرب اليمامة: «بئس حامل القرآن أنا» إن أوتيتم من قبلي، فغرس حربته واستشهد في مكانه، ورفض أن يتزحزح أمام هجوم المرتدين.

نعم لقد تكيفوا معه في حياتهم اليومية، وفي عقولهم ومشاعرهم. وفي حركتهم وسلوكهم، وفي كل أنشطتهم، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وكَذَٰلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحا مِّن أَمرِنَا﴾ (الشورى:٥٢).

فالقرآن روح قبل أن يكون الفاظًا ومعاني والاهتمام بهذا الجانب يجب أن يأخذ مكانه في قلوبنا وعقولنا، وللروح آثارها في حياة المؤمن، وآية واحدة من هذا الدستور، كفيلة - لو أحسنا استقبالها، عملًا واعتقادًا، والتزامًا بتكاليفها في غير فتور ولا كسل مع مخالطة روحها لخفايا القلب فإنها كفيلة بإحياء الإنسان ظاهراً وباطناً، والقرآن حبل الله المتين، كما ورد عن رسول الله r طرفه بيد الله، وطرفه الآخر بيد الناس، فأي جزء أخذنا منه بجد وقوة سرى سره في القلوب، فارتجفت به وسرت فيها لحياة الحقة، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحسَنَ ٱلحَدِيثِ كِتَٰبا مُّتَشَٰبِه مَّثَانِيَ تَقشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلَىٰ ذِكرِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهدِي بِهِۦ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن هَادٍ﴾ (الزمر:٢٣).

شمول المنهج

وأنبه إلى أن مهمة القرآن ليست حياة القلب فحسب، إنما هي وضع مناهج العمل الذي تنتظم به الحياة، حتى لا يضل المرء، عملاً واعتقاداً، أثناء سيره إلى الله، لكنا نتحدث عن روح القرآن التي تحيا بها القلوب وعقل الحياة الذي يوجهها إلى الله على بصيرة هو الأحكام الشرعية.

يقول الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين -يرحمه الله-: ليس في الدنيا كتاب أحاط بمسائل الحياة، وربط بين شؤونها، وجعل بعض هذه الشؤون أسبابًا لبعض، وحل مشكلاتها في بساطة ويسر كالقرآن الكريم: ﴿لَّايَأتِيهِ ٱلبَٰطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِۦۖ تَنزِيل مِّن حَكِيمٍ حَمِيد﴾ (فصلت:٤٢).

فإذا قرأته وتدبرت آياته، وجدته كلًا لا يقبل التجزئة، ووجب أن ترجع ما فيه من أحكام إلى أصولها، حتى يتبين لك الحق فيها، فلا تقتصر على حكم دون أن تلقي بالاً إلى ما يتعلق به من الآيات الأخرى، كما فعل بعض المسلمين في كثير من المسائل.

ويقول صاحب الظلال محدداً دور أمة الإسلام في حمل هذه الأمانة إلى العالم كله: لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظامًا، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام، وفق المنهج الكامل المتكامل ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقًا وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى والتربية تتم في الزمن الطويل وبالتجربة العملية في الزمن الطويل، جاء ليكون منهجًا عمليًا يتحقق جزءًا جزءًا في مرحلة الإعداد وذلك حكمة نزوله مفرقًا.

ويقول القاضي الشهيد عبد القادر عودة -يرحمه الله-: «لقد صنع الله موسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم وأوحى إليهم بالتوراة والإنجيل والقرآن، فهل جاء قبلهم أو بعدهم من غير الرسل من يصح أن يوضع معهم موضع المقارنة؟ وهل استطاع البشر أن يأتوا بمثل ما أتوا به ولقد صنع الله السماء والأرض، وسخر لنا الشمس والقمر، وخلقنا معشر البشر فهل يحسن البشر أن يصنعوا مثل هذا؟ إنهم لا يحسنون أن يصنعوه، بل إن أكثرهم لا يحسنون أن يفقهوا» (التشريع الجنائي: ج 1).

ويقول الأستاذ محمد البهي: «سل نفسك قبل قراءة القرآن، هل هواك مع الله؟ أم مع الدنيا واعلم يا أخي أن كل هوى من الأهواء الدنيوية، إنما هو حجاب كثيف بينك وبين الله، وبين قلبك والقرآن فحب المال حجاب، وحب البنين حجاب، واشتغال القلب بشواغل الدنيا حجاب أو حجب وإعجاب المرء بعلمه أو ذكائه أو صلاحه أو قوته أو جاهه من الموانع الكثيفة الثقيلة، وميل الطبع إلى شيء مما حرم الله وبغضه الخير لمنافسيه، وحسده وحقده ورغبته في نزول الأذى والمصيبة بمن يكره هذا ونحوه: أكنة يبتلى بها القلب، فتحول دون وصول روح القرآن إليه.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذَا قَرَأتَ ٱلقُرءَانَ جَعَلنَا بَينَكَ وَبَينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِٱلأخِرَةِ حِجَابا مَّستُورا وَجَعَلنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِم وَقرا وَإِذَا ذَكَرتَ رَبَّكَ فِي ٱلقُرءَانِ وَحدَهُۥ وَلَّواْ عَلَىٰ أَدبَٰرِهِم نُفُورا﴾ (الإسراء:٤٥-٤٦)، (تذكرة الدعاة بتصرف).

ثم يقول - رحمه الله- مركزًا على هذه المعاني في دنيا القلوب وحياة الأرواح يا أخي حياة القلب هي كل شيء، وأنت طالب حياة، فلا تبخل بأي جهد يجعلك من الأحياء، مهما شق عليك، ونحن في رسالة لا ينهض بحقها إلا القلب الحي، فمن رحلة إلى الدار الآخرة، لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فجرد قلبك من هذه الأهواء، فإنك حينئذ تدرك وتحس وتكره وتحب، وتبكي، وتخشع، وأنت في روضة من رياض الجنة.

ضرورة الطاعة لكتاب الله

إن قضية الدين الأساسية هي اتباع المسلم لما أنزل الله، والاعتراف بربوبية الله والتزام أوامره واجتناب نواهيه، قال تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيكُم مِّن رَّبِّكُم وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَولِيَاءَ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:٣).

اتباع هذا الوحي لأنه حق ويقوم على الحق ويقر الحق في الأرض، فالحق مادته، والحق غايته ومن الحق قوامه، وهو الحق الأصيل الثابت الذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به فالحق سداه، والحق لحمته، وغايته، وسيد الدعاة r مبشر ومنذر به وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَبِٱلحَقِّ أَنزَلنَٰهُ وَبِٱلحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرسَلنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرا وَنَذِيرا﴾ (الإسراء:١٠٥).

إن جميع جزئيات هذا الكتاب وكلياته صدق وعدل، فيما تحتوي عليه من معنى، وفيما تدل عليه من أحكام وتشريع ومن مفهوم، ومن أجل ذلك لا تبدل كلماته، قال تعالى: ﴿وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقا وَعَدلا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ﴾ (الأنعام:١١٥).

إن أكثر الناس في زماننا هذا قد يبتعدون عن كتاب الله، ويهجرونه، ويركنون إلى المناهج الوضعية وإلى الظن في تصوراتهم وحياتهم، وفي أحكامهم ومشورتهم، وهم في حقيقة أمرهم يلجؤون إلى طريق المغالطة لتغطية أغراضهم، والهروب من المواجهة التي تطاردهم، ويكاد المريب يقول: «خذوني».

إن الذي يهجر كتاب الله ويبتعد عنه، وهو ما هو في صدق كلماته، وعظمة تشريعاته، وعدل مبادئه، إنما يبتعد عن الصدق والحق والعدل، إنما يبتعد عن نور الله، إنما يبتعد عن الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، إنما يبتعد عن الموازين التي وضعها المولى سبحانه وتعالى والبديل للأسف عنده هو الظن والهوى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي ٱلأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِن هُم إِلَّا يَخرُصُونَ ﴾ (الأنعام:١١٦).

فمن جانب: هناك حق وصدق وعدل، وموازين وقيم ثابتة هي ما في هذا الدستور الخالد الذي طبق ما يزيد على ألف سنة، فعاش المسلمون في ظله أحرارًا، ومن جانب آخر: هناك ظن وكذب وغفلة، وهو ما يتبعه أكثر الناس والعبرة دائماً ليست بالكم ولا بالنوع، لكن العبرة بما ينطوي على الحق والصدق والعدل.

وإذن فليس هناك خيار سوى اتباع منهج الله والسير على منواله، وترك ما عليه الناس لمن أراد أن يتجنب الضلال والضياع، وصدق رسول الله r حين قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا أبداً ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ألا هل بلغت اللهم فاشهد».

   أشياء صغيرة.. وأرباح طائلة

جهاز صغير لا يحتاج إلى كهرباء ولا صيانة تحمله معك هبة من الله أينما ذهبت وحيثما حللت إنه لسانك الذي في فمك، تسبح به الله تعالى وتحمده فلا يأخذ منك التسبيح والتحميد أكثر من ثانية أو ثانيتين، ولا يكلفك من الجهد شيئًا، فما أكثر ما نستخدم اللسان في كلام لا طائل من ورائه إن لم يكن مجلبة للسيئات إذا كان حديثنا غيبة أو نميمة أو كذبًا.

قد تقول: صحيح أن التسبيح والتحميد لا يأخذ من وقتي، ولا يكلفني من الجهد الكثير ولكن أين الأرباح لست أنا من يخبرك بأرباح وجوائز هذا التسبيح والتحميد وغيره من ذكر الله تعالى، بل إنه الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك».

فتعال أخي المسلم نحسب كم ربحت من هذا التهليل والتحميد لو أردت أن تحسب ثمن عشر رقاب أي عشرة عبيد اشتريتهم لتعتقهم وتنال بإعتاقهم أجرًا من الله، الا يكون المبلغ كبيرًا بل كبيرًا جدًا؟ هذا هو الربح الأول، ثم بكم ستتصدق على الفقراء والمساكين حتى تنال مائة حسنة لا شك في أنه مبلغ لا بأس به، وهذا هو الربح الثاني.

ثم بكم ستتصدق أيضًا حتى تنال حسنات تذهب مائة سيئة عليك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلحَسَنَٰتِ يُذهِبنَ ٱلسَّيِّـئَٔاتِ﴾ (هود:١١٤)، إنه مبلغ لا بأس به أيضًا، وهذا هو الربح الثالث. وأخيراً كم تدفع أجراً في اليوم الحارس يحميك من عدو يتهددك ويتوعدك؟ وهل هناك عدو أخطر من الشيطان؟

لقد أخبرنا r أن كلمات الذكر السابقة تكون لمن يكررها مائة مرة حرزًا من الشيطان يومه حتى يمسي والحرز كما جاء في قواميس اللغة هو الموضع الحصين، ويؤكد الرسول r أن هذه حقيقة وليست مبالغات، وذلك في قوله r في نهاية الحديث ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، أي أحد أعتق عشر رقاب، وعمل بما جلب له مائة حسنة، ودفع عنه مائة سيئة، وصرف عنه الشيطان، فلم يوقعه في معصية أو يؤذيه طوال ذلك اليوم.. فما أعظمه من كسب وما أربحها من تجارة.. رأسمالها قليل، وجهدها سهل، وربحها مضمون.

فطنة البناة في تربية الدعاة (٤)

كيف تكسب القلوب .. وتحسن التصرف .. وتعالج الإعجاب بالنفس؟

بناء الرجال يحتاج إلى نفس طويل.. وكسب القلوب مقدم على كسب المواقف.

بقلم: عبد الحميد البلالي

في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة نتناول مجموعة جديدة من المواطن التي ينبغي أن يفطن إليها البناة في تربية الدعاة، وهي: مراعاة المستوى الفكري، وعلاج العُجب والشهرة، وكيفية كسب القلوب، واكتساب الصبر، وحسن التصرف في المواقف المختلفة علاوة على أهمية وضع الكلام في موضعه الصحيح، وتوجيه الدعاة إلى الاهتمام بالأولويات.

إن الدعاة الذين يربيهم البناة كثيرون، ولأنهم بشر، فإنهم يتفاوتون في الفهم والاستيعاب وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية، وبالتالي يصبح من الصعب التعامل معهم في التربية بأسلوب واحد وبحديث واحد، وهنا تبرز الفطنة باختيار الكلمة المناسبة للرجل المناسب، والأسلوب المناسب للرجل المناسب، وإلا اختلط الحابل بالنابل، ولم يخرج بنتيجة البتة.

يقول الصحابي الجليل ابن مسعود ما حدثت قوماً حديثاً قط لم تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة على بعضهم([2]).

وليس كل ما يعلم يقال، فإن ذلك من الرعونة والحمق، فربما ترتب على ذلك فتنة كبيرة، وضياع للأوقات، ووضع الأمور في غير مواضعها بالإضافة إلى أن ذلك يعني التخبط في تربية الدعاة دونما تركيز تربوي، وبناءٍ متانٍ.

يقول خالد بن يزيد بن المختار: «منكر الحديث الكذب فيه، وآفته النسيان، وإضاعته أن تحدث به من ليس أهله».([3])

الفطنة في: علاج العُجب

يحدث كثيراً أن يكون أحد الأفراد الذين يربيهم المربي متميزاً عن باقي الأفراد سواء بسبب المستوى الاجتماعي، أو الشهادة العلمية، أو مستوى العلم الشرعي أو الثقافي، وقد يظهر ذلك من خلال حديثه أو معاملته لأقرانه أو مع شيخه أو مع من هم خارج إطار الأقران.. على صورة الثناء على النفس أو احتقار أراء الآخرين، والتهوين من شأنها، ولا بد للمربي في مثل هذه الحالات من أن يكون فطناً في تربيته لمثل هذا الإنسان، وأن يرشده برفق إلى هذا الداء العضال، منفرداً معه وحده حتى يكون أدعى للقبول.

وقد يستفحل الأمر، وتتأصل هذه الصفة، فلا ينفع العلاج الانفرادي لها، ويضطر المربي إلى أن يكون العلاج علنياً، وإن كان مخالفاً للأصل وهو الانفراد.

ومما يرويه صاحب العقد الفريد في هذا الشأن أن «مقاتل بن سليمان، قال وقد دخلته أبهة العلم: سلوني عما تحت العرش إلى أسفل الثرى فقام إليه رجل من القوم فقال: ما نسألك عما تحت العرش ولا أسفل الثرى، ولكن نسألك عما كان في الأرض، وذكره الله في كتابه، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه؟ فأفحمه» ([4]).

الصبر على الدعاة

إن من حكمة الله أن جعل الناس مختلفين، فلا تجد اثنين متطابقين في كل شيء، وهذا من عظيم خلقه وقدرته.. وإن من الاختلاف اختلاف قدراتهم على الاستيعاب، فتجد من الناس من يستوعب ما يقال للمرة الأولى، ومنهم من يحتاج إلى بعض الشرح، ومنهم من يحتاج إلى مزيد من الشرح أو الإعادة تارة أخرى، أو الإعادة أكثر من مرة، ومنهم من إذا أعيد على مسامعه الأمر مرات ومرات، فإنه لا يستوعب ما يقال!

ولكل مربٍ من البناة طاقة يتحمل بها، ويصبر على الدعاة الذين يربيهم، وهم كذلك مختلفون فيما بينهم بهذه الطاقة، فمن البناة من يصبر على ضعف الدعاة أو قلة استيعابهم مرة أو مرتين أو ثلاثاً، ومنهم من يتحمل أكثر من ذلك أو أقل... وكلما صبر البناة على الدعاة، وعلى ضعفهم، وقلة استيعابهم ونقص خبرتهم، واجتهاداتهم الخاطئة وتصرفاتهم غير الموزونة، كان ذلك علامة على معدن أولئك البناة وصلابتهم، وفهمهم للدعوة ومرادها.

استخدام الكلام في غير موضعه يحدث فتنة كبيرة ويؤدي إلى التخبط في التربية

ومن أبرز هؤلاء البناة أصحاب الجلد على من يربونهم، الإمام الشافعي الذي ضرب أروع الأمثلة في صبره على من يربيه، وفطنته في عدم إشعاره بضعف استيعابه ليصنع منه علماً من الأعلام. 

ومما يرويه صاحب «طبقات الشافعية» أن: «الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، كان الشافعي يحبه، وقال له يوماً: يا ربيع لو أمكنني أني أطعمك العلم لأطعمتك، وقال القفال في فتاويه كان الربيع بطيء الفهم، فكرر الشافعي عليه مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياء فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه ([5]) من الآفاق نحو مائتي رجل، وقد كاشفه الشافعي بذلك إذ

يقول له فيما روي عنه أنت راوية كتبي» ([6]).

يحتاج البناة في هذا العصر إلى أن يتعلموا من الإمام الشافعي هذا الصبر في تربية الدعاة وهذه الفطنة في مراعاة الشعور وهذا النفس الطويل في بناء الرجال. وعدم الإحراج.

التخلص من المواقف

تقلد الكوفة رجل من قبل أبي جعفر المنصور فأراد أذى أبي حنيفة، فقال: والله لأسألنه عن مسألة تكون سبباً لقتله ثم أحضره على رؤوس الناس فقال: إن أمير المؤمنين يأمرني بضرب الأعناق، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وانتهاك المحارم، أفأطيعه في ذلك أم أعصيه؟

فقال له أبو حنيفة:

«ما يأمرك به أمير المؤمنين طاعة لله أم معصية؟ قال: لا بل طاعة لله، فقال له أبو حنيفة: أطع أمير المؤمنين - أكرمه الله - في كل ما كان طاعة لله ولا تعصه» ([7])

لم يكتف هذا المربي العريق بهذا الانتصار على هذا الطاغية الذي أراد به شراً، بل أراد بفطنته أن يستفيد تلاميذه ويربيهم بمثل هذا الموقف، وأن تكون لهم صفة التخلص من المواقف الحرجة، فقال لهم بعد أن خرج معهم من الباب أراد الرجل أن يرهقنا فأرهقناه، فإذا أتتكم معضلة فاجعلوا جوابها منها ([8])، ذلك أن الداعية بسبب بروزه في المجتمع، وكثرة احتكاكه بطبقات المجتمع، فإنه يتعرض لشريحة من الناس لا هم لهم سوي إحراجه، وإثبات ضعفه وكذبه، حسداً له، وانتصاراً لمناكرهم.

والداعية الفطن هو الذي يستطيع التخلص من هذه المواقف الحرجة بآداب الإسلام، دون أن يكون فريسة «لاستفزازهم المتكرر»، وأن يعلم الدعاة هذه الفطنة وأن يغرسها فيهم حتى تكون سلوكاً، وجزءاً من شخصياتهم. 

لا يمكن للمتربي أن يتلقى ممن يربيه وأن يتأثر به حتى يحبه، ولذلك جعلها بعض البناة قاعدة ماضية في الدعوة كسب القلوب مقدم على كسب المواقف ([9])، فما فائدة التفوق العلمي دون مصاحبة ذلك بمعاملة طيبة، وفطنة في كسب قلوب من نقوم بتربيتهم، تكسر الجمود والرتابة، وتضفي جوًا من المرح والبهجة، وتجديد النشاط، ليقوى على ما هو أشد من أمور الدعوة.

يعلمنا الإمام الشافي هذا اللون من الفطنة من خلال تلميذه الربيع بن سليمان المرادي الذي كان يحبه ويفضله على الكثير من أتباعه، فقد دخل على الإمام الشافعي يوماً وهو مريض فقال له: «قوى الله ضعفك»([10])، فلم يفوتها الإمام الشافعي له، وأراد استغلالها ليمازحه على الرغم مما هو فيه من المرض، فرد عليه «لو قوى ضعفي قتلني»([11]) فقال له الربيع: والله ما أردت إلا الخير»، فرد عليه الإمام الشافعي ممازحاً، ومؤكداً محبته له وثقته به: «أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير»([12]). 

يغيب عن الكثير من البناة للأسف هذا اللون من الفطنة، إما استخفافاً به وبأهميته في البناء، أو بسبب كثرة انشغالات التكاليف الدعوية، أو أن بعضهم يظن أن ذلك ليس من السمت الحق والجدية التي يجب على المربي التخلق بها.

ولا أعلم أن هناك من هو أتقى من النبي r ولا أكثر جدية منه، ومع ذلك فهو يذكرنا بأهمية هذا الأمر في تربية النفوس فيقول: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً»([13]).

على ألا يكون هذا الأمر السمت العام للمربي حتى لا تنطفئ هيبته، ويتجرأ عليه، وخير الأمور الوسط.

الحذر من الشهرة

أكبر فتنة يتعرض لها البارزون من الدعاة هي الشهرة، وإقبال الناس عليهم يستفتونهم ويستمعون إلى خطبهم ومواعظهم، ويتناقلون أحاديثهم، أو مقالاتهم وكتبهم، فيتجمع الآلاف لاستماع دروسهم ومحاضراتهم، ويستنسخ الآلاف من أشرطة خطبهم، ويعرفهم الجميع في كل مكان پذهبون إليه، ويرون من التقدير ما لا يراه من لم يبتل بمثل هذه الشهرة.. وقد يكون مقتل بعض الدعاة البارزين بمثل هذه الفتنة فيسري في نفسه العجب، ثم يرى في نفسه أنه أفضل من الآخرين ثم يحقر أراء المخالفين، ثم لا يتقبل نصح الناصحين، لأنه يظن أنه أعلى مرتبة من النصح والتوجيه. وهكذا يدخل الشيطان إلى قلبه ليفسده استغلالاً منه لفتنة الشهرة، وقل من ينجو من هذه الفتنة العظيمة التي لا يعرف عظمها إلا من عاش فيها .

وأمثال هؤلاء الدعاة يجب أن يفطنوا لذلك فيربوا أنفسهم تربية تختلف عن الآخرين ولا يتهاونوا معها، ويكثروا من تذكر صور التواضع والخوف من عدم القبول، وكثرة التذلل لله، وإرجاع الفضل إليه في كل نعمة هو فيها، لعلهم ينجون من شرر فتنة الشهرة.

والإمام سفيان الثوري كان من أبرز هؤلاء المشهورين من العلماء المربين حتى إن طلبة العلم كانوا يأتونه من المشرق والمغرب على الرغم من الملاحقة الأمنية التي كان يتعرض لها، من السلاطين والأمراء لقوله الحق، ولأنه كان يعيش هذه المشاعر، ويتعرض لمثل هذه الفتنة نظراً لشهرته التي طبقت الآفاق بسبب علمه، ومواقفه الشجاعة في قول الحق، فقد كان يحرص على تنبيه من يربيهم إلى هذه الفتنة، وينقل عنه أحد أبرز تلامذته وهو الإمام عبد الله بن المبارك قوله: «قال لي سفيان الثوري: إياك والشهرة، ما أتيت أحداً إلا وقد نهى عن الشهرة»([14]).

نسأل الله العظيم أن يكفينا شرها .

الاهتمام بما هو أهم

يهتم بعض الدعاة بالسؤال في توافه الأمور وينشغلون بالقيل والقال وكثرة السؤال عن افتراضات قد لا تقع، أو بأمور من اللغو الذي نهينا عنه شرعاً ولا ينبني عليه عمل، بينما يتركون الأمور الأساسية من العلم التي يجب عليهم تعلمها أو التي هي من المستحبات التي تقربهم من ربهم سبحانه وتعالى.

لقد اهتم الإمام أحمد بن حنبل بتربية هذا الصنف من الدعاة - وكان يوجههم الوجهة السليمة إلى العلم الذي ينفع بدلاً من تضييع أوقاتهم فيما لا ينفع.

فقد روى عنه أبو جعفر شامط القطيعي - أحد تلامذته - أنه دخل عليه فقال: «أتوضأ بماء النورة ([15])؟ فقال: ما أحب ذلك، فقال له: أتوضأ بماء الباقلاء؟ فقال: ما أحب ذلك، فقال: بماء الورد؟ قال: ما أحب ذلك. قال: فقمت، فتعلق بثوبي، ثم قال: ماذا تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت، فقال: وماذا تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكت، فقال: اذهب فتعلم هذا» ([16]).

إنها فطنة من هذا الإمام الذي أدرك بعد استماعه لمثل هذه الأسئلة أن السائل لا يعلم الأمور الأولية فضلاً عن دقائق الأمور، وهي لفتة تربوية مؤثرة جعلت هذا الطالب لا ينسى مثل هذا الموقف بل يرويه بكل اعتزاز عن شيخه الإمام أحمد، حتى لا يقع الآخرون فيما وقع فيه ..

هنيئًا لطالبيها

كل منا له تطلعات أو أهداف يصبو إلى تحقيقها وإنجازها، وهذا من طبائع الأشياء.

فلو أننا خيرنا أحداً بين القصر الكبير الفاخر والمنزل المتواضع، في إحدى المناطق، فماذا يختار؟ مع ملاحظتنا أن هذا المنزل أو القصر إنما هو من أمور الدنيا، لتبيان تفاوت الأذواق وتشعب الطبائع، وليقيس كل منا على ما يشاء. مما لا شك فيه أن قطاعاً كبيراً من البشر لن ينظر إلى هذا القصر إلا على أنه منزل يحتوي بداخله على الهدوء والاستقرار وأنه يختلف بتاتاً عن المنزل المتواضع. وقد تكون نسبة الذين يختارون القصر أكبر لما يرونه فيه من مساحة شاسعة وارتفاع شاهق أو بعدد غرفه وحجمها ... إلخ.

وهكذا، فمهما ترقى الناس في دنياهم فسيبقى ما يبلغونه منها أمراً هيئاً بالنسبة لما تحمله الجنة من نعيم. كيف لا وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ولنسمع الرسول r مجيباً عن سؤال الصحابة عن بناء الجنة، فيقول عليه السلام في صفة بنائها: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر الملاط المادة التي توضع ما بين اللبنتين وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم رواه أحمد، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيما وَمُلكا كَبِيرًا﴾ (الإنسان: ٢٠)

واختم بحديث للرسول r يرويه ابن ماجه في كتاب «الزهد» - باب صفة الجنة - فيقول - واصفاً الجنة: هي: «نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبداً، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية».

 فهنيئاً لمن طلبوا العلياء، والمراتب العلي والنعيم الخالد المقيم ..

عبد العزيز الجلاهمة
 

([1]) من علماء الأزهر الشريف.

([2]) جامع بيان العلم ١٦٣/١

([3]) جامع بيان العلم ۱۳۱/۱

([4])العقد الفريد ۲۱۸/۲.

([5]) أي الربيع.

([6]) طبقات الشافعية ٢٦٠/١

([7]) أخبار أبي حنيفة، ص: ٦٢،٦١.

([8]) أخبار أبي حنيفة، ص: ٦٢،٦١.

([9]) عبد البديع صقر - كيف ندعو الناس.

([10]) طبقات الشافعية٢٦١/١

([11]) طبقات الشافعية٢٦١/١

([12]) طبقات الشافعية٢٦١/١

([13]) رواه الطبراني وصححه الألباني (ص ج ص ٢٤٩٤).

([14]) سير أعلام النبلاء: ٢٦٠/٧

([15]) مادة للبناء تشبه الجبس

([16]) طبقات الحنابلة ٤١/١

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

110

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

99

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

112

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)