العنوان المجتمع التربوي (1369)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1369
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 28-سبتمبر-1999
- وقفة تربوية
من صور الإيثار
هذا الإسلام العظيم ينتج كل يوم آلافًا من النماذج البشرية التي يعجز أي منهج عن إنتاجها، إنها آيات بالكمال البشري، لا يمكن أن يصوغها غير هذا المنهج الإلهي.
فالأخلاق التي يحث عليها الإسلام تمثل قممًا في التعامل البشري، وهي السبب الذي دعا الكثير من الأمم للدخول في هذا الإسلام، ويعجز المرء عن تعداد هذه الأخلاق، وتلك النماذج.
فمن هذه الصور ما يرويه الواقدي «أن زوجته جاءته يوم عرفة تشكو عدم ملكها ما يصلح للعيد، يقول: فمضيت إلى صديقي التاجر فعرفته بحالتي فأعطاني كيسًا مختومًا فيه ألف دينار ومائتا درهم، فمضيت إلى البيت فجاءه هاشمي يشكو حاجته وذهاب غلته، فدخل على زوجته فأخبرها خبر الهاشمي، فقالت له: ما نيتك، فقال لها: أعطيته نصف ما في الكيس، قالت ما أنصفت، فإذا كان رجل من السوقة يعطيك ١٠٠٠ دينار، فكيف تعطي من له نسب إلى النبي ﷺ نصف الكيس، فأعطاه الكيس كله، ثم ذهب التاجر يشكو حاجته إلى الهاشمي، فقام الهاشمي وأعطاه الكيس كله، فعرفه التاجر ورده للواقدي، ثم استدعاه يحيى بن خالد البرمكي، واعتذر له عن انشغاله عنه بما كان يريد الأمير، وقص له الواقدي قصة الكيس، فأمر له بعشرة آلاف، وقال له: ألفان لك، وألفان للهاشمي، وألفان للتاجر، وأربعة آلاف لزوجتك فإنها أكرمكم». الجليس الصالح 1 / 312، 313.
أبو خلّاد
- كيف تكسب ودَّ الناس؟
الوصول إلى القلوب غاية عظيمة تتحقق بآداب بسيطة
الإنسان مدني بطبعه، لابد له من الناس، ولابد لهم منه، وحتى يكون متكاملًا في جميع شؤونه فإنه محتاج إلى إتقان فن التعامل مع الناس من عدو، أو محب، أو بعيد، أو قريب فإن كسب قلوب الناس مهمة لیست باليسيرة إلا لمن يسرها الله له، والشاب الملتزم بحاجة ماسة لتعرف طرق وأساليب معاملة الناس حتى يحب الناس هذا الدين وأهله والملتزمين به، وبعض الناس معرض عن دعوة الله لعدم انسجامه مع الداعية نتيحة لبعض تصرفاته الخاطئة وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس إن منكم منفرين» «رواه البخاري في أبواب صلاة الجماعة، وفي العلم والأدب والأحكام▪ كما رواه مسلم في باب «أمر الأئمة بتحقيق الصلاة في تمام».
هذه الطرق والأساليب المشار إليها عبارة عن اخلاق وآداب حث عليها المصطفى ﷺ إذ وَرَد قوله: «إن المؤمن بحسن خلقه يبلغ درجة قائم الليل وصائم النهار» وقوله أيضًا: «المؤمن بألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس»، ويقول ﷺ كذلك: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» «سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ۹۳۹».
والأمر هكذا، هذه بعض الوسائل التي يمكن أن نستعين بها على حُسن التعامل مع الناس من أجل كسب ودهم، والوصول إلى قلوبهم:
1- الاهتمام بمشاعر الآخرين: بمقابلتهم بصدر رحب والتودد في الحديث معهم والسؤال عن حالهم، وأخبارهم والنظر في وجوههم في أثناء الحديث فلا تتشاغل عنهم، فهذا الرسول ﷺ: «كان لا ينزع يده إلا أن ينزعها صاحبه» وكان من صفاته ﷺ أنه إذا كلمه أحد أقبل عليه بوجهه، ومن الاهتمام بمشاعر الآخرين ملاقاتهم بوجه طلق فهذا الرسول ﷺ يقول: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق» «رواه مسلم في البر».
هكذا: أستمع جيدًا لهموم الناس وقدّر مشاعرهم وحثهم في قضاياهم يقول عبد الله بن الحارث: «ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ» «رواه أحمد والترمذي بسند حسن».
2- تجنب أسلوب الأوامر: كثير من الناس لا يحب أن يأمره أحد بشيء أن يفعله.
وحياة الرسول ﷺ خير دليل على ذلك، وفي الحادثة التالية ما يبيّن ذلك: «جاء وقد من الفقراء من مُضر، فرأى الرسول حالهم فقام فخطب في الناس ثم قال: «تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجل بديناره بماله بصاعه».
لم يقل الرسول: أيها الناس: قوموا فتصدقوا على هؤلاء، ولكن قال: تصدق رجل! استعمل أسلوب التشويق: فهذا الرسول ﷺ يشجع الصحابة بقوله: «لأعطين الراية غدًا لرجل يحبه الله ورسوله» أي يجب أن تستعمل أسلوب إعطاء الثقة في الآخرين.
3- حُسن الكلام والاستماع: حث النبي ﷺ على طيب القول وحُسن الكلام كما في قوله ﷺ: «الكلمة الطيبة صدقة» لما لها من أثر في تأليف القلوب وتطييب النفوس.. فليس المهم توصيل الحقيقة إلى الناس فقط، ولكن الأهم الوعاء الذي سيحمل تلك الحقيقة إليهم.
وهذا موقف لعائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، قالت: عليكم السام واللعنة، قالت فقال الرسول ﷺ، مهلًا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالوا؟ قالت: فقال رسول الله ﷺ: قد قلت وعليكم: «رواه البخاري في كتاب الأدب».
فكلام الرسول ﷺ مع أهل الفجور والفسوق والكفر يحتاج منّا إلى دراسة متأنية ففيه البصيرة النافذة، والحكمة البالغة.
يقول يحيى بن معاذ رحمه الله «أحسن شيء كلام دقيق يستخرج من بحر عميق على لسان رجل رقيق»، أما في حُسن الاستماع فيقول أحد الكتاب: «إذا أردت أن يحبك الناس فكن مستمعًا طيبًا وشجع محدثك للكلام عن نفسه».
4- النظر إلى العيوب وترك الحسنات: يقول الرسول ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»، ويقول أحدهم:
بكيت على عمروٍ فلما تركته
وجربت أقوامًا بكيتُ على عمرو
هكذا نحتاج إلى النظرة الشمولية إلى الناس في إنصافهم.
يقول مؤلف لمحات في فن القيادة: «هناك طريقتان في الحياة:
1- النظر إلى مساوئ الناس ومحاولة إذلالهم بهذه المساوئ.
2- النظر إلى محاسن ومساوئ الناس ومحاولة تحسين المساوئ.
5- الشُكر وتقدير الصنيع: التقدير يكون في بداية العمل كما يكون في نهايته، وتقدير الصنيع لا يكون ماديًا فحسب، بل يتم ولو بكلمة، فلقد وَرَد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافتونه به فأدعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» «أخرجه أبو داود والنسائي»، وهذا الرسول ﷺ يقول لعثمان بعدما قدم مائة ناقة في جيش العسرة: «ما ضَرَ عثمان ما فعل بعد اليوم».
6- لا تهتك سر أخيك: يقول الرسول: صلى الله عليه وسلم- «من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة» «حديث صحيح»، ويقول تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 134).
7- قضاء الحوائج: جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، والميل إلى من يسعى في قضاء حاجاتها، لذلك قيل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما أستعبد الإنسان إحسان
وأولى الناس بالخدمة وقضاء الحوائج، الأهل. يقول ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» «سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني».
وكذلك من الأفضلية في كسب الناس الجيران لقوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» «رواه مسلم في كتاب الإيمان».
لذلك ينبغي أن نتحبب إلى الجار فنبدأه بالسلام، ونعوده في المرض، ونعزيه في المصيبة، ونهنئه في الفرح، ونصفح عن زلاته.
ومن أصناف الناس الذين ينبغي أن نكسبهم من نقابلهم في العمل، والدراسة.. إلخ. وفي الحديث: «ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف شهرًا في المسجد». «سلسلة الأحاديث الصحيحة».
8- التأنيب والتوبيخ في غير محله: قبل الحكم على الشخص الغائب أسأله: أين كان أولًا؟
9- المداراة في التعامل مع الآخرين: الصراحة التامة مع كل أحد لا تنفع دائمًا.
والمداراة غير المداهنة ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة
-رضي الله عنها-: «أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، فلما جلس تطلّق النبي ﷺ في وجهه وأنبسط إليه، فلما أنطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ﷺ: يا عائشة متى عهدتني فاحشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، من تركه الناس اتقاء فحشه» «رواه البخاري في كتاب الأدب».
قال ابن حجر -رحمه الله- نقلًا عن القرطبي: «وفي الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم إتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى».
10- لا تنسب الفضل إليك: في رسالة من سید قطب باسم «أفراح الروح» إلى أخته يقول: «التجار وحدهم هم الذين يحرصون على العلاقات التجارية لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون ويسلبونهم حقوقهم من الربح، أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها لحد أنهم ينسبونها إلى أنفسهم لا إلى أصحابهم الأولين».
11- أنزلوا الناس منازلهم: فقد كان ﷺ يجل من يدخل عليه ويكرمه، وربما بسط له ثوبه، وقصة إسلام عدي بن حاتم الطائي دليل على ذلك، ويقول المصطفى ﷺ: «ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» «صحيح الترغيب والترهيب».
- احترم من خالفك في الرأي مما فيه مجال للاختلاف، ومتسع للنظر، مع عدم انتقاصه، ورميه بالجهل.
- احترم المتحدث ولا تقاطعه، قال الحسن بن علي -رضي الله عنه-: «يا بني إذا جالست العلماء، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول: وتعلّم حُسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك».
12- المزاح مع الناس: قد يظن البعض أن من كان فرحه كثيرًا مع الآخرين هو أحسنهم تعاملًا معهم، أو يظن بعضهم الآخر أن التزمت وعدم الانبساط مع الناس وممازحتهم هو السبيل للحفاظ على الشخصية الجادة.
فهذا الرسول ﷺ يضرب أروع الأمثلة في المزاح، وإدخال السرور على الناس، فكان ينبسط مع الصغير والكبير، ويلاطفهم، ويداعبهم، ويمازحهم، وكان لا يقول إلا حقًا.
ضوابط المزاح:
1- هناك مزاح محمود، وهو الذي لا يشوبه ما كره الله -عز وجل- ولا يكون بإثم أو قطيعة رحم.
2- ومزاح مذموم، يثير العداوة، ويذهب الحياء، ويقطع الصداقة، ويقول عمر
-رضي الله عنه-: «من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح أستُخف به، ومن أكثر من شيء عُرِف به».
13- تقديم الهدية للآخرين: ففي الحديث: «تهادوا تحابوا».
خالد إبراهيم مغيربي
- بين الطالب والمعلم
الفاعلية، الطاقة، الحيوية، تفجر الحياة تلك بعض صفات هذه الأيام في مستهل هذا العام الدراسي الجديد، وإن عماد هذه الحركة التعليمية في مستوياتها كافة عنصران أساسيان هما: الطالب والمعلم، ولقد سمعنا من بعضهم شعارًا يقول: الطالب أولًا، وسمعنا شعارًا آخر يقول المعلم أولًا. ولنحاول هنا أن نروز كلًا من هاتين النظريتين:
الطالب أولًا: يقول أصحاب هذا الاتجاه: إن المؤسسات التعليمية قد أُنشئت لأجل الطالب، أما المعلم فقد جاء إلى هذه المؤسسات لأجل الطالب، والإدارة والإمكانات مهما بلغت صعدًا في سلّم المصروفات في مراحل التعليم كافة، فإنما هي لأجل الطالب، الطالب باعتبار ما سيكون، كما يقول البلاغيون، هو الجندي الذي يدافع عن القيم والمقدسات والوطن والأمة، الطالب هو الطبيب الذي يعالج الناس لتبقى أجسامهم صحيحة قوية، والعقل السليم في الجسم السليم. الطالب هو الأديب الذي يثري وجدان الأمة، ويرفق إحساسها ومشاعرها في المواقف الإنسانية، ويلهب شعورها في مواقف البطولة، والطالب هو العالم الذي يرتفع بالأمة من الإخلاد إلى الأرض والالتصاق بالتراب، ويرفعها إلى نور الله الإسني، وهكذا فإن الطالب هو الأمة بكاملها إذن يجب أن يكون الطالب في دائرة الاهتمام أولًا.
المعلم أولًا: ويقول أصحاب هذا الاتجاه: الطالب منفعل، والمعلم هو اليد التي تحرك هذه الفاعلية، إذا كان الطالب اللبنة الأولى في بناء صرح الأمة فإن المعلم هو الباني لهذا الصرح، والمعلم هو مهندس العقول الفاعلة في الحياة، ولنتصور فصلًا بلا معلم أو جماعة بلا رئيس أو جيشًا بلا قائد لقد كان مجتمعنا العربي في الجاهلية فوضى لا نظام له، وكانت الجزيرة العربية نهبًا بين الأمم الأقوى، عدا قلب الجزيرة فقد كان يأكل بعضه بعضًا إلى أن جاء رسول الله ﷺ برسالة من رب العالمين فجعل من ذلك المجتمع بإذن الله خير أمة أخرجت للناس.
وفي سيرة محمد الفاتح ذكر الدكتور سالم الرشيدي عن فضل المعلم ما يلي: «وقد عني السلطان مراد عناية بالغة بتعليم ابنه وتثقيفه، غير أن محمدًا أظهر أول الأمر جموحًا وإعراضًا شديدًا عن التعلم والدرس، ولم يسلس قياده لأحد من المعلمين الذين ندبهم أبوه لتعليمه، فسأل عن رجل ذي جلالة ومهابة وشدة، فدُل على المولى أحمد بن إسماعيل الكوراني، وأعطاه السلطان مراد قضيبًا يضرب به، ودخل المعلم والقضيب في يده وقال: أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري، فضحك منه محمد وسخر من كلامه، فعاجله الكوراني بضربة قوية أرتاع لها الفتى الشموس، ثم استخزى لها، وكأنما كانت هذه الضربة الأولى الحازمة التي تلقاها محمد الطلسم الذي فك الأقفال والمغاليق عن نفسه، ففتحت جوانبها، وأقبل الفتى على التعليم بنَهَم ونشاط، فما مضى غير قليل من الوقت حتى ختم القرآن. وفي العصر الحديث أدرك بعض المربين دور المعلم، لذلك لا نستغرب في دولة كاليابان أن تعيّن حملة الشهادات العليا ليعلموا أولى حلقات التعليم مع صرف مرتباتهم على أساس شهاداتهم العليا، وهذا ما انعكس على المخطط البياني لذكاء الطفل الياباني المكتسب واتجاهه نحو الأعلى باضطراد.
د. أحمد الخاني
- آفات على الطريق «الحلقة الرابعة»
سُبُل النجاة من اليأس والقنوط
بقلم: د. السيد محمد نوح (●)
تذكّر حالات النجاح.. تصرّف بحكمة وعش بين المتفائلين.
احرص دومًا على تحقيق الوحدة الإسلامية وواجه الصعاب بهمة عالية.
نتابع في هذه الحلقة -التي تعتبر الأخيرة في الحديث عن آفة اليأس والقنوط- ما كنا قد بدأناه من الحديث عن طرق العلاج، مستكملين رسم هذه الطرق، وسبل الوقاية والنجاة من هذه الآفة، آملين أن يقي الله الجميع شرّها، وألا يقع أحدٌ أبدًا فيها ومن تلك الخطوات والسُبل:
10- تذكر حالات النجاح بالإضافة إلى حالات الفشل:
ذلك أنّه له إذا ألحّتْ حالات الفشل على الفرد والجماعة الحاكم والمحكوم، فإنه ينبغي -مقاومةُ لهذا الإلحاح- تذكر حالات النجاح والفوز في النفس، وفي الكون، ومع الخصوم من شياطين الإنس، والجن، والله -عزّ وجلّ- عوّدنا أن ما العسر يسرًا، وإن مع الشدة الفرج مع قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7). وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *﴾ (الشرح: 5 - 6).
ويفعل ذلك للمرء في كلّ يوم، بل في كل ساعة، بل في كل دقيقة، بل في كل لحظة، رحمةُ منه -سبحانه- وتفضلًا، فإن تأخر ذلك فلحكمة لا يعلمها إلا هو، قال تعالى:
﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: 168).
ومَنْ يظل على هذه الحال متذكرًا النجاح بالإضافة إلى الفشل يبقى سليمًا من اليأس والقنوط، واثقًا بوعد ربه، متفائلًا، عاملًا إلى آخر الزمان.
11- التصرف بحكمة وقاية للمكاسب من الضرب أو الإجهاض:
ينبغي اليقين بأن الأعداء والخصوم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمّة، وأنهم إذا تمكنوا لا يرضيهم شيء إلا أن نعود كفارًا مثلهم أو نموت قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (النساء: 89).
وقال سبحانه: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: 2).
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: 20). وقال جل وعلا: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).
وانطلاقًا من هذا اليقين، وأثاره فإن على المسلمين: أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين، أن يتصرفوا بلباقة وحكمة لاسيّما في مرحلة الضعف التي نعيشها اليوم تفاديًا لتحقيق ما يريد هؤلاء من الضرب أو الإجهاض، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).
وقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).
12- الحرص على تحقيق الوحدة الإسلامية والمحافظة عليها:
وذلك بأن يكون لدينا اليقين التام أن الوحدة الإسلامية والمحافظة عليها هي طريق القضاء على اليأس والقنوط، بل زرع الثقة بالله في القلوب، والأمل في النفوس، بيد أن هذه الوحدة لا تتحقق إلا بالإخلاص ثم بالإخوّة الإسلامية التي ينصح فيها الأخ أخاه، ويأخذ بيده للتخلُص من عيبه عمليًا، ويملأ عليه فراغ حياته، فلا تبقى لحظات تُستغل مِنْ قِبَل شياطين الإنس، وشياطين الجنّ، وتكسبه خبرات وتجارب، وتفتح له مزيد أبواب لتحصيل الأجر والثواب، وتُذهب عنه السأم والملل، وبالتالي اليأس والقنوط، وتعينه على إنجاز المطلوب من أقصر طريق، وبأقل التكاليف، وتحفظ له هيبته بين الناس.
وهكذا تثمر الأخوّة الإسلامية -في ضوء ما تقدم- وحدة إسلامية جامعة، تقف في وجه الأعداء، والخصوم، وتحبط المكائد والمؤامرات شريطة عدم الإصغاء لهؤلاء الأعداء، وعدم الثقة فيما يصدر عنهم مما ظاهره المشورة والإصلاح، وباطنه العذاب، والفساد، والإفساد.
13- التخلص من صحبة المعروفين باليأس والقنوط مع العيش بين المتفائلين والمستبشرين:
ينبغي التخلص من صحبة المعروفين باليأس القنوط لئلا يصيبه ما أصابهم، مع العيش بين المتفائلين والمستبشرين كي يفتح له هؤلاء باب الأمل، والرجاء، والثقة في الله، وفي وعده بنصر المؤمنين، وصدق النبي ﷺ القائل: «مَثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمّا أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إمّا أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة،» «أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الذبائح باب المسك 7 / 125، ومسلم في الصحيح: كتاب البرّ والصّلة والآداب: باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء 4 / 2026 رقم ٢٦٢٨ / ١٤٦ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا، واللفظ للبخاري»
14- الانتباه إلى مضاعفة الوزر لليأس والقنوط:
المرء بيأسه، وقنوطه، موزور لا مأجور، لأنه استمع للشياطين، ولم يستمع لله، والرسول، وبالتأكيد سيقتدي به في يأسه وقنوطه آخرون، لاسيّما الناشئة والشباب فيتضاعف عليه الوزر: وزر نفسه، ووزر هؤلاء، ويلقى بذلك عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة معًا.
قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: ١٣)
وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25).
15- مواجهة اليأس والقنوط بهمّة عالية، وعزيمة صادقة:
الهمّة العالية، والعزيمة الصادقة، والإرادة القوية تعين المرء على مواجهة أيّ من الشدائد: يأسًا أو قنوطًا من غير توانٍ أو انقطاع، وكذلك تعين على تخطيّ العقبات والمعوقات كي تصل السفينة سالمة إلى شاطئ النجاة، وبرّ الأمان، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128).
16- الأخذ بسُنن الله في مواجهة الإخفاق والفشل:
ذلك أن لله سُننًا في كلّ شيء في هذا الوجود، لاسيّما مع اليأس والقنوط، ولئن أراد الضعفاء التخلص من حالات اليأس التي أصابتهم، والقنوط الذي اعتراهم فليبحثوا عن هذه السُنن، وليأخذوا بها، ومن هذه السُنن: النجاح في عمارة الأرض إلى حدّ السيادة فيها، مع معرفة حكم الله، والأخذ به في كل صغير وكبير، ثم حراسة الحقّ من عدوان المبطلين وتطاول المتطاولين، مع الصبر والتحمل إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وبعبارة أخرى ينبغي على العلماء -كلٌّ في تخصصه- أن يحصروا آخر ما وصلت إليه البشرية من تطور وتقدم، ثم يضيفوا إليه الجديد الذي يجعلهم سابقين عصرهم، مواكبين واقعهم، وكذلك على أرباب الأموال مساعدة هؤلاء العلماء في تنمية البحث العلمي ليخطوا خطوات إلى الأمام، ومَنْ لم يكن من هذا الصنف ولا ذاك، فليسخّر بدنه في قضاء حوائج الناس من: حفر آبار، والأخذ بيد معوّق أو طاعن في السن، وإرشاد الضال، وإغاثة ملهوف، وتفريج كربات المكروبين، وهلّم جرا، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل بما يناسب حاله، وحال الأمة من تغيير باليد، أو باللسان، أو بالقلب، والصبر على مشاق ذلك مع التحمل.
قال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ *﴾ (العصر: 1 - 3)
وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
17- تذكر عواقب وآثار اليأس والقنوط:
أخيرًا علينا أن نتذكر عواقب اليأس والقنوط الفردية والجماعية، وننعم النظر في ذلك علّها تكون حاملًا على التخلص من هذا اليأس والقنوط، ودافعًا للحصانة منهما أن يأخذا طريقهما إلى النفوس مرّة أخرى، فإن من تذكر العاقبة الضارة لأمر ما، وكان صادقًا مع نفسه، مراقبًا ربّه أقلع عن هذا الأمر، وعمل جاهدًا على عدم العود إليه مرة أخرى.
- علم الإدارة والعمل الدعوي
مزج الاثنين يتحقق بوضع الأهداف والتخصص المرحلي والنظرة الإيجابية للأمور
أصبح علم الإدارة من العلوم الأساسية التي يحتاج إليها العاملون في الحقل الدعوي والعمل المؤسسي الإسلامي، وإن كان بعض ما حدث من تجارب مع الدعاة العاملين في هذا المجال بعد مرحلة بدائية في وقت مضى، فهي الآن أحرى بأن تكون في نمو نحو النضوج المأمول.
إن دعوتنا -نحن الإسلاميين- تحتاج لإطارات واضحة لفهم طبيعتها والمسار الذي ننوي الوصول إليه، والذي أهدف إليه من هذه المشاركة، نهج منهج عملي في عرض القضايا التي نحتاجها في عملنا الدعوي المؤسسي، فالمراجع كثيرة في هذا الجانب، لكن بعضها يغلب عليه هيمنة العقيدة، فكثير من الدعاة يحاضر في مرتكزات عقدية، لكنه يخفق أحيانًا في قضايا عقدية عملية.
وهكذا، فإن الإدارة والعمل الدعوي يحتاجان لممارسة ومعالجة واقعية أكثر من محاضرات وتدريبات غير عملية.
وفي البداية أود أن أذكّر بقولين مهمين:
أولهما: قول أبي الأعلى المودودي رحمه الله: «إذا خطونا خطوة في طريق الدعوة بعاطفة أبرد من عاطفتنا نحو أزواجنا وأبنائنا حين تعرضهم للمرض، فإن الفشل مآلنا»، فكثير منّا، عندما يمرض ولد له لا ينام ولربما حمل طفله للعلاج خارج البلاد، بينما ديننا الإسلامي يحتاج لطاقات واهتمامات مثل هذه الاهتمامات أو أكثر وذلك كمرحلة انتقالية نحو تحكيم منهج الله في الأرض.
ثانيهما: أن الكثير منا يجعل من مشكلاته الشخصية هموم الأمة، بينما نحن نحتاج لدعاة يجعلون من هموم الأمة وقضاياها أهم أولوياتهم.
الأعمدة الخمسة الأساسية نحو حياة ناجحة:
1- التوجهات والرؤى السليمة: مثلًا هنا سؤال: لماذا نذهب لأعمالنا في الصباح؟ فبعضنا يفعل ذلك لأنه يحتاج للراتب أو لسداد ديون أو أقساط شهرية، وغيره يريد بناء بيت أو توفير دراسة أفضل لأبنائه وهكذا والسابقون هم من يجعلون من كل خطوة يقومون بها عبادة وابتغاء لمرضاة الله.
2- التعليم: غالبًا ما يكون المتخرجون في الثانوية أفضل عملًا من غير المتخرجين، وكما يقولون: تعلُّم أكثر يعني حياة اقتصادية أفضل.
3- البدايات المهمة: لا يستطيع الداعية أن يقوم بتسجيل أي أهداف مادام يفضل الجلوس في مكتبه، بل علينا أن نشارك باللعبة، وأن نعرف عن كل شيء قدرًا بسيطًا يفيدنا في المستقبل.
4- الأصدقاء: الصاحب كما يقولون «ساحب»، فإن اقتربت من ذوي الخبرة والمدربين أصبحت من الناجحين وإن اشتركت مع المتمردين لن تحسن إلا الانقلابات.
5- الحياة أفضل مُعلم: البحث والدراسة قضية مهمة بعد التخرج وبعض علماء الإدارة يقول: لو أن فلانًا ركّز في دراسة موضوع معين لمدة أشهر لعادل ذلك شهادة جامعية.
فالقضية الأساسية هي الرؤية والتوجه السليم، وأهم ما في ذلك وضع الأهداف، لأن أي مرحلة من مراحل الإدارة العملية تحتاج لتوجه سليم.
ومما وَرَد في كتاب «التدريب التربوي» لمؤلفه الشيخ مصطفى الطحان: أن «أي خطة ناجحة تحتاج لمعادلة متكاملة الجوانب، فالخطة الناجحة= طاقة بشرية + إمكانات مادية + جدول زمني» فمع التركيز على الطاقات البشرية نحن نحتاج إلى إخراج المهارات والطاقات الكامنة عند كل داعية حتى نتحصل على الفرد المسلم
بعقيدته وهويته، وعمله الإسلامي.
ما السبيل لزيادة المهارات الشخصية؟
يمكن ذلك عن طريق:
1- طريقة التصور «التخيّل»:
الكثير منا عندما يحضّر خطبة الجمعة يبدأ بعرضها كأنه أمام المصلين، فينتج عن ذلك نجاح عرضه لمادة الخطبة، وتحكمه بأعصابه، وتحصيل الثواب فنحن نحتاج لعرض تحليلي لما سنقوم به مسبقًا، كأننا قد وفقنا فيه، والأمور قد تمت
على خير، «النظرة الإيجابية للأمور».
2- طريقة مخاطبة النفس:
لو أن الواحد منا كرر مرات عدة قبل نومه أنه -إن شاء الله- سيذهب لدوامه بالعمل في الوقت المناسب لوجد نفسه أمام مكتبه قبل بقية الموظفين في اليوم التالي حاول ذلك لمدة شهر واحد، وأنظر نتاج عملك بعدئذ.
3- الدورات – الندوات:
الكثير منا لا يستطيع متابعة دراسته العليا، لكنه يستطيع حضور دورات تستمر أسابيع أو شهورًا في المجال الذي يناسبه بحيث يكون قد استفاد وأفاد في عمله، وكما يُقال: «التدريب استثمار ومخزون احتياطي».
القوة السحرية من وراء ساعة عمل باليوم: ساعة واحدة يقوم الداعية منّا بالتركيز فيها بدراسة أو مراجعة معلومات تهمه ستجعل منه متخصصًا في هذا الجانب.. ومثلًا: بعضنا يحب تعلم أساليب الدخول إلى قلوب الناس أو كسب المنبر.
كيف السبيل إلى ذلك؟
تركز في هذا الجانب عبر القراءة اليومية لمدة ساعة واحدة مع متابعة أي موضوعات تتعلق بهذا الجانب بالإذاعة، أو الصحافة، أو التلفاز، أو حضور ندوات، وستكون بعون الله خبيرًا يرجع إليك في هذا الموضوع ويساق إليك التكليف بالمحاضرات.
- مانيلا - عبد الله الصالح
الرابط المختصر :