; المجتمع التربوي (1388) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1388)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000

مشاهدات 60

نشر في العدد 1388

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 15-فبراير-2000

القوانين والمعادلات الإيمانية

«كما أن في عالم الفيزياء والرياضيات والهندسة، وغيرها من العلوم بعض القوانين والمعادلات الرياضية لتيسير معرفة المجهول منها، كذلك توجد قوانين ومعادلات إيمانية لضبط ومعرفة الكثير من السلوك الإيماني.

ففي هندسة الميكانيكا، توجد قوانين ومعادلات عدة:

فالسرعة = المسافة/ الزمن

والحجم = الطول x العرض × الارتفاع

والقوة = الوزن × المسافة / المساحة

والضغط = الارتفاع x الكثافة

والهيدروجين + الأوكسجين = الماء

وهكذا في سائر العلوم الهندسية والرياضية والكيماوية.

ولقد تحدث الكثير من العلماء عن معادلات إيمانية مستنبطة من الكتاب والسنة، منثورة في كتب الزهد والسلوكيات، فكان من المناسب التطرق إليها والوقوف عند بعضها، لتعين الدعاة على سهولة محاسبة النفس، ومعرفة أسلوب معالجة العيوب مع الوصول إلى ما يجب التحلي به من الأخلاق والخصال التي حث عليها الشارع لتتكامل الشخصية الإسلامية، لتكون في ذورة القدوة، حتى تستطيع أن تؤثر في الآخرين عندما تدعوهم لعبادة الله وحده».

هذه هي المقدمة التي كتبها الشيخ عبد الحميد البلالي لدراسته الجديدة: «القوانين والمعادلات الإيمانية» التي سوف تنشر مجلة «المجتمع» مقتطفات منها في أعدادها المقبلة - إن شاء الله - والتي جاءت على صورة 22 معادلة إيمانية، كل معادلة منها تدور حول موضوع إيماني وذلك بأسلوب تربوي بسيط.

يقول الشيخ البلالي في معادلته الأولى بعنوان «الإخلاص».

يقول تعالى في كتابه الكريم ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 11).

والقانون هنا أن العمل الصالح الذي أمرنا به الله تعالى وما جاء به النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، مضاف إليه الإخلاص بالعمل دون شرك، فإن ذلك يؤدي إلى ثواب الله وجنته ورضاه.

عمل موافق للكتاب والسنة + الإخلاص = ثواب الله تعالى.

والإخلاص أحد شرطي قبول العمل من الله تعالى، وبغيره لا يقبل الله العمل.

يقول الشيخ الزحيلي في تفسيره لهذه الآية: «أي: فمن أمن بلقاء الله، وطمع في ثواب الله على طاعته، فليتقرب إليه بصالح الأعمال، وليخلص له العبادة، وليتجنب الشرك بعبادة الله، أحدًا من مخلوقاته، سواء أكان شركًا ظاهرًا كعبادة الأوثان، أم شركًا خفيًا كفعل شيء رياء أو سمعة وشهرة، والرياء: هو الشرك الأصفر، كما في حديث أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الله الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء». (1)

والمخلص تراه دائم الخوف من عدم القبول لأنه يخشى أن يكون ما قدم فيه شيء من الرياء والسمعة، بينما المنافق تراه مطمئنًا لما قدم، وفي ذلك ما قاله رجل لحذيفة: «أخشى أن أكون منافقًا فقال: لو كنت منافقًا لم تخش». (2)

ومن فروع هذا القانون، ما ذكره الزاهد أبو سليمان الداراني عندما قال: «من أحسن في نهار كُفي في ليله، ومن أحسن في ليله کُفي في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه والله أكرم من أن يعذب قلبًا بشهوة تُركت له». (٣) فمن أحسن العمل وأخلصه لله تعالى في النهار كفاه الله شرور الليل وحاجاته، ومن أحسن العمل والتقرب إلى الله في الليل، مختليًا لوحده بعيدًا عن شبهة الرياء، فإن النتيجة تكون كفاية اللي له في نهاره، فلا يحتاج لأحد، ولا ينقصه شيء ومن ترك شهوة لله تعالى، بالرغم من توافر العوامل المساعدة لاقترافها، ولكنه قال إني أخاف الله، فصدق بتركها، دون خوف من رقابة البشر كانت النتيجة أن الله لا يعذبه.

ومن فروعه أن المرء عندما يريد وجه الله سبحانه وتعالى في عمله يوفق له، ويفتح الله عليه أكثر مما يتوقع، وأكثر مما كان مخططًا له، ومن أراد أن يشار إليه بالبنان أو أن يبرز أمام الآخرين، أو يريهم ملكاته، وحسن تدبيره. أو إلى وجه غير وجه الله تعالى، فإن الله يفضحه، ويري الآخرين ضعفه، ولا يوفقه للصواب، فيتعثر ولا يستطيع الوصول إلى ما يريد من الأهداف.

ويكون ذلك واضحًا جليًا في مجال تعليم العلم، والوعظ.

الهوامش

(1) التفسير المنير 16/43 والحديث رواه أحمد بإسناد صحيح «ص. ج. ص 1555».

(2) عيون الأخبار 2/174.

(3) المستطرف 212.

تعال نؤمن ساعة

كيف تكون المراقبة لله؟

الإنسان الذي عرف ربه حق المعرفة يمضي في الحياة بقلب يقظ، وسريرة نقيّة، وتقوده جوارحه للأعمال الصالحة، وقد ألينت له.

فإذا تكلّم علم أن الله يسمعه، فيقول الحق، وإن كان مرًا، ويتحرى الصدق وإن كان صعبًا.

وإذا نوى عملًا علم أن الله يعلم ما في نفسه: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ (الإسراء: 25)، فهو في مجاهدة دائمة لإصلاح سريرته، والإخلاص في أعماله لربه، فلا يرضى ذكر أعمال صالحة كانت بينه وبين الله للناس، أو أن يراه الله حيث نهاه، أو أن يفقده حيث أمره.

وإذا نظر للغادين الرائحين وصور الخلق المنتشرة في وسائل الإعلام يقتصر نظره على الحلال منها فحسب، قال تعالى: ﴿ألَم يعلَم بأنّ اللَه يرى﴾ (العلق: 14).

وإذا جالٍ بفكره وحديث نفسه، تذكّر اطلاع الله عليه، فيسد منافذ الخواطر السيئة، إذ هو بشر يجب عليه مجاهدة نفسه في ذلك، كما يفتح لقلبه منافذ الخير، فيتفكر في حقوق بينه وبين ربه فيرجو منه العفو عما كان، ويتفكر في وسائل يضيف بها لبنات نافعة إلى جيله وأمته.

إنَّ هذه المعاني التربوية، والأسس الإيمانية، كان التابعي الجليل القدوة الربيع بن خيثم الثوري يربي عليها إخوانه، فقد قال لرجل يومًا: «لا تتلفظ إلا بخير، فإن العبد مسؤول عن لفظه: يُحصي ذلك عليه كله»، قال تعالى: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ (المجادلة: ٦)، وكان - رحمه الله - يقول: «إذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا هممت فأذكر علمه بك، وإذا نظرت فاذكر نظره إليك، وإذا تفكرتَ فاذكر اطلاع عليك، فإنه تعالى يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

علي بن حمزة العمري

الشيخ محمود مشوح.. في موكب العلماء الراحلين

مساء السبت الثالث والعشرين من شوالٍ المنصرم، كان مساءً حزينًا على بلدة الميادين الجاثمة على نهر الفرات في سوريا الحبيبة الصابرة المحتسبة.

حزنًا يقطر أسى، ويفيض عبرات، وكيف لا.. فقد فقدت المنطقة الشرقية أعزْ أبنائها، وخيرة علمائها، وشيخًا من شيوخ الصحوة الإسلامية فيها، ومؤسسًا من مؤسسي الحركة الإسلامية بين ظهرانيها.

لقد كان المصاب عظيمًا، والخطب جللًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل.

حزني وحزن أبناء منطقتي، أبناء الفرات جميعًا، وأبناء سوريا أجمع، وأبناء العالم الإسلامي أجمعين – عليه - كنعيم أهل الجنة كلما نفد تجدد، ذلك أنهم فقدوا فيه العالم النحرير، والخطيب المصقع، والأب الحاني الرؤوف، والمصلح الاجتماعي، والعاقل الحكيم، والمفكر المبدع، والسائر على ستن الأنبياء من لدن إبراهيم إلى نبينا محمد عليه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم.       

وما يبكون مثل أبي 

                              ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي 

فقدوا فيه عصاميته وهمته، ودابه، فقد تسلم إفتاء المنطقة، ولما يتجاوز العشرين ربيعًا، فأوقد سراج عقله من نور عينيه، وغاص في بطون الكتب يطالع ويبحث، حتى أنار السبيل للتائهين، فكان منارة على شاطئ الفرات تهدي العابرين، وتضيء ليل السارين فقدوا فيه الداعية إلى الله على سنة الأنبياء، ونهج السلف، بعيدًا عن البدع والضلالات، مترفعًا عن الصغائر والترهات، ويدعو إلى الله على بصيرة هو، ومن اتبعه، وسبحان الله.

فقدوا فيه الخطيب المصقع، صاحب العقل المتنور، واللسان البليغ، فإذا خطب فللمنابر هزة، وإذا تكلم فللكلمات وقع الماء البارد على قلوب المؤمنين، ونزول الصواعق على قلوب الكفرة الظالمين.

فقدوا فيه الجرأة والشجاعة تتصدع جنبات المنابر من وقعها، وتتصدع القلوب والعقول لهولها، فما أخافته سجونهم وقلاعهم، ولا حرسهم وأسلحتهم، ويوم كانت الأحداث على أشدها واستدعاه أعلى رأس في هرم السلطة، وأرغى وأزيد، وتهدد وتوعد، قال له بكل جرأة: «إن التاريخ والواقع لا يؤيدان موقفك، فقد فعل «غيرك» أكثر من ذلك، فأعدم وقتل، وسجن وشرد، وبعد ثمانية عشر عامًا عادت هذه البذرة للنماء والارتفاع، لأن التربة تلائمها والجو يساعدها، فالأولى أن تحقن الدماء، ويتعايش الجميع لبناء هذا البلد ورفعته».

نعم فقد الجميع في أبي طريف - حكمة في عقل، وبلاغة في لسان، وشجاعة في جنان، وفكرًا منيرًا، ورؤية بعيدة، ونظرة صادقة أخذها من كتاب ربه الذي فسر كلماته، وشرح معانيه، ووقف فوق المنبر على مدى ثلث قرن أو يزيد يجلي الغامض فيه، ويوضح ما استعجم على الألسن. واستغلق على العقول، فترك وراءه مئات الأشرطة المسجلة في التفسير، والتاريخ، والأدب، والسياسة. والاجتماع، نسأل الله أن يهيئ لها من ينشر عرفها، ويعلي ذكرها، ويجلّيها للمسلمين لتكون منارة على طريق الدعاة إلى الله، تبدد حجب الليل، وتنير ظلام العقول.

فإن بكينا الشيخ الجليل، فليس ذلك بمستغرب، ونحن نرى المنية تتخطف الدعاة، والعلماء، والمصلحين، واحدًا تلو الآخر، تقبضهم فينقبض علمهم عن الناس، فيتخذ الناس علماء جهالًا يقتون بغير علم، فيضلون ويضلون، كما أخبر نبينا الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وما كان قيس هلكه هلك واحد 

                                                  ولكن بنيان قوم تهدما

شيخنا أبو طريف.. بكاه بلده، وإخوانه، ومصحفه، بكاه المشيعون لجنازته، مصدقين قول السلف: «بيننا وبينهم الجنائز»، فما شهدوا أعظم ولا أضخم من ذلك الحشد، ولا أخف ولا ألطف من ذلك النعش، ولا أظهر وأكرم من ذلك الجسد.

مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة 

                                          غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

رحم الله عمنا أبا طريف في الأولين، ورحمه الله في الآخرين، وأسكنه جنة النعيم «مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا».

﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (الحديد: 12)

نحسبه، كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

عبد العزيز المشوح

من عجائب الدعاء

لقد تضافرت لي ولغيري حوادث شخصية وقصص واقعية مع الدعاء، رأينا فيها عظمة هذا السلاح الفتاك الذي يلتقي مع القضاء في السماء، فيعتلجان.. وينتصر الدعاء على القضاء رحمة وشفقة لجباه خرت لله ساجدة في خشوع وتذلل تناجيه بقلوب صادقة وعيون دامعة، تلح.. تستغيث.. تستنجد.. تتضرع إلى بارئها.. نتوسل إليه.. تدعوه في ناشئة الليل.. فتكون ساعة إجابة تخترق القوانين وتعطل السنن بإذن ربها، كرامة لعباده.. وهي معجزات ربانية باهرة تذهل العقول، وتكشف الهموم، وتجلي الأحزان.

إليك عزيز القارئ نماذج من هذه الحكايات تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 11)، نعرضها في حلقات فتأمل معي:

الحادثة السادسة: هداية الله

كنا قد خرجنا لتونا من المسجد بعد أداء صلاة الفجر، وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث، ونتبادل بعض المعاني الإيمانية في هذا الوقت الجميل الذي تسكن فيه النفس، وترتاح فيه الروح، وهي تستشرف يومًا جديدًا في لحظة هدوء، وسكينة، وصفاء.. لحظة تأمل في الليل وهو يعسعس، والنهار وهو يتنفس، يا له من إعجاز قرآني بليغ، وآيات باهرة عجيبة، وهي تصف استيقاظ النهار كعروس تستنشق الهواء العليل في رقة وحنان وتصافح الشفق بألوانه الزاهية التي تداعب خيوط الليل في وداع يأخذ بالألباب لم يعكر صفو هذه اللحظات إلا صوت موسيقى غربية صاخبة تنطلق من سيارة رياضية فخمة تسير بهدوء بقربنا، وفيها شابان في مقتبل العمر، كانا - على ما يبدو - قد انتهيا من سهرة، وقفلا راجعين لمنزليهما في الهزيع الأخير من الليل.

لا أدري ما الذي دهاني، فقد سرحت فجأة عن صاحبي، وجال خاطري في وجوم، وتساؤل محموم:

ما هذه الهمة التي تجعل هؤلاء الشباب يسهرون حتى الفجر، ولو طُلب منهم قيام الليل لمدة ساعة من الزمان لكان ردهم التثاؤب؟

أطرقت مليًا، ثم توجهت بقلبي وفؤادي لخالقي أناجيه، أرجوه، أدعوه بضراعة وتبتل: «اللهم لا تدع هذين الشابين يصلان إلى بيتيهما إلا بهداية من عندك.. اللهم لا تدعهما يختفيان عن أنظارنا إلا بهداية تشرح بها صدورهما، وتحبب لهما الإيمان، وتزينه في قلبيهما، وتكره إليهما الكفر والفسوق والعصيان»، وعدت لصاحبي - الذي لاحظ شرودي - نواصل ما بدأناه.

وفي اليوم التالي نسيت موضوع الشابين، وتوجهت كعادتي لصلاة الفجر في المسجد، وفوجئت بما لم أتوقعه: نفس السيارة تقف عند باب المسجد، وقد سبقني الشابان إليه، ما الذي حدث؟ هل يعقل أن تكون إجابة السماء بهذه السرعة؟ هل هي رسالة ربانية لمخلوق ضعيف مثلي بأن الله قد استجاب لدعائي؟ لم لا! بل إن حكمة المولى اقتضت أن يصلي الشابان صلاة الفجر بالذات، وفي المسجد نفسه، وفي اليوم التالي، وألا تفوتني صلاة الفجر لأرى بأم عيني أثر الدعاء، وسعة رحمة الله، وكم كانت فرجة غامرة وسعادة عامرة، ويقين عميق بالوعد الإلهي: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60).

عبد الله الزامل

الرابط المختصر :