العنوان المجتمع التربوي (1396)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1396
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 18-أبريل-2000
■ وقفة تربوية
■ عبرة من الهجرة
«اختبأ الرسول ﷺ وصاحبه أبو بكر في غار ثور، بعد أن بذلا كل ما بوسعهما من الأسباب البشرية، وبالرغم من ذلك وصل الكفار إلى فوهة الغار».
في هذه الحادثة الكثير من العبر، أولها أن على المسلم أن يبذل كل ما يقدر عليه من الأسباب ثم يستيقن بعد ذلك بكفاية الله وحمايته وتوفيقه له، وهذا هو معنى التوكل الحقيقي.
والعبرة الثانية أن الله تعالى يريد أن يقول لنا إن النصرة بيده وحده لا بتدبير البشر مهما بلغوا من الذكاء والحنكة والتخطيط، فقد وصل الرسول ﷺ وصاحبه إلى الغار، ولو منعهما الله تعالى من دخوله لحدثت الكارثة ولكن الله مكنهما، وحماهما.
والعبرة الثالثة تتجسد في الثقة بالله، والشعور بمعيته وحسن الظن به، وينال المؤمن من نصرة الله على قدر ما توجد هذه المشاعر في قلبه.
لقد خشي أبو بكر- رضي الله عنه- على رسول الله ﷺ، وأسر في أذنه: «لو نظر أحدهم إلى قدمه لرآنا، وإذا بالرسول- المطمئن لنصر الله الواثق بحمايته الشاعر بمعيته- يرد عليه: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، أو كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ﴾ (التوبة: ٤٠).
إننا بحاجة- كدعاة- إلى مثل هذه الثقة بالله، وحسن الظن به والشعور بمعيته سبحانه لننال من التوفيق ما نصبو إليه بمقدار ما نملك من الإيمان والإحسان.
أبو خلاد
■ ثلاثية: الهجرة.. الجهاد.. والإيمان
عبد الكريم عثمان فادن
كانت الهجرة محنة محفوفة بالأخطار.. لذا اقتضت من الرعيل الأول جهادًا خاصًا وتضحيات كبيرة
يتقدم ذكر الهجرة على الجهاد كلما اقترنا في القرآن لأنها أعم منه ولا تتحقق إلا به
علاقة الهجرة بالجهاد والولاء والبراء علاقة عقدية إيمانية، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (الأنفال: ۷۲) ففي هذه الآية وصف لعلاقة المهاجرين بالأنصار في الدنيا باعتبارها علاقة الموالاة : ﴿أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: ۷۲).
الهجرة في عموم الجهاد: فهذا الولاء والبراء المترتب على هذا التصور الاعتقادي- المستمدين من منطوق الشهادتين- اقتضى من المؤمنين بمكة أن يجاهدوا- بالمفهوم العام للجهاد، وأنواعه المختلفة- أعداءهم من المشركين والجهاد- بدوره- اقتضى هجرتهم إلى النظام الإسلامي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ﴾ (الأنفال: ۷۲)، كما اقتضى هذا الولاء والبراء من الأنصار أن يجاهدوا قومهم من المشركين واليهود، وهذا الجهاد اقتضى إيواء إخوانهم المهاجرين ومناصرتهم ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا.....﴾ (الأنفال: ۷۲)، فبهجرة المهاجرين وإيواء الأنصار إياهم، قد تجسدت حقيقة الولاء والبراء في عقيدة المهاجرين والأنصار، وفي ممارساتهم فلذلك وصفهم القرآن بالموالاة وبالإيمان: ﴿أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: ۷۲)، ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ﴾ (الأنفال: ٧٤).
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: «ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: ٢١٨) «2».
وهذا مما يدل على أن الهجرة دليل الجهاد والجهاد دليل الإيمان، لذلك تعتبر الهجرة عقيدة كما أن الجهاد عقيدة ولهما ارتباط بعقيدة التوحيد من خلال عقيدة الولاء والبراء على النحو السالف.
إن الجهاد بمفهومه العام.. يعني البذل في سبيل الله بأقصى ما في الجهد والوسع في أمر من أمور الدين أو الدنيا أو الآخرة، وفي هذا المفهوم تدخل الهجرة في عموم الجهاد، تمامًا كما يدخل الجهاد في عموم الإيمان.
الجهاد في عموم الهجرة: من زاوية أخرى تعطي الرؤية الإسلامية للجهاد -في علاقته مع الهجرة والإيمان- مفهومًا خاصًا غير المفهوم العام ولا تعارض في ذلك بل يتكامل هذا المفهوم الخاص مع المفهوم العام، فما اقترن لفظ الهجرة بلفظ الجهاد في القرآن الكريم إلا وقدمت الهجرة على الجهاد! فما سر هذا التقديم؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة:٢١٨).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (الأنفال: ٧٢).
وقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة:٢٠).
يستشف من هذا التقديم والترتيب، ومن هذه العلاقة أن المقصود من لفظ الجهاد.. هو الجهاد من نوع خاص متعلق بالهجرة، وهذا الترتيب. كما هو مفهوم في علم أصول التفسير- قد جاء من باب عطف المفصل على المجمل، فالجهاد مفصل خاص بالهجرة كما أن الهجرة مفصل خاص بالإيمان.
وقد أخذ بهذا المفهوم الخاص للجهاد وعلاقته بالهجرة الإمام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- كما يتضح من تعليقه على الحديث الذي رواه الإمام أحمد- رضي الله عنه- وجاء فيه:
من حديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال له «أسلم تسلم» قال: وما الإسلام؟ قال: «أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك».. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان» قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت. قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: «الهجرة»، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل ؟ قال: «الجهاد»، قال: وما الجهاد؟ قال: «أن تجاهد الكفار إذا لقيتهم ولا تغل ولا تجبن»، ثم قال رسول الله ﷺ: «ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة أو عمرة»، وقوله: «هما أفضل الأعمال» أي بعد الجهاد لقوله: ثم «عملان».
«ففي الحديث جعل الإيمان خصوصًا في الإسلام، والإسلام أعم منه، كما جعل الهجرة خصوصاً في الإيمان، والإيمان أعم منها، وجعل الجهاد خصوصًا في الهجرة، والهجرة أعم منه» «3».
ويدعم هذا المفهوم الخاص للجهاد وعلاقته بالهجرة شواهد كثيرة من أحداث الهجرة، ومواقف المهاجرين- رضوان الله تعالى عليهم- وإصرار أعدائهم على إيذائهم حتى وهم في دار الهجرة ومنها على سبيل المثال:
١- موقف الصحابي صهيب- رضي الله عنه- الذي ضحى بماله من أجل الهجرة.. إن قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك فقال لهم صهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي.. أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: «فإني قد جعلت لكم مالي»، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «4».
۲- حرص عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- على استبقاء عياش بن أبي ربيعة- رضي الله عنه- بالمدينة خشية أن يفتن عياش عن دينه وعرض نصف ماله له شريطة ألا يعود مع أبي جهل وأخيه الحارث إلى مكة ليبر قسم أمه: «ألا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه» ثم تقديم ناقته النجيبة الذلول لعياش- حين أصر الأخير على العودة- للنجاة بها إن رأبه من القوم ريب «5».
٣- محنة أم سلمة- رضي الله عنها- عندما اضطر زوجها أبو سلمة إلى أن يهاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة الكبرى، ومنعها أهلها من مصاحبته وغضب آل سلمة له فانتزعوا ابنها منها بالقوة والتجاذب حتى انخلعت يد الابن «6».
٤- تعرض قريش المتواصل للمهاجرين بالأذى والكيد حتى بعد وصولهم إلى دار الهجرة: لم يقتصر أذى وكيد قريش على المهاجرين في أثناء هجرتهم بل كانت تلحق أذاها حتى بعد وصولهم إلى دار الهجرة، فقد أرسلت إلى المهاجرين تقول لهم: «لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنبيد خضراءكم في عقر دارکم» «7».
وقد تيقن رسول الله ﷺ من مكائد قريش وعزمها على الشر، مما جعله ﷺ لا يبيت إلا ساهرًا.
فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: «ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة»، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: «من هذا؟» قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ: «ما جاء بك؟» فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول ﷺ له، ثم نام «8».
وهذه الحراسة لم تكن مختصة ببعض الليالي، بل كان أمرًا مستمرًا.
فقد روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله ﷺ يحرس ليلًا حتى نزل ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ﴾ (المائدة: ٦٧)، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال: «يا أيها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل» «9».
كما أن هذا الخطر لم يكن مقتصرًا على رسول الله ﷺ بل شمل المهاجرين والمسلمين كافة.
فقد روى أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وأوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه «10».
فمع أن الأذى والكيد كان على المهاجرين شديدًا، والعناء بالغًا، لكن ذلك كله هان على المهاجرين، فجاهدوا في سبيل الهجرة للوصول إلى دار الهجرة لإقامة دولة العقيدة ذات السيادة التامة التي تعين على ممارسة الدين ممارسة كاملة.
هكذا يرى المسلم كيف كانت الهجرة محنة محفوفة بالأخطار في النفس والمال والأهل، وكيف اقتضت من الرعيل الأول من المهاجرين جهادًا من نوع خاص وتضحيات بالمال والنفس والراحة.. ولم يكن ذلك إلا لأهمية الهجرة في قيام الدولة الإسلامية ذات السيادة التامة اللازمة الإقامة الدين وممارسة المنهج الإسلامي الممارسة الكاملة.
خلاصة القول: سواء أكان الجهاد أعم من الهجرة- كما هو الحال في المفهوم الأول- أم كان أخص من الهجرة- كما هو الحال في المفهوم الثاني- ففي كل يعتبر الجهاد عقيدة كما أن الهجرة عقيدة، وكلاهما يرتبط بعقيدة التوحيد من خلال عقيدة الولاء والبراء والموالاة، كما أن مفهوم الهجرة أعم من الجهاد يتفق وينسجم مع مفهوم الهجرة بعد الفتح.. ألا وهو المفهوم الذي يشمل أبعاد العقيدة- أي الدين.. وأبعاد المكان والزمان جميعها.
-----------------------------------------
الهوامش
«1» في ظلال القرآن: ٢/٧٤٦.
«2» زاد المعاد لابن قيم الجوزية: ٣/١١.
«3» الإيمان لابن تيمية ١٩٣ ، ١٩٤.
«4» السيرة النبوية لابن هشام: ۲/٨٧، الرحيق المختوم للمبار كفوري: ١٨٠.
«5» السيرة النبوية لابن هشام ٢/٨٥.
«6» السيرة النبوية لابن هشام: ٢/٨٠, ٨١، الرحيق المختوم للمبار كفوري: ۱۷۹.
«7» الرحيق المختوم للمبار كفوري ۲۲۲
«8» المرجع السابق: ۲۲۲ صحیح مسلم: ٢/٢٨٠.
«٩, ١٠» الرحيق المختوم للمبار كفوري ۲۲۳ جامع الترمذي: ٢/١٣٠