; دأب الصالحين..ومنهج للمتقين | مجلة المجتمع

العنوان دأب الصالحين..ومنهج للمتقين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 85

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

الاستغفار: واجب على جميع الخلق لجبر الضعف والقصور والنقص

من ثمراته: تطهير النفوس.. البركة في الرزق.. دفع البلاء وإزالة الهموم

  • كان الصحابة يذكرون الله تعالى في بيوتهم وطرقهم وعلى موائدهم وجميع أعمالهم.

  • البعض يعتقد خطأ أنه ليس في حاجة إلى توبة مع أن نزول الرحمة والمغفرة لا يتم إلا بالاستغفار.

كثيرًا ما تقرن التوبة بالاستغفار، ذلك أن الاستغفار يكون باللسان، والتوبة تكون بالإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح وبهذا يكون الاستغفار هو وسيلة التوبة.

 من عظيم فضل الله ومنته على عباده المؤمنين أن شرع لهم الاستغفار، وفتح لهم باب التوبة، فالخطأ والتقصير مما جبل عليه البشر، قال صلى الله عليه وسلم:

«كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»[1] ومن واسع رحمته تعالى أيضًا أنه يغفر الذنوب مهما عظمت ويعفو عن السيئات مهما بلغت قال تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الزمر: 53).

روى الترمذي في سننه عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: قال تعالى يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.. يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»، ففي الحديث السابق يذكر لنا ابن رجب أن لحصول المغفرة ثلاثة أسباب:[2]

أولها الدعاء مع الرجاء: فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60) وفي الحديث: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». كما أن الإلحاح في الدعاء موجب للمغفرة، ومهما بلغت وعظمت ذنوب العبد، فإن مغفرة الله أعظم منها. ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء»، وفي هذا المعنى يقول بعضهم

يا كثير الذنب عفو *** الله من ذنبك أكبر

ذنبك أعظم الأشياء *** في جانب عفو الله يغفر

ثانيها الاستغفار: فلو عظمت الذنوب والخطايا، فإن كثرة الاستغفار كفيلة بالمغفرة قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء: 110) وقد كثر ذكر الاستغفار في القرآن الكريم. فتارة يؤمر به كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (المزمل: 20) وتارة يمدح أهله كقوله تعالى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (آل عمران: 17) كما أن هناك ساعات إجابة كالأسحار، وأدبار الصلوات المكتوبة، قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم، وفي طرقكم. وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، وفي الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه- مرفوعًا «بينما رجل مستلقٍ إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم فقال إني لأعلم أن لك ربًا خالقًا، اللهم اغفر لي، فغفر له».

ثالثها التوحيد: وهو السبب الأعظم، ومن فقده فقد المغفرة، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء: 116)، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه وجبت له المغفرة على ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بإذن الله. اهـ

لماذا نستغفر؟

يعتقد بعض الناس أنه ليس محتاجًا إلى التوبة والاستغفار ما دام مقيمًا على أداء الفروض والواجبات التي فرضها الله عليه وملحقًا بها بعض النوافل والطاعات، ويظن أنه مستغن عن التوبة والاستغفار لأنه ليس لديه ما يتوب منه.

وهذا اعتقاد خاطئ وظن في غير محله، فقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب التوبة والاستغفار، فهما من أسباب تنزل الرحمات الإلهية، وتحقيق صلاح العبد وفلاحه في الدنيا والأخيرة قال تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (النور: 31).

كما أن الله عز وجل قد أمر أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم بإخلاص الدين، ودواع الاستغفار قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد: 19).

ولقد حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على الاستغفار والإكثار منه، فكان صلى الله عليه وسلم مستغفرًا على الدوام ملازمًا له، إذ قال عن نفسه: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». (رواه البخاري)، كما أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحصون عليه في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة. روى أبو داود وصححه الترمذي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: «رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم».

 أهل الطاعات محتاجون للاستغفار والتوبة كما يحتاج إليها أهل الذنوب فالاستغفار ليس مقتصرًا على المذنبين، بل هو مطلوب من الأبرار، فالأنبياء مكلفون به وهم الذين ليس لهم ذنوب إذ قيل فيهم «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وقد اختلف العلماء في تعليل هذا التكليف من المولى سبحانه وتعالى لأصفيائه وأوليائه، فمنهم من رأى أن استغفارهم ليس من الذنوب وإنما هو من أجل أن يبقوا في الأوج الذي يحلق فيه مع الملأ الأعلى، حيث لا يمكن أن يهبطوا إلى مستوانا الأرضي، ومنهم من قال إظهار العبودية والتذلل لله سبحانه وملازمة الخشوع، وبذلك يعد الاستغفار من أفضل الكمالات فهو دأب الصالحين، ونهج المتقين امتلأت قلوبهم بخشية الله، وجاشت نفوسهم بعظمة الخالق. 

فإذا كان هذا شأن أصحاب العزائم، وأهل الإيمان يكثرون من الاستغفار صادقين مخلصين غير يائسين ولا مصرين فمن الأولى أن يكون الاستغفار واجبًا على جميع الخلق، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله:

«وجمهور البشر محتاجون إلى التوبة فقلما ينجون في حياتهم من التخليط والعثار، وما أكثر الذين يرديهم طيش الغرائز، وضعف الرأي، وقلة التجربة، واضطراب اليقين»[3].

موجبات الاستغفار: الاستغفار مطلوب لجبر ما في الخلق من ضعف وقصور، ونقص قد يحملهم على اقتراف الذنوب والمعاصي، فهو مطلوب أيضًا لأمور منها: 

1-الخلل الذي يقع في الطاعات نفسها. فنادرًا ما يأتي أحد بالعبادات المفروضة كاملة. 

٢- التقصير أو التفريط في شكر النعم التي لا تعد ولا تحصى.

3-مما قد يشوب العمل من الرياء والسمعة والتباهي.

4-غلبة الهوى والميل إلى ما ترتاح له النفس من الطاعات في حين أن المؤمن مطالب بصنوف من العبادات يؤديها كلها كاملة من غير تقصير في إحداها.[4]

5-تمام الأعمال الصالحة، وكمالها.

٦- استحقاق الرضوان الأعلى، فالخطأ في حق الله لا يجبره إلا الاعتذار والاستغفار.

ثمرات الاستغفار:

من فضائل الله وعظيم منِّه على عباده أن رتب على الاستغفار جزاء عظيمًا، وعطاء سابقًا من خيري الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

1-غفران الذنوب، قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (النساء: 64).

٢- تطهير النفوس: قال الرسول صلى الله عليه وسلم «إني ليغان على قلبي فأستغفر ربي أكثر من مائة مرة». 

3- سعة العيش والبركة في الرزق وكثرة النسل، قال تعالى ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (نوح: 10- 12).

4- دفع النقم والمحن والبلاء. قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (الأنفال: 33). 

وقد ورد في هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لهذه الأمة أمانان»، أحدهما وجود الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، والثاني الاستغفار، وقد ذهب الأمان الأول وبقي الأمان الثاني إلى قيام الساعة.

5- زوال الهموم، وتفريج الكربات عن ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (رواه ابن ماجة).

6-القوة والتمكين، والعزة، قال تعالى ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (هود: 52).

7-تيسير العسير، قال الإمام أحمد: إن المسألة لتستعصي علي فأستغفر الله، فيفتح الله عليَّ.

حرص السلف على الاستغفار:

 حرص السلف- رضوان الله عليهم- على الاستغفار، وحثوا عليه وأكثروا منه، ففي حديث أبي ذر مرفوعًا: «إن لكل داء دواء، ودواء الذنوب الاستغفار»، وقالت السيدة عائشة أم المؤمنين «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا»... وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول «إنكم لم تذنبوا».. كما كان أبو هريرة يقول لغلمان الكُتّاب: قولوا «اللهم اغفر لأبي هريرة»، ومن ثم كان يؤمن على دعائهم. قال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول «استغفروا لي لكان قبوله أن يفعل»، وقال أبو المنهال: ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من الاستغفار وقال بعضهم إنما معول المذنبين البكاء والاستغفار، فمن أهمته ذنوبه أكثر لها الاستغفار.

أفضل أنواع الاستغفار:

من آداب الاستغفار البدء بالثناء على المولى جل وعلا، ثم الإقرار بالذنب، وقد وردت في الحديث صيغ كثيرة لأنواع الاستغفار من أفضلها:

- سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».

- قال صلى الله عليه وسلم: «أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه»، من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف.

- قول الرسول صلى الله عليه وسلم حيث طلب منه الصديق أبو بكر- رضي الله عنه- يعلمه استغفارًا: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».

جعلنا الله من المداومين على الاستغفار، وممن قال فيهم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (آل عمران: 16، 17)، وختامًا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الصافات: 180: 182).

الهوامش:

[1] رواه الإمام أحمد والترمذي، والحاكم وصححه.

[2] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي من ٣٩٠ - ٣٩٣ دار المعرفة ببيروت.

[3] الجانب العاطفي من الإسلام من ١٥٥ الشيخ محمد الغزالي.

[4] دار القلم بدمشق، الدار الشامية ببيروت منهج الإسلام في تزكية النفوس، ص ٣٦٧، وانس كروزن، دار نور المكتبات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

154

الثلاثاء 19-مايو-1970

في ذكرى المولد!

نشر في العدد 63

146

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا