العنوان المجتمع التربوي (1456)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001
مشاهدات 68
نشر في العدد 1456
نشر في الصفحة 54
السبت 23-يونيو-2001
وقفة تربوية
لذة العمل في سبيل الله
ما السر وراء ذلك الجهد الكبير الذي يبذله بعض الدعاة ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية، لا يكلون ولا يملون، سواء في دعوة الآخرين، أو تنويرهم بما حباهم الله من العلم، أو العمل الخيري المتنوع، من كفالة للأيتام، وإغاثة للمنكوبين في أدغال إفريقيا، وغيرها من البلاد، أو التفرغ لقضاء حاجات الناس والإصلاح فيما بينهم؟
إن الكثير من الناس يتعجبون أشد العجب من هذه الجهود التي تبذل من غير مقابل سوى رضا الله سبحانه.. حتى جعلت إبراهيم السندي يسأل رجلًا من أهل الكوفة ووجوه أهلها، كان لا يستريح قلبه، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال، أخبرني عن الحال التي خففت عنك النصب، وهونت عليك التعب في القيام بحوائج الناس ما هي؟ قال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في فروع الأشجار، وسمعت خفق أوتار العيدان، وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط طربي من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن، ومن شكر حر لمنعم حر، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر. قال إبراهيم: «لله أبوك لقد حشيت كرمًا» (العقد الفريد 1/234).
فكل قائم بخدمة الآخرين في سبيل الله كريم يعطي دون مقابل، ويقطع من وقته لإسعاد الآخرين، وإدخال الفرحة على قلوبهم، فهؤلاء هم الكرماء حقًّا، وهم الذين لا تقوم الدعوات إلا بأمثالهم، ولا ينتصر الحق إلا بهم...
أبو خلاد
كُن على قدر دعوتك وهم أمتك
سؤال يجب أن تطرحه على نفسك كلما هممت بأمر، ذلك أن الدعوة مسؤولية لا يقوم بعبتها إلا ذو فهم عظيم، فالداعية عنوان دينه، وبسمته وسلوكه يعرف مقدار هذا الدين، وكلما كان المرء مستشعرًا قيمة الدعوة التي يدعو إليها، كانت عظمة السلوك الذي يسلكه، ولذلك كانت المطالبة بالمجادلة بالتي هي أحسن، والموعظة بالحكمة والكلمة الطيبة من أسس الدعوة وأهم مقوماتها.
ولا يتأتي أن تكون داعية إلا إذا توافر لك الفهم الشامل لمبادئ الإسلام وأحكامه، والوعي التام بفقهيات الواقع الذي تحياه أمتك، والعمل المتقن بمقتضيات كل علم تعلمه، فلا تكون دعوتك كلمات جوفاء، ومواعظ جدباء خالية من سلوك قيم، وتصرف واع محكم.
فكن على قدر دعوتك، وليسع صدرك كل اختلاف من حولك، ولتكن متأدبًا بأدبه ملتزمًا بخلقه، فإن الداعية الذي يتغلق على فكرته، ولا يحاول أن يتكيف مع أفكار الآخرين، وطرائق تفكيرهم، ولا يرى بعض الصواب فيها، لا يمكنه أن يكسب نصيرًا لدعوته، أو تحييد مخالفيه، أو كسب تقديرهم.
إن صواب فكرتك، وسلامة طريقتك، لا يعنيان بالضرورة خطأ الآخرين، فلكل طريقته، ولن يصمد إلا أنت لأنك في دعوتك متوازن وسط بين إسراف وتقتير، فيما تأخذ أو تدع.
ولأنك تدعو إلى إسلام شامل عام لا يدع جانبًا من جوانب الحياة إلا طرقه بتأصيل شرعي يضعه في موضعه دون تحجيم أو تضخيم.
ثم إنك لا تتاجر بدعوتك لبناء مجد شخصي أو كسب مادي، كما يفعل بعض من ينتسبون إلى الدعوة، بل إن انطلاقتك بدعوتك منزهة عن مثل هذه الأغراض التي يسقط بها صاحبها عند أول ابتلاء.
إن أدوات الدعوة الناجحة كثيرة، فإذا أردت أن تحوزها فأحبب دعوتك واصرف لها قلبك، وصف لها نفسك وخاطرك من كل شاغل أو هاجس إلا هم هذه الأمة، وألمها لتكون داعية بحق مسدد الرأي، مستقيم السلوك.
ماجدة شحاتة
الذي جمع مالًا وعدده
الادخار هو حفظ أو إمساك جزء من المال على قدر الحاجة مع مراقبة مواقيت الحاجات، ومواسم الخيرات، ولكن بعض الناس في هذا الزمان فهم معنى الادخار على أنه حبس المال، وادخاره مع الحرص على زيادته والتصدق بشيء يسير منه عن البعض الآخر الذي لا يعرف للصدقة ناهيك الذي جمع مالًا طريقًا والعياذ بالله قال تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ (الهمزة:2-3) وذلك لتبيان هذه الصفة السيئة، والتحذير منها، فكيف بمن يريد بعد ذلك من الله تعالى أن يبارك له في ماله؟!.
إن الناس أصناف في فهم بذل المال، وهو عكس الادخار «المذموم» بمعنى الإمساك كليًّا عن الإنفاق، وقد انقسموا إلى ثلاثة أقسام اتجاه تلك التي تسمى بمحبوبة الخلائق لأنها تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم، وينفرون من الموت مع أن فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم, ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة:۱۱۱). وهم قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم، ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارًا ولا درهمًا.
ولهذا تصدق أبوبكر الصديق- رضي الله عنه- بجميع ماله، وتصدق عمر- رضي الله عنه- بشطر ماله فقال ﷺ ما أبقيت لأهلك؟، فقال: مثله، وقال لأبي بكر رضي الله عنه ما أبقيت لأهلك؟، قال: الله ورسوله، (رواه أبو داود والترمذي).
فلم نسمع قط عبر التاريخ أن ابنًا لأبي بكر أو بنتًا ماتا فقرًا، فهل تكون مثل أبي بكر بإمساكه المحبوب، وهو الله ورسوله، أو على الأقل كما فعل عمر- رضي الله عنه؟.
القسم الثاني: درجته دون درجة الذين سبق ذكرهم فهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات، فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم، وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها، وهم لا يقتصرون على مقدار الزكاة، وهؤلاء كثير والحمد لله، وكثر أمثالهم لأنهم عرفوا حق ربهم في أمواله.
القسم الأخير، ونسأل الله ألا نكون منهم، فهم الذين لم يقوموا بتأدية حق الله تبارك وتعالى في أمواله فهم الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه، ولا ينقصون عنه، وهم أقل المراتب، وقد اقتصر بعض العوام عليه لبخلهم بالمال، وميله إليه وضعف حبه للآخرة، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ (محمد: ۳۷)، يحفكم أي بجهدكم بالمسألة، ويلح عليكم بطلبها منكم فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل المال.
فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من المفلحين وأن يطهر أنفسنا من البخل، وأن يجعلنا شاكرين نعمته.. في ماله، وأداء حقوقه.
عبد العزيز الجلاهمة
وقفة مع رصيد الإيمان
أصحاب الغايات لابد لهم من وقفات يحاسبون فيها النفوس، ويجددون فيها البيعة، ويستنهضون فيها العزائم، ويشحنون فيها الهمم، ويستوثقون عندها المعالم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩).
فإلى بعض التساؤلات نعرضها على أنفسنا لنرى رصيدنا من صدق البيعة مع الله، نراجع من خلالها حالنا مع الخير بالاستزادة، ومع التقصير بالتوبة والإنابة، وكلنا أمين على مصارحة نفسه بجالها وردها إلى ما يرضي الله عنها، فإن الله ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: (۱۱).
هل تحرص على أداء الصلوات في جماعة بالمسجد، وخاصة صلاة الفجر؟ وهل تبذل في سبيل ذلك كل الجهد؟
هل تحافظ على وردك القرآني يوميًّا، وهل تواظب على الأذكار؟
هل تعايش ورد المحاسبة الخاص بك قبل النوم يوميًّا؟
هل تعيش هم دعوتك فتحرص على أداء تكاليفك الدعوية بهمة عالية، وباستحضار النية لله، والانضباط التام في المواعيد حتى لا تضيع وقت إخوانك؟
هل تصلي لله ركيعات بالليل والناس نيام وهل تستغفره بالأسحار؟
هل تتذكر الموت، وتعايش زيارة المقابر، ولو مرة كل شهر لترقق قلبك؟
هل تبتعد عن الغيبة والنميمة والحسد، وكل ما يغضب الله، وتتعامل بالحال الطيب في كل أمورك، ولا تكتسب إلا من حلال؟
هل تتمثل القدوة برسول الله ﷺ في كل أعمالك؟
هل انشغلت بعيوبك عن عيوب غيرك، وهل تتغافر مع إخوانك، وتشعر نفسك بالذلة إليهم وبحاجتك إلى معيتهم؟
هل تعايش في زحام الحياة الأمل في الاستشهاد واللجوء إلى الله بذلك في دعائك، وهل تستحضر مواقف الصحابة، والدعاة الخالدة في هذا الأمر؟
هل خلصت نفسك من حظ نفسك، واتهمتها دائمًا بالتقصير في جنب الله، وخشيت عدم القبول مهما أديت من إعمال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (المؤمنون: ٦٠).
هل امتلات نفسك ثقة بقيادتك، ودعوت الله لها بالتوفيق، وبنصرة دعوتك وتأييدها؟
هل تأتي إلى لقاءات إخوانك مليئًا بالشوق ترجو المثوبة، وتستشعر الطمأنينة، ولا تحسب الدقائق حتى نهايتها؟
هل كان لدعوتك صدى في بيتك، وعملك، ومجتمعك، وكل من تخالط؟
هل وقفت لمهمتك كل حياتك فكان فيها غدوك ورواحك وحديثك وصمتك وجدك ولعبك، لا تتعدى ميدانها، ولا تتناول سواها، ولا تتجاذبك عنها أي مطامح، ولا أطماع، ولا تثنيك عن أدائها أي آلام وابتلاءات؟
هل تيقنت أن نصر الله آت لا ريب فيه، وخلعت عن نفسك كل مظاهر الانهزام النفسي من تلك القوة الظاهرة للباطل مهما علت، وتكاثرت، قال سبحانه ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل عمران:196-197)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ (المجادلة:20-21).
هل علمت أن من صدق بيعتك يكون استبشارك بوعد الله لك، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111).
هل تحمل هم إخوانك المسلمين في كل مكان، وتتألم لألمهم، وتفرح لفرحهم، وتتفاعل مع قضاياهم، وتبذل ما استطعت من نفس ومال في سبيل نصرتهم، ورفع المظالم عنهم؟
نرجو الله أن يصلح حالنا على ما يرضيه عنا، وأن ينصر دعوتنا، ويوفق قادتنا، ويخلص نيتنا ويطهر قلوبنا، ويتقبل أعمالنا .. اللهم أمين .
حاتم شلبي
داعية نعم.. ولكن هل أنت قدوة؟
ما أحوج الناس إلى القدوة الحسنة التي تجعلهم يقتنعون بسمو الفكرة الإسلامية التي قامت على الأفعال قبل الأقوال.. وبالأعمال لا بالتشدق ومعسول الكلام.
نعم.. ما أحوج الناس إلى قدوة تدفعهم إلى الأمام.. لا تقهرهم إلى الخلف، فالناس في حاجة إلى قدوة تجعلهم يؤمنون بمصداقية هذا الدين الذي حمل أصحابه على الالتزام بتعاليمه قبل أن يتجهوا بها إلى الآخرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:2- 3).
لعلك- أخي الداعية- لا تختلف معي إذا قلت لك إن هناك أفرادًا كثيرين ابتعدوا عن طريق الالتزام بعد تجارب عاشوها مع بعض الأفراد الذين لم يقدموا لهم القدوة الحسنة.. فلاحظوا إنسانًا .. معسولًا كلامه.. جميلًا حديثه... غزيرًا علمه.. لكنه قليل في عمله.. فظ غليظ في معاملاته... يعاني انفصامًا في شخصيته، فهو داعية الدين داخل المسجد ومجلس العلم.. لكنه إنسان آخر في الشارع وفي البيت والعمل... يتلفظ بألفاظ غير إسلامية... جاف في علاقته مع الآخرين.. لا مانع عنده من الكذب إذا اقتضى الأمر ذلك.. وشتان بين ميدان القول والعمل.
فالناس في حاجة إلى أن يروا بأعينهم هذه التعاليم والآداب التي يسمعون عنها، يريدون أن يروا نموذجًا عمليًّا يسير على الأرض.. يريدون الجار المسلم الذي تربطهم به علاقة الحب والإخاء لا علاقة المصلحة والمنفعة.. الجار الذي يسأل عنهم إذا غابوا ويغيثهم إن استغاثوا .. والذي يحرص على حقوقهم.. ويسارع لنجدتهم.. أب للصغير... وأخ الكبير.
يوم يحدث ذلك ستكون الأمة بخير.. لأنها سمعت بأذنيها، ورأت بعينيها .. فلا فرق بين القول والعمل.. ولأهمية القدوة الحسنة في الآخرين قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (الأنعام: ٩٠), وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ (الممتحنة: 1).
لماذا القدوة ؟
من طبيعة البشر وفطرتهم التي فطرهم الله عليها، أن يتأثروا بالمحاكاة والقدوة أكثر مما يتأثرون بالقراءة والسماع، ولا سيما في الأمور العملية، والأهم في موضوع القدوة الحسنة عمق التأثير في النفس البشرية، وسرعة استجابتها للأمور العملية أكثر من استجابتها للأمور النظرية.
إن الخطأ الصادر عن الداعية ليس كخطأ الرجل العادي، فإن خطأه قد يختص به ولا يتعداه.. أما خطأ الداعية فقد يتعدى أثره إلى الآخرين، وقد تضر نتائجه بالدعوة كلها ... شعر بذلك أو لم يعشر.
ومما شوه كمال الدعوة وأفقدها مصداقيتها عند كثير من المدعوين.. التناقض الواضح بين ميدان القول والعمل.. والفجوة الكبيرة بين فكر الداعية وسلوكه.
فعلى الدعاة العاملين أن يعالجوا أخطاءهم وأنفسهم قبل اهتمامهم بعلاج أخطاء الآخرين وأن يقدموا تزكية أنفسهم على تزكية أنفس الآخرين.
محمد عبده