العنوان المجتمع التربوي (1471)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2001
مشاهدات 82
نشر في العدد 1471
نشر في الصفحة 54
السبت 06-أكتوبر-2001
من هدي الدعوة
اعرف قدارتك وحاول استثمارها أيها الداعية
- السعي للارتقاء إلى درجة الكمال غاية نبيلة وفضيلة عظيمة. فالداعية يطمح أن يكون عابدًا عالمًا مجاهدًا منفقًا .. إلى غير ذلك من صفات الكمال البشري، ولكن قد يحول بينه وبين ذلك القدرات أو الإمكانات أو البيئة أو غيرها من العوائق المختلفة.
- ولا يعني هذا أن يرضى الداعية بأقل المراتب أو التقاعس عن طلب أكمل الصفات، ولكن ينبغي له أن يعرف قدراته وإمكاناته حتى يبدع فيما يحسن ويبرز فيما يتناسب مع طبيعته ومهاراته، كي يكتب العمله النجاح والاستمرار، كما في الحديث المتفق عليه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اعملوا، فكل ميسر لما خلق له..» (صحيح البخاري ومسلم)
والمتأمل في سيرة الصحابة رضي الله عنهم يجد أن بعضهم قد برز في جانب من جوانب الدين والدعوة حتى فاق فيه غيره من الصحابة.
- فهذا أبو هريرة رضي الله عنه كان شيخ المحدثين من الصحابة، وزيد بن ثابت كان أفرض الأمة - أي أعلمهم بالفرائض، ومعاذ بن جبل سيد العلماء، وخالد بن الوليد سيف الله المسلول، وعبد الله ابن مسعود سيد القراء، وغيرهم ممن تميزوا بصفات سبقوا بها غيرهم، ولم يبلغ درجة الكمال البشري في الصفات إلا قلة من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، ولكنهم جميعًا يشتركون في الصفات الأساسية للداعية المسلم، وإن تفاوتوا في مقدارها مثل الإيمان بالله والإخلاص والتقى والورع والعلم بفرائض الدين ونحوها مما جعلهم أئمة يهتدى بهم وسادة لكل القرون من بعدهم، فهم يملكون نفوسًا تواقة لكل فضيلة، وسباقة لكل خير.
- ولعل من أهم أسباب تفاوتهم أن كلًا منهم عرف قدراته وإمكاناته، فأحسن استغلالها حتى برع فيما يحسن فلما لم يملك أبو هريرة رضي الله عنه من المال والقوة الجسدية ما يملك غيره - لكنه كان يملك ذاكرة قوية حافظة وعقلا متوقدًا توجهت فطرته إلى حفظ حدیث رسول الله .صلى الله عليه وسلم.
- ولما كان خالد بن الوليد رضي الله عنه يملك الدهاء العسكري والشجاعة الفائقة، وجهها إلى الجهاد في سبيل الله والذب عن دينه، ومثله مثل حمزة رضي الله عنه والزبير والمقداد، وهكذا سائر الصحابة رضوان الله عليهم، حتى فاقوا أقرانهم وبرزوا فيما يحسنون، وتميل إليه طبائعهم وفطرتهم
يقول ابن مسعود رضي الله عنه إني لأحب الصوم وأرغبه، لكني إذا صمت ضعفت عن قراءة القرآن فتركت كثرة الصيام لحفظ القرآن.
- كثرة التنقل تهدد القدرات: لذلك ينبغي على الداعية أن يعطي نفسه وقتًا كافيًا لاكتشاف مواهبه وصقل مهاراته واكتمال خبرته لأن سرعة التقلب وكثرة التنقل بين المهمات الدعوية قد يهدر القدرات ويضيع المواهب، فيكون الداعية كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى وإن حصل له الأجر والثواب.
وإذا أغلقت أمام الداعية بعض أبواب الدعوة التي يميل إليها ويبدع فيها فيجب عليه ألا يهاب أن يطرق أبوابًا أخرى لعل الله أن يعوضه فيها خيرًا كثيرًا؛ فإن كان مبرزًا في الخطابة والمواعظ فأغلق الباب دونه فليطرق باب الكتابة والتأليف، فبينهما شبه كبير، وإن أغلق باب الجهاد فعليه بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أغلق هذا الباب فليلزم الدعوة الخاصة، وهكذا حتى يستمر جهد الداعية بلا انقطاع، ويظل حيًا بدعوته حتى يلقى ربه تبارك وتعالى على ذلك وينال بشرى النبي كما في حديث عمرو بن الحمق الخزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله عبدًا عسله، فقيل: وما عسله؟ قال: يوفق له عملًا صالحًا بين يدي أجله. حتى يرضى عنه جيرانه - أو قال من حوله» رواه أحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ..
حسين بن علي الشقراوي
المؤسسات الدعوية في مناخ متطور
هل تستطيع المؤسسات الدعوية الموجودة على الساحة مواكبة التطور أم أنها تستطيع أن تتطور، لكنها غير قادرة على ذلك أم أنها لا تستطيع التطور أصلًا وبالتالي فهي غير قادرة على مواكبته؟
الكل في أيامنا هذه يراقب عجلة التطور التي تجري بسرعة هائلة تاركة آثارها ليقتفيها من أراد اللحاق بها البعض هو الذي يدفع العجلة إلى الأمام، والبعض يجري خلفها، يراها من بعيد ويحاول اللحاق بها، والبعض لا يرى منها إلا الغبار فيستدل عليها منه، والبعض لا يراها ولا يري غبارها، فيحاول اقتفاء أثرها، فتارة يراه واضحًا ومطموسًا تارة أخرى، فهو يجري خلفها مرة ويحيد أخرى، والبعض يقف مع أصحابه، ويشير إلى هذه العجلة، ولسان حاله يقول: هيهات .. كيف لنا أن نلحق بهذه العجلة؟ ثم يخنع ويتناقل إلى الأرض.
هذا هو حال الأمم والشعوب والدول والمؤسسات، بعضها متقدم يدفع عجلة التقدم والبعض يسير من خلفها، والبعض يحاول اللحاق فيما البعض لا يبالي إن كان يسير على الطريق نفسه الذي سارت عليه عجلة التقدم تقدم صدفة. وإن لم يكن تخبط وذل.
وفي وقتنا الحاضر أصبح التطور سريعًا هائلًا في شتى المجالات الاقتصادي العسكري العلمي ...... وأصبحت التحالفات والاتفاقيات تعقد سريعًا، وأصبحت المواقف تتغير تغيرًا كبيرًا. وتطورت الأبحاث والدراسات تطورًا عجيبًا، فما إن تنجز حتى تنشر في اليوم نفسه على صفحات الإنترنت، وشاشات التلفزة، ثم خلال أيام تظهر دراسات تعارض اختها تطور هائل لا ينتظر أحدًا. ولا يتوانى في دهس المتعثرين أمامه.
والسؤال المهم أين مؤسساتنا الدعوية من هذا التطور بعض المؤسسات الدعوية لا يمتلك القدرة على التطور، فهو لا يستطيع الصمود، وما إن يتكامل بناؤه حتى يبدأ بالسقوط، والبعض الآخر يحاول التطور ويتمنى ذلك، وبالفعل يستطيع، لكني اعتقد أنهم لا يستطيعون مواكبة التطور بل يستطيعون التطور فقط لسبب بسيط هو أننا لسنا من يصنع التطور، وبالتالي فإنه عندما يحدث تطور في مجال معين، وتعتزم هذه المؤسسة أن تستفيد منه، فإنها تقوم بعمل ترجمة لهذا التطور من منظور دعوي إسلامي، وهذا أمر لا غبار عليه، لكن المشكلة كم من الوقت ستأخذ المؤسسة ليتم تطبيق هذه النظرية أو تلك الفرضية ستعقد اجتماعات وتتصدى مقاومات وسيعاد الطرح بأسلوب آخر وما إن يخرج هذا المشروع المطور إلى النور إلا وتكون عجلة التطور قد ابتعدت من جديد خاصة أن السرعة التي تتطور بها لا تقارن بالسرعة التي يتطور بها العالم. وسأضرب مثالًا: إذا أرادت مؤسسة دعوية تطوير مناخ تربية أفرادها بما يتناسب ومتطلبات العصر، فإنها ستقوم بجمع المادة الجديدة المطورة وتقوم بتنقيحها، ثم عرضها ومراجعتها وتصحيح ما بها من أخطاء ثم اعتمادها وأخيراً طباعتها، ولك أن تتخيل كم ستأخذ هذه العملية من وقت؟ سنتين أو ثلاث سنوات على الأقل، ويا ترى في هذه المدة كم يكون العالم قد تقدم وكم تكون العجلة قد ابتعدت باختصار فإننا تستطيع أن نتطور فقط، وذلك لسبب رئيس هو أننا لسنا من يقوم بدفع عجلة التطور أو حتى مواكبتها بالشكل الصحيح. فمتى يحين للمؤسسات الدعوية والدول الإسلامية أن تقوم بهذا الدور؟
عبد العزيز العوضي
عندما تحيا القدوة
تمثل الأخلاق الإسلامية . بما تحمله من قيم وسلوكيات فاضلة - النبراس الذي يسير عليه كل من يريد أن يتلمس الطريق الصحيح الذي يوصله إلى بر الأمان النفسي والمعنوي والحسي. لكن كثيرًا من تلك الأخلاقيات والسلوكيات غابت أو غيبت عند كثير من الناس، فاختلط الحق بالباطل، والباطل بالحق وأصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.
ومن هذه المفاهيم المهمة لنا نحن المسلمين. التي شوهت أو تشوهت . غياب مفهوم القدوة الصالحة والنافعة في المجتمع، حتى أصبح مفهوم القدوة في زماننا هذا عند كثير من الناس، يقاس بمقاييس بعيدة عن شريعة الإسلام وعظمته.
ولو تتبعنا أحوال الناس إزاء هذا المفهوم لوجدنا العجب العجاب. إن كثيرًا من الناس وللأسف الشديد - يعرف الكثير عن حياة الفنانين . والفنانات والساقطين والساقطات أصحاب الشهرة . والمجد الزائف، حتى إنك لتجد كثيرًا من هؤلاء الأشخاص يمكنه أن يسرد لك سيرة ذلك الفنان أو تلك الفنانة بكل تفاصيلها، وما هي أول أو اخر أعمالهم الفنية بل وتفاصيل حياتهم العامة والخاصة، وما فيها من مغامرات ومواقف لا ترضي الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإذا طلبنا من هذا الشخص أن يذكر اسم عالم . إسلامي أبدع في علم الحديث أو الشريعة أو الفلك مثلاً، أو طبيب مسلم أبدع في تخصصه... أسقط . في يده وتلعثم . ثم يأتيك ويقول هذه فنانة وهبت - عمرها للفن وهذا قدم للساحة الفنية كذا وكذا! فهل -تستحق هذه الممثلة أو ذلك الممثل أي تقدير أو احترام وقد أسهما إسهامًا واسعًا في هدم القيم الأخلاقية؟
مسؤولية الإعلام والأسرة
إننا نضع المسؤولية الكبرى هنا على عاتق إعلامنا العربي الذي يقع عليه العبء الأكبر في التأثير على سلوكيات شبابنا، فنحن أمام غزو إعلامي مكثف صنع بأيد غربية تخالف عقيدتنا ومبادئنا، ثم نفذت بأيدينا، فتحول كثير من بيوت المسلمين إلى مرتع مفتوح الدعاة الشر والفساد وكان من نتيجة ذلك تعلق الناس بحثالة المجتمع من خلال ما يبث على الشاشات وما يعرض فيها حتى إنها دخلت في تنظيم أوقات حياتهم وتربية أفكارهم وتغيير معتقداتهم وتوجيه صغارهم.
إن إبراز هؤلاء القوم على أنهم قدوتنا، وأنهم أصحاب الفن الراقي له آثار خطيرة على شبابنا من الجنسين من تحطيم للأخلاق والقيم، وهنا لا نحمل الإعلام المسؤولية كلها وإنما يقع على عاتق الأسرة المسلمة الدور الأكبر في تربية النشء التربية الصالحة، وزرع القيم النبيلة في نفوسهم والتعريف بالقدوات الصالحة والنافعة لدينها ووطنها، وجعلها النماذج التي تحتذى.
إننا يجب أن نستشعر ما يدبر لنا، والذي كان بالأمس في الخفاء أصبح اليوم معلنًا وظاهرًا. إنه مخطط مدبر بكل دقة وعناية، وهاهم المخططون يقطفون ثمار جهدهم الضخم الذي بذلوه منذ سنوات إلى أن وصل إلى مداه المطلق، ألا وهو مسخ العقول الإسلامية.
- تقول مخططات اليهود في إحدى بروتوكولاتهم ما نصه: سنلهي الجماهير بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزجيات الفراغ والمجامع العامة وهلم جرا، وسرعان ما ستبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في كل أنواع المشروعات كالفن والرياضة وما إليها.
فلننتبه لتلك المخططات، وتمنع أسباب الرذيلة ولندع إلى الفضيلة التي أصبحت في زماننا هذا.
كما قال الشاعر:
مررت على الفضيلة وهي تبكي *** فقلت علام تنتحب الفتاة
فقالت كيف لا أبكي وأهلي *** جميعًا دون خلق الله ماتوا
أخيرًا يجب أن نكون واعين لما يجري حولنا لنكون لبنات صالحة في بناء مجتمعاتنا وأوطاننا.
عثمان بن أبو بكر باعثمان
تجارة رابحة حقًا
بقلم: د. نجيب عبد الله الرفاعي
قال تعالى في محكم التنزيل : ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرُكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تكفرون﴾ «البقرة١٥٢» اذكروني ... ما أجمل هذه الكلمة وما أحلاها وما أطعمها .. اذكروني بلسانكم وجوارحكم وأعمالكم الصالحة أذكركم بالمغفرة والرحمة والطمأنينة.
إن الذاكر لله سبحانه وتعالى لا يجد الوحشة في حياته، فقد سئل مالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟
وقال مسلم بن يسار ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله U الذاكر لله سبحانه مطمئن في حياته، قريب من رحمة ربه، فهذا أبوبكر بن عياش قال على فراش موته مخاطبًا ابنه أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كل ليلة؟
وخاتم ثان للقرآن هو آدم بن أبي إياس يقول عند موته بعد أن ختم القرآن بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع كنت أو ملك لهذا اليوم، كنت أرجو لا إله إلا الله، ثم قضى.
والذاكر لله تبارك وتعالى يضيء بيته حتى يراه أهل السماء بأنوار الذكر . قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم، كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، بل إنهم ببركة ذكر الله تضيء وجوههم. قيل للحسن ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟ فقال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره
يا من له عنت الوجوه بأسرها *** وله جميع الكائنات توحد
یا منتهی سؤلي وغاية مطلبي *** من لي إذا أنا عن جنابك أطرد؟
أنت المؤمل في الشدائد كلها *** يا سيدي ولك البقاء السرمد
إن هذا الإيمان مع طول الوقت يبلى كما يبلىالثوب، ولذا فإنه يحتاج كذلك إلى تجديد، كما قال الرسول لأصحابه ذات يوم جددوا إيمانكم قيل وكيف تجدد إيماننا ؟ قال أكثروا من قول لا إله إلا الله.
بل إنه احتسب هذه الكلمة وكلمات أخريات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وفي رواية سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها، ويقول أيضًا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله اصطفى من الكلام أربعًا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فمن قال سبحان الله كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون) «رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة) من أفضل الكلام وأحسنه بقوله : أفضل الكلام حسنة وحطت عنه ثلاثون سيئة.
وقال إبراهيم بن علي المريدي: سمعت أبا حمزة يقول من المحال أن تحب الله وتذكره، ثم لا يوجدك طعم ذكره ويشغلك بغيره .
أساليب محاربة الدعوة إلى الله (1من٤)
ما يلاقيه أنصار الإسلام من عنت واضطهاد ليس علامة فشل أو خيبة أبدًا
الحرب على الإسلام بدأت منذ بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، وهي حرب تتجدد كلما تجددت أسبابها، بمعنى أنه كلما نشطت الدعوة الإسلامية في مجتمع من المجتمعات، ولم تكن السيادة والقيادة للإسلام فيه؛ اشتعلت الحرب على الإسلام كدين، وعلى المسلمين كاتباع
لقد عقد الدكتور مهدي رزق الله الأستاذ المشارك بكلية التربية - جامعة الملك سعود من خلال كتابه القيم السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية - دراسة تحليلية، مبحثًا خاصًا بعنوان أساليب المشركين في محاربة الدعوة الإسلامية، أعرضه هنا لهدفين:
الهدف الأول: أن ما يلاقيه الدعاة وانصار الإسلام ليس علامة فشل أو خيبة.
الهدف الثاني: اشتداد وطأة العنت والاضطهاد على الدعاة وأنصار الإسلام في جميع البلدان الآن، ويشكل نسبي، قد يهدأ هنا ويشتعل هناك، وقد يأخذ هنا شكل حرب معلنة وقد يأخذ شكل التفاف ومحاصرة، وقد يأخذ هنالك أشكالًا لا تخفى على أحد.
الجميع في النهاية متفقون على محاربة الإسلام ومحاصرة الدعوة والتربص بأتباعها. عرض الدكتور مهدي رزق الله في المبحث الثالث والعشرين خمسة عشر أسلوبًا المحارية الدعوة الإسلامية الأولى في مكة، حيث بدأ النبي له دعوته، أجملها ثم أتناولها بشيء من التفصيل:
محاولة التأثير على عمه.
التهديد بمنازلة الرسول وعمه.
الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه.
السخرية والاستهزاء والضحك والغمر واللمز والتعالي على المؤمنين.
التشويش.
طلبهم أن تكون للرسول معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين.
المساومات.
سب القرآن ومنزله ومن جاء به.
الاتصال باليهود للإتيان منهم بأسئلة - تعجيزية للرسول صلى الله عليه وسلم .
الترهيب.
الترغيب.
الاعتداء الجسدي.
ملاحقة المسلمين خارج مكة والتحريض عليهم.
المقاطعة العامة.
محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم له ثم شن الحرب
لعل القارئ بعد مطالعته لعناوين الأساليب قد بدأ يدرك أن الحرب الحديثة على الدعوة والدعاة والاتباع ما هي إلا حلقات متصلة بتلك الحلقة الأولى.
ومن العناوين إلى شيء من التفصيل
الأسلوبان الأول والثاني: محاولة التأثير على النبيصلى الله عليه وسلم وعمه والتهديد بمنازلتهما:
- أسلوب شائع خاصة في بلاد العرب، وقد نشط مستخدموه في الآونة الأخيرة المحاصرة الصحوة الإسلامية، والحيلولة دون ممارسة الشباب المسلم للفاعليات الإسلامية من ارتياد المساجد، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية.
- فتجد اتصال الجهات المعادية للإسلام بالأب أو العم والخال أو الجد وغيرهم من الأقارب للتأثير على الشباب الراغب في العمل الإسلامي الصرفة عن ذلك، وتهديد هؤلاء الأقارب والتلويح لهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
- وقد حدثت اتصالات ومساومات وتهديدات لأبي طالب من قريش، ثم حدث أبو طالب ابن أخيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد المحاورة قال أبو طالب له اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
وحدث مرة أن أرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم «ابنه عقيل، فلما حضر قال له عمه: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم، قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم، على أن تستشعلوا منها شعلة، فقال أبو طالب والله ما كذبنا ابن أخي فارجعوا» «رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط والكبير، والذهبي والبيهقي والبخاري في التاريخ وابن إسحاق بإسناد حسن».
وعلينا أن نستفيد من هذا النوع من التحريش والتضييق بواسطة الأقارب، فنقدر مثل هذه الضغوط من الأقارب ولا نحتد عليهم، ولا تفاصلهم مفاصلة الكفار المحاربين، فنكسبهم إلى صفنا مؤيدين أو محايدين، وفي جميع الأحوال نتفاعل معهم، مقتدين برسول اللهصلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب.
وفي النهاية خسر المشركون باستخدام هذين الأسلوبين، وربحت الحكمة النبوية.
الأسلوب الثالث: الاتهامات الباطلة لصد الناس عنه:
يبحث الباطل عن اتهامات شديدة الوقع على نفوس الناس، لكنه - أي الباطل - يقع في شر أعماله حين ينسب للحق الأضداد التي لا تتفق معه فمن الاتهامات التي روجها المشركون عن النبي
الجنون ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ ٱلذِّكرُ إِنَّكَ لَمَجنُون﴾ «الحجر-6» أ-
إنها فكرة طائشة يبتكرها الباطل في نوبة هذيان الخوف من الحق القادم وتنطلق التهمة في مجتمعات الناس، ولكن سرعان ما يفندونها، لأن صاحب الدعوة لا يهيم على وجهه كالمجانين وليس متبذلاً في هيئته كالمجانين وسرعان ما نفي المشركون عن النبي صفة الجنون، لذا يتحول الإعلام الجاهلي إلى تهمة أخرى.
ب- السحر﴿ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص : 4) أو بأنه مسحور ﴿وقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ «الفرقان:8 »
ولكن الساحر له أفعال معروفة، وتنتشر في مجلسه التمائم والتعاويذ والأبخرة والأدخنة المتصاعدة من جمر النار، أما المسحور فتحدث له أحوال مرضية، رأوا أنها لا تحدث للنبي الله تناقش المشركون في ذلك، ثم أملى عليهم الشيطان ما يقنعون به أنفسهم وغيرهم فتعللوا السحرة بأنه يفرق بين الأقارب بنوع من التمويه في الكلام، وفي إيراد المعاني
التحرش والتضييق بواسطة الأقارب أسلوب قديم ...
ومواجهته بالتفاعل الدائم معهم
ج– الكذب ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن هَٰذَا إِلَّا إِفكٌ ٱفتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيهِ قَومٌ ءَاخَرُونَ﴾ «الفرقان -4» إنها تهمة قصيرة العمر جدًا، لأنهم هم الذين نعتوه بالصادق الأمين، ولا تزال أماناتهم عنده.
د - التآمر مع قوى خارجية ﴿وَأَعَانَهُۥ عَلَيهِ قَومٌ ءَاخَرُونَ﴾ «الفرقان -4». إنها التهمة العصرية الرائجة في أسواق الشراذم ضد الإسلاميين وليست جديدة، إنها بالية، وقد سقطت بنفسها قديمًا وحديثًا.
هـ - رواية الأساطير : ﴿وَقَالُواْ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكتَتَبَهَا فَهِيَ تُملَىٰ عَلَيهِ بُكرَة وَأَصِيلا﴾ «الفرقان -5»
الأسطورة: الأكذوبة، وتطلق الأساطير على الخرافات والأحداث المفتعلة والحكايات الغريبة والفعل المبني للمجهول «تملى» يشير إلى القوى الخارجية المزعومة في فهمهم، أو ضمن دعواهم.
و- القول إن القرآن ليس من عند الله كان في مكة حداد نصراني، وكان يردد على مسامع المشركين شيئًا من الإنجيل، فقفزت إلى أوهامهم فكرة الربط بين صاحب الرسالة والحداد النصراني قال تعالى: ﴿وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَر لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِيّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مُّبِينٌ ﴾«النحل -103»
وفي عصرنا يحلو لأعداء الشريعة من بني جلدتنا أن يزعموا مثل هذا الزعم أو قريبًا منه فيقولون بالفصل بين القرآن والفقه المستنبط منه أو الفصل بين القرآن والسنة، والتشكيك في السنة، ويهدفون من وراء ذلك إلى تدمير الإسلام والطعن في الدعاة.
لقد اقتحمت الأنظمة المعادية للإسلام حديثًا حقل الألغام القديم، فلم تخرج منه إلا يمثل ما خرج به المشركون القدماء، ولا يزال المسلسل جاريًا.
اشتداد وطأة الظلم والابتلاء على الدعاة مستمر عبر التاريخ
الأسلوب الرابع السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين قالت امرأة من المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم «إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا إنها تسخر منه وتستهزئ به» فأنزل الله تعالى ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ «الضحى «1-3» رواه البخاري، وقد وردت أسباب أخرى لنزول هذه الآيات
وكان أبو جهل يقول مستهزئًا: اللهم إن كان هذا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فأورد الله كلامه ثم أنزل ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ «الأنفال33-34»
ولا يخفى على المتابعين للإعلام الحكومي المحارب للإسلام هنا أو هناك ما يطفح به من الغمز واللمز والسخرية والاستهزاء بالدعوة والدعاة. لقد استهزأ الشيوعيون بالإسلام والمسلمين أيما استهزاء، فسقطت إمبراطورتيهم وتهشمت ولم تعمر سوى سبعين عاماً والعلمانية في الطريق، وصدق الرب العزيز ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ «الأنعام-10»
التهمة العصرية الرائجة دومًا: التآمر مع قوى خارجية
والحركة الإسلامية تمضي في طريقها، لا عليها من هؤلاء المستهزئين الذين خاطب الله نبيه بشأنهم بقوله ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ « الحجر -10»
ولقد أوردت كتب السيرة جانبًا من أخبار ونهايات هؤلاء المستهزئين أسجل هنا بعضًا مما أورده الدكتور مهدي رزق الله للاعتبار.
الأسود بن عبد المطلب بن أسد: رمى جبريل عليه السلام - في وجهه ورقة خضراء فعمي. مر بالنبي الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات.
ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى جرح بأسفل كعب رجله فقتله
ومر به العاص بن وائل فخرج على حمار له يريد الطائف فريض به حماره على نبات فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته.
ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار الله إلى رأسه فتحرك القيح فيه فقتله.
وفي عصرنا شهد الإخوان المسلمون على حمزة البسيوني - جلادهم - وهو يقول لو نزل ربكم لوضعته في زنزانة - تعالى الله عما يقول الظالمون - ثم شهد الناس كيف كان مصرع حمزة البسيوني في سيارته، حيث اخترقت أسياخ الحديد زجاج سيارته ومزقته.
وهذا منصر حضر اجتماعًا تنصيريًا في نيجيريا، وبعد أن استهزأ بالإسلام انصرف ليسقط من فوق أحد الجسور بسيارته ويموت شر ميتة.
وفي قاعدة عسكرية تركية قام أحد الضباط بتمزيق المصحف ورميه تحت أقدام راقصة فحدث زلزال دمر القاعدة، وقد أوردت الصحف هذا النبأ.
وقال أحد الحكام عن أحد العلماء في سجنه إنه مرمي في السجن مثل الكلب، وبعد أيام قليلة لقي مصرعه مثلما يُصرع الكلب المسعور.
الأسلوب الخامس: التشويش
يقول الدكتور مهدي رزق الله:
كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية، وصياح منكر عندما يقرأ القرآن حتى لا يسمع فيفهم فيترك أثرًا في عقل نقي وقلب طيب». وفي عصرنا يوجد نشاط اسمه فن إفساد الاجتماعات والتشويش أهم عمل تمارسه مجموعة الإفساد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ «فصلت-26»
وفي التنظيمات السياسية الشيوعية وتفريعاتها، والعلمانية وتنظيراتها والقومية وشعاراتها تتعلم الكوادر الحزبية فنون التشويش على الغير، حتى لا يبقى في الساحة سوى تلك التنظيمات الفاسدة، ولكن دارت الأيام وحاق بالمفسدين ما كانوا يعملون، وانقلب التشويش على المشوشين، وتهاووا كالذباب المتساقط.