; المجتمع التربوي (العدد 1507) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1507)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1507

نشر في الصفحة 54

السبت 29-يونيو-2002

وقفة تربوية

نموذج للضحالة

تحدثت في المقال السابق عن خطورة ترجمة كل ما في الكتب الإدارية الغربية، دون غربلة، مشيراً في الوقت نفسه إلي ما تحتويه هذه الكتب من فوائد جمة وتجارب تؤكد ما ذهب إليه ديننا الحنيف في الكثير من الأمور.

 ومن خلال قراءتي للكثير من هذه الكتب سواء المترجم منها أو ما كان في لغته الأصلية تبين لي بعض هذه المخالفات الشرعية التي قد تنطلي على الكثيرين.

 ومن أمثلة ذلك ما قرأته في بحث عن الحرية للكاتب الأمريكي فردرك مانه وبالرغم من استفادتي الكبيرة من هذا البحث إلا أنه وقع في بعض هذه المخالفات الكبرى، ومن ذلك ما جاء عنده حديثه عن التحرر من القيود، فيذكر أن الموت من أكبر هذه القيود التي يجب على الإنسان التحرر منها، وبدأ يفضح في هذه الجزئية ضحالته الفكرية، باقتراح بعض طرق التخلص من الموت باختراع بعض الهرمونات وغيرها من الأفكار السخيفة.

 ثم تعمق الكاتب في التحرر من القيود حتى وصل إلى قيد الدين، داعيًا للتخلص مما وصفه القيود الدينية وقيود رجال الدين. بالطبع إنه يتحدث عن عقيدته النصرانية، لكن القارئ أو المترجم لا يملك هذا التصور حتى يميز بين المترجم عنه، والمترجم له.

هذا نموذج واحد من نماذج كثيرة يجب على من يقرأ مثل هذه الكتب أن ينتبه إليها.

أبو خلاد

lbelali@bashaer.org

رجال ومواقف

عيسى بن يونس السبيعي

بقلم: محمد يوسف الجاهوش

علم من أعلام الأمة، وعالم من علمائها الأجلاء فقه دين الله وأبصر دربه فعاش عالما مترفعاً عن حطام الدنيا غير مغتر بزخارفها وزينتها.

 هو الإمام القدوة الحافظ الحجة الثقة والثبت المأمون المجاهد المرابط في الثغور، كان من أصحاب الأعمش الذين لا يفارقونه. وثقه الأئمة الأعلام أحمد والنسائي وأبو حاتم وغيرها سكن الشام، وقدم إلى دمشق، وهو كوفي، وأصله من اليمن.

 ذكر الزركلي في الأعلام أن السبيعي من بنى سبيع بن مصعب من حاشد من همدان وهم قبيلة يمانية نزلت الكوفة.

قال ابن راهويه قلت لوكيع إني أريد أن أذهب وعيسى بن يونس فقال: «تأتي رجلًا قد قهر العالم» ولما سئل عنه ابن المديني قال (بخ بخ ثقة مأمون) ولا عجب فقد نشأ في بيت علم وفضل، تسلسل فيه العلم من الأجداد إلى الأحفاد، يفصح عن ذلك ما قاله ابن عيينة. وقد زاره عيسى بن يونس مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه.

 ومن كان في مثل هذه المنزلة فليس غريبًا أن منشأه أبيًا عزيز النفس، يصون العلم، ويجله، ولا يتخذه سبيلا لجاه، أو ثروة، أو تزلف لذي منصب أو سلطان حتى وإن كان الخليفة نفسه، أو أبناءه.

اعتزازه بالعلم

روى الذهبي بسنده أن فرجاً خادم أمير المؤمنين هارون الرشيد جاء إلى عيسى بن يونس وهو قاعده بدرب الحدث على بابه، فكلمه، فلم يرفع له رأسًا، ولا نظر إليه فانصرف ذليلاً.

 وقد بلغ من عزة نفسه وإعزازه لحديث رسول الله  rأنه كان يحرص على نشره والتحديث به حسبة لوجه الله تعالى، ولا يقبل على التحديث عطاء لا من الخلفاء ولا من الأمراء، ولا من سواهم، ومواقفه في ذلك مشهورة مشهودة.

 وحدث الإمام الذهبي عن محمد بن المنكدر الكندي قال حج الرشيد ومعه ولداه المأمون والأمين فذهبا إلى عيسى بن يونس فسمعا منه، فأعطاه المأمون عشرة آلاف فردها عيسى، وأبى أن يقبلها، فظن المأمون أنه استقلها، فأعطاه عشرين ألفاً، فقال عيسى لا آخذ على السنة ثمناً، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبًا إلى السقف.

وروى جعفر البرمكي قال ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، فاعتل قبل أن يرجع، فقلت له يا أبا عمرو قد أمرنا لك بعشرة آلاف فقال هيه قلت خمسون ألفاً. قال لا حاجة لي فيها قلت ولم والله لأهنينها لك، هي والله مائة ألف قال لا.. والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ألا كان هذا قبل أن ترسلوا لي، فأما على الحديث فلا ولا شربة ماء ولا أهليلجة (مقدار حبة صنوبر).

درس وعبرة

ما أعظم ذوي العلم عندما يصونون ما أكرمهم الله تعالى به من علم ومعرفة، ويعتزون به وينزلونه المنزلة العظمى التي تليق بوراثة الكتاب والسنة، وما تفرع عنهما، أو استنبط منهما من معارف شتي.

 إنهم بذلك يسمون ويرتقون حتى ينالهم شرف تزكية رسول الله r لهذا الطراز الرفيع من الرجال «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، وهل بعد هذه من درجة تطمح إليها نفس مهما زكت أو نبلت؟

وقد أخذ الله تعالى على أهل العلم ميثاقًا عظيمًا أن يبينوه للناس ولا يكتموا منه شيئًا، وألا يجعلوا ما هو سبب كرامتهم ورفعتهم سلمًا للأهواء والمطامع ولا سبيلًا للتكسب الرخيص، سواء في جانب الجاه أو المال وألا يبذلوه لمسايرة أهواء المتنفذين، رغبة أو رهبة، مهما قست الأحداث واشتد البلاء.

 ويوم يفعل بعضهم هذا أو شبهه فقد دنسوا بالأرجاس محيا ما طهره الله، وحقروا ما عظمه سبحانه وتعالى، فليس بدعًا وهذه حالهم – أن يهونوا على أنفسهم، وأن يكونوا – عند الناس أشد هوانًا وضعة.

 هذا، ولمقت الله تعالى إياهم أكبر وأعظم؛ إذ يدعون إلى منهج الله فينحرفون، ويناديهم رسول الله rله هلم إلى نهجي فلا يستجيبون.

فما أحوجنا – وأحوال أمتنا تدمي القلوب – إلى علماء ربانيين يصونون إرث النبوة، ويبلغون رسالات ربهم، ولا ينقضون الميثاق، ويحملون أنفسهم على الأرشد من الأمور، والأنبل من الأهداف، ولا تتقاصر هممهم دون الفوز بمرضاة الله عز وجل.

 ولن تصان كرامة من ابتذل نفسه، ولم يصن علمه ولا أنزله من نفسه – ولا عند الناس – المنزل الحق: 

ولو أنَّ أهلَ العلمِ صانوه صانَهُم *** ولو عَظَّمُوه في النفوسِ لَعُظِّما

 تلك حقيقة يشهد لها واقع الحال في كل زمان ومكان، وقد وعاها سلفنا، فعزوا وسادوا، ولن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أولها.

الإصلاح .. بين القوامة والإمامة

بقلم: د. فتحي يكن

يقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن وهو أصدق القائلين ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: ٧٤). لكم تحمل هذه الآية الكريمة من المعاني الدالة الداعية إلى التزام أولويات الإصلاح والتغيير، فالإصلاح عنوان عريض لسنة التغيير الإلهية ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ( الفتح : ٢٣ ) اختصرها القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد : ۱۱).

الإصلاح في الإسلام منهج تغييري شامل  الجوانب متكامل الحلقات متعاقب الخطوات محدد المراحل لا تتحقق جدواه بعيداً عن هذه الاعتبارات جميعًا.

وعندما يعتري المشروع الإسلامي تعثر أو فشل وإخفاق، يكون السبب اختلال هذه المعايير، واهتزاز تلكم الاعتبارات، وعدم ملاحظة الأولويات في سنة التغيير. وبالعودة إلى الآية نجدنا حيال خطوتين أساسيتين لا مناص منهما في عملية الإصلاح والتغيير، الأولى تتصل بإصلاح وتغيير النفس والأقربين، والثانية تتعلق بمهمة إصلاح المجتمع والآخرين.

البدء بقوامة الإصلاح: من خلال السياق القرآني يتأكد أنه لا مناص من أن يكون البدء بقوامة الإصلاح في الأسرة والجماعة المحيطة الضيق، ليتحقق من خلال ذلك نشوء ذرية صالحة تقر العيون، وتثلج الصدور، وهو ما يجليه الشطر الأول من ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: ٧٤)، لتليها بعد ذلك خطوة أكبر وأعم وأشمل، ترتقى فيها مسؤولية التغيير من دائرة القوامة إلى دائرة الإمامة، تتجلى في قوله تعالى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: ٧٤).

إن شرط الاضطلاع بإمامة المتقين والصالحين، هو تحقق الصلاح والتقوى فيمن يتقدم لذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإلى ذلك كانت إشارة الخطاب القرآني ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (البقرة: ٤٤)، والنجاح في إصلاح الشأن العام يجب أن يسبقه ويؤكده النجاح في إصلاح الشأن الخاص ابتداء، وإلا كانت الخطوة متعثرة وغير قابلة للنجاح.

هل يكون جديرًا بتولى إمامة وإصلاح الآخرين من فشل في قوامة وإصلاح الأقربين؟ إن القفز فوق الأولويات والاعتبارات الشرعية في الإصلاح من شأنه أن يحبط المشروع الإسلامي، ويعطل عملية التغيير، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات. على هذا سار الأولون، فحققوا النجاحات والانتصارات، وتقلدوا إمامة العالم وقيادته.

كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه يجمع أهله ويقول لهم: «إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أولي رجلًا منكم وقع  فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم ومن شاء فليتأخر» (ابن الجوزي: ٢٠٦). 

ومن أروع ما قاله الخليفة الراشدي على ابن أبي طالب في هذا المعنى قوله: «من نصب نفسه للناس إمامًا، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، ومعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم».

القضية الفاصلة

أمر المسلم في الدنيا يتحدد على أساس التقوى والولاء

حسين محمود سلامة

من أهم مسؤوليات المسلم أن يعرف نفسه، ويحدد موقفه قبل أن يلفه الموت وتضيع حياته التي هي الفرصة الوحيدة لإنقاذ نفسه من فتنة الدنيا، وعذاب الآخرة. من هنا تأتي أهمية كتاب «حتى نغير ما بأنفسنا» للدكتور عدنان علي رضا النحوي، الذي يقول فيه: «اعرف نفسك أيها المسلم واعرف أمتك العظيمة»، وهذه بعض سطور منه:

يقول المؤلف: يتحدد أمر المسلم في الدنيا على أساس قاعدتين: الأولى: ما يظهر فيه من خصائص الإيمان والتقوى في قوله وعمله ومدى تطابق هذا وذاك، على أن نكل النية إلى الله سبحانه وتعالى، فهو أعلم بالسرائر، إلا أن تظهر بادرة تكشف عن خبايا النفس فتوزن بقدرها، والثانية: الجهة التي يقف فيها: أيقف مع المؤمنين أم مع أعدائهم وأعداء الله؟ولتوضيح هذه القاعدة أستعرض ما حدث في أسر العباس رضي الله عنه، قال: كان الذين أسر العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- أبو اليسر- رضي الله عنه- فقال له رسول الله ﷺ: «كيف أسرته يا أبا اليسر؟ قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا بعد، هيئته كذا، فقال رسول الله ﷺ: لقد أعانك ملك كريم»، وقال للعباس: يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن جحد – أحد بني الحارث بن فهر» قال: فأبى وقال: إني قد كنت مسلماً قبل ذلك، ولكن استكرهوني، قال: «الله أعلم بشأنك وإن يك ما تدعى حقاً فالله يجزيك بذلك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك».

وكان رسول الله ﷺ قد أخذ منه عشرين أوقية ذهب فقال يا رسول الله احسبها لي من فدائي قال: «لا.. فذاك شيء أعطاناه الله منك» قال: فإنه ليس لي مال قال: «فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت عند أم الفضل وليس  معكما أحد غيركما؟ فقلت: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولقثم كذا ولعبد الله كذا، قاله فو الذي بعثك بالحق ما علم أحد من الناس غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله (رواه أحمد وابن اسحاق في سيرته).

لم يقبل الرسول ﷺ من عمه العباس قوله إنه كان مسلمًا، وهو كان يقف في المعركة بصف أعداء الإسلام، ولم يشفع له هذا القول ولا القربى، وكان الحكم الفصل في أمره مبنياً على  القاعدة الرئيسة في مثل هذه الحالات: «أين  يقف؟ أمع المسلمين أم مع الكافرين؟». هذه هي القضية الفاصلة.

يوم القيامة.. كل صداقة  تنقلب إلى عداوة إلا ما كان لله

قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٤]، قال ابن كثير يرحمه الله: أي كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل وهذا كما قال إبراهيم – عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم ببعض وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٥).

وعن علي رضي الله عنه قال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف آية رقم:٤)، قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله فقال اللهم إن فلاناً خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وترضى عنه كما رضيت على، فيقال له اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً وبكيت قليلاً، قال ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول اللهم إن خليلي فلان كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطته علي، قال فيموت الكافر الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقال ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل.

وقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها انتلف وما تناكر منها اختلف» قال النووي: قال العلماء معناه جموع مجتمعة وأنواع مختلفة، وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شيمها، وقيل لأنها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها، فمن وافق بشيمه ألفه، ومن باعده نافره وخالفه، وهكذا اقتضت حكمة الله وسنته في خلقه، إيجاد قانون الائتلاف والاختلاف وكل منهما مضاد للآخر ومتنافر معه، ولو عدما لفسدت الأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ولكنه القانون الذي وضعه العليم الخبير لتستقيم الحياة، ويتم التوازن

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ووالدينا والمؤمنين والمؤمنات من الذين تعارفت أرواحهم، وتآلفت على طاعة الله ومرضاته ورضاه في دار الدنيا ودار الآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه. 

عبد الله بن محمد القاضي 

nul23 @ayna.com

الضغوط النفسية في حياة الداعية (6)

الواقع الأليم والوصفة العجيبة 

اعرف طاقتك ولا تحملها أكثر مما تستطيع.. وتعلم الابتسامة وفن الراحة

الدعاء سلاح المؤمن.. ذكر الله يزيل الكرب.. خشوع الصلاة شعار الناجحين ... والثقة بالله تزرع الطمأنينة

عوض بن محمد مرضاح(*) 

(*) إمام وخطيب جامع بن حسن آل الشيخ بمكة المكرمة وممارس أول معتمد في البرمجة اللغوية والعصبية. (NLP) 

Awad_mordah@hotnail.com

نتحدث في هذه الحلقة (الأخيرة) عن آخر مظهرين للضغوط النفسية الخارجية على الداعية، وهما الواقع الأليم والصدامات الدعوية، ثم نحاول أن نقدم في النهاية وصفة سحرية للضغوط النفسية داخلية وخارجية.

١١- الواقع الأليم:

يعيش الداعية وهو يتأمل الواقع الفعلي للبشرية من حيث الانحراف عن منهج الله القويم فينظر إلى قلة المستمسكين بالدين وكثرة المجانبين له، فتتولد داخله حالة يائسة من صلاح البشرية، وعندها قد يقعد عن العمل، وهذا من أهم أسباب الضغوط النفسية على الداعية.

المظاهر:

1- القعود عن العمل الدعوي والتخلف عن الأنشطة.

2- النظرة التشاؤمية إلى واقع البيئة التي يعيش فيها وأنه لا صلاح لهذا الفساد.

3-  البعد عن تطوير الذات والوقوف بها في مكانها .

4- توقف نفسية الداعية عن الإبداع والابتكار الدعوي.

5- ترك الدعوة العامة بالكلية أو معظمها والاقتصار على نفسه ومن هو معهم. 

الأسباب:

1 – المتابعة المستمرة لمآسي الأمة وأمراضها. 

2- وجود رفقة تركز على هذا العنصر التشاؤمي دون غيره.

3- البعد عن التفاؤل وأنه المنهج القويم الذي علمه الله جل وعلا أنبياء عليهم الصلاة والسلام.

4-  الواقع الفعلي لأحوال الناس وأوضاعهم.

5-  القعود عن تغيير الحال الراهن  والاستسلام للضعف الموجود في الأمة.

 العلاج:

  1.  النظر إلى الواقع نظرة إيجابية متفائلة كما كان النبي الله يحب الفأل الحسن 

  2.  الانشغال بقضية الإصلاح ومحاربة الفساد.

  3. مرافقة صحبة طيبة تعرف الواقع وتنظر إلى المستقبل بمزيد من العمل والإصرار.

  4. متابعة أخبار وموضوعات الخير في المجتمعات والأفراد.

  5. معرفة التاريخ ودراسة السيرة واستخراج العبر والفوائد من الواقع في ذلك الوقت، وكيف تم تغییره.

١٢. المصادمات الدعوية:

قد ينشأ خلاف وتباين في وجهات النظر بين داعية وآخر أو مجموعة دعوية وأخرى، فتحمل كل فئة على غيرها وتظهر السلبيات في كل داعية أو مجموعة دعوية، ويصبح هناك أهداف بعيدة عن الصواب مما يؤثر على نفسية الداعية أو مجموعة الدعاة المنتمين لهذه المؤسسة سلباً. 

المظاهر

  1. كثرة الخلافات وعدم الجمع بين وجهات النظر

  2.  تصيد المعايب ومثالب الغير

  3.  تأخر المسيرة الدعوية عن جني الثمار

  4.  البعد عن رصد وإظهار جوانب الخير والإيجابيات في الآخرين.

  5. إحجام الكثير من الناس عن الانخراط في السلك الدعوي لهذا السبب الأسباب:

  6. الجهل بالمنهج السلفي الصالح عند التباين والخلاف في الأمور الدعوية وكيفية معالجتها.

  7. طبيعة بعض الأنفس من حيث التركيز على إظهار عيوب الآخرين.

  8. الاستعجال وعدم التثبت في تلقي الأخبار وسرعة نشرها.

  9. عدم الالتقاء بين الدعاة في دائرة التفاوض والتناصح فيما بينهم.

  10. تقديم سوء الظن على حسنه في تصرفات الدعاة الآخرين.

العلاج:

1- التعريف بمنهج السلف في التعامل مع المخالف.

2- تأصيل شعار تعال نتغافر في النفوس

3- إعداد البرامج الإيمانية التي تركز على الرقائق

4- فتح سياسة الحوار بين مسؤولي المناشط الدعوية والتأكيد على التعاون في نقاط الالتقاء مادام الخلاف يسعه ذلك.

5- التثبت عند تلقي الأخبار وعدم الاستعجال في نشرها دون معرفة صحتها من عدمها.

الوصفة السحرية للضغوط النفسية:

 الدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).

 وهذا أيوب ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء اية رقم ٨٣).

وهذا ذو النون: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء ٨٧) فمهما زادت أو كثرت عليك هذه الضغوط فالله أكبر، كن واثقاً في مولاك وادعه فبيده ملكوت كل شيء، وأكثر من قولك اللهم اجعل في قلبي نوراً، وأعلم أنك تأوي إلى ركن شديد يخرجك من كرب عظيم سبحانه وتعالى.

2- الذكر:

فذكر الله يجلي الهم ويزيل الكرب وينفس الضيق ويشرح الصدر ويضيء لك الطريق ويمحو الوحشة، ومن ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه.

3- الخشوع .. الخشوع

كان النبي الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فعليك بها فهي شعار الناجحين، وإزار المؤمنين، ورداء الداعين، ودثار المخبتين، إنها عمود الدين والخشوع تأثير في إفرازات المخ. حيث يتوازن إفراز الخلايا المختصة بالحزن مع إفرازات الخلايا المختصة بالفرح، وعندها يتحقق لك الاتزان المطلوب.

4 - الثقة بالله .. تزرع الطمأنينة:

هل تعلم وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما وهي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف. 

إذا فعلام القلق والتوتر وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف ولن يأتيك الخير إلا بقدر الله ولن يصيبك شر إلا بإذن الله؟ 

فعش حميداً وكن سعيداً. 

وهذا أيضاً من العلاج:

1- اعرف طاقتك ولا تحملها ما لا تستطيع.

2- حاول أن تنجز ولو شيئاً واحداً فهذا يعطي شيئاً من الرضا، وراحة البال للإنسان.

3- استفد من التجارب الماضية ولا تقف مع سلبياتها وخذ الخبرة منها. فليس هناك فشل ولكن خبرات. 

4- تعلم الابتسامة، فهي شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالابتسامة تنتج المشاعر الهادئة.

5- أشعر نفسك بالسعادة والراحة، وسوف تكون كذلك بإذن الله تعالى.

6- تعلم فن الراحة واعلم أن لنفسك ولبدنك عليك حقاً.

7- ابتعد عن داء الفراشة، وهو أن تؤدي أكثر من عمل في وقت واحد ولكن ركز ثم ركز.

8- اجعل بيتك واحة هادئة يستقر عليها شراعك المجهد في بحر الحياة المتلاطم 

9- مارس هواية أو رياضة تحبها .

10- استمتع بمداعبتك لأطفالك فلك في النبي مع الحسن والحسين أسوة حسنة.

خاتمة:

أخي الداعية ما نحن نحط رحالنا بعد هذا التجوال فيما يعترض الداعية إلى الله من بعض الضغوط النفسية التي تؤثر على إنتاجك الدعوي وحصيلتك العلمية والثقافية وأمل بعد هذا الاستعراض أن تصبح أقوى في تغلبك عليها فأنت تدل الخلق على الله، فكن واثقاً بمولاك، مستشعراً معيته معك، متفائلاً بنصره إياك

وتذكر الأجر العظيم والخير العميم الذي أعده الله لمن دعا إليه، فأنت الأحسن والأفضل قولاً وفعلاً.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت اية رقم: ٣].

فأنت تتعب لله.. وتدعو الله .. وترجو ثواب الله ... إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1041

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

130

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة