العنوان المجتمع التربوي (1558)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1558
نشر في الصفحة 54
السبت 05-يوليو-2003
عمر بن عبد العزيز..
قصة نجاح في مكافحة العنف
مهيوب خضر محمود
ظاهرة العنف وزعزعة أمن المجتمع وإثارة القلق والخوف والبلابل فيه ظاهرة عرفها التاريخ على مر عصوره المختلفة، وبقي الأمر منوطًا بأهل المسؤولية وأصحاب القرار في كيفية معالجة أسباب هذه الظاهرة وعلاج جذورها.
عمر بن عبد العزيز، هذا الرجل الذي استحق لقب الخليفة الخامس، والذي ملأ الدنيا عدلًا، كان له سياسته الخاصة وأسلوبه الحكيم في إصلاح المجتمع وتفكيك جذور العنف واحدًا تلو الآخر، رغم قصر فترة خلافته التي استمرت قرابة السنتين وخمسة شهور.
لقد رأى عمر بن عبد العزيز في استبعاد منطق القوة والقهر والاستبداد مقابل استخدام لغة الحوار والإقناع ورفع الغطاء عن البخار المحبوس قبل أن يتحول إلى قذائف يمطر بها المجتمع هنا وهناك، رأى في ذلك الدرب الأمثل في استيعاب الخارجين عن القانون والمروعين للناس، بل جعل من العدل مفتاح الحل الوحيد لوقف شلال الدم وترويع الآمنين.
تجربته - رضي الله عنه - مع إرهاب الخوارج الذين عاثوا في الأرض فسادًا منذ مقتل سيدنا علي - رضي الله عنه - على أيديهم في عصره تجربة فريدة أسفرت عن ذكاء خارق ومعرفة دقيقة بطبيعة النفس البشرية، وأدت إلى أن يضع الخوارج أسلحتهم للمرة الأولى في عهده بينما استعصوا على خلفاء بني أمية الذين سبقوه في الحكم، فكان انتصارًا سجله التاريخ لهذا الخليفة العادل.
خرجت إحدى فرق الخوارج في الأيام الأولى لخلافته مستأنفة تمردها المسلح، فأرسل إلى زعيمها كتابًا يقول فيه: «أما بعد فقد بلغني أنك خرجت غضبًا لله ورسوله... ولست أولى بذلك مني... فهلم أناظرك... فإن يكن الحق معنا، تدخل فيه، وإن يكن الحق معك، نراجع أنفسنا وننظر في أمرنا....»!!.
فما لبث الزعيم الثائر بعد أن قرأ رسالة الخليفة حتى شعر بالخجل من نفسه أمام منطق الخليفة الجديد، فأرسل وفدًا يفاوض الخليفة، فكانت النتيجة أن ألقت هذه المجموعة أسلحتها، وعادت لتمارس حياتها الطبيعية بين أفراد المجتمع بكل رغبة واقتناع.
لا شك أنه منطق العدل الذي جُبلت الفطرة البشرية على حبه وحب كل من يرفعه شعارًا.
ومع مجموعة أخرى من الخوارج ساحت في الأرض تنشر أفكارها وآراءها الفاسدة تسمى «حرورية الموصل»، أرسل إليه حاكم الموصل يستأذنه في قمعها وإسكاتها، فأرسل الخليفة عمر للوالي كتابًا يقول فيه: «إذا رأوا أن يسيحوا في البلاد في غير أذى لأهل الذمة.. وفي غير أذى للأمة.. فليذهبوا حيث شاءوا، وإن نالوا أحدًا من المسلمين، أو من أهل الذمة بسوء، فحاكمهم إلى الله...».
هكذا كان يرى الخليفة ألا حق له في الحجر على آراء الآخرين ولا الوصاية عليها رغم المقدرة على ذلك، فقد كان ينظر إلى حلول جذرية تجتث جذور المشكلة بدلًا من الوقوف عند حلول آنية هي أشبه بالمسكنات، وهذا هو المنهج الشوري والحوار الراشد الذي كان يتبناه عمر بن عبد العزيز، وكلما طولب باستخدام القوة كمنهج سريع لقطع دابر الفكر التصادمي في البلاد كان رده من القرآن الكريم: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: 99)، وقوله تعالى:﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾(سورة ق: 45)، وقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ (سورة الغاشية: 21).
عمر بن عبد العزير كان يدرك تمامًا أن آخر الدواء هو الكي، ولكن ليس هو أوله على الإطلاق، فقدم - رحمه الله - منطق التعامل بالعدل والحرية في التعبير والشورى والإقناع حتى مع خصومه.
كتب له والي خراسان يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والشدة مع أهلها قائلًا في رسالته للخليفة: «إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط».
فكان رده حازمًا مبنيًا على فهم دقيق للأسلوب الأمثل في التعامل مع انحراف الفرد والجماعة: «كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين».
رحم الله عمر بن عبد العزيز فقد أتعب من بعده من حكام المسلمين، ولقد كان قربه من كتاب الله وهدي نبيه وتربيته الصالحة سببًا في نجاحه الباهر في إدارة دولة خلت من العنف وغدا فيها العدل والخير والحق ملكًا للجميع.
***
§ الحمد لله
أسامة علي متولي
تسأله: كيف حالك؟ يجيب في ألم ومعاناة: ماذا نفعل؟! دنيا متعبة، حياة مؤلمة، صحة معدمة، أسعار نار، عيال ضائعة، لقد أهانني ربي!
ينسى نعم الله وأفضاله، أطعمه من جوع، آمنه من خوف، سقاه من عطش، كساه من عري، هداه من ضلالة..
رزقه عقلًا وأذنين، عينين ويدين ورجلين، «ولسانًا وشفتين»، وكليتين، لو تعطلت لأنفق عليها الآلاف مع الآلام، يقول: رب ارجعون، يارب، أعد إلى عافيتي، أعمل صالحًا فيما تركت ولو ردوا لعادوا.
إذا أنعم الله عليه بعلم عظيم، بمال كثير، بمنصب كبير، يقول وأنفه في السماء: إنه اجتهادي.. ذكائي.. خبراتي.. علاقاتي..
ولو رجع إلى نفسه قليلًا لنظر، وعبس وبسر، يقول في تيه وكبر: ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (سورة الفجر: 15) أنتم لا تعلمون.. إني والله لأستحقن ذلك الكرم، فأنا على خير، إنه قلبي الأبيض، وروحي الطاهر!.
ثم ينطلق الكريم، يرتكب المعاصي، يظلم الناس، يكذب وينافق، يطلق بصره فيما حرم الله، يطلق لسانه في الغيبة، يتعامل بالربا..
ينظر إلى ما في يد غيره، فقره بين عينيه، لو أن له واديًا لتمنى اثنين، غير راضٍ عن حاله:
صغير يطلب الكبرا * وشيخ ود لو صغرا
وخالٍ يشتهى عملا * وذو عمل به ضجرا
ورب المال في تعب * وفي تعب من افتقرا
فهل حاروا مع الأقدار * أم هم حيروا القدرا؟!
وهو لا يشكر الله بشكر الناس، كتلك المرأة العجيبة، يحسن إليها زوجها الدهر كله، فإذا صاح فيها صيحة واحدة، أو عبس عبسة، أو فرط تفريطة لطمت خدها، وشقت جيبها، وضربت صدرها.
أما الشاكرون فهم قليل، الجن يستمعون إلى قوله عز وجل: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (سورة الرحمن: 16) فيقولون: «ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد».
وكذلك المؤمنون الشاكرون.. يذكرون نعم الله عليهم، تعليم وخلق ورزق، سماء وأرض وميزان، أنهار وبحار وسفن، نعم لا تعد ولا تحصى..
ومن ثم فإن المؤمن الحق يلهج لسانه بحمد الله وشكره، ولو فقد كل أعضائه، ولم يبق له إلا لسان، لظل يحمد الله به ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سورة سبأ: 13).
***
§ صور من جهاد النبي صلى الله عليه وسلم
د. حمدي شلبي (*)
(*) كلية الدراسات الإسلامية - جامعة الأزهر
Hamdy shalby@yahoo.com
اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون هناك صراع دائم بين الحق والباطل، والضلالة والهدى، وتلك سنة من سنن الله تعالى التي لا تتغير ولا تتبدل، قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (سورة البقرة: 251) وإذا كان للحق رجاله وجنده، فإن للباطل كذلك سيادته المدافعين عنه قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (سورة النساء: 76) وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبين وصاحب الرسالة الخالدة فلا غرو أن يحرص القرآن الكريم على أن يصوغ شخصية القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله تعالى والشدة والغلظة على الكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (سورة التحريم: 9 - سورة التوبة: 73).
الأمر بالجهاد والغلظة لا يتنافى مع الأمر بالرحمة:
ربما يسأل سائل: أليس بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة والغلظة وبين كونه رحمة للعالمين تناقض؟
والإجابة: لا تناقض، بل إن الأمر بالجهاد والغلظة على الأعداء لون من ألوان الرحمة النبوية، وذلك من أكثر من جهة:
أولاها: أن الجهاد قد شرع لرد العدوان:
فقد قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (سورة البقرة: 194)، وعندما ترد الظالم عن ظلمه والمعتدي عن اعتدائه، فذلك عين الرحمة به، وهذا ما وضحه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل يا رسول الله: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أن ترده عن ظلمه، فذلك نصر له».
وهناك صنف من خلق الله لا يرعوي إلا إذا كان السيف فوق رأسه يخيفه ويرهبه:
والشر إن تلقه بالخير ضقت به * زرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم
ثانيتها: أن الجهاد قد شرع لإعلاء راية الله تعالى وفتح الآفاق أمام نور الإسلام ليعرف الناس حقائقه ثم يكون لهم الخيار بعد هذا بين قبوله أو البقاء على أديانهم، ودفع الجزية التي يعني دفعها علو كلمة الله ورفع رايته، ولا شك أن هناك طغاة سيتصدون لدعوة الإسلام حتى لا تبلغ خلق الله، وهؤلاء هم الذين أمر النبي بقتالهم، قال الله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ (سورة التوبة: 12) وإزاحة هذه الطواغيت من أعظم ألوان الرحمة للبشرية كلها.
من خصائص الجهاد النبوي: يتميز جهاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخصائص من أهمها ما يلي:
أولًا: أنه جهاد حتمي لا مناص منه، فقد أوجب الله على نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعيش حياته مجاهدًا ومقاتلًا، حتى ولو لم يكن معه أحد من خلق الله تعالى، قال تعالى: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النساء: 84).
ثانيًّا: أنه جهاد مستمر حتى يخضع العالم كله لله تعالى، قال تعالى:﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (سورة الأنفال: 39)، والدين هنا بمعنى الخضوع أي حتى لا يخضع العالم الجبار إلا لله، وكان صلى الله عليه وسلم يقول وسط أصحابه: «والله لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أقتل ثم أبعث» وهو في الصحيح.
ثالثًا: جهاده صلى الله عليه وسلم من أجل نصرة الحق لا لمجرد الانتصار.
لم يكن هدف النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام أن يبسط نفوذه أو أن يذل خلق الله، إنما كان هدفه صلى الله عليه وسلم نصرة الحق، ولهذا نراه صلى الله عليه وسلم يعقب على كلمة العباس بن عبد المطلب يوم فتح مكة: اليوم يوم الملحمة، فقال صلى الله عليه وسلم: «بل اليوم يوم المرحمة» ودخلها صلى الله عليه وسلم في خشوع وخضوع لله تعالى، حتى كادت رأسه صلى الله عليه وسلم تمس ركبتيه وهو فوق بعيره، كما جاء في كتب السيرة، ثم عفا عن أهلها الذين قاتلوه وحاربوه بقوله صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
رابعًا: اليقين المطلق في نصر الله تعالى.. مع الإعداد الكامل والأخذ بالأسباب.
فقد علم الله، المجاهد الأعظم صلى الله عليه وسلم وأمته أن الذي يملك النصر هو الله فقال تعالى: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (سورة آل عمران: 160)، وقال تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (سورة الأنفال: 17).
خامسًا: جهاده صلى الله عليه وسلم لا يعرف الوهن ولا الضعف ولا الاستكانة:
ومن خصائص جهاده صلى الله عليه وسلم أنه جهاد لا يعرف الوهن حتى في ساعات الشدة، فعندما انهزم المسلمون في معركة أحد بسبب عصيان معظم الرماة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه قام أبو سفيان يرفع صنمه قائلًا: اعل هبل، فشعر صلى الله عليه وسلم بخطورة تلك الكلمة، وأنها تمثل حربًا إعلامية رهيبة تفوق في خطورتها حرب السلاح - وقد تغلب حرب اللسان على حرب السنان - فقال صلى الله عليه وسلم: ردوا عليه أيها المسلمون، فقال عمر رضي الله عنه: فماذا أقول يا رسول الله؟ قال: قل الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يقول: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
وهكذا يعلمنا صلى الله عليه وسلم ألا نهن وألا نشك في نصر الله تعالى حتى في ساعات الهزيمة، وهو بهذا ينطلق صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139).
تلك أهم ملامح حياته صلى الله عليه وسلم الجهادية التي يجدر بالمسلمين أن يدرسوها؛ ليتعلموا منها وليستحضروا روح الجهاد الذي هو الحل الوحيد لاستعادة عزتنا وكرامتنا وتخليص مقدساتنا وإخواننا.
في إطار المراجعة والنقد الذاتي:
نريد بناءً لا ركامًا
محمد غالب حسين
· من أهم عوامل النجاح:
العمل بروح الفريق.. التخطيط.. تفعيل الحوار.. ترتيب الأولويات.. والاهتمام بوسائل الإعلام.
· مشكلات يجب حلها:
ضعف العمل النسائي.. أزمة الفكر.. وضمور العمل المؤسسي.
الأصل أن يكون المسلمون جماعة واحدة في العالم كله، فضلًا عن أن يكونوا جماعة واحدة في القطر الواحد، ففرقة المسلمين مرض, والمرض لا يشفى بمجرد التمني، بل لابد من علاجه واستئصال أسبابه.
ومن هنا كان الدافع لكتابة هذه السطور إلى الحركة الإسلامية المعاصرة قيادة وأعضاء بكل أطيافهم واهتماماتهم، فهو نداء موجه إلى كل جماعة تدين بالإسلام وتمارسه وتدعو إلى إقامة نظامه في الأرض بالطرق المشروعة، نداء من داخل الحركة وليس نقدًا من خارجها، رغبة في تحسين أوضاعنا الداخلية.
ونحن معاشر الدعاة إلى الإسلام في طول البلاد وعرضها، نملك من الطموحات والآمال مثل غيرنا بل أكثر، ونحتاج إلى أن نكون على قدر المسؤولية وعلى مستوى المرحلة الراهنة والتغيرات القادمة.
إن من شروط تقدم مسيرتنا الدعوية، مناقشة الأوضاع، ثم الاعتراف بالأخطاء وتصويبها وعدم الاستمرار عليها.
لذا أحب أن أقف هذه الوقفات مع المحاور التالية:
1- الشورى بين التنظير والممارسة:
الشورى معلم من معالم النظام الإسلامي وسماته، انقطعت صلتها بالأمة منذ زمن بعيد، وما زالت الأمة تطمح إليه وتنشده، والحركة الإسلامية أشد حاجة اليوم إلى نظام الشورى ملزم ومؤسس على قواعد وأسس علمية منظمة، ولا بد من مشاركة قطاع كبير ممن بلغ مستوى في العلم والتربية وبضوابط للمشاركة، في صنع القرار وتنفيذه والمحاسبة الدقيقة عند الإخلال بل مراقبة سير الأمور، وهذه نقلة ضرورية للحركة الإسلامية لتنتقل من العمل الفردي إلى العمل الجماعي والمؤسسي.
2- روح الفريق «العمل المؤسسي»: لقد تمكنت الحركة عبر برامجها التربوية من تكوين أفراد على مستوى ممتاز، لكن المشكلات تنشأ عندما يُطلب من هؤلاء الأفراد العمل معًا في برامج مشتركة، وذلك لأن الحركة ظلت وما زالت في معظم الأحايين تحت قيادة أفراد معدودين بدلًا من فرق عمل جماعية، لقد تمخض عن ذلك بيئة قوامها «قيادة الرجل الواحد».
لقد استحوذ هذا النظام وهذا النمط على معظم نواحي الحياة، ولو تفحصنا الساحة الدولية لوجدنا أن الولايات المتحدة قد تفوقت على أوروبا في «صهر» مختلف القوميات في إطار الجدية والمثابرة، أما اليابان فقد سبقت أوروبا والولايات المتحدة بإضافة روح الفريق الجماعية والولاء للتقاليد والمعتقدات الدينية.
3- العمل النسوي والأسرة: هناك إخفاق إلى حد ما في مجال العمل النسوي ورعاية الطفولة، فهما من أهم شرائح المجتمع المنسية، ورغم محاولات الحركة بذل المستطاع في هذا الاتجاه إلا أن الحركة النسوية ليست بالفاعلة، وذلك لعدم إشراكهن في النشاط أو إعدادهن أو مساندتهن، في الوقت الذي ندعي فيه أهمية المرأة وأنها تربي قادة الأمة ورجالاتها، ويظل هذا الأمر يمثل تقصيرًا يمكن سحبه كذلك في مجال إعداد الأطفال، فنسبة الأدبيات الإسلامية المتخصصة ضئيلة جدًا وتحتاج لتركيز وعناية خاصة.
4- غياب المؤسسات:
اعتمدت الحركة في معظم نشاطها على الأفراد موكلة المهام إليهم، الأمر الذي أدى إلى اعتماد الوظائف على الأشخاص، وبالتالي عدم الاستقرار وكثرة التغيرات ونقص في تغطية بعض الأدوار.
5- النزعة الإقليمية والقومية: إن الحركة - نظريًا - مقتنعة بوحدة الأمة وعالمية الدعوة، إلا إننا نعكس في سلوكنا أحيانًا توجهات وطبائع قبلية وإقليمية واضحة، وما زالت تتعامل من منطلق «الوطنية» في كثير من القضايا، وهذا يجعلنا لا نستفيد من بعضنا البعض بالشكل المطلوب.
6- غياب أو ضعف التخطيط: إن الحركة غالبًا ما تعيش من يوم إلى يوم تكافح لمجرد البقاء فقط، وقلما أتيحت لها فرصة لوضع خطط مستقبلية، فهي تدير عملها من خلال مواجهات الأزمات، وكثيرًا ما تتحول الأعمال الروتينية إلى حالات طوارئ، لقد أدى غياب التخطيط المسبق إلى عدم وضوح الأهداف، وسوء توزيع الموارد، وخلط في تحديد الأولويات وفقدان تحديد الوجهة، وعليه، فإننا نمضي غافلين عن نتائج أعمالنا غير عابئين بالتخطيط السليم.
7- البديل الإسلامي: لقد ظلت الحركة الإسلامية مشغولة بإثبات صلاحية الإسلام وتفوقه على غيره من الأيديولوجيات، وعملت في نطاق هذه العموميات، مع شيء من الإسهام في إيجاد البديل الإسلامي للاستغناء عن المؤسسات الرسمية التي لا تنطلق من روح الإسلام، علمًا بأن البديل الإسلامي ليس عملًا تطوعيًا، بل واجب، ومن أولويات الحركة، ولم يعد من الممكن أن يوكل هذا الواجب إلى أفراد من العلماء أو الحركة، إذ لا بد أن يكون مجهودًا جماعيًا وهو عمل مستمر لا يكفيه الاعتماد مرحليًا على المؤيدين والمتعاطفين، إنه شرط لا بد منه لبداية النهضة الحضارية لمشروعنا الإسلامي ، وسيظل تفوق النظام الإسلامي من دونه مجرد قناعة عاطفية، هناك حاجة إلى نموذج إسلامي حي مستنير يجذب الغرب والشرق نحو حضارة الإسلام.
8- الغايات والوسائل: يعاني بعض أعضاء الحركة الإسلامية قدرًا من البليلة والخلط بين الغايات والوسائل، وكثيرًا ما نلاحظ أن مصلحة الحركة أصبحت معيارًا للعمل والنجاح، رغم أن الحركة ما هي في الحقيقة إلا وسيلة لخدمة هدف إصلاح المجتمع، وقد أدى ذلك اللبس إلى انشغال الحركة بنفسها أكثر من انشغالها بالمجتمع وإصلاحه، والاضطلاع بدور حقيقي في المجتمع ككل، ولهذا السبب فإن جمهور الناس لا يبدي أي اهتمام أو تعاطف تجاه ما قد يقع على الحركة من ظلم واضطهاد، وتترافق هذه الظاهرة مع فقدان الإسلاميين بعض يكتسبونه من المواقع للعلمانيين نتيجة قلة التعاون بين الحركات الإسلامية.
وينبغي التأكيد على ضرورة تبني الحركة لمشكلات الأمة عامة, وإيجاد الحلول لها كتحد مباشر تواجهه الحركة، ولكي تطمئن الأمة إلى أن الحركة حارسها الأمين.
9- أزمة الفكر: إن التفكير الصحيح هو الأساس في كل انطلاقة حضارية، وبتأمل واقعنا المعاصر نجد الحركة مقصرة - إلى حد ما - في تحقيق الإتساق والوحدة الفكرية بين أعضائها، ونظرًا لتمسك الحركة بالعموميات، فقد برزت الخلافات الداخلية المتعددة حول الأمور التفصيلية، كما انصبت معظم جهود الحركة على العمل والنشاط أكثر من اهتمامها بالفكر والثقافة أو التوازن في ذلك، مع غياب بعض المواقف الرسمية المعلنة للحركة تجاه بعض القضايا الرئيسة العامة، مما كون لدى أتباع الحركة آراء متباينة.
10- غياب أو ضعف الحوار: وترتب على ذلك بعض الركود الفكري ونوع من الـ عجز عن الإثراء المطلوب لإنضاج الحركة وتجددها.
11- إهمال وسائل الإعلام: لقد قصرت الحركة الإسلامية إلى حد ما في مجال الاتصالات مع العالم المحيط بها، فأصبحت في عزلة لا تشعر بها، ولم توجه العدد الكافي من أعضائها إلى سد هذه الفجوة في وقت مبكر، مما جعل تأثيرها في المجتمع أقل مما ينبغي، ومكن منافسيها من السيطرة على وسائل الإعلام ورسم صورة مشوهة للحركة، دون أن تتوافر لها الفرصة العادلة للدفاع عن نفسها بشكل فعال، وأحيانًا يتم إسقاط «المشاريع الإعلامية الإسلامية »، خوفًا من ردود الأفعال وليس اقتناعًا.
كما أن الحركة لم توجه عددًا كافيًا من أعضائها للتخصص في مجالات الإعلام، ولقد كان الأولى بنا التنبه لذلك منذ زمن، فمعظم الجهود الإعلامية الموجودة محدودة الانتشار، ولا تخاطب إلا شرائح معينة، بل هي موجهة فقط للأعضاء، وبذلك تنازلت الحركة عن قطاع كبير من الأمة، وتركت هذا الثغر يتسلل منه من شاء من أصحاب التوجهات المناهضة للدين، وعاشت الحركة نوعًا من عزلة جعلها تتقوقع على ذاتها، مما عطل الطاقات وجمدها، وجعل الآخرين يكتسحون مواقع كثيرة على حساب ما بنته الحركة بجهود مضنية، بواسطة هذا الإعلام الذي أصبح المعلم والموجه للمجتمع بكل فئاته.
12- ترتيب الأولويات:
إن الحاجة لتحديد الأولويات تزداد إلحاحًا وأهمية مع مرور الزمن وتلاحق الأحداث، فلا يكفي أن يؤدي المرء الواجبات المهمة، ولكن عليه أن يؤدي الواجبات الأهم منها أولًا، فقد يؤدي المرء بكفاءة عملًا ولكنه ثانوي، إن لترتيب الأولويات أسبقية؛ لأن المهام أكثر بكثير من الموارد المتوافرة للقيام بها، وعليه يصبح تحديد الأولويات أمرًا ضروريًا للغاية حتى لا يمضي الوقت.
13- بين السرية والعلنية: إن الظروف هي التي تملي أسلوب العمل، وعلى الرغم من أن هذه القضية حسمت، إلا أنه يجب على الحركة أن تكون مفتوحة على الناس كلما سمحت الظروف المحيطة بذلك، وليس للعمل السري أفضلية أو قدسية إذا ما سمح بالعمل المعلن، مع أخذ الاحتياطات اللازمة، والرأي السليم هو اعتبار العمل العلني، كقاعدة أساسية ولا يلجأ إلى العمل السري إلا استثناء، وحينئذ تطبق عليه قاعدة الضرورات تقدر بقدرها، أو كما يقال «التنظيم سري والدعوة علنية».
14- ضعف قياس التجاوب الفاعل: تدار الحركة بنظام الدورة المفتوحة غير المحكمة، فلا توجد مراجعة دائمة ومنظمة وعلمية - على حد علمي لنتائج الأعمال أو تصحيحها من خلال المعلومات الواردة، فجهد الحركة منصب على تبليغ الرسالة بدون رصد آثارها المنشودة، واختلط على الكثيرين مفهوم «الأجر أهم من وجود الثمرة»، وبددوا كثيرًا من الجهود من دون تحقيق النتائج والمنجزات.
لقد أسأنا كثيرًا في التعامل مع مفهوم «علينا العمل والنتائج بيد الله»، الأمر الذي أدى خطأ إلى عدم التركيز على الأداء والإنجاز، لقد حان الوقت الذي يوجب على الحركة أن تستخدم أفضل من لديها من المتخصصين في الإدارة والاتصالات, والعمل الجماهيري, والعلوم السياسية, والعلاقات العامة؛ لترفع من مستوى أدائها لتمحيص أعمالها وأثر تحركاتها في الناس ومدى تجاوبهم معها، فإن هذا النوع من المراجعة ضروري جدًا لتعديل مناهج العمل وتصحيحها إذا كانت في حاجة إلى ذلك، والتفاعل مع الآخرين.
15- أدب الاختلاف: مما يؤسف له، أننا عندما نختلف أحيانًا، لا نمتثل للتوجيهات النبوية في أدب الاختلاف، وبدلًا من أن يصبح الاختلاف رحمة وإثراء للآراء قد يحدث نوع من التفكك والتعنت والتأويلات المتعنتة، ويتحول الخلاف الفكري إلى اختلاف في القلوب والمشاعر، وربما يتطور الحال فيصبح خلافًا منهجيًا، وعلى الجهات الإسلامية الناصحة ممارسة دور إيجابي للإصلاح خصوصًا في مثل هذه الفترات الحرجة.
16- جدول أعمال مطول: تقع الحركة الإسلامية من حين إلى آخر في فخ مطالبة معارضيها فجأة بكل شيء دفعة واحدة.
إن الدرس الذي يجب أن نعيه جميعًا، أن يكون جدول أعمالنا قصيرًا وواضحًا ومختصرًا، وبمجرد إنجازه يوضع جدول أعمال زمني آخر مدروس.
لقد نجح الشيوعيون والقوميون في تطبيق هذا الأسلوب بفاعلية في الوطن الإسلامي، وكانت شعاراتهم بسيطة وجذابة ونفاذة، فرسخت في ذاكرة الناس لشدة اختصارها ووضوحها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل