; المجتمع التربوي (1640) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1640)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 26-فبراير-2005

مشاهدات 56

نشر في العدد 1640

نشر في الصفحة 52

السبت 26-فبراير-2005

 آفات على الطريق

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجها... وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم هي جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.

د. السيد محمد نوح ([1])

تتبع العورات (۲)

الأسباب.. والآثار

تناولنا في العدد السابق تعريف تتبع العورات ونهي الشرع عنه، وإجازته له في حالات معينة... وفي هذا العدد نتحدث عن أسباب تتبع العورات وآثاره، حيث تتعدد الأسباب المؤدية إلى تتبع العورات والآثار المترتبة على ذلك:

الآثار

وتتعدد آثار تتبع العورات سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي:

  1. على العاملين:

لتتبع العورات آثار على العاملين تذكر منها:

١- زرع الأحقاد، والضغائن في النفوس:

ذلك أن لكل حرمته في دينه ودمه وعقله، وعرضه وماله، وإذا ما انتهكت هذه الحرمة، فإنها تورث في النفس الأحقاد والضغائن من باب غضبة المرء لحرماته لا سيما إذا عجز هذا المرء عن الثأر لهذه الحرمات.

٢- ذهاب الهيبة، وخسران الثقة:

ذلك أن الناس ينظرون إلى من يتتبع العورات أنه غير آمن على حرمات الناس فيسحبون منه الثقة، وتسقط هيبته من نفوسهم، وماذا يبقى للمرء بعد سحب الناس ثقتهم به وزوال هيبته من نفوسهم؟

٣- التورط في مزيد من الفسق والفجور:

ذلك أن المتتبع لعورات الناس، قد يطلع على ما يسوء ولا تحمد عقباه، فيقوده ذلك إلى مزيد من الفسق والفجور كالغيبة والنميمة وحب الثأر المتمثل في سفك دم أو انتهاك عرض أو سلب مال ونحو ذلك، وقد نبه إلى هذا رب العزة -سبحانه- إذ يقول: وَلَا ﴿تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات:١٢).

٤- حلول الغضب الإلهي:

ذلك أن المتتبع لعورات الناس قد خالف حكم الله ورسوله في حرمة التجسس وتتبع عورات الناس، ومن يخالف حكم الله ويتمادى في ذلك، ولا يتوب يحلل عليه الغضب الإلهي، وقد قال الحق، سبحانه: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾ (طه:٨١).

٥- الفضيحة في الدنيا والآخرة:

يتمثل الغضب الإلهي الذي ينزل بمن يتتبع عورات الناس في صور لا حصر لها، ومنها فضيحة الدنيا والآخرة جزاء وفاقًا لأنه فضح الناس ففضحه الله - عز وجل.

٦- هدر المتتبع لعورات الناس حرمات نفسه:

ذلك أن المتتبع لعورات الناس قد أهدر حرمة الآخرين وأقل عقاب له في الدنيا أن تهدر حرمته هو من باب: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى:٤٠)، ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١٩٤).

وهذا ما نبه إليه النبي ﷺ في قوله: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه، ففقؤوا عينه، فلا دية له، ولا قصاص».

٧- حمل الآخرين على أن يشتغلوا بعورات غيرهم:

ذلك أن تتبع عورات الناس سيعلم الآخرين، لا سيما الناشئة ومن لا حصانة لديهم على أن يشتغلوا بتتبع عورات غيرهم فيكسب من علمهم ذلك: إثمين: إثم نفسه. وإثم من اقتدى به وسار وراءه من باب: «... ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا».

ب- على العمل الإسلامي:

ولتتبع عورات الآخرين كذلك آثار على العمل الإسلامي، نذكر منها:

  1. الفرقة والقطيعة:

ذلك أن امتلاء الصدور بالأحقاد والضغائن والتورط في مزيد من الفسق والفجور، كل ذلك يؤدي إلى تسويد القلوب ومن ثم الفرقة والقطيعة، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام:١٥٩).

  1. الحرمان من العون الإلهي:

ذلك أن الفرقة والقطيعة ليست من دين الله في شيء، وقد مضت سنته سبحانه أن يخذل كل من أتى ما يخالف منهاجه، ويضاد حكمه، كما صنع سبحانه مع أهل الكتاب، إذ يقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:١٠٥)

  1. كثرة التكاليف وطول الطريق:

ذلك أن الخذلان الإلهي لمتتبعي عورات الناس يتمثل في صور منها : الوقوع فريسة في أيدي الأعداء، وعبث هؤلاء بالمناهج والقيم والمبادئ، ويحتاج المسلمون للتخلص من سيطرة هؤلاء الأعداء إلى زمن طويل مع جهد كبير ومعاناة ومشقات على نحو ما هو قائم، وواقع ببلاد المسلمين اليوم وعلى نحو ما حل بهم منذ أكثر من قرنين من الزمان!

أسباب تتبع العورات

هناك أسباب تؤدي إلى تتبع العورات منها:

١- سوء التربية الأسرية:

ذلك أن الأسرة إذا كانت حياتها مبنية على تتبع العورات، ولم تتعهد صغارها على الأقل بالتنفير من هذا الفعل، وتقبيحه، فإنه ينشأ وفي دمه الاطلاع على العورات، بل الترصد لها، والتجسس عليها.

٢- ضعف الإيمان:

ذلك أن المرء إذا كان ضعيف الإيمان بالله والعاقبة والمصير استهان بالعورات، ففتش عنها، وتجسس عليها بكل الأساليب والوسائل.

٣- أصدقاء السوء:

ذلك أن المرء إذا عاش بين أصدقاء السوء وكان من أخلاقهم تتبع العورات والتفتيش عنها، والتجسس عليها، فإنه يتأثر بهم غالباً. لا سيما إذا لم يكن قوي الشخصية.

٤- مرض القلب:

ذلك أن المرء إذا كان مريض القلب لاقترافه المعاصي والسيئات فإنه يستهين بالعورات، ويعمل بطريقة أو بأخرى على ترصدها، واقتناص ما يمكن اقتناصه منها. 

وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- ما يصور أثر القلب المريض على صاحبه، إذ يقول ﷺ: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه» (۱).

٥- عدم الاحتراز من مواطن الريبة والتهمة:

ذلك أن المرء قد لا يحترز من مواطن الريبة، والتهمة، فيفتح الباب أمام المتطفلين ونحوهم أن يظنوا به سوءاً، ويحملهم هذا الظن على التجسس وتتبع العورات للتحقيق والتأكد، وذلك فيه من الخطورة ما فيه لهذا جاء في الحديث قوله ﷺ: «... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه...» (۲) وقوله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (۳).

٦- الاستخدام من قبل جهات لا تخشى الله والدار الآخرة:

ذلك أن هناك جهات لا تخشى الله والدار الآخرة، وليس لها هم سوى الاطلاع على العورات. وتوظيفها بما يناسب أهواءها، ومشاربها، وقد لا تستطيع الوصول إلى ما تريد بنفسها، أو تستطيع، ولكنها لا تحب الكشف عن هويتها فتستخدم بعض الأغرار في تتبع العورات والتجسس عليها. 

٧- الظفر بالعثرات لتكون أداة ضغط لخدمة أهداف معينة:

ذلك أن المتربصين بالناس الدوائر، قد لا يجدون تحقيق أهداف بعينها إلا عند طائفة ما من الناس، ويصعب عليهم شراء ذمم هؤلاء ولا يبقى أمامهم سوى الظفر ببعض العثرات حيث إن كل بني آدم خطاء، ويجعلون من هذه العثرات أدوات ضغط على هذه الطائفة لتحقيق ما يريدون.

٨- الفراغ:

ذلك أن الفارغ من الناس يملي عليه الشيطان الدخول في سبل لا حصر لها، ومنها تتبع العورات لملء هذا الفراغ، وتستجيب النفس الأمارة بالسوء لذلك، فيكون التورط في هذه الآفة، وصدق النبي ﷺ الذي يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (٤)، والذي يقول: «اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» (٥).

٩- تقصير المجتمع في واجبه نحو متتبعي العورات:

ذلك أن على المجتمع أن يقوم نحو بعضه البعض بواجب إنكار المنكر، وإلا تحولت الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد يشيع فيها انتهاك الحرمات. وتتبع العورات من أنكر المنكرات وحين يقصر المجتمع في واجبه نحوه يشيع ويتفشى بين الناس حتى يصير كأنه السمة العامة للمجتمع.

١٠- عدم قيام ولي الأمر بواجبه نحو تتبع العورات:

ذلك أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وحين لا يقوم ولي الأمر بواجبه نحو تتبع العورات من التحذير، ثم التعزير فإن هذا الوباء يتفشى وينتشر بين الناس، وذلك فيه من الخطورة ما فيه.

الهوامش

  1. الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب ص ٧٤، رقم ٣٣١/١٤٤/٣٦٩ من حديث حذيفة مرفوعًا به. 

  2. الحديث جزء من حديث أخرجه البخاري وأصحاب السنن وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».

  3. الحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: «هذا حديث حسن صحيح».

  4. الحديث أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه كلهم من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً، وعقب الترمذي على حديثه بقوله: «هذا حديث حسن صحيح».

  5. الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً بهذا اللفظ، وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي في تلخيص المستدرك، وأورده الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٤٣- ٢٤٤، مرفوعًا، ومرسلًا.

كلمات في العزلة

لا يخفى على أحد من المسلمين ما يعانيه الواحد منهم من غربة تضرب بأطنابها في كل مجالات الحياة في هذا العصر، وصار حديث الغربة الذي ذكره النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ...» واقعا معيشاً ونشاهده في حياتنا.

فغربة في العقيدة، وغربة في الحكم والسياسة وغربة في المعاملات وغربة في مناهج الدعوة والتربية وغربة في الأخلاق والسلوك، ولأجل هذه الغربة المستحكمة ينشأ في نفوس الغرباء الجدد جنوح نحو العزلة والاعتزال حتى لا يتلطخوا بأقذار تلك المجتمعات. ومن هنا تبدأ زاوية الانفراج تتسع بين أهل السنة ومجتمعاتهم ليبقى أبناء الأمة بعدئذ لقمة سائغة يبتلعها أهل الأهواء والبدع في بطون مناهجهم المنحرفة الزائفة، وكأني بالإمام ابن الجوزي ينبعث من مرقده في هذه اللحظات الحرجة ليكشف اللثام عن وجه هذه المسألة الشائكة عبر كلماته المضيئة المستوحاة من تجربته الذاتية التي يقول فيها: «ما زالت نفسي تنازعني إلى الزهد والانقطاع عن الخلق والانفراد بالآخرة، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فكان يريني في التزهد قطع أسباب ظاهرها الإباحة من الاكتساب فقلت له:... دعني أجمع ما يسد خلتي ويصونني عن مسألة الناس، وإنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم، وجمع المال الساد للخلة قبل الكبر، وقد قال رسول الله ﷺ «لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» وقال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».

[1] أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الكويت.

حفیظ الرحمن الأعظمي

Azami30@hotmail.com

كلانا على خير.. شولكن

الدين جاء ليحكم شؤون الحياة كلها.. والتحزب على جزء منه مرفوض

من الظواهر السلبية على الساحة الإسلامية الحماس المتزايد لنوع معين من النشاط الديني أو الدعوي على حساب الأنواع الأخرى، فتجد طائفة من المسلمين تهتم بالإسلام التعبدي، فتعنى بقيام الليل وكثرة الذكر، والإكثار من النوافل والطقوس الدينية، وقد تضيف إلى ذلك بعض الترتيبات التي لا أصل لها في الشرع وربما تسرب إليها شيء من التصوف الانعزالي الباطل، وطائفة أخرى تهتم بالإسلام السياسي، فجهادها في ميدان تكوين الأحزاب السياسية وإبرام التحالفات، وحشد الأنصار، بغية الفوز في الانتخابات، والدخول إلى المجالس النيابية والبرلمان وتربية الشباب على الجهاد السياسي، وتجد طائفة ثالثة تعنى بالإسلام العلمي والأكاديمي، فهي تتعلم السنة والحديث، وتشتغل ببيان صحيحها من سقيمها، وتحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة وقد يصحب ذلك شيء من الجفاء والغلظة، أو صفة التعبد أو الغفلة عن واقع الأمة وما يحاك ضدها. وطائفة أخرى تصرف جل مجهودها في الجهاد ضد الكفار، وتدريب الشباب على الجهاد المسلح، وطائفة أخرى تبذل كل طاقاتها في محاربة فكر ضال معين كالتصوف والعقلانية أو الديموقراطية وما شابه ذلك، وطائفة ... وجميل جداً أن يوجد في الأمة أناس من هذا النوع وذاك، فكل منا على ثغرة من ثغور الإسلام، ولكن الأمر عندما يتجاوز إلى التعصب لأي لون أو نمط من النشاط الديني فتلك هي الكارثة بعينها.. فالدين جاء ليحكم شؤون الحياة كلها على مستوى الفرد والجماعة وفي الجوانب الاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، وغيرها، والتحزب على جزء من الدين ونسيان الأجزاء الأخرى هو من ميراث الأمم الهالكة، قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ﴾ (المائدة :١٤).

ثم إن الطاقة البشرية محدودة وإنها إذا صرفت لشيء معين زائد عن قدر الحاجة فربما بخست شيئاً آخر، أو أضرت به فضلاً عن أن ما فطر عليه الناس من الطبائع والنظريات ونوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور، وإن من سنن الله في خلقه أنه لا يوجد إنسان كامل يفتح عليه في كل شيء غير الأنبياء، ولذلك فإن الإنسان قد يفتح عليه في باب دون آخر، فتجد من الناس من يفتح عليه في باب العناية بالقرآن الكريم، فهو شغله الشاغل وهمه الأكبر تعلماً وتعليماً وإتقاناً وضبطاً له، وقد يكون في الإنسان زهد ونسك وخير كثير لكنه لم يرزق آلة العمل الشرعي، ومن الناس من يفتح عليه في باب التأليف فيجعل جهده في إخراج المؤلفات والكتب للناس، ومنهم من يفتح عليه في باب الوعظ فهو يحسن وعظ الناس والتأثير فيهم، ومنهم.

طرق الخير وأنواع البر كثيرة، وكان من أصحاب النبي ﷺ الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب إلى جوار العالم المجتهد الفقيه كابن عباس وابن مسعود إلى جوار المتعبد الزاهد كأبي ذر وأبي الدرداء. ومن مجموع هذه الشخصيات يتكون البناء الإسلامي المتكامل، ويجب على كل واحد أن يسد ثغرة أخيه، فالكمال لله وحده، ويجب ألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن والتباغض، وإياك أخي المسلم أن تتحزب على جزء من الدين وتحارب من يهتم بجزء آخر اشكر من قام به عنك إذا قصرت في أمر، واعلم أن لكل أناس مشربهم، وكلاً ميسر لما خلق له.

شادي الأيوبي

ccayoubi@hotmail.com

للدعوة إلى الله أسرار لا يعلمها الكثيرون

تعطي من يتعفف وترفع من يتواضع

هذه كلمات لكل من يصدع بالدعوة إلى الله، ثم يقلب ذات يوم كفيه، وينظر في أمره بعد سنين من الدعوة -كما يظن- فلا هو غير شيئاً فيمن حوله، ولا أضاف شيئاً، بينما يحالف التوفيق غيره خلال مدة قليلة، فترى الناس التفت حوله واجتمعت عليه، وسمعت كلامه، فسبحان الذي من على أفضل خلقه بمحبة الناس له، وتوددهم إليه.

الدعوة إلى الله سر

نعم الدعوة إلى الله سر، لكنها سر غير خفي، على أنه رغم وضوحه لا يوفق إليه غير القليلين ممن توافرت فيهم صفات كثيرة، وهذه بعض أسرارها الخفيةالظاهرة:

من جميل هذه الدعوة أنها تعطي صاحبها طالما تعفف وترفعه طالما تواضع للناس، وتجعل الناس في خدمته طالما كان خادماً للناس، وكما تجعله مطاعاً مسموع الكلام طالما كان مطبقاً لما يدعو إليه تجعل كلامه محبوباً طالما تجنب التشدق والتعجرف والكلام عن نفسه، فإذا طلب تنميق الكلام وزخرف القول، صار واحداً من خطباء الكلام يخاطب الأسماع، لكن كلماته لا تصل إلى القلوب... 

الأخ الداعية.. الأخ الخطيب أو الواعظ... اسمع كلمات تخرج من قلب مشفق محب، لم يجمعه بك غير الحب لهذه الدعوة، وحب الخير للناس.

هذه الدعوة مدرسة عظيمة...  لا يوفق إلى دخولها إلا المخلصون،ولا يستمر فيها إلا الأشد إخلاصًا، ولا يتخرج منها إلا من لا يرون لأنفسهم أي فضل، ولا يتميز من خريجيها إلا من يرون الفضل لكل أحد من الناس إلالأنفسهم.

كيف تعرف قدرك في قلوب الناس؟

إن من جميل الأمور أن العامة لا يخفون مشاعرهم، أو لا يمكنهم إخفاؤها، وهذا قد يكون جارحاً في بعض الأحيان، لكنه من أصدق المعايير وأوضحها، وهناك موهبة حري بالداعية إلى الله أن يمتلكها وهي قراءة القلوب، فهي تعني فهم ما يشعر به الناس نحو هذا الداعية، هل يحبونه أم يبغضونه أم لا يبالون به؟ وذلك من خلال علامات الوجوه وزلات الألسن فهذه من الصعب إخفاؤها.

فإذا رأيت من العامة الحب لك والتعلق بكلامك، ومحاولة تطبيقه فاعلم أنك في فضل من الله، فاسعَ إلى المزيد منه بالإخلاص التام في القول والعمل أما إذا رأيت منهم الجفاء عنك والإعراض عن كلامك ففتش من أنت؟وما تقول؟ وماذا تفعل؟

بعد هذا هناك أمور جدير بالداعية الانتباه إليها تخص الدرسالخطبة نفسها منها:

- إياك أن تجعل من نفسك موضوع الحديث، فبعض الكلمات قد لا يكون مدحًا مباشرًا للنفس، لكنه يفصح عن اعتداد كبير بها، وهي مزعجة للسامع منفرة من الخطيب.

- التعريض بالناس ممنوع بعض الخطباء يعرضون بالناس أو ببعضهم بعد حوادث معينة، ويظنون أنهم ببعض المواراة لن يعرف أحد من يقصدون، فيتكلمون بكلام جارح فاضح، ويظنون أنهم يحسنون صنعًا.

- لا تكلف الناس ما لا يطيقون لا ينبغي للخطيب أن يكون مثالياً إلى درجة السذاجة، فيطالب الناس أن يكونوا ملائكة لا يخطئون ولا يزلون، بل إن من الحكمة والواقعية توقع الأخطاء والزلات والتعامل معها بسمو وبعد نظر. 

- لا تتكلم في الهلاميات والفلسفاتوالكلام غير المفهوم. 

- ليست العبرة بطول الخطب ولابكثرة الكلام لكن في تأثيره. 

- المهمة لا تنتهي بالانتهاء من الخطبةأو الدرس.

- من الخطأ أن يسرع الخطيب أو المحاضر بالمغادرة بعد كلامه، فالناس لديهم حاجات وشكاوى وهموم واستفسارات، وهم معتادون أن يبوحوا بها لمن يرون من أهل الصلاح والخير.

- لا تحرم من حولك من كلمة طيبةومن بسمة صادقة، فالكلمة الطيبة والبسمة الصادقة مفتاح تملك به القلوب فمن كان عديم البضاعة منهما ليس له حظ في حب الناس أو التأثير فيهم. 

- عليك أن تصبر على أذى الناسوتحمل شكاواهم، والسعي بينهم بالخير واعلم أن لك الأجر في الدنيا قبل الآخرة. في الختام الخطيب والداعية المخلص ينتظر الأجر من الله على أنه ينال من حب الناس ودعائهم ورفعهم من مكانته وتقديمهم له، ما يجعله في خير كثير، وقد قال ابن القيم -رحمه الله- طوبى لمن بات والسن الناس تدعو له، والويل لمن بات وألسن الناس تلعنه.

وحب الناس للمرء ودعاؤهم له من عاجل بشرى المؤمن، فنسأل الله أن يعجللنا البشرى في الدنيا قبل الآخرة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1639

74

السبت 19-فبراير-2005

المجتمع التربوي ( 1639)

نشر في العدد 1746

135

السبت 07-أبريل-2007

المجتمع المحلي.. العدد 1746