; المجتمع التربوي(1745) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي(1745)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007

مشاهدات 59

نشر في العدد 1745

نشر في الصفحة 50

السبت 31-مارس-2007

تأملات في قصص الفداء (13)

كان أشبه الناس برسول الله  خَلقا وخُلقا

أبو المساكين.. ذوالجناحين!

جعفر بن أبي طالب نموذج مثالي للمسلم الحق.. همة عالية وعقل ناضج وعطاء بلا حدود

لما قدم المدينة قال رسول الله: «ما أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»

إيمان مغازي الشرقاوي

كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، سليل بيت الجاه والنسب، والشرف والحسب، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبوه أبو طالب صاحب الأيادي البيضاء على الدعوة المحمدية وراعيها، وأمه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها – والتي كانت أُمًا لرسول الله  بعد أمه.

وهي التي ألبسها قميصه حين ماتت واضطجع في قبرها ليهون عليها، وقال في حقها: «رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيبها وتطعمينني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة»، أما عمه فهو أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأخوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفدائي الكبير، وقد تربى في بيت عمه العباس رضي الله عنه حين ضمه إليه وكفله تخفيفًا عن أخيه أبي طالب الذي كان كثير العيال، فظل عنده حتى كبر وشب واستغنى.

ولما أسلم صار له بيت ينبض هو الآخر بحب الله ورسوله، فزوجه هي الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس رضي الله عنها مهاجرة الهجرتين، ومصلية القبلتين، والتي كانت من السابقات إلى إجابة داعي الله عز وجل بإسلامها المبكر على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ذلك قبل أن يدخل رسول الله  دار الأرقم.. فيا لها من أسرة مباركة، ويا لها من صحبة طيبة فهل عرفت ذلك البطل العظيم؟ إنه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .. أو قلهو الشهيد الطيار الذي يطير بجناحين في الجنة والذي كان يكنى في حياته بأبي المساكين، ولقب بعد مماته بذي الجناحين، وجعفر الطيار.

خير سفير: في بداية الدعوة لم يكن يسلم من أذى مشركي مكة أحد من المسلمين الأوائل مهما كانت منزلته، مما دفع نفرًا من الصحابة إلى الهجرة للحبشة طلبًا للعدل المفقود في حقهم، والأمان المطلوب لهم لتأدية شعائر الدين الحق الذي آمنوا به، وأذن لهم رسول الله  بالهجرة، فهاجر جعفر على رأس المهاجرين تصحبهم سلامة الله بعد أن تركوا وراءهم مراتع الصبا وجميل الذكريات في سبيل الله، خرجوا وهم في الحقيقة قد أخرجوا لا لشيء إلا أن يقولوا ربنا الله وهناك.. بعيدًا عن الوطن والأحبة، وفي أرض الغربة أقام جعفر، لكنه كان خير سفير يمثل دينه في تلك البلاد، وخير من نتعلم منه أصول السفارة وآدابها، ورغم أنه كان شابًا فتيًّا لم يتجاوز العشرين من عمره إلا أنه كان خير مثال للشباب المسلم المتمسك بدينه القابض عليه مهما تكن الأحداث.

حسن المنطق

وقد أوتي من البيان والفهم، والحكمة وحسن المنطق، ما لم يؤته كثير من الناس ظهر ذلك واضحًا جليًّا في الحوار الذي دار بينه وبين نجاشي الحبشة وأساقفتها الكبار حين أرسلت قريش وفدًا من مكة للنجاشي تطلب تسليم اللاجئين إليه من المسلمين لتأديبهم والنكال بهم بعد أن خرجوا عن طوعهم، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه التحول عن عبادة الأوثان لكن الله تعالى خيب ظن المشركين وأحبط كيدهم فقد كان النجاشي ملكًا لا يظلم عنده أحد كما أخبر بذلك رسول الله.

قدومه للمدينة

مكث جعفر وزوجه في رحاب النجاشي عشر سنين، حتى إذا كانت السنة السابعة للهجرة النبوية غادر بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين، متجهين إلى مدينة رسول الله  ووافق ذلك فتح خيبر ففرح بمقدمه رسول الله  فرحًا شديدًا وقالما أدري بأيهما أنا أسربفتح خيبر أم بقدوم جعفر... كما فرح بمقدمه أيضًا الفقراء والمساكين حيث كان شديد العطف عليهم حتى لُقِّب بأبي المساكين.. وفي هذا يقول أبو هريرة رضي الله عنهكان خير الناس لنا معشر المساكين جعفر بن أبي طالب، فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا ما يكون عنده حتى إذا نفد طعامه أخرج لنا العكة قربة يوضع فيها السمن وليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما علق بداخلها.

أمير في الجيش

وبعودة جعفر إلى المدينة انتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل العمل لنصر دين الله عز وجل، بتكليف من رسول الله ﷺ. وكان ذلك في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، حيث خرج جعفر مع جيش المسلمين المكون من ثلاثة آلاف، بعد أن رتب النبي  قادة ذلك الجيش، فجعل الأمير زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» (البخاري).

وكما أظهر لنا جعفر تفوقه في حسن المنطق وبطولته في قوة الحجة والإقناع من خلال تخطيه امتحان الدعوة إلى دينه بنجاح فائق، قدم لنا أيضًا نجاحه العظيم في امتحان الفداء الكبير الذي قل أن يكون له نظير، ليس من خلال الكلام فحسب بل كان درسًا عمليًّا مرئيًّا في كيفية تقديم النفس فداء لدين الله عز وجل، وقد حان الآن.

موقف الفداء العظيم

كان جيش العدو مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من نصارى العرب ولك أن تدرك مدى الفرق الشاسع بين عدد الجيشين، وهذا كفيل بأن يلقي الرعب في قلوب الأبطال، ويهز الثقة في نفوس الرجال، لكننا الآن أمام بطل وفارس ومجاهد أيقن تمام اليقين أن النصر من عند الله، وأن الجنة غالية الثمن ولن يكون ثمنها في هذا الموقف إلا روحه الزكية التي قدمها راضيًا لله.. لذا ها هو بطلنا قد عقر فرسه، فكان أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام، ثم قاتل القوم وهو ينشد ويقول:

يا حبذا الجنة واقترابها

طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها

كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إن لاقيتها ضرابها

وها هو يحمل اللواء بعد سقوط زيد شهيدًا، أنظر إليه.. لقد أخذه بيمينه فقطعت اليمين، فأخذه بشماله فقطعت هي الأخرى، فاحتضنه بعضديه حتى جاء رجل من الروم فضربه ضربة فقطعه نصفين فقتل رضي الله عنه، ووجد في جسمه خمسون طعنة ليس منها شيء في ظهره، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة استشهد ليحيا هذا الدين في القلوب، وقتل لأكون أنا وأنت من المسلمين؛ لذا فقد حمد الله تعالى له ذلك، وتقبل منه الفداء الذي لا يملك – رضي الله عنه- أغلى منه... جسده المشطور نصفين، وروحه التي فاضت تتبع يديه المقطوعتين، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.

وها هو رسول الله  ينعى الأمراء الثلاثة لأصحابه ويقول: «لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب....».

ماذا نأخذ من سيرته؟

إن جعفر رضي الله عنه يعطينا مثالاً طيبًا لصورة الإنسان المتكامل، فهو نموذج مثالي للمسلم الحق، فقد جمعت شخصيته العظيمة تلك بين أمور كثيرة، فصاحبها هو المسلم صاحب الهمة العالية والعقل الناضج، ما دفعه بفضل الله للإيمان المبكر، وهو المعلم الواعي والداعية الناجح الذي يعرف مع من يتكلم، وكيف يتكلم ويعرض قضيته بصدق وشفافية، حتى يتفاعل معها الرأي العام من حوله، كما أنه صاحب الموهبة الكبيرة في البيان ووضوح الحجة وهي وسائل معينة لعرض قضيته التي يؤمن بها بل وكسبها، وظهر ذلك في موقفه مع النجاشي والوفد القرشي.

كما أن شخصية جعفر رضي الله عنه شخصية معطاءة تحب العطاء وتعشقه، فهو يعيش واقع إخوانه من حوله ويحس بهم، يتجلى ذلك في إحسانه الدائم إلى الفقراء واتخاذه أبًا للمساكين، وتجلى ذلك العطاء في أعلى صوره عندما بذل روحه في سبيل الله دون تردد أو خوف.

وهو مثال حي وصورة طيبة لكل مسلم في ضرورة استمرارية عمله في سبيل الله بلا انقطاع كل في مجاله؛ لأن المسلم أينما حل نفع، فلم يرض رضي الله عنه لنفسه الخلود إلى الدعة والراحة والسكون في موطنه الأموقد عاد إليه بعد طول فراق، وسكن فيه بعد إبعاد امتد سنوات، وكان ذلك كافيًا لتراخيه وفتوره، إذ ما أجمل أن يستعيد المرء ذكريات شبابه ويجدد من أعمال صباه بعد أن حرم منها بإخراجه، لكنه لم يفعل فليس هناك مجال للهو أو التقاعس فالواجبات أكثر من الأوقات، وها هي من ورائه تناديه وتطلبه رضي الله عنه وأرضاه.. لذا فقد لبّى المنادي والنداء، وسقط شهيدًا في أرض المعركة والفداء.

رحلة في بحار الرضا

ابن القيمالرضا باب الله الأعظم ومستراح العابدين.. من لم يدخله في الدنيا لم يتذوقه في الآخرة

المؤمن لا يفرح بدنيا يصيبها ولا يحزن على فواتها ولكنه يفرح بالطاعة وتحزنه المعصية

دعمرو الشيخ

هيا معا نبحر في بحار الرضا، ونستصحب معنا نماذج من الراضين حتى يكونوا لنا نبراسًا يضيء لنا الطريق

هيا ردد من أعماق قلبك «رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًّا ورسولاً»...

وتذكر أن لك جائزة من الله تعالى أخبرنا بها نبيه حين قال: «من قال حين يمسي رضيت بالله ربا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا كان حقًّا على الله أن يرضيه» (رواه الترمذي بسند حسن).

فعلى الإنسان أن يقنع بما قدره الله عز وجل له، فإن كان معافى في جسده من الأمراض، ويعيش في أمان دون خوف ويملك قوت يومه فلا يبيت جوعان، وجب عليه - بهذه النعم الثلاث أن يحمد الله حمد الراضين، وليتذكر قول النبي ﷺ: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في فكأنما جسده عنده قوت يومه حيزت له الدنيا» (رواه الترمذي وقالحديث حسن).

أرح نفسك من الهم بعد التدبير فالمؤمن الحقيقي لا يفرح بدنيا تصيبه ولا يحزن على فواتها، ولكنه يفرح بالطاعة وتحزنه المعصية.. وكما قيل: «كل ما فاتك سوى الله يسير، وكل حظ لك سوى الله حقير»... ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (يونس: 58). وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (رواه الترمذي بسند صحيح).

وفي الحديث القدسيإن الله يقوليابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غني وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك (رواه الترمذي وقالحديث حسن).

وقد قال الله تعالى وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ (طه: 132)، وقال﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ (هود:6).

إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل إنسان ما يكفيه، فقد قدر الأقوات من الأزل قبل خلق السماوات والأرض، ولكن الإنسان دومًا يطلب المزيد وهو لا يعرف ما يفعل به فحين يختار الله الغنى أو الفقر لإنسان ما، فإنه يختار له ما يصلحه، ولكن الإنسان لا يعلم ذلك.

وما أجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله«الرضا باب الله الأعظم، ومستراح العابدين، وجنة الدنيا، من لم يدخله في الدنيا لم يتذوقه في الآخرة».

لم يبق إلا النية الصالحة والعمل الصالح، وذكر الله عز وجل، واللجوء إليه في كل وقت وحين.

نجوم على طريق الرضا

عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي شارك مع النبي في الغزوات، إذا به بعد وفاة النبي  يصاب بشلل يقعده تماما عن الحركة، ويستمر معه المرض مدة ثلاثين سنة، حتى إنهم نقبوا له في سريره حتى يقضي حاجته، فدخل عليه بعض الصحابة .. فلما رأوه بكوا، فنظر إليهم وقال: «أنتم تبكون أما أنا فراض.. أحب ما أحبه الله، وأرضى بما ارتضاه الله، وأسعد بما اختاره الله، وأشهدكم أني راض».

عروة بن الزبير رضي الله عنهما توفي ابنه وفاة غاية في الصعوبة؛ إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة، فاحتار الناس على أي شيء يعزونه.. على فقد ابنه أم على قطع رجله؟ فدخلوا عليه فقال: «اللهم لك الحمد أعطيتني أربعة أعضاء.. أخذت واحدا وتركت ثلاثة.. فلك الحمد، وكان لي سبعة أبناء.. أخذت واحدًا وأبقيت ستة.. فلك الحمد لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت أشهدكم أني راض عن ربي».

السيدة صفية بنت عبد المطلب قُتل أخوها سيدنا حمزة، ومُثِّل به ومضغت هند بنت عتبة كبده، وجاء أبو سفيان ووضع الحربة في فمه وأخذ يدقها حتى تشوه وجهه رضي الله عنه.. استمع إلى ما رواه ابن إسحاق عن هذا المشهدوقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله  لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها»فقال لهايا أمه إن رسول الله  يأمرك أن ترجعي، قالتولِمَ، وقد بلغني أنه مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسين ولأصبرن إن شاء الله فلما جاء الزبير إلى رسول الله  وأخبره بذلك قال: «خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت».

فهل ترضى بما رضيه الله لك؟!

إن حسن فهم العبد لطبيعة علاقته بربه تعالى يريح قلبه، وإن معرفة العبد بأن الله الذي خلقه لا يريد به سوءًا أمر يطمئن فؤاده، وإيمان العبد بأن الله جعل له هذه الدنيا دار اختبار وامتحان من اجتازه بنجاح عبر إلى دار أخرى الخير فيها من الله عميم، ميزها الله وحببها لأهل الخير فقال عنها لأهلها فيما رواه أبو هريرة عن النبي قال«ينادي منادإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا فذلك قوله عز وجل: ﴿وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (الأعراف: 43)» (والحديث رواه مسلم).

وهنا ينتهي مكان الدنيا بما فيها من تعب ونصب ومرض و ... لو أيقن العبد بذلك لكان في استقبال البلاء فرحًا؛ إذ هو يرفع درجته عند الله إذا صبر، أفلا ترى إلى قول النبي ﷺ: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (رواه الترمذي وقالهذا حديث حسن).

والآن تعال نردد مع الشاعر قوله:

فليتك تحلو والحياة مريرة

                     وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

                      وبيني وبين العالمين خراب 

إذا صح منك الود فالكل هين

                                 وكل الذي فوق التراب تراب

 

التعامل مع الآخر

محمد صلاح الدين (*)

عرف الإسلام كل أنواع التعددية الفكرية والسياسية والدعوية والمذهبية، وقد نهى عن الإكراه في حرية المعتقد﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ (البقرة: 256)، مما يجعل ما دونها من باب أولى، ونظرة الإسلام إلى الناس جميعًا لا تميز بينهم على أساس لون ولا جهة ولا مذهب، بل جاء النداء القرآني﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ (الحجرات: 13).

والتعارف بين المجتمعات والحضارات مبدأ دعا إليه القرآن الكريم وهو ضد التنافر والتصادم، هذا المبدأ من أهم المبادئ التي بنى عليها الإسلام منهجه في التعامل مع الآخرين، كما أكد ضرورة الحوار على أساس من الاحترام والاعتراف بالآخر، بل إنه وضع قاعدة التحاور والتفاهم على أساس من الإنصاف لم يعرفه فكر ولا فلسفة غيره. قال تعالى﴿وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (سبا: 24).

وبعد التعارف والحوار وصل الإسلام إلى ضرورة التعايش بين المجتمعات والتعاون في القضايا المشتركة بين البشر كإخوة في الإنسانية.

إن الإسلام ومن خلال النص القرآني الحكيم يقول وبكل جلاء: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ (الممتحنة: 8)، وذلك ما يؤكده أيضًا مساواة الإسلام في عقوبة المعتدي على المسلم وعلى المسالم في الدية، حيث يقول﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ (النساء: 92). ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ نفس الآية السابقة.

وهكذا بنى الإسلام أسس التعامل مع الآخرين على التعارف والحرية والحوار والتعايش، فهي مبادئ تكفل للإسلام أن يكون دينًا عالميًّا ووسطيًّا في جميع تصوراته ومعاملاته.

وأوصل رسالته إلى جميع الناس بدون إكراه ﴿فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ (الكهف: 29).

إذا كان هذا عن تعاملنا مع غيرنا، فإننا فيما بيننا يجب أن نتعارف ونتحاور كذلك على الأسس الشرعية، فلا تكفير ولا تضليل بل حوار وتفاهم وتعاون في المتفق عليه وتسامح في المختلف فيه، لقد أصبح الجميع يؤمن بأن الخلاف الفقهي رحمة وضرورة واقعية، يقول عمر بن عبد العزيز«ما يسرني أن أصحاب رسول الله  اتفقوا، وذلك لأن في اختلافهم رحمة».

إن تجاوزنا للاختلافات الفقهية لدليل على قدرتنا على استيعاب التعددية السياسية والمذهبية.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي«إن هذه التعددية في العمل الإسلامي هي عامل ثراء ويجب أن تكون تعددية تنوع لا تعددية تضاد وتصادم».

كما يجب على العلماء والمفكرين اتباع الوسطية في نظرياتهم وتوجيهاتهم وفتاواهم، والنظر بعين الاعتبار إلى فقه المآلات، وذلك كما يقول الشيخ عبد الله بن بيه: «ما أكد عليه الشاطبي حيث قالإن المفتي لا بد أن يكون وسطيًّا لأن الشريعة مدارها على الوسطية وأن يتصف بالنظر إلى المآلات لأنه حقيقة الشريعة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهدم الكعبة ويبنها على قواعد إبراهيم حتى لا يثير قريشًا، ولم يقتل المنافقين حتى لا يقول الناس إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه فيشوهوا صورة الإسلام».

وتأسيسًا على ما سبق تؤكد على نقطتين مهمتين وردتا في توصيات ندوة ثقافة الأمة الوسط التي أقيمت في الكويت.

1- التأكيد على ضرورة إحياء فقه العمل المشترك تعاونًا في المتفق عليه وتسامحًا في المختلف فيه.

2- أهمية الحوار مع حكماء العالم ومفكريه وتوضيح صورة الإسلام السمحة.

(*) إدارة الإعلام الديني  وزارة الأوقاف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل