; المجتمع التربوي (1790) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1790)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1790

نشر في الصفحة 50

السبت 23-فبراير-2008

تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (٧)

الهجرة من الاستضعاف إلى التمكين

إيمان مغازي الشرقاوي 

لقد كان في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ولادة أمة، وظهور وتمكين، وذلة للمشركين وصغار، وها هم أولاء ينفضون عن رؤوسهم التراب بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم وهو يذره على رؤوسهم فلم يبق من المتآمرين رجل إلا وعلى رأسه شيء منه.

إن ولادة أي مخلوق في هذا الكون ووجوده لا بد أن يمر بمراحل عدة يخطوها مرحلة إثر أخرى حتى يقوى ويستوي قائمًا ويصبح له كيان خاص به ووجود على وجه الأرض، وتلك البداية لابد منها في حياة الأمم...

هكذا نشأت الأمة المحمدية.. أمة الإسلام العظيمة، نشأت وولدت يوم أن بذر بذرتها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصنع أفرادها من الرعيل الأول على يديه على منهج فيه ما يقوي الجسد ويزكي الروح، ويصل ذلك الإنسان الفقير الضعيف بواهب القوة والغنى القوي الوهاب..

ولقد مرت الدعوة الإسلامية بمراحل عدة تطلبت عظيم صبر وكثير جهد.

مرحلة الدعوة السرية

واستمرت ثلاث سنوات، وكانت حصيلتها ما يقارب أربعين رجلًا وامرأة دخلوا في الإسلام، عامتهم من الفقراء والأرقاء ومن لا شأن لهم في قريش. وفي بداية هذه المرحلة كان المؤمنون يلتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم سرًا وإذا أراد أحدهم ممارسة عبادة من العبادات ذهب إلى شعاب مكة يستخفي عن أنظار قريش.

وليس أصعب من أن يكتم الإنسان مشاعره ويخفي عقيدته ويخبئها في صدره خشية أن تسرق منه لذا فقد كانت مرحلة حرجة على أصحابها من المسلمين الأوائل الذين استحقوا أن يكونوا من السابقين وممن بذروا بذرة الأمة والدعوة إليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفاهم ذلك شرفًا وفخرًا، ولذلك لما بدت التباشير وبدأت البذرة في الإنبات أمر الله تعالى رسوله أن يجهر بالدعوة قال تعالي: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر: 94)، فانتقلت الدعوة بذلك إلى المرحلة الثانية.

مرحلة إعلان الدعوة بمكة

وكانت من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى أواخر السنة العاشرة وفيها جهر النبي-صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إلى الله عز وجل، ولاقى عنتًا كثيرًا من قومه الذين كانوا أبعد الناس عن قبولها. وقد كان الأولى بأهل مكة عامة وبقريش خاصة أن يسارعوا لاحتضان دعوة النبي الصادق الأمين الذي ما جربوا عليه كذبًا قط، ولو عقلوا لعلموا أن من يصدق مع البشر لا يجرؤ على الكذب على الله، ولو أنصفوا أنفسهم لاستجابوا له وإلا وقفوا منه محايدين كما قال عتبة بن ربيعة لهم ناصحًا: «يا معشر قريش اطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم».

لكنهم لم يسمعوا حتى لعتبة وقد كان مشركًا مثلهم وكبيرًا فيهم، ويبدو أنهم استساغوا العناد واستمرأوا التكذيب، وأحبوا الظهور بصورة المنتصر القوي، ولو كان في الحقيقة مغلوبًا، لكنه الكبر والجحود! فكان أن اتخذت قريش أساليب شتى لقمع الدعوة وإرهاب المؤمنين، وتخويف غيرهم من الدخول تحت لوائها، فكانت السخرية والتحقير والاستهزاء تخذيلًا للمسلمين، وتوهينًا لقواهم المعنوية. فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم لا تصدق عليه، وشتائم هزيلة يتعلق بها المهزوم، فكانوا ينادونه بالجنون: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر)، ويصفونه بالسحر والكذب {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (ص).

كما حاولوا تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات حوله وبث الدعايات الكاذبة للتضليل وإثارة البلبلة، فقالوا عن القرآن {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفرقان)، ويبدو أن تلك الاتهامات وسيلة شيطانية في كل زمان للفت الأنظار وتشويه الحق، بإحداث اللغط من حوله، وبث الشكوك في النفوس الضعيفة.

كان رد الفعل من المشركين أمام دخول الدعوة مرحلة العلن ردًا قاسيًا عنيفًا، إذ جن جنون كبرائهم، حتى بلغ بعمه أبي لهب أن يقول لبني هاشم محرضًا إياهم على النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم».. ولم يشبع غرور هؤلاء إلا محاربة تلك الدعوة واستضعاف أهلها وإن كانوا قلة وتعذيبهم ولو أدى إلى قتلهم، وجعلهم عبرة للصد عن سبيلها، ومن هنا كان الأذى والإهانة والتجويع والحصار والمقاطعة التامة التي استمرت ثلاث سنوات.

مرحلة الدعوة خارج مكة

وكانت من أواخر السنة العاشرة من النبوة إلى هجرته إلى المدينة. ولم تكن تلك المرحلة بأقل مما سبقها، إذ نال فيها من الأذى أيضًا ما نال، ولكن من خارج مكة فقد خرج في شوال سنة عشر من النبوة إلى الطائف مشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر على قبيلة في الطريق دعاها إلى الإسلام فلم تجب إليه واحدة منها. وأقام بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، لكنهم ردوه ردًا منكرًا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يرمونه بالحجارة حتى تخضبت قدماه الشريفتان بالدماء، فرجع إلى مكة مرة ثانية ودخلها في جوار المطعم بن عدي الذي كان مشركًا.

وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يدعو القبائل والأفراد خاصة في مواسم الحج حتى من الله تعالى على الأنصار بالإيمان به فكانت البشارة بالعزة والمنعة والنصر والتمكين، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليهم في يثرب، فهاجر بعد أن هاجر أصحابه، وبذلك انتقل المسلمون إلى مرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلامية لكنها أحدثت في النهاية تحولًا كبيرًا لهم فانتقلوا من حال الضعف إلى القوة بعد أن صار لهم وطن يسكنونه، ودولة يقيمون بها، وأمة ينتمون لها جميعًا بلا فوارق أو طبقات، وقد استغرق ذلك زمنًا وجهدًا وتضحية وإيثارًا منهم جميعًا، لكنهم قطفوا ثمرة جهادهم الطويل وما زالوا يقطفونها، ويصلهم أجرها وثوابها كلما صلى لله مصل، أو تعبد لله عابد، فقد كانت آخر المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة دخول الناس في دين الله أفواجًا بعد فتح مكة...

يقول الشيخ الغزالي معقبًا على تلك المرحلة العظيمة بعد كم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرحلة؟ بعد اثنتين وعشرين سنة من الدعاية الحثيثة والتذكير الدائم، وتحمل الأذى وكفاح العدوان.

درس بليغ: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55).

قد استمرت الدعوة الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين، تبليغًا للإسلام وتطبيقًا لأحكامه في حياة المسلمين، حتى توسعت دائرة انتشار الإسلام توسعًا كبيرًا، وامتدت رقعة الدولة الإسلامية.

ثم تابعت انتشارها وامتداداها جغرافيًا وفكريًا على السواء. فكان المسلمون يفتحون كل يوم أرضًا جديدة فيعقبهم العلماء بالفقه والتشريع والحديث والتفسير يشرحون الإسلام ويعلمون الناس قضاياه، فدخلوا فيه عن رضا وطواعية وحب، ولم تتوقف حركة الدعوة إلى عصرنا هذا.

إن لنا في ذلك المثل والعبرة، فلا يغرنك علو الباطل وإن نفش ريشه في دنيا الزوال فهو مثلها إلى زوال واندثار، قضى بذلك الملك العدل الجبار، فلئن مالت الراية بنا ساعة فقد ارتفعت وخفقت ساعات، وستعود لترفرف وتعلو من جديد بإذن الله.

المراجع

الرحيق المختوم: الشيخ المباركفوري

فقه السيرة النبوية: د. البوطي.

فقه السيرة: الشيخ محمد الغزالي

 

دعاؤنا من قرآننا

سناء الشاذلي

من أجل النعم التي لا غنى للإنسان عنها والتي تفضل الله بها علينا بمنه وكرمه نعمة الدعاء».. هذه النعمة التي غفل عنها كثير من الناس رغم ما فيها من أجر وثواب وعطاء، فالداعي حين يدعو يدرك بدعائه أجر الامتثال لأمر الله سبحانه الذي قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: ٦٠) وأجر إدراك سنة نبوية ثابتة من أتاها أتى خيرًا كثيرًا.

فإن استجيب له كان ذاك، وإلا رفعت الدعوة عند الله في وقت أحوج ما يكون فيه الإنسان للحسنات، أو دفع الله بها بلاء عظيمًا، فإن الدعاء والقضاء يتدافعان بفضل الإلحاح في الدعاء لمن بيده الملك. كما أن الدعاء مخ العبادة أي أصلها وأساسها الذي يقوم عليه. ولو تأملنا حال الأنبياء والأولياء والصالحين في القرآن العظيم لأدركنا أن دعوتهم قامت ببركة توكلهم ودعائهم الله بصدق وإخلاص ويقين بما عند الله سبحانه، هذا مع التجائهم لله في وقت الأزمات لتعليمنا نحن البشر ما يجب علينا.

دعوة صادقة: ولو تأملنا دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وكيف خرجت صادقة حتى بلغت الآفاق، وكيف يعلمنا بدعوته حب الخير للآخرين بشمولهم دعوته مع التأكيد على الاهتمام بذريته خاصة، فتراه عليه السلام يعمل ويدعو في آن واحد يرفع القواعد من البيت المطهر ويدعو بالهداية والصلاح المناسبة هذا العمل مع هذه الدعوة {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة : ١٢٦)، مقدمًا الأمن على الرزق؛ لأنه ما من شيء يثمر وينفع ويستمر إلا مع الأمان. لذا نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه من قول اللهم آمنا في أوطاننا وكأن إبراهيم عليه السلام يعلمنا أن الأمن والرزق لا يثمران إلا بتحقيق شرط الإيمان بالله واليوم الآخر كجزاء دنيوي للمؤمنين ولأن إبراهيم -عليه السلام– قد أوتي من اليقين ما أوتي، فإنه يدعو الله بعد أن رفع القواعد بأن يقبل منه لأنه سميع عليم قريب فيقول: {إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127).

ثم تستمر الدعوة في تدرج عجيب حين يدعو لنفسه وولده إسماعيل وللذرية بأن يكونوا مسلمين، رغم ورود هذا الدعاء ضمنًا في الآية السابقة ولكن وروده هنا المزيد حرص وإلحاح في الدعاء فقال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 128)، وقد اختلف المفسرون في تفسير {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} على عدة أوجه: منهم من قال «مخلصين»، ومنهم من قال «كانا مسلمين ولكنهما سألاه الثبات»، وفي العموم فالدعاء للذرية كان من الاهتمامات الأولية التي تعلمناها من إبراهيم عليه السلام، وهو ما يؤكده باستمرار حين يقول في آيات أخرى {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (إبراهيم: 35).

بركة الدعاء

ومع التأكيد على الدعوة للذرية يتضرع إلى الله بأن يتوب على كل من يسيء منهم ذاكرًا اسمًا من أسماء الله الحسنى «التواب»، ولأن فضل الله عظيم على إبراهيم خليل الله عليه السلام ألهمه الدعاء لخير البشر وأعظمهم وأفضلهم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون منذ آلاف السنين، وجعله من ذريته كأمة حنيفية يجب أن تسير الأمم مع سيرها، فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة إبراهيم عليه السلام معلمًا للبشرية وموجهًا لها، يعلمها الكتاب والحكمة والنبوة. وقد قال رسول الله: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم المجندل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى».

ولأن الله سبحانه أراد لهذه الذرية الخير ببركة الإيمان والدعاء وهيأ لها أسباب ذلك، فترى أن دعوة إبراهيم عليه السلام للذرية الصالحة كانت ممتدة حتى قال يعقوب لبنيه: {مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133).

 فما أحوجنا لتعلم ذلك من أبينا إبراهيم عليه السلام بتجنب الدعاء على الذرية فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدعو على أنفسكم ولا على أبنائكم ولا على أموالكم..» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

 من لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة

 

  المنفق سلعته بالحلف الكاذبة

 

 التاجر الذي يجعل «الله» بضاعة يحلف به كاذبًا.. يرتكب إثمًا عظيمًا

 

توفيق على

من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب ليم المنفق سلعته بالحلف الكاذب.

المنفق المروج.. سلعته: مبيعه.

المنفق سلعته بالحلف الكاذب هو الذي يحلف على سلعته من أجل زيادة الثمن مثل أن يحلف بأنها سلعة جيدة وهي ليست كذلك، أو يحلف بأنه اشتراها بكذا وقد شتراها بأقل، أو ما أشبه هذا من الأيمان لتي تزيد في قيمة السلعة.

ترهيب النبي صلى الله عليه وسلم التجار

ولهذا جاء في الحديث: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبر صدق».[1]

فالبر والصدق والتقى منجاة للتاجر من لنار يوم القيامة. وقد جاء في حديث آخر عن لتجار: «إنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون»[2].

وجاء في حديث آخر أنه: «جعل الله ضاعته يبيع بيمينه، ويشتري بيمينه».[3]

فهذا الذي يتاجر باسم الله، ولا يتورع أن يجعله بضاعة يحلف به كاذبًا ويغلظ الإيمان في كل بيع وفي كل شراء، يرتكب إثمًا عظيمًا ولا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا ينال شيئًا من رحمته تعالى.

إن اسم الله ينبغي أن يجل ويقدس ولا يبتذل: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: ٢٢٤).

منفقة للسلعة ممحقة للبركة

قال صلى الله عليه وسلم : «الحلف مُنَفِّقَةٌ للسلعة مُمْحِقَةٌ للبركة.[4]

عن أبي قتادة الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَة الحلف فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنفَقُ ثم يمحق»[5].

وعن عبد الله بن أبي أوفي أن رجلًا أَقام سلعة، وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: {ِإنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ( آل عمران).

قال: «ثلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سلعة لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ما، فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي: كَمَا منعت فضل ما لم تعمل يداك»[6]

إن الإسلام لا يكره التجارة، فإنها وسيلة من وسائل الكسب المشروع، حتى إن القرآن يطلق عليها وصفًا جميلًا، يقول: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} (المزمل: ۲۰)، فسمى طلب الرزق عن طريق التجارة ابتغاء من فضل الله.

التاجر الذي يستحق مرضاة الله

أما التاجر الذي يستحق مرضاة الله وينجو من الآفات التي يقع فيها معظم التجار، فهو التاجر الذي تتوافر فيه هذه الشروط:

أولًا: أن يتاجر في المباح.

ثانيًا: ألا يغش ولا يخون، فقد قال النبي «من غش فليس منا»[7]

ثالثًا: ألا يحتكر، لأن الاحتكار حرام. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحتكر إلا خاطئ[8]. وهذا يتناول كل بضاعة أو سلعة يحتاج إليها المسلمون من قوت أو غير قوت.

رابعًا: ألا يحلف كاذبًا، بل يتجنب أن يحلف حتى ولو صادقًا بقدر الإمكان.

خامسًا: ألا يغلي الأسعار على المسلمين.

سادسًا: ينبغي أن يزكي ماله، فيقوم بضاعته كل عام، ويزكيها بنسبة ربع العشر أي ٢.٥.

سابعًا: يجب على التاجر المسلم ألا تشغله تجارته عن واجباته الدينية، عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن حقوق الأخوة في الإسلام وحقوق الجيران.

إن التجار اليوم مطلوب منهم أن يقفوا مع المجاهدين صفًا واحدًا في ميدان واحد الصد هجمة الصليبية والصهيونية العالمية التي منعت عن إخواننا ما يسد رمقهم، ويروي عطشهم، ويسكن ألم مرضاهم، ويكسوا عراياهم، عقابًا لهم لأنهم اختاروا إسلامهم ووقفوا مع المصلحين لتحقيق عزة الإسلام المسلمين، وحماية حوزة الدين.

 



[1](1) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح و ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال : صحيح.

(۲) رواه أحمد بإسناد جيد والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد من حديث عبد الرحمن بن شبل.

 

 

  (۳) رواه الطبراني من حديث سلمان قال المنذري ورواته يحتج بهم في الصحيح.

  (٤) متفق عليه البخاري في البيوع الفتح ٣١٥/٤ ومسلم في البيوع ٤٤/١١ بشرح النووي.

(٥) صحيح مسلم بشرح النووي.

 

  (٦) رواه البخاري في كتاب التوحيد، الفتح (٤٢٣/١٣).

(۷) رواه مسلم.

(۸) رواه مسلم وأبو داود.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 800

113

الثلاثاء 13-يناير-1987

التمكين

نشر في العدد 800

82

الثلاثاء 13-يناير-1987

فقه التمكين

نشر في العدد 1241

82

الثلاثاء 11-مارس-1997

المجتمع الأسري (العدد 1241)