; المجتمع التربوي (العدد 1865) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1865)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009

مشاهدات 83

نشر في العدد 1865

نشر في الصفحة 50

السبت 15-أغسطس-2009

من حقك أن يكون لك خصوصيات لكني أريد أن أشعر بوجودي في حياتك مأوى لك وحضنًا تستدفئ به وعمودا تستند إليه

أنت أغلى من نفائس الدنيا فلا تظن حين آمرك أني أسلبك راحتك ولكن أريد بناء شخصيتك وصقل مواهبك وإثراء ساحتك

كن ذا خلق كريم وتذكر أنني أحبك أكثر من نفسي وأتمنى أن تكون أفضل مني فلا تلمني ولا تظن بي إلا خيرًا أريده لك

يسرني منك يا ولدي أن تثبت على الدين وتحذر دعاة التحرر فلا تتشبه بكل ناعق.. وأن تتعلم ممن يكبرك وتشارك في نهضة أمتك

هذه رسائل محبة نبض بها قلبي مشاعر حب، وترجمها لساني كلمات ود، وأملاها على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة، وزرعها على أرض الورق حروفًا لتثمر علمًا وعملًا.. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله، وأن تدخل كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علها تجد طريقا إلى قلب القلوب.

إلى ولدي وحبيبي.. عطر نفسي.. وفلذة كبدي.. إلى من رزقني الله تعالى به وأقر برؤيته عيني، فكانت لها دواء ولنورها جلاء، ولمرضها شفاء. إنها رسالة من قلبي المحب يهديها لحبيبه وقد بلغ حبه منه مبلغًا عظيمًا اختلط فيه بجسدي كله، دمي ولحمي وعظامي فصار جزءًا لا يتجزأ منه، حبًا فاض حتى بلغ من القلوب شفافها! ذلك لأنه عندي أجمل وأرق نسمة، وأفضل وأطيب عطر، وهو الزهرة اليانعة التي تجمل بستان حياتي المزهر به، وبدونها يكون ذابلًا مصفرًا ما يلبث أن يصير حطامًا تذروه الرياح.. إنها رسالة أبعثها حبًا وشوقًا، ورحمة وحنانًا لولدي.. كسبي وذخري في حياتي، وعملي وزادي بعد مماتي.

أتعرف ما البنوة يا ولدي؟

إنها النعمة التي امتن الله تعالى بها على عباده، فقال لهم مذكرًا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ﴾ (النحل: ٧٢). وهي زينة الحياة الدنيا كما قال عز وجل:  ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦).. إنها امتداد لعمري واستمرار لعملي، أخرج فيها مكنون قلبي الذي فطره الله عز وجل على حب الولد والتشوف إلى الأبوة، أتعرف يا ولدي كم من العمر قضيته أفرغت عليك فيه من حبي وعطفي، وألبستك فيه ثوب عطائي وبذلي، ومنحتك معه صيانتي وأدبي، لتصير فيما بعد إنسانً صالحًا، مرفوع الهامة، قوي البنية، ثابت الجنان، يُشار إليه بالبنان.. حتى إذا ما بلغت أنت مرحلة الشباب وبلغت أنا مرحلة الكهولة والشيخوخة، كنت لي الصاحب في غربتي، والأنيس في وحدتي، والسند عند ضعفي، تبدد أحزاني بقربك مني، وتزيل مخاوفي بحبك لي، وتعينني على نوائب الدهر بقلبك الحاني، فتكون لي اليد إذا ما كلت يداي، والعين إذا ما ضعفت عيناي، والسند متى ما وهنت الرجلان، وتلك كلها مجتمعة في وصية ربنا الرحيم الرحمن حين قال:  ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).

كم أحنيت لك ظهري لتمتطيه..

فلعلك لا تذكر يا بني وأنت صغير كم من الوقت كنت أقضيه معك؛ أحكي لك القصص وألعب معك باللعب، وكم اتخذت من ظهري جوادًا، ومن شعري لجامًا، كم جعلت من حجري سريرًا، ومن كتفي مقعدًا، ومن رقبتي مرتقى، وكم من المرات مسحت عنك الأذى بيميني فلم أتأفف، وإذا ما مرضت فأنا المريض المتململ ليله ونهاره، أود أن أهديك بمالي كله بل بروحي ونفسي، فتذكر ذلك يا ولدي، وانظر إليه بعين القلب إذا ما بلغت من الكبر عتيًّا، و«وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا»؛ فكن لي كما كنت أنا لك، واحذر التطفيف أو الميل، واعلم أنه كما تدين تدان.

نموذج ومثال

لقد ربيتك لتكون نموذجًا ومثالًا للمسلم الحق.. أنت عندي يا ولدي أغلى من نفائس الدنيا جميعها، فلا تظن يا بني حين آمرك بأمر أو أستدرك عليك في فعل أنني أريد أن أسلبك راحتك أو أحرمك حريتك، بل على العكس تمامًا، إنما أريد بناء شخصيتك وصقل مواهبك، وإثراء ساحتك بنقل تجاربي إليك، وأنا ما ربيتك إلا لتكون نموذجًا ومثالًا للمسلم الحق، حرًّا في اختيارك وحرًّا في تصرفاتك وحرًا في قرارك، على أن تحيط سياج هذه الحرية بشرع الله حتى لا تشطط بك بعيدا.

فكن مطمئن النفس وخذ مني نصيحتي واقبلها بحب، فلن تجدها من قلب هو أخلص لك مني فيها، وكن خير ابن لأبيه في قبولها، ولا تأخذك العزة بالإثم إذا ما أخطأت، أو تذهب بك الظنون بعيدًا فتتهم أباك بما ليس فيه، وتأخذك إلى مسميات تظن أنني أحرمك منها كالرجولة والحرية والاستقلال وما شابهها من مصطلحات العصر، أو ما يسميه البعض بتصادم الأجيال وهذا غير صحيح، إنما هو وهم صنعه العقوق ونكران الجميل وحب الذات.

والحقيقة يا ولدي أنه تكامل للبناء، ألم تر أنها أجيال من لدن أبينا آدم عليه السلام يسلم بعضها بعضًا القياد، وكل جيل يخلف من سبقه ويأخذ منه الفائدة تامة خالصة ويضيف عليها ما عنده، فيأخذ حسناته وإيجابياته، ويتفادى أخطاءه وسلبياته، ويكمل مسيرته التي بدأها، ليحمل راية البقاء ويحفظها من الضياع، ثم يسلمها لمن يليه، فالكل يشارك في حمل الأمانة وحفظها وهذه إرادة المولى عز وجل.

تذكر يا بني حق الأبوة..

لا تظن يا بني إذا ما قسوت عليك يومًا أني لا أحبك، بل من أجل محبتي لك وخوفي عليك قسوت، ولو كان بيدي أن أهب بعض عمري لأحد من الناس ما وهبته إلا لك، إنني يسعدني ما يسعدك ويقلقني ما يقلقك.

وأتمنى أن نكون أصدقاء نتناجى معًا فيسر كل منا للآخر ما في جعبة قلبه من خواطر وهواجس، ويُفرغ كلانا همومه ومخاوفه، ويشارك صاحبه أفراحه وأتراحه، أنا لا أطلب منك أن تكون كتابًا مفتوحًا أمامي أطلع فيه على كل صغيرة وكبيرة فمن حقك أن يكون لك ما تحتفظ به لخاصة نفسك، لكني فقط أريدك أن تشعرني أنني ما زلت موجودًا في حياتك، مأوى تأوي إليه، وحضنًا تستدفئ به، وعمودًا تستند عليه، ومعينًا للعطاء والحب، لا أن نكون كالغرباء لا يدري أحدنا عن الآخر شيئًا إلا القليل لأنك قد كبرت وصارت لك خصوصياتك أو حياتك الخاصة كما تقول، وتنعزل عني وتنأى، وقد اعتكفت بغرفتك، أو انشغلت بولدك وزوجتك، واكتفيت بهاتفك الذي ينقل لك الأخبار، ووجدت البديل عني بالحديث مع الأصدقاء مباشرة أو «عبر النت» وما شابهه، وقتلت وقتك وقتلتني معه بغير سكين، وغلقت على نفسك أبواب قربي منك، وكأني لم أك في يوم من الأيام محل نصحك وموضع سرك ومستشارك الأمين، فهل استغنيت عن الاستئناس برأيي أم فقدت الثقة بي، أم لم تعد بحاجة إلي بعد أن ترعرعت وصرت شابًا فتيًا، ورأيتني «وقد بلغت من الكبر عتيًا»، وحين أطلب قربك مني وأشتاق لحديثك معي تتعلل بدراستك أو عملك، أو بزوجتك وأولادك وبيتك، إنني أراك تخرج وتدخل متى أردت، وتذهب أينما أحببت دون أن تلقي لي بالا، الست جزءًا من اهتماماتك أو في قائمة أولوياتك؟

أعطني بعض وقتك إيناسًا لي..

في الحقيقة يا ولدي، إن بعض الأبناء يعطون أصدقاءهم من أوقاتهم أضعاف ما يعطون آباءهم الذين فنيت أعمارهم في سبيل إسعادهم، فلما قويت أجنحة هؤلاء الأبناء واستطاعوا الطيران إذا بهم يطيرون عنهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، وإن هذا لمؤلم ومؤسف حقًا، وإنني لأعجب من هؤلاء الأبناء حين يتسامرون مع أصدقائهم ويضحكون ملء أفواههم ويسهرون جل ليلهم، ثم ينامون ملء جفونهم وكأن شيئًا لم يكن، وإذا ما احتج عليهم آباؤهم قالوا بكل بهدوء أو بكل عصبية: لسنا صغارًا! وقد يصل الحال ببعض الأبناء أن يجحدوا فضلهم فيخرجوهم من بيوتهم ربما ليتزوجوا هم فيها، ويكون مأوى الأب المغلوب على أمره السكنى في دار المسنين، بعد أن يهجر إليها رغمًا عنه من أرض بيته ومأوى ذكرياته، وإن أظهر رضاه إرضاء لولده! فكيف يطيب لهؤلاء الأبناء عيش بغيرهم، أو يهدأ لهم بال مع إبعادهم!

يا بني.. إنما أريد لك الخير لا غير..

فكن ذا خلق كريم وقدر أبوتي، وتذكر أنني أحبك أكثر من نفسي، فإذا ما اقترحت عليك أن تدرس كذا أو تعمل في وظيفة كذا أو تتزوج من فلانة، فأنا يا ولدي لا أقصد أن أفرض سيطرتي عليك، أو أنزعك حقك فيما تريد، إنما هو واجب النصيحة علي، وأنا أعرف ميولك منذ صغرك وأحاول تنميتها لك، وعلى كل حال فإنما أنا لك ناصح لا غير، ونصيحتي غير ملزمة فقط كن صبورا معي، فإما أقنعتك بوجهة نظري أو اقتنعت أنا برأيك د، ولا تغضب مني لمجرد ذلك، فإنني أتمنى أن تكون أفضل مني وأنا أرى فيك صورة شبابي وقد تجددت فلا تلمني يا ولدي، ولا تظن بي إلا الخير الذي أريده لك.

يسعدني منك يا ولدي:

أن تهتم بنفسك فتقومها وتلجمها بلجام التقوى وتحصنها بالعلم الشرعي، وأن تكون طالب علم تنفع به نفسك وغيرك، تتفوق وتتميز فيه على سائر أقرانك، وأن تصاحب الصالحين وتجالسهم وتتعاون معهم على فعل الخير.

أن تحافظ على صلاتك- خاصة صلاة الفجر -وتؤديها في وقتها، كاملة الأركان مستوفية الشروط، مزينة بالخشوع، وأن تهتم بعباداتك وتتخلق بأخلاق الإسلام العالية، وتصاحب كتاب الله وتعيش معه كل يوم تأتمر بما فيه وتنتهي عن نواهيه.

أن يرى أثر الإيمان في قولك وفعلك، وفي سكونك وحركتك؛ فتبر أمك وأباك، وتصل أرحامك، وتحب أخاك، وتكون قويًا في إيمانك، قويًا في جسدك، تمارس الرياضة وتشجعها، لكن دون عصبية أو عنف، تحرص على وقتك وتحفظه وتنفقه فيما ينفعك وينفع الناس.

أن تكون لينًا في قولك باسم الوجه حلو المنطق، تنظر لمن هو فوقك في الدين ولا تتخدع بدنيا السراب، تدعو إلى الله عز وجل وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بلطف ولين، وتنبذ العنف والتنطع في الدين، ولا تتعصب لمذهب أو شخص أو فئة من الناس.

أن تكون رجلًا شكلًا ومضمونًا، فتهتم بمظهرك دون تكلف أو مبالغة أو تشبه بالنساء، وأن تتواضع للناس ولا تظن أن لك فضلًا على أحد منهم، فتحب المساكين وتعطف عليهم ولا تتكبر على الفقراء.

أن تغض من بصرك، ولا تفتتن بكثرة الشهوات من حولك، وألا تسرف في استخدام المحمول والإنترنت والفضائيات، وألا تمارس لعبة معاكسة الفتيات، فما هكذا يفعل الرجال، وأن تتزوج بذات الدين ولا تتنازل عنها مهما تكن الأسباب.

أن تثبت على قيم دينك وأخلاقه، وأن تحذر دعاة التحرر من كل شيء بدءًا بالملابس الحافظة للبدن الساترة للعورات، إلى الدين الحافظ للقلوب والأرواح، فلا تتشبه بكل ناعق، ولا تتحرر من كل قديم، بل يكون هدفك أسمى من التقليد الأعمى والجري وراء الموضة وقصات الشعر، فتكون ذا بصر وبصيرة لما يحاك ضدك تحت مسميات براقة تحمل بين طياتها السم الزعاف.

أن تتعلم ممن يكبرك، وتأخذ الفائدة من تجاربه في الحياة، فذاك كتاب مفتوح وجاهز أمامك، وتشارك في صنع نهضة أمتك ورقيها في ظل شرع الله، مثلك الأعلى في كل ذلك، وقدوتك الأولى سيد البشر .

أفعال مرفوضة تجاه الوالدين..

التأفف والضيق عند حاجة الوالدين أو كثرة مطالبهما ورفع الصوت عليهما والصياح في وجهيهما، قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (الإسراء: ٢٣)، وعدم إجابة ندائهما أو التأخر فيه، مع ترك خدمتهما والتنصل من المسؤولية تجاههما، كعدم الإنفاق عليهما إذا احتاجا، أو التقتير والبخل في النفقة، وإزعاجهما وإثارة القلق لديهما بطول السهر خارج المنزل دون ضرورة، أو تفضيل الزوجة والأولاد عليهما، والملل من سماع حديثهما، وتسفيه آرائهما، والتعالي عليهما، والنظر إليهما نظرة دونية، والقسوة في التعامل معهما في سن الشيخوخة، وعدم الصبر عليهما، وعدم شكرهما، وعدم احترام صديقهما، وقطع أرحامهما وترك الدعاء لهما أحياء وأمواتا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

89

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

النفس كما يصورها القرآن الكريم

نشر في العدد 36

101

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

يا معشر.. الشباب

نشر في العدد 77

94

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)