العنوان رسالة إلى.. مشاحن
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010
مشاهدات 62
نشر في العدد 1909
نشر في الصفحة 50
السبت 03-يوليو-2010
الشيطان يقف بالمرصاد للمتآخين في الله إذ يحزنه ذلك التألف منهم فيسعى بكل الطرق لإثارة البغضاء بينهم
تذوقت طعم الصداقة والصحبة وطعمت حلاوة الإخاء وألفة الأخوة وما وجدت أطيب طعما من أخوّة المتحابين في الله
تكريما للمتآخين في الله فإنه سبحانه يستجيب دعاءهم لإخوانهم بالخير بظهر الغيب
إلى كل من بات غضبان من أخيه، أو قضى شطرا من ليله يحمل في نفسه الضغينة له، ويكن بعض غل وحقد أو قليل حسد وبغضاء.
والى من جاءه أخوه معتذراً إليه يمد له يدا يطلب بها الصفح والعفو والغفران، فلم يبادله يدا بيد، بل قبضها عنه وأضمر في نفسه له نصيباً من الخصام ومزيدا من الشحناء.
إيمان مغازي الشرقاوي
وإلى كل من قابله أخوه في ساعة من ساعات النهار مقبلا عليه بوجهه لكنه يبادله إدبارا بإقبال، ويلوي عنه عنقه، ويعرض عنه ولا يرد تحيته أو يلقي عليه السلام.
إنها رسالة من القلب أتمنى أن تصل إلى القلب.. أهديها إلى كل متشاحنين متخاصمين يلتقيان، «فيعرض هذا ويعرض هذا»، ولا يبدأ أحد منهما أخاه بالسلام.
المؤمن مرآة أخيه
المؤمن مرآة أخيه التي يرى فيها صورته وإن حق الأخوة التي بيننا يوجب علي أن أكتب لك هذه الرسالة وكلي أمل أن تجد عندك الشيطان يقف بالمرصاد للمتآخين في موضعاً وقبولاً، وأنا موقنة بذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
وإنني أوقن تماما أن من حق المسلم على أخيه أن يتبادل معه النصيحة حبا في الله ولوجه الله، وذلك خشية السؤال الصعب من الملك العظيم الذي لا تخفى عليه خافية لذا فإنني أتمنى أن يكون قلبك الكبير رحبا فسيحاً حتى تشق النصيحة فيه طريقها إليك، وتثمر في أرضه ثمار الإخاء وغراس المحبة.. فكم أحزن عندما ينجح الشيطان في الإيقاع بين الإخوة بعضهم بعضا، بالرغم مما يربط بينهم من رباط العقيدة المتين، وما يجمعهم من وحدة الهدف والغاية، وتشابه البداية والنهاية لكن الشيطان يقف لهم بالمرصاد؛ إذ يحزنه ذلك التآلف منهم، فيسعى بكل الطرق ناصبا شباكه لاصطياد القلوب بعد أن يوهن من قوة خيوط المحبة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم» (الترمذي وصححه الألباني).
لقد تذوقتُ طعم الصداقة والصحبة وطعمتُ حلاوة الإخاء وألفة الأخوّة، وما وجدتُ أطيب طعمًا من أخوّة المتحابين في الله ولا ألذّ مذاقاً من الحب في الله، لذا آمل ألا تتقطع أواصر تلك الأخوة بين الأحباب مهما تكن الأسباب، وأن تتصل حبال المودة وتطول وتزداد، إذ هي لا تقدر بمال مهما كثر، ولا توزن بذهب وإن ثقل، فالمال ظل زائل كما قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]، وكل ما كان من زينة الحياة الدنيا فمصيره إلى الزوال مهما عمّر.. إنما الذي يبقى وينفع هو ما كان من زاد القبر وعُدة الآخرة، ومن هذا الزاد وتلك العدة: الأخوّة في الله التي تبقى طوال الحياة وتستمر آثارها بعد الممات، قال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67].
ويجتمع المحبون اجتماعا أبديا سرمديا، لا ينغصه ألم الفراق ولا يؤرقه خشية الهجران أو خوف القطيعة .. وقد روى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة، يقول: هذا الذي أحببته في» (انظر: تفسير ابن كثير)، وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» (الترمذي وصححه السيوطي).
المؤمنون جميعاً إخوة
لذلك فلا عجب أن حض الله على تلك الأخوة وأمر بإصلاح وترميم أي شرخ فيها فقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].. وللحفاظ على استمرار تلك العروة الوثقى فيما بيننا وجب الإصلاح بين القلوب، وكانت محاولة الصلح بين المتخاصمين مطلوبة، والنصيحة واجبة . والصلح خير كما قال الله تعالى، فكل صلح بين أخوين متشاحنين أو بين فئتين متخاصمتين ينمي خيرا وينشر حبا لهو صلح طيب نحن جميعاً مدعوون إليه، وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم أنظارنا لذلك فقال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» (أحمد)، وتكريماً للمتآخين في الله فإنه سبحانه يستجيب دعاءهم لإخوانهم بالخير، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» (مسلم).
القواعد المثلى للمحافظة على روح الأخوة وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم القواعد المثلى للمحافظة على روح الأخوة، ونهى عن كل ما من شأنه أن يوهنها، فقال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا» (البخاري).
وقال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(متفق عليه)، وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» (رواه مسلم).
احذر أن يغلق دونك باب المغفرة
حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشحناء وعاقبتها فقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر فيهما لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» (البخاري)، أي أخروهما حتى يفيئا ويرجعا إلى الصلح والمودة فيتصالحا وتزول عنهما الشحناء.
"كرامتي لا تسمح" !!
مقولة تعودنا الاتكاء عليها وتقديمها عذرا لهجران إخوتنا والغضب عليهم وتهويل إساءتهم وسوء الظن بهم، وبالتالي خصامهم وقطيعتهم وعدم قبول عذرهم أو اعتذارهم.. كما أنها ترتد في وجه المخطئ والمحق على السواء، محدثة آثارا سيئة وعاقبة غير محمودة من الخصام الذي يطول أو يقصر، وما يلازمه من جملة أخلاق هي تابعة له، من حقد وغل وحسد وبغضاء وكراهية وغيبة ونميمة وأذى، وتضييع للحقوق وإهمال للواجبات من كلا الطرفين للطرف الآخر، أضف إلى ذلك الأذى البدني الملازم لهذه الحال من ارتفاع ضغط الدم وتأثر القلب وزيادة الأمراض المفاجئة المرتبطة بالهم والقلق الملازمة للتوتر والغضب وقد كان بإمكان المخطئ أن يعتذر بكلمة "آسف" التي لن تكلفه شيئاً، ولن تزده إلا من الله قرباً، فالاعتراف بالخطأ فضيلة وشجاعة لا تنقص من قدره شيئا إن لم ترفع منه، فمتى يقول المسيء: "أنا آسف .. أرجوك سامحني"؟ ومتى يقولها دونما حرج؟ ومتى تخرج وتنساب حروفها بسلاسة دون تعتعة ؟ ومتى يقبل صاحب الحق من أخيه عذره ويقيل عثرته ويلتمس له الأعذار ؟! غفر الله لك يا أخي ولا تعد .. ومتى ينتهي كلاهما عن قوله: "إن كرامتي لا تسمح"؟ فهل هذه الكرامة يشينها العفو والتسامح ولا يشينها العقوبة والتشاحن؟! وهل يحط من قدرها الاعتراف بالخطأ والاعتذار منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»(مسلم)؟!
هتك الأستار وإفشاء الأسرار !
وهناك آفة عجيبة وخطيرة تنشأ عند الخصام وتبرز عند الشحناء، وفي ظني أنها نوع من الجحود وحب الذات والرغبة في الانتقام، كما أنها نوع من أنواع الزهد فيما عند الله من ثواب، حيث يتخلى فيها بعض الإخوة عن أدنى حقوق الأخوة والعشرة، حيث تهتك الأستار وتفشى الأسرار الخاصة بالمتخاصمين حال خصامهم، ولا يتورع بعضهم عن كشف المستور بكل جرأة، بل وتصل به الحال أن يهدد بإفشائه وفضيحته على الملأ، فيقع في المحظور، ويزداد الأمر سوءاً وقبحا إذا حدث هذا بين من جعل الله تعالى كلا منهما لباساً للآخر .. الزوج والزوجة فينقب الزوج في مكنون عشرته عن كل سيئات وعيوب زوجته التي غطت على كل خير فيها حتى جحده، فينشرها ليبرئ نفسه أمام الناس، ونسي أنه
يحتاج أيضاً للبراءة أمام رب الناس، وكذا تقف الزوجة له بالمرصاد فتفشي ما سترته حال رخائها معه، وكأن الإحسان والستر لا مكان لهما في قاموس الخلافات الزوجية أو عند انقطاع حبال العلاقة بينهما !! ولسان حالها يقول له: «ما رأيت منك خيراً قط»، فتكون الفضيحة التي تمزق أستار الستر السابغة، وتعانق الخصام والشحناء ولا تنفك عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ستر أخاه المسلم في الدنيا فلم يفضحه ستره الله يوم القيامة» (أحمد وصححه السيوطي)، فما ظننا إن كان الستر بين الأزواج وقد أفضى بعضهم إلى بعض؟!
لماذا لا تعفو وتصفح ؟!
لماذا لا تعفو وتصفح عمن أساء إليك؟ وقد عفا من هو أفضل منك، وهو سيد البشر صلى الله عليه وسلم فقال لمن آذوه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، ومن قبله عفا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام، عفا عمن ألقوه في غيابة الجب وأرادوا قتله واتهموه بالسرقة لكنه قابل إساءتهم بالإحسان إليهم وقال: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين»، ومن بعده عفا من هو خير من حملت الأرض بعد الأنبياء، الصدّيق رضي الله عنه عفا عمن خاض مع الخائضين في عرض ابنته عائشة الطاهرة رضي الله عنها، بل واستمر في إحسانه إليه امتثالاً لأمر الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22]، فإن الجزاء من جنس العمل.
وقد امتدح الله عز وجل كل من عفا لوجه الله ورفعه لدرجة الإحسان العالية فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134] ، فهم مع كف شرهم عن الناس يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، فهذا من مقامات الإحسان العالية؛ ذلك لأن الله تعالى: «عفو يحب العفو» (الحاكم وصححه السيوطي)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سَره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعفُ عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه» (الحاكم) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل