العنوان المجتمع التربوي.. العدد 1929
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1929
نشر في الصفحة 54
السبت 04-ديسمبر-2010
بعد أن أنهت الداعية كلمتها لنزيلات السجن المركزي من ضمن أنشطة مركز الرشاد، شملت الداعية النزيلات بنظرها، وهي تتفقد وجوههن للاستفسار عن أي سؤال أو مداخلة، وهنا استأذنت إحداهن في الحديث وهي تتنفس بعمق قائلة: شيء جميل أن نصبر، شيء جميل أن تتوكل على الله ، شيء جميل أن تحاول تفهم حكمة وجودنا في هذا المكان في هذه اللحظة، ولكن بعد أن تنتهي معاناتنا هل سيرحمنا أحد، أم سيلاحقنا شبح السجن أينما ذهبنا وأينما حللنا، وأجهشت في البكاء وهي تردد هذا ابني ذو الأعوام الأربعة عشر يعيرونه في مدرسته بسجني من دون أن يسأل أي منهم لماذا هي في السجن؟
لوعة الحسرة.. والندم
سمية رمضان
المهم عندهم أنها تقبع خلف قضبانه ولا تحاكي إلا سجاناته أو صويحباته.
فابتدرت الداعية تسأل: حقا لماذا أنت هنا؟
فانفلتت دموع النزيلة لا تستطيع لها دفعًا، فانحدرت تتعاقب متواصلة على وجنتيها، وراجعت بسرعة شريط حياتها وسلطت الضوء على أتعس حقبة في ذاكرتها حيث قالت: كمثل غيري كنت أعيش بأمان مع زوج رائع وستة من الأطفال، خمسة ذكور وطفلة وحيدة، وفي فترة نفاسي فيها خرج زوجي كعادته، وكان في انتظاره ملك الموت ليتسلم منه أمانة.. وأي أمانة، إنها الروح التي لا نعلم عنها شيئا وهي بأمر ربها، وكان السبب حادث طريق، ولو أن الموت واحد مهما تعددت الأسباب، فالمحصلة النهائية أني ترملت وتيتم أولادي، وكانت مفاجأة زلزلت كياني كله لحظة واحدة فارقة في كل شيء وتنهدت بأسى : نعم كل شيء، فإني وافدة في هذا البلد المضياف، وأكبر أولادي كان عمره أحد عشر عامًا، والصغرى رضيعة لم تكمل أسبوعها الأول، وكان لابد من إتمام العام الدراسي، ويعلم الجميع ماذا يعني تكاليف إيجار منزل وإطعام هذه الأفواه، وكهرباء وغيره كثير، فاضطررت إلى الخروج للعمل ولم يكف دوام واحد للقيام على هذه المتطلبات الكثيرة، فكان عملي دوامين، ولدي ثلاثة أطفال لم يذهبوا للمدرسة بعد، فأحضرت خادمة من بلد آسيوي لعلها تمد لي يد العون وبالفعل حضرت إلى منزلنا وبدأت العمل مما أزاح عن كاهلي حملاً ثقيلاً، وتوالت الأيام فالشهور والأمور تسير بشكل روتيني.
وفي أحد الأيام اشتكت الخادمة من مرض أصابها وأدى إلى أنها لزمت الفراش تمامًا لا تستطيع حراكًا، وكلما مرت دقيقة وليست ساعة كانت تسوء حالتها، وأنا في متاهتي التي لا تنتهي.. عمل متواصل خارج البيت وداخله، لا أكاد أستوعب ما يدور حولي، وتدهورت حالة المريضة، وأنا في غيبوبة، وعندما أفقت كان كل شيء قد انتهى، فقد لفظت أنفاسها، وأخذت معها حريتي، فقد تم القبض علي بتهمة الإهمال في حق هذه الإنسانة التي كانت أمانة لدي لابد وأن أعاهدها بالرعاية وعلاجها في مرضها وكسوتها وإطعامها، وقد كنت أتصور أن مرضها سيخف وستقوم بالسلامة لتواصل مهامها، وكنت أتصور أن مجرد أن أقوم بما كانت تقوم به بالرغم مما يسبب لي من عبء ثقيل، فقد أديت ما علي، ولكني كنت واهمة وتنهدت بألم وندم يا إلهي كم من مرة مرض أولادي وكنت لا أجد الوقت الكافي للذهاب بهم إلى الطبيب، كنت أحاول تمريضهم بنفسي، وكم كنت في ستر متواصل من الله.
ونظرت إلى الحاضرات وقد استوعبتهم عيناها وهي تقول الله .. هذا الإله العظيم لم أكن أجد الوقت الكافي للسجود بين يديه، نعم لم أكن أصلي، فقد كانت صدمة وفاة زوجي أكبر من حجمي ومن قدراتي، ولا أبرئ نفسي؛ فإيماني كان ضعيفًا ؛ فانهار عند أول طرقة.
أقامت السفارة التي تنتمي إليها الفتاة دعوى قضائية ضدي، وانتزعت من بين ستة أيتام ليس لهم بعد الله سواي، وحكم علي بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة، وهو حكم مخفف المراعاة حالتي وحال أولادي ولكن إلى أين يذهب الأيتام، وقد سقطت إقامتي بمجرد سجني، ومن يستقبل ستة أطفال يا إلهي لقد عرفتك وسجدت بين يديك، وتطهرت نفسي ولذت ببابك، اللهم ارحم أيتامي.
اضطراب وحسرة
قالت ذلك وقد انخنقت عبراتها، ودفنت وجهها بين يديها، وكل جسدها يهتز من البكاء معبرا عن حسرة وتيه واضطراب، عافانا من مثل هذا البلاء وهذه المصيبة، فالخدم - كما ذكرت النزيلة بالفعل - أمانة لابد من رعايتها والاهتمام بها، وهم نعمة من نعم الله تحتاج شكر الخالق عليها بصيانتها .
بكى قلب الداعية واهتز وجدانها من هذا المشهد وهي تسأل الله السلامة والعافية. وسالت المسؤولة بصوت خفيض الجلال الموقف كم امرأة دخلت السجن بسبب خادمتها ؟ فكان الجواب: ثلاث معنا في داخل العنابر منهن هذه المرأة، قالت الداعية بحزن وما قصصهما ؟ فقالت الأخت المسؤولة:
إحداهما كانت عصبية المزاج، ولم تكن قد تزوجت بعد تعيش مع أسرة مقتدرة وقد وفرت لها خادمة تقوم على خدمتها بشكل خاص، وبدلا من شكر نعمة الله وفضله الكبير، والقيام على إدخال السرور على قلب هذه المسكينة الفقيرة التي تركت أسرتها من أجل لقمة العيش، وبدلا من معاملتها معاملة إسلامية شرعية والقيام بحقها الذي فرضه الله عليها ، كانت كثيرة الصياح وسبها ، تكسوها حالة من الزفرة الدائمة المستمرة، وسبحانه يمهل ولا يهمل.
لحظات فارقة
فعندما حانت اللحظة التي لابد وأن تذوق فيها الخادمة الموت في بيتهم جعل الله هذه الفتاة سبباً في ذلك؛ ليعتبر أولو الألباب، وإليك لحظة من اللحظات الفارقة في حياتنا، فقد طلبت الفتاة من الخادمة مشروبا فجاءتها بآخر، فغضبت الفتاة غضبا شديدا في غير محله ولم تتوافر دواعيه فدفعت الفتاة الخادمة بالصينية بكلتا يديها فتلقاها المصير المحتوم وصفعتها الدنيا، فقد ماتت الخادمة بسبب اندفاعها على الأرض وحكم على الفتاة بالإعدام، تصوري إعدام !! نعم حكم على الفتاة في المحكمة في أول درجة بالإعدام، بسبب حركة طائشة، واستسلام الطباع فاسدة، وقد استأنفت الفتاة الحكم فتم حبسها عشر سنوات.. عشر سنوات من الندم والحسرة، وهي الآن تستغفر الله كثيرا وتتصدق على روح الخادمة بكل ما يصل إلى يديها من مال بل وتساعد النزيلات وكانها خادمة لهن، وتحاول التكفير عما فعلت لعل الله يغفر لها، فهو سبحانه الغفور الرحيم قالت الداعية : يا إلهي، كم أنت حنان منان ستير، فكم من الآباء والأمهات يدفعون أبناءهم والله ستير سبحانه، وكم من المشاجرات التي يتم فيها دفع وسقوط على الأرض والله هو الستير سبحانه، وكم من نوبات الغضب التي نراها كالأعاصير العاتية على أقرب الناس ويسترها .. ويسترها حتى تأتي مشيئته ببركان يحرق الأخضر واليابس، فاللهم تب علينا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا.
جفوة وغلظة
واصلت الأخت المسؤولة الحديث: أما الثالثة.. وما أدراك ما الثالثة، فقد كانت تسيء دوماً إلى الخدم وتعاملهن معاملة بلا رحمة ولا عطف ولا حنان، ولم تكتف بذلك بل كانت تعاملين بجفوة وغلظة وشدة، ولذلك كانت الخادمة مهما كانت جنسيتها تطلب من مكتب استقدامها أن ترحل عن هذه المرأة، ولم تعتبر بذلك ولم يصرفها عن سوء سلوكها كثرة تغيير الخدم، فكان عقابها الشديد من الخلاق الذي يرى ويسمع ولا يرضى بظلم أحد ممن خلق، فقد جاءتها خادمة جديدة، فدفعت إليها المرأة بغطاء للرأس، وطلبت منها أن ترتديه، فاعتذرت الخادمة أنها لا تريد ذلك. أما الواجبات المطلوبة منها فستؤديها كاملة وستفعل كل ما عليها، أما شكلها وهندامها فهي آدری به فأصرت على أن تمتثل أمرها، فما كان من الخادمة إلا أنها أخذت هذا الإيشارب. وانصرفت إلى عملها، فقد كانت تقوم بتحمير بعض المقليات في زيت حار، وقامت بإحراق الإيشارب دخلت المرأة على رائحة الحريق فرأت ما رأت وامتطاها الشيطان موجها إياها إلى الزيت الحار لتسكبه على يد الخادمة بمنتهى القسوة والغباء، وأفاقت على صوتها وهي تصيح وتولول من الألم الذي تضيع معه هيئة الإنسان ووقاره، وكل ذلك وهي لا تدرك جرم ما فعلت حتى رأت كلبشات حديدية تلف كسوار قاس كقلبها حول يديها.
وتم سحبها إلى السجن لتقضي فيه مدة العقوبة المحكومة عليها، وعندما دخلت إلى السجن بالطبع لم تجد أي ميزات لأية اعتبارات جنسية، ولا أموال ولا عائلات، فهي منغمسة في حجرة سجينات قتل ومخدرات وأخلاقيات وخلافه، بل أراد الله أن تكون في حجرة كل رفيقاتها فيها من الخدم اللاتي فعلن مثل ما فعلت، ولكن مع أطفال مخدوميهم انتقامًأ من سوء معاملتهن، وما زالت تصرخ طالبة أن تميزها في سجنها بلا طائل ولا جدوى.
وهكذا فهن في دوامة من الماء النتن بسب البعد عن أوامر الرحمن، فالرحمة كتبها الله سبحانه على نفسه وأمرنا بها، ثم يترك الإنسان يفعل ما يريد، بل يسترها معه مرة ومرات، ثم يكون الأخذ في لحظة يعقبها الندم البشري إلى آخر العمر.
نظرت الداعية بقلبها إلى رحاب الكون وقد وجل هذا القلب وخشع لخالقه، واعتدلت في جلستها وهي تقول: يا أختاه لو تحركنا بأسماء الله الحسنى في أفعالنا وتصرفاتنا لتغير كل شيء للأرقى والأسمى، فتخيلي لو كانت هذه الأخت ودودة ولطيفة وكريمة تعفو وتصفح، هادئة في طباعها، رقيقة في أفعالها. لا تبتغي إلا وجه من تحركت بصفاته.. كيف كانت ستصير الأمور.
نسأله تعالى أن يغدق علينا بمغفرته وحبه، والتحرك بأسمائه وصفاته، قالت الأخت المسؤولة من سويداء قلبها : آمين.
انقلاب النعمة
غادرت الداعية المكان وهي تحمل ذكريات أرادت أن تسطرها على وريقات لتطلع فيها على عاقبة بعض أفعالنا، وكيف يمكن أن تنقلب النعمة إلى نقمة بتصرفاتنا، وهالها أن كثيرًا من الناس لا يدركون أن سوء معاملة الخدم لديهم قد يؤدي بهم إلى السجن وربما الإعدام أو فقدانهم لأطفالهم بسبب انتقام الخدم منهم.. فالخدم بشر، نعم بشر يسمعون ويدركون ويحسون ويشعرون ويصبرون على مضض إن وقع عليهم أذى وظلم، وبعد ذلك فإن الله سبحانه الرحيم بعباده والذي لا يرضى بالظلم لأحد من خلقه يعطيهم حقهم كاملاً في الآخرة، وقد ينتقم لهم في الدنيا فيحل الخراب على من ظلمهم، ترى لو أدرك الناس هذه الحقائق فهل يستمرون في سوء معاملتهم لخدمهم، أغلب الظن أنهم سيفكرون ألف مرة قبل الإقدام على شيء من ذلك، وهم يرون أبواب السجون تفتح من بعيد، وحبل الجلاد ينصب قريبًا من ذلك.
من صفات جيل التمكين
سليم العقيدة
بقلم:أ.د. رمضان خميس
العقيدة السليمة سر النجاة وروح الحياة، وعمل على غير عقيدة كبناء فوق الرمال، أو رقم على صفحات المياه، إنها صيحة في واد، ونفخة في رماد، من هنا عني القرآن الكريم بترسيخ العقيدة في نفوس الجيل الأول، ذلك الجيل الذي عاش بـ التمكين الحضاري بكل صوره ومعانيه ولقد كانت الآيات تنزل على هذا الجيل الذي كان منذ قليل في بداوة وبساطة لتربط كل أعماله بالله: ﴿ ... فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾ (الكهف: الاية 110).
وإذا تتبعنا الآيات المكية التي تعنى ببناء الشخصية المسلمة التي حملت راية التمكين وجدنا قسطاً وافراً منها يتناول هذه الصفة حتى عد علماء علوم القرآن أن من خصائص القرآن النازل في مكة أنه يُعنى ببناء العقيدة (1) ولا تقوم عقيدة بغير إخلاص ولا تبنى على غير أساس، لقد أخذ القرآن على تطاول فترات نزوله يبدئ ويعيد في ترسيخ هذه القضية قضية إخلاص العقيدة لله، حتى ترسخ في صدور المؤمنين، فمرة يقول: ﴿وما أمرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِيْنُ القَيّمة (5)﴾ (البينة: الايه 5)، ومرة يقول: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهُ لِحُومُهَا وَلَا دمَاؤُهَا وَلَكن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لَتَكَبَرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)﴾ (الحج: 37 )، ومرة يرشدهم إلى اطلاعه سبحانه على الأعمال ظاهرها وباطنها فيقول : ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)﴾(آل عمران: الايه 29).
لقد ظل القرآن المكي ينزل على رسول الله ثلاثة عشر عامًا كاملة، يحدثه فيهاعن قضية واحدة لا تتغير ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر ذلك الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى، لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد.. قضية العقيدة.. ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
لقد كان يخاطب بهذه الحقيقة «الإنسان».. الإنسان بما أنه إنسان.. وفي هذا المجال يستوي الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان، كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان في ذلك الزمان وفي كل زمان!
إنها قضية «الإنسان» التي لا تتغير، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء، وهي قضية لا تتغير، لأنها قضية الوجود والإنسان... وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاما كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات.
ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقرارًا مكينًا ثابتًأ في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان التي قدر الله أن يقوم هذا الدين عليها، وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.
وأصحاب الدعوة إلى دين الله، وإلى إقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة، خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عامًا لتقرير هذه العقيدة، ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها» (٢).
إن هذه المرحلة هي الأساس في البناء وعلى قدر عظم المبنى يكون عمق الأساس لذلك لم يتعجل القرآن في صياغة الشخصية المسلمة في هذه الفترة بل رباها على مكث وقومها على تؤدة ومهل، فكان منها بعد ذلك ما يعد في عداد المعجزات البشرية، والناظر في كلام ربعي بن عامر، وهو يحدث «رستم قائد الفرس يجد هذا التصور الموقن والثقة المطلقة وهو يقول له: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»(3).
والمتأمل في هذا الحديث الذي يمثل تصورًا قرآنيًا صادقًا يشهد عمق النظرة وسلامة الفطرة، وصدق اللهجة، وروعة البيان من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ...... فأي ضيق دنيوي كان أكثر من هذا الذي كان يعيشه الصحابة؟ وأي سعة دنيوية أكثر من التي كان يعيشها الفرس في هذا الزمان؟ لكن نظرة ربعي تبين أن الضيق الحقيقي في البعد عن الله وكتابه ومنهاجه، وأن السعة الحقيقية في التعرف على الله والسير على منهاجه من هنا قال «ربعي» ما قال .
الهوامش
(1) انظر في ذلك على سبيل المثال: مناهل العرفان في علوم القرآن: ۱/ ۲۰۲ وما بعدها.
(۲) معالم في الطريق : ص ۲۰، ۲۱ بتصرف يسير.
(3) انظر: تاريخ الطبري ٤٠١/٢، وتاريخ ابن خلدون ٠٥٢٤/٢