العنوان المجتمع التربوي (1989)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012
مشاهدات 56
نشر في العدد 1989
نشر في الصفحة 52
الجمعة 17-فبراير-2012
آداب الحوار
في القرآن الكريم
بقلم أ. د:
عبد الحميد البعلي (*)
(*) أستاذ
الفقه المقارن والاقتصاد الإسلامي
·
إنكار الاقتتال والعنف ووقفه ابتداء ثم تحريمه.. من متطلبات الحوار.
·
البِر والقسط والمجادلة بالتي هي أحسن من آداب التعامل مع غير
المسلمين.
·
سور القرآن الكريم وقصصه مليئة بصور الحوار وفنونه و آدابه ومبادئه.
·
الإحترام والاستماع لكامل الحديث بانتباه وإصغاء وإعطاء الفرصة كاملة
للحديث وتجنب الانفعال من أهم أداب الحوار.
·
إذا أردت أن تكون عادلاً فكن بين رعيتك مثل القلب بين الجوارح لأنهم
سيصلحون بصلاحك.
·
كُن قدوة صالحة لرعيتك وقرّب كل صالح حريص على مصالح الأمة واضرب على
يد كل فاسد.
·
إلى كل صاحب منصب: حافظ على أموال الشعب وتحرّ العدل وتقوى الله في
حقوقها واتخذ البطانة الصالحة التي تذكرك بالله وتدلك على الخير.
إن استفحال الإختلاف
يتصل مباشرة بالإيمان حقيقة بين الناس، إلا أنه يجب أن يظل في إطار التصور
الإيماني الصحيح، لذا كان لابد من تحكيم القرآن الكريم في كل ما يختلف فيه الناس
لا يستقيم أمر الحياة، ولا ينتهي الناس من الاختلاف والفرقة، ولا يقوم على الأرض
سلام، ولا يدخل الناس في السلم بحال كما يقول سيد قطب يرحمه الله.
وقد أكد
القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبيِّينَ مبشرين ومنذرين وأنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ
بالْحَقّ﴾ (البقرة : ۲۱۳)، فما يختلف اثنان على هذا الأصل إلا وفي نفس أحدهما
بغي وهوى أو في نفسيهما جميعاً، فعندما يكون هناك إيمان فلابد من التقاء وإتقان ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة : ۲۱۳)، هداهم بما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق،
وما أيسر الوصول حينئذ والاستقامة ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 213).
وفي مسألة
الفتن وإغواء الشيطان ومنهجية التعامل معها، تعد الفتن بأنواعها ووليدها الاختلاف
والشقاق ثم الاقتتال من إغواء الشيطان، حيث يقول الله تعالى: ﴿يَا بَني آدم لا يفتننكم الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أبويكم من
الجنة ينزع عنهما لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27).
وأن شياطين
الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض، ويوسوسون في صدور الناس، ومعلوم أن الشيطان وعمله
فسوق عن أمر الله، وأنه يجب ألا يطاع.. أفتتخذونه ولياً؟ مستنداً في ذلك لقول الله
تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوا إِنَّمَا
يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أصْحَاَبٍ السّعِيِر﴾ (فاطر: 6) في الدنيا والآخرة.
وقد ورد
الحديث عن الشيطان وإبليس ٩٦ مرة في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية مئات
المرات.
مواجهة
الشيطان: أما عن الاستعداد لذكر
في مواجهة الشيطان، فإن القرآن الكريم أوضح أن كيد الشيطان من الجن والإنس كان
ضعيفاً: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76).
ولنعلم أن : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بالْفَحْشَاء
وَاللهُ يَعدُكُم مَغْفِرَةً مَنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 268)، وأعلم أن الموقف يحتاج إلى الحكمة، وأن الله ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾
(القصص: ۷۷)، ولا تسع في الأرض
فساداً، ولا تتبع سبيل المفسدين، ولا تعث في الأرض فساداً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، ﴿وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 86).
منهج قرآني
وهنا نتساءل:
ما المخرج؟ وكيف السبيل؟ أعتقد أن الحوار منهج قرآني أصيل، فالحوار هو السبيل
الصحي الوحيد للوصول والحصول على أفضل الحلول والنتائج، مبيناً أن سور القرآن الكريم وقصصه مليئة بصور الحوار
وفنونه وآدابه ومبادئه، فنسرد شيئا منها.
ومن صور
الحوار الحجة بالواقعة والمنطق، والحوار بالاستغفار، والحوار بالتذكير والذكرى
والموعظة.. ومن بين صور الحوار التي استشهد بها المؤلف ما ورد في سورة الكهف،
ومنها الحوار بين أهل الكتاب أنفسهم، والحوار بين الصالحين والحوار بين سيدنا موسى
والخضر، ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِن عبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مَنْ عِندِنَا
وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65)، وكذلك الحوار بين سيدنا موسى وفتاه، والحوار بين ذي
القرنين والقوم المظلومين من «يأجوج ومأموج».
متطلبات
الحوار
وأما متطلبات
الحوار فهي كثيرة، منها إنكار الإقتتال والعنف ووقفه ابتداء، ثم تحريمه والتفويض
المأخوذ من قوله تعالى: «فلينظر» من سورة الكهف، والتلطف والصراحة والوضوح
والإرادة القوية والتدرج وتهيئة الأجواء لخطط طويلة الأمد من الإصلاح الشامل
والانطلاقة الفتية نحو التعمير والتغيير.
وفيما يتعلق
بآلية التعامل مع غير المسلمين أفراداً ودولاً، فهي تقوم على مرتكزات البِر والقسط،
عدم السب واللعن المجادلة بالتي هي أحسن التعامل والتعاون المالي والتجاري،
المساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات.. فحضارة الإسلام سمات أهلها التواد
والتراحم والتعاطف والسلام والمصافحة، كما أن التغيير يحتاج إلى رغبة وإرادة وفعل
وعدم تجاهل شرع من قبلنا في دعوة الرسل لأقوامهم.
ومن بين
متطلبات الحوار الأخرى الصبر والصفح، ولين القول وطيب الكلام، والمفاصلة الحازمة
بقوة الإقناع وإقامة الحجة على الخصم، والاتباع والالتزام والدفع بالتي هي أحسن
والمرونة، وقوة التحمل، والرغبة في السِلم والإتفاق على قواعد الصلح.
وأما محاذير الحوار،
فرأى المشرع أنها تندرج تحت ما يسمى تبرير الإنسان لنفسه ومن أحوال النفس مع الإنسان،
وأحوال الإنسان مع نفسه.. وأما أحوال النفس مع الإنسان فثمانية أنواع هي: النفس
الأمارة، والنفس اللوامة، والنفس الفاجرة، والنفس التقية، والنفس الشحيحة، والنفس
الراضية، والنفس المرضية، والنفس المطمئنة.
كما أنه على
المتحاورين من عدم وضوح الهدف من الصلح والإصلاح والتعمير وفعل الخير ونفع الغير.
آداب الحوار
وأما آداب
الحوار، فهي تتعلق بالإحترام المطلوب والاستماع لكامل الحديث بانتباه وإصغاء،
وإعطاء الفرصة كاملة للحديث وتجنب الانفعال، وحُسن عرض وجهة النظر وعدم المعاجلة
والمقاطعة والمغالطة والاستفزاز وإبداء الضجر، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم
والوعي.
واستشهادا
بأهمية أدب الحوار فمن أبرز وأهم وصايا الإمام علي رضي الله عنه لابنه الحسن الذي
قال فيها: «يا بني، إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول،
وتعلم حُسن الاستماع كما تتعلم حُسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثا وإن طال حتى
يُمسك».
ولنحسم الإختلاف
فيما بيننا بأدب الحوار كما ربانا المنهج القرآني وحث عليه أحاديث النبي صلى الله
عليه وسلم، وندعو إلى الله متضرعين: «ربنا لا تجعلنا من الذين يفسدون في الأرض ولا
يصلحون، ربنا اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنك رؤوف رحيم»، «ربنا أنصرنا
على القوم المفسدين»، «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان».
خواطر داعية
بقلم: عبد
الحميد البلالي
إحصائية مخيفة
أصدرت مؤسسة «الفكر
العربي» في بيروت في مطلع عام ٢٠١٢م إحصائية مخيفة ومرعبة عن واقع القراءة في
العالم العربي، حيث ذكرت الإحصائية بأن معدل قراءة الفرد في العالم العربي في
السنة هي 6 دقائق، وأن معدل قراءة الفرد في العالم الغربي في السنة ٢٠٠ ساعة.
لم أفاجأ بمثل
هذه الإحصائية لعلمي أن معدل القراءة أحد المؤثرات لرقي الأمم وأن معدل القراءة
يتزايد كلما تقدمت الأمة ويتراجع كلما تراجعت، وهذا ما يفسر توافر ظاهرة القراءة
في العالم الإسلامي عندما كانت الأمة في أوج حضارتها وتقدمها ومجدها، حيث ذكر لنا
التاريخ ما يشبه الأساطير لحُب القراءة وحُب العلم، وضخامة أعداد العلماء وطلبة
العلم والكم الكبير من التأليف وأسواق الكتب في الدول العربية، وليس غريباً على
مثل تلك الأمة الرائدة أن ينشأ فيها مثل الإمام البخاري فيصحح للعلماء الكبار وهو
ابن إحدى عشرة سنة، ويؤلف كتاب «قضايا الصحابة»، وهو ابن ثماني عشرة سنة، ويحفظ ما
يزيد على خمسة عشر ألف حديث وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وينشأ الإمام
أحمد الذي كان يحفظ مليون حديث وهو ابن ست عشرة سنة، وينشأ الإمام ابن الجوزي الذي
تجاوزت مؤلفاته ثلاثمائة مؤلف في شتى أنواع العلم، وينشأ أبو بكر الأنباري الذي
كان يقرأ ويكتب ويحفظ كل أسبوع عشرة آلاف ورقة.
وما هذه إلا
نماذج من ذلك العهد المجيد الذي كانت الأمة فيه في تقدم، ولكنها عندما تراجعت أصبح
المؤلف العربي في هذه الأيام لا يزيد في عدد طباعة الكتاب على ثلاثة آلاف، ولعلها
لا تنفذ لقلة القراء، بينما لا يقل عدد النسخ المطبوعة في العالم الغربي عن مائة
ألف نسخة لكل كتاب.. أليس هذا محزناً؟
نظرات في وصية
الحسن البصري إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (الأخيرة)
د. شعبان
رمضان (*)
أستاذ التفسير
وعلوم القرآن - جامعة الجوف – السعودية
·
إلى حكامنا الجدد.. بعد إنطلاق الثورات العربية الإمام العادل قدوة
لرعيته حافظ لحدودها مسؤول عنها.
من أهم ما
ذكرناه سابقا من وصية الحسن البصري الأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أن الإمام
الذي ينشد العدل مع رعيته يكون شفيقاً رفيقاً،
يختار لهم ما يصلحهم، ويبتعد بهم عما يضرهم، له دور الأب في حنوه، وسعيه لهم، وإكتساب
ما ينفعهم ودور الأم في الشفقة والرفق بهم وتحمل الصعاب من أجلهم والصبر عليهم.
ثم يقول الحسن
البصري: «والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين يربي
صغيرهم، ويمون كبيرهم».. إذا، فمن يلي ولاية يعد نفسه وصياً لكل فرد، فكما أن
الوصي يتفقد أحوال أوصيائه صباح مساء كذلك من يُولى ولاية، ومثله من يتحمل عبء
الخزانة للمساكين، هذا هو حال من يتحمل ولاية في الإسلام.. ومن جهة صلاح المجتمع
وفساده، فهذا منوط بصلاحك أيها الوالي، فإذا أردت أن تكون عادلاً فكن بين رعيتك
مثل القلب بين الجوارح لأنهم سيصلحون بصلاحك، ويفسدون بفسادك، وتاريخ كثير من
البلدان في دخول أهلها الإسلام خير شاهد على ذلك.
فيا من تتولى
ولاية راقب ربك وكن قدوة صالحة لرعيتك، وقرب كل صالح حريص على مصالح الأمة، حتى
ولو كان ذلك ضد رغبتك وهواك وأضرب على يد كل فاسد يتسبب في فساد الأمة.
وفي تشبيه
الإمام العادل بالقلب بين الجوارح لفتة لطيفة، وهي أنه إذا كان القلب هو الذي يبعث
الحياة في الجوارح بعد الله -عز وجل- فكذلك الإمام العادل يبعث في رعيته الحياة
الهانئة الكريمة، ولا يجعلهم يكرهون حياتهم.
قدوة بين
رعيته
ويوضح الحسن
البصري أهمية الراعي في إستقامة الرعية، ويؤكد على كونه قدوة بين رعيته فيقول: «والإمام
العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم
وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم».. إذاً، فهو يسمع أولاُ كلام
الله -عز وجل - ثم يسمعهم، ويراقب هو أولاً ربه ويخشاه وينقاد له، فيراقبون معه
ويخشون ربهم مثله.
ثم بعد الوصية
يأتي التحذير: «فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله -عز وجل-كعبد أئتمنه
سيده، واستحفظه ماله وعياله، فيدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله.
فيحذره أن
يكون مثل العبد الذي ائتمنه سيده، فأوكل إليه السيد حفظ ماله وعياله لكنه لم يحفظ
الأمانة فبدد المال وشرد العيال، وهكذا كل من وثق الناس فيه ونصبوه منصباً أو ولوه
مكانة، أو أمنوه أمانة، عليه أن يحفظ أماناتهم التي أئتمنوه عليها، من ثروة مادية
أو بشرية، أو ثروة صناعية، أو تجارية أو اقتصادية، فيضع كل شيء في موضعه، وليعلم
أن ما أؤتمن عليه ليس ملكاً له، وإنما
هو ملك لكل
فرد من أفراد الأمة، من يلي ولاية في الإسلام يعد نفسه وصياً لكل فرد فيتفقد أحوال
أوصيائه صباح مساء كما يفعل الوصيفإن بدد شيئاً بغير وجه حق فقد خان الأمانة.
ثم يذكره
بالحدود التي أنزلها الله -عز وجل- رادعة للناس عن ارتكاب المحرمات من خبائث
وفواحش، وعلى من ولي ولاية أن يحفظ هذه الحدود، ويطبقها في أوقاتها والطامة الكبرى
إذا ارتكبها من أوكل بحفظها، لأنه قدوة لهم من جهة، ومرتكب للجناية من جهة أخرى،
ونلاحظ أنه أفرد جناية القتل بالتحذير فخص بعد أن عم، وذلك لأن من ولي ولاية على
الناس إذا لم يكن عادلاً، فأول ما يلجأ إليه في تكميم الأفواه، وقصف الأقلام هو
القتل أو التنكيل والتشريد، فالإمام العادل هو الذي يحفظ على الناس دماءهم، فكيف
تكون الحال إذا أراقها هو؟!
تحذير من
إراقة الدماء
ولأن إراقة
الدماء كثيراً ما يلجأ إليها ولاة السوء، وحينئذ يكونون أشبه بمن غابت عقولهم
فيذكرهم حينئذ بالموت وما بعده، وهذه همسة في أذن كل من يتولى من أمور المسلمين
أمراً: يا من تهون عنده أرواح الناس ولا يبالي بحل أو حرمة تذكر الموت وما بعده
ويذكره بقلة الأشياع وانعدام الأنصار في هذا الموقف، لأن الأشياع والأنصار والبطانة
في الدنيا إذا كانت سيئة، ففي الغالب هي التي تزين له إراقة دماء المعارضين أو
المخالفين، فكأنه يقول له: البطانة والأشياع التي تزين القتل لمن يلي ولاية هي
نفسها التي تجره للهلاك، وهي في الآخرة لا تنفع ولا تنصر، وفيه أيضاً حث للحسن
البصري على إختيار البطانة الصالحة والأشياع الناطقين بالحق، ثم يأمره أن يتزود
للموت وما بعده بإقامة العدل والعمل الصالح، وهو هنا يذكره بحديث الرسول ﷺ: «يتبع
الميت ثلاثة، فيرجع اثْنَانِ، وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلَهُ،
وَمَالَهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ: أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ»(1).
ويؤكد تذكيره
له بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ
يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ
وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34 - 36).
ويذكره كذلك
بيوم الحشر: ﴿أَفَلَا
يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ (العاديات: 9)، وكل سر لابد وأن يظهر حينذلك، ويحثه على إغتنام فرصة
الحياة قبل الممات، مشيراً إلى حديث النبي ﷺ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ:
شَبَابَكَ قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ
شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ » (2).
حكم جائر
ويحذره أن
يحكم عن جهل، أو أن يكون في حكمه جائراً أو ظالماً، ويحذره كذلك من تسليط
المستكبرين -من بطانته أو رعيته- على المستضعفين، لأن المستكبرين لا يحفظون عهداً
ولا ميثاقاً، وهذا التحذير يحمل في طياته تحذيراً آخر؛ ألا وهو مراعاة العدل في اختياره
لولاته ومساعديه وبطانته، واختيار الأصلح منهم، الذين يحكمون ويتعاملون مع الناس
بشرع الله وعدله؛ لأنه إن ولي المستكبرين أو الظالمين، أو قربهم سيبوء بجزاء ما
يرتكبوه فوق جزاء توليته لهم، وعليه ألا يغتر بمن حوله، فهؤلاء يتنعمون بالمال
والجاه وأكل الطيبات في دنياهم، وهو الذي سيحاسب على هذا في أخراه، لأنهم يأكلون
من أموال الناس ويذلون الناس ويستضعفونهم مرتكنين إلى قربهم منه وسلطانهم على
الناس فالطيبات التي يتنعمون بها اليوم في دنياهم ستكون سبباً في حرمانه هو من
طيبات الآخرة، بل ستكون بؤساً وشقاء عليه، ويحذره أن ينظر إلى قدرته وسلطانه الذي
هو فيه في الدنيا، بل عليه أن ينظر كيف تكون قدرته حين مماته، وحين يقف بين يدي
الله للحساب على رؤوس الخلائق.
ثم يختم بختام
بليغ على الأمير الحسن أن يأخذ نصيحته مأخذ الجد فيقول: «إني يا أمير المؤمنين،
وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحا فأنزل كتابي
إليك كمدا و حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة».
وهي همسة نهمس بها في أذن صاحب كل منصب أو مسؤولية -صغرت أم كبرت-
ألا وهي: الحفاظ على أموال الشعوب وتحري العدل وتقوى الله في حقوق هذه الشعوب -كل
الحقوق- واتخاذ البطانة الصالحة والأنصار التي تذكر بالله وتدلهم على الخير، ولا
يقربوا إليهم متكبرين أو ظالمين وليعلموا أنهم موقوفون بين يدي الله -عز وجل-
ومحاسبون على كل ما جلبوه للأمة أو تسببوا فيه إن خيراً فخير
وإن غير ذلك فالله أعلم بهم.
الهامشان
(۱) صحيح
البخاري: تفسير القرآن سورة الفلق، برقم ٦٠٦٢
(۲) الآداب
للبيهقي بَابُ: مَنْ قَصْرَ الأَمَلَ وَبَادَرَ بِالْعَمَلِ رقم الحديث ۷۹۷.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل