العنوان وماذا بعد الحج؟ (٢-٢).. دروس وعبر
الكاتب شعبان رمضان مقلد
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 2027
نشر في الصفحة 51
السبت 17-نوفمبر-2012
- القلب الذي انخلع من الدنيا وترك المال والأهل والولد والوطن أنى له أن يعود ويفتتن بهذه الأمور؟
- في خطبة حجة الوداع.. دروس وعبر نتمسك بها إلى أن نلقى الله عز وجل
ذكرنا في العدد الماضي تفاصيل الوقفة الأولى من وقفاتنا التي نقفها سويًا ونتأمل في أنفسنا بها بعد الحج، واستعرضنا فيها علامات قبول الحج من استمرار على التوبة وتحصيل تقوى الله، واعتياد الذكر والدعاء، والاستمرار بعبودية المراقبة، وتذكر الآخرة واغتنام الأوقات، وتجدد الشكر لله تعالى، وتعود الأخلاق الحميدة، وتحقق الأخوة الإسلامية، والإقلاع عن السيئات وبغضها، والمسارعة إلى الحسنات ومحبتها.
وفي هذا العدد نستعرض بقية وقفاتنا علنا ننتفع بطاعتنا وتزيدنا إيمانا، وتقربنا من ربنا تبارك وتعالى.
الوقفة الثانية: الرحيل في الحج عبرة بالغة:
فمن دارنا نرحل، ومن الميقات نرحل، ومن مكة نرحل، ومن منى نرحل، ومن عرفة بعد أن مكثنا سويعات نرحل ونحط في المزدلفة سويعات ثم نرحل، وكذلك من منى - مرة ثانية - رحيل، وأخيرًا من مكة كلها رحيل فهل بعد الحج نعتبر بهذا الرحيل، ونفيق إلى أننا من هذه الدنيا راحلون، فنجد ونجتهد ونجمع ما ينفعنا لهذا الرحيل؟! ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:64).
الوقفة الثالثة أنى للجوارح التي أطاعت ربها أن تحور وتنتكس:
فالقلب الذي انخلع من الدنيا وترك المال والأهل والولد والوطن، أنى له أن يعود ويتشرب بالاهتمام والافتتان بهذه الأمور؟! واللسان الذي لبى وذكر ودعا وشكر، أنى له أن يعوج فيغتاب أو يكذب، أو يغش أو ينمّ.
والرَّجل التي طافت وسعت أنى لها أن تعود وتسعى إلى الحرام!
واليد التي استلمت الحجر وارتفعت ذليلة لربها يوم عرفة داعية، ورمت الجمار أنى لها أن تعصي، أو تبطش بغير حق، أو تعتدي على حقوق الآخرين!
والعين التي نظرت إلى الكعبة وبكت من خشية الله طويلًا، أنى لها أن تعود وتنظر إلى الحرام أو تمتد إلى عورات الآخرين!
أنى لتلك الجوارح أن تحور وتنتكس، فاللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور.
أنكون أخي القارئ الكريم «كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً؟».
وقد نهانا الله تعالى أن نكون في عباداتنا مثل هذه المرأة القرشية فقال:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (النحل: ٩٢).
الوقفة الرابعة: من خطبة حجة الوداع دروس وعبر نتمسك بها إلى أن نلقى الله عز وجل:
ولسنا هنا بصدد شرح أو استقصاء لما في الخطبة؛ لكني أود أن أذكرك أيها القارئ الكريم بأربع مواد فقط من هذا الدستور النبوي (1).
المادة الأولى: في حرمة دم المسلم:
«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»، وكذلك كل مقدمات الدماء، وكل ما يكون سببًا في إهدارها، فكل كلمة وكل تصرف، وكل موقف، بل وكل إشارة أيًا من هذا كله يضر بدم المسلم من قريب، أو من بعيد فهو حرام؛ لأن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
المادة الثانية: حرمة الأموال:
فكل ما يكون سببا في أكل أموال الآخرين؛ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: ۱۸۸).
فليحذر كل من يعتدي على أموال غيره بغير حق، وليحذر كل من يظلم مسلما في ماله، أو ينقص حق مسلم، أو يحرم مسلمًا من حق هو له، أو يغش مسلمًا في ماله، وهكذا؛ «الحلال بيَّن والحرام بيَّن» (۲).
المادة الثالثة: حرمة الربا:
«ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع..»، فليحذر كل من يتعامل بما فيه شبهة ربا، مهما زينت المادية الحديثة هذه التعاملات، ومهما سمتها بمسميات والمؤمن كيس فطن لا تخدعه التحايلات.
وليكن نصب أعيننا دائمًا القاعدة الفقهية: «كل قرض جر نفعا فهو ربا».
المادة الرابعة: الوصية بالنساء:
«ألا واستوصوا بالنساء خيرا، وليسأل كل حاج نفسه: هل سنستوصي بالنساء خيرًا بعد أن عدنا بصفحة بيضاء؟
إذا دققنا النظر في الوصية وجدنا أن الرسول ﷺ لم يوصَّ النساء بالرجال، على الرغم من حقوق الرجال على النساء، وعلى الرغم - أيضًا - من وجود بعض الحجيج من النساء، ومع ذلك لم يوص النساء بالرجال، بل أوصى الرجال بالنساء ثلاثًا – كما في بعض الروايات - فهل سنستوصي بهن خيرًا في حقوقهن، وفي رحمتهن وفي تعليمهن، وفي التودد إليهن، وفي العدل معهن، أم أننا سنتمسك بالقوامة التي يفهمها أكثرنا على غير حقيقتها، أم نظل نردد ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ۲۲۸)، ترديدًا في غير موضعه، أم نزدري النساء بحديث: «مَا رَأَيْتُ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينِ أَذْهَبَ لِلبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ..»، نردده دون محاولةَ لمعرفَةَ مَضمونه!! ولو دققنا بالتأمل في تمامه لاتضح لنا الأمر، وتمامه: قُلْنَ: وَمَا نَقصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قلنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلكَ مِنْ نَقْصَانِ عَقْلَهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلُّ وَلَمْ تَصُمَّ؟»، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (۳)؟!
مواد أربع كفيلة بأن تصلح شؤون حياتنا، وتجلب لنا سعادة الدارين.
فهل نعيش بعد الحج بهذه الوقفات، ونحافظ على الجائزة ونستزيد المكافئة؟
وفقني الله والقارئ الكريم، وجعلنا لديه من المقبولين، وبصرنا بعيوبنا ووفقنا لخدمة دينه.. آمین.
-------------------------------
الهوامش
(۱) خطبة حجة الوداع في صحيح البخاري برقم ۲۹۷۷، ٥١٢٥، وفي صحيح مسلم برقم ٣١٨٦.
(۲) صحيح البخاري برقم ٥١، ١٩٢١.
(۳) صحيح البخاري برقم ٢٩٦.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل