; الحبيبة الفاتنة! | مجلة المجتمع

العنوان الحبيبة الفاتنة!

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013

مشاهدات 59

نشر في العدد 2038

نشر في الصفحة 50

الجمعة 08-فبراير-2013

* سحرتهم ببريق نظراتها وجذبتهم ببهيج ألوانها فقد جُمّلت بكل زينة تسرُّ الناظرين!

* مالٌ وبنون ونساء وفنون وشهرة ومنصب وجاه وحرث ونسل وتكنولوجيا مبهرة..

* ظن الإنسان الغَرور أنه بهذا قد امتلك مفاتيح الأرض وكنوز الخير فعاث فيها بما يشتهي ونفض يديه عن معرفة حقيقة الدنيا

* فيا لها من حسناء ساحرة من أجلها يقتل الأخ أخاه ويأكل ماله ويتصارع معه ويتشاتم وفي سبيلها تُقطَع الأرحام!

* .. أما أهل العلم والإيمان فعرفوا حقيقتها فلم يهبوها أنفسهم بل صيَّروها أداة لهم يسيرون بها إلى الجنة

إنها العروس الحُلوة الفاتنة التي زُينت لخاطبيها فلم يرَوا سواها، واعتلتْ عرشَ قلوبهم فلم تفارق المُقل والأنظار، فقد التقطت عدسات عيونهم صورتها وأشْبِعَتْ حُبها حتى التصقت ببواطنهم، تسير معهم أينما ساروا، وتحط رحالها معهم متى حطوا الرحال، وترافقهم إذا ما امتطوا مطاياهم.

لقد بلغ من جرأتها أنها وعدت كل خاطب بما يأمل، ورضيت من كل مشترٍ بما يدفع كلٌّ حسب حاجته وقدر استطاعته، فلم تمتنع عن مريد، وكلهم لرضاها يطلب، ولقربها يريد!

ولِمَ لا وقد بدت في أبهى حلة وتشكلت في كل شكل، وقد وقف على باب حضرتها من كل لون وجنس، وتسابقوا إليها من كل حدب وصوب، وجميعهم من بني البشر! أمّا هِيَ فلا تردّ طالباً ولا ترفض مَنْ امتدت يده إليها بالمَهر رغبة في الاقتران بها والقرب منها، ويا لحظّها الواسع!!

فخُطَّابها كُثر في زمن قلَّ فيه الرجال، ومهرها غالٍ في وقت ساد فيه الشّح، ومريدوها ينتظرون منها إشارة القبول، وعلامة الرضا، وهيَ هيَ! ما فتئت تتلون كل يوم بلون، وتظفر كل ساعة بزوج.

سحرتهم ببريق نظراتها، وجذبتهم ببهيج ألوانها، فقد جُمّلت بكل زينة تسر الناظرين، وصدق ربنا إذ قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾آل عمران: 14]

مفاتيح الأرض

مالٌ وبنون، ونساء وفنون، شهرة وصِيت، ومنصب وجاه، حرث ونسل، ذهب وفضة، تكنولوجيا مبهرة، وتقدم في العلوم.. ظن الإنسان الغَرور أنه بهذا قد امتلك مفاتيح الأرض وكنوز الخير ومِلكية الكون، فعاث فيه بما يشتهي، ونفض يديه عن معرفة حقيقة الدنيا، ولم يملك زمام أمرها إذ هي ملكته، فافتتن الكثيرون بها -إلا من رحم الله تعالى - وازداد أتباعها ومحبوها بُعداً عن أوامر خالقهم العظيم؛ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ﴾ الأعراف: 54، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ سبأ: 13.

العروس الساحرة

لذا فقد دَعَتْ العروس الفاتنة - وهي ذات المنصب والجمال - كل مَن وقف ببابها، فتتمايل تارة وتتراقص أخرى، تُقبِل وتُعرض، تنأى وتقترب، تعرض مفاتنها كل حين وتخفي ما يسوؤها من آلام ومتاعب، وأسقام وأمراض، وراء قناع زائف من المغريات حتى وقع في شِراك حبها مَن وقع، ووهب لها نفسه مَن وهب، فلم يقف لحظة للتفكير ولم يأخذ بنصيحة الفاروق رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتهيؤوا للعرض الأكبر».. فطلب رضاها مَن هان عليه أن يُساق وراء شهواتها كما يُساق البعير إلى حتفه وهو لا يدري، كل ذلك مقابل لذة عابرة تمر كالطيف ينالها المحب من عروسه الغانية الفانية، وثمن بخس زهيد يتقاضاه منها من حظوظ النفس سرعان ما يبلى ويفنى مع الأيام.

فيا لها من حسناء ساحرة، ويا لخطرها وعظيم تأثيرها، تسحر كل من أشْرِبَ قلبه حبها، فتجعل منه لنفسه قاتلًا، ومن أجلها يقتل الأخ أخاه، ويأكل ماله ويتصارع معه، ويتسابب ويتشاتم! ومن أجلها تُقطَع الأرحام ويُساء الجِوار، وتُعقّ الأمهات ويُهان الآباء، ويُضيّع حق الولد، ويُؤكل الميراث، ويُحَب المال حباً جمّاً! ومن أجل شهواتها ولذاتها تُنفق الأموال في الحرام، فتُشرب الخمور، وتُتعاطى المخدرات وتصير سلعة تباع، ويذهب الإنسان بعقله بعيداً عن العقل!

انتهاك الحرمات

ومن أجلها يُشهَد الزور، ويُتاجَر بالجنس، وتُسرَق أعضاء الإنسان وتُباع، وتُنتهك الحرمات، وتُهتك الأعراض، وتُنهَب الممتلكات، وتُسرق الشعوب، ويُساء استخدام العلم، وتصبح تجارة السلاح هي التجارة الرائجة، واللعب به هو اللعبة المفضلة!

ومن أجلها يُضيِّع المرء فروض ربه ويُسوِّف في أدائها وكأنه ضَمن لنفسه الخلود فيها، أو يؤديها ناقصة لا تصل حدّ التمام، وتخرج العيون عن حيز الحلال فتشبع بالنظر إلى العورات وتمتد لتتجسس على العباد، وتتلمس العثرات، وتسعى بالنميمة وتطلب رضا الناس بغضب الله تعالى!

ومن أجلها تشح النفوس وتقسو القلوب ويعلو صوت الأنا، فتُمنع الزكاة ويجف بحر الإيثار وتسود الأثرة وتطغى الأنانية، ويذبل الخير وينمو الشر ويُحرَم كل ذي حق حقه، طمعاً في متاعها أو خشية فقدانه بالفقر أو الحرمان، فيهتز اليقين في الله ويضعف التوكل عليه، وقد حذر نبينا ﷺ وأقسم قائلاً: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم »رواه البخاري.

لذة عاجلة

ومن أجل لذاتها العاجلة تضيع الحقوق والواجبات، وتتبدل النيات، ويتحول القصد والإرادة إلى غير الله تعالى، فيذهب الإخلاص، وتُترك أوامر الله، وتُؤتى نواهيه، ويَنسى المرء نفسه وهو في أحضانها يتلذذ بمنصب رفيع يشغله، أو مال قليل ينميه، ويتعالى بمركز مرموق يعتليه، ويتفاخر بنسب وحسب ليسا من صنعه، ويتكاثر بأولاد وذرية لم تكن يوماً مِنْ خَلقه..

ويظن جاهلاً أن ذلك له من الله كرامة ومزية، ونسي أن النبي ﷺ يقول: «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج » رواه أحمد، حسنه السيوطي.

ومن أجل العلوّ فيها والثبات على كراسيها تسيل الدماء بحوراً، ويعيث الظالمون في أرض الله فساداً، فلا يعبأ أحدهم أن يصل لمبتغاه وحظه منها على جماجم ورقاب البرآء، أو أن يصعد سلم مجده المزعوم على عظامهم المحطمة، فتُقتل الرجال ظلماً وزوراً، وتُرمل النساء فلا تعرف سروراً، ويُوأد الصغار بضحكاتهم البريئة فلا يرون نوراً! فتتحطم القيم وتتخاذل الأخلاق وتنكسر المعاني  الجميلة أمام طاغوت حبها ولذة طعمها، فلا يرى حبيبها إلا نفسه، ولا يلين قلبه ليتيم ذي مقربة، أو يرقّ لمسكين ذي متربة، أو أمّ ثكلى تذوقت مرارة الثكل وفجيعة الفقْد، فلم يترك ذلك الحبيب الواهم لنفسه حظاً من خير في الآخرة، والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾القصص: 83]

مفارقة العروس

هذه هي حال مُحبّي الدنيا، هذه العروس الدانية الفانية، حال المفتونين بها الغارقين في هواها، العاملين لرضاها، يعيشون فيها لها ومن أجلها، ويموتون في سبيلها! فإذا نزل بهم أمر الله الحق الذي لا مفر منه، «وجاءت سكرة الموت بالحق» وحان أوان شرب كأس الموت، وضمة القبر، والموت كأس وكل الناس شاربه، والقبر باب وكل الناس داخله، ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: 23-24)، وإذا بالحبيب المغرور يفارق عروسه ومحبوبته التي طالما تغنّى بحبها وسهر في رضاها وقاتل من أجلها، ويا للمصيبة عندئذ!! وكما قيل: مَن لم يسلك طريق الآخرة أنس بالدنيا وأحبها، فكان له ألف محبوب، فإذا مات نزلت به ألف مصيبة دفعة واحدة لأنه يحب الكل وقد سلب عنه. أما أهل العلم والإيمان وأصحاب الكياسة والفطنة، فقد تفكروا فيها، فعرفوا عمرها الحقيقي، وقاسوا حاجتهم إليها بسني أعمارهم، فلم يهبوها أنفسهم، بل صيروها أداة لهم يسيرون بها ويسيّرونها بإرادتهم، شعارهم قول حبيبهم ﷺ: «إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن اللهَ مستخلفُكم فيها فينظرُ كيف تعملون».

رأوها كالسلاح الحاد في أيديهم إن لم يحسنوا استخدامه أو وضع في غير مكانه خرج عن نصله فقطع الرقاب، سلاح فتاك يحيي ويميت، فبه يدفعون عن أنفسهم الشر ويصدون العدوان ويرهبون العدو فيحيون بعزة، فجعلوها حارساً لهم في طريق سفرهم الطويل إلى الدار الآخرة فأخذوا منها ما يدفعون به عن أنفسهم وأهليهم الفقر والعوز والجوع والمرض، وما يعين على شهواتها المغرية وشبهاتها ومصائبها وابتلاءاتها، وما يرهب أعداءهم المتربصين بهم من دعاة الشر من شياطين الإنس والجن ففكوا بذلك رقابهم من قيدها وحرروا قلوبهم من أسرها، وامتطوا ظهرها ليصلوا بها إلى دارهم في سفرهم البعيد فأتتهم - دنياهم - وهي راغمة، ولقد علموا علم اليقين وهم يعبرون فيافيها الواسعة أنهم في حاجة لدليل وزاد، فاتخذوا من كتاب الله قائداً يدلهم، ومن تقواه زادهم، فغرسوا فيها غرسهم، وعمروها بالإيمان وبالطاعات، وجعلوها سلماً يرتقون به إلى أعلى الدرجات، فكانت لهم زاداً وأي زاد!

غسلوا قلوبهم فيها من أدران المعاصي بالتوبة والاستغفار، وعاشوا فيها حلماء أتقياء، أبراراً رحماء، كالغيث لعباد الله، وذاقوا ألذ ساعات حياتهم فيها مع ذكر الله ومناجاته ومراقبته، دون أن يغفلوا حاجة البدن إلى ما كتب الله له فيها ليعيش سوياً صحيحاً معافى.

لكن هذه العروس الفاتنة خدعتهم جميعاً! ففي نهاية مطافهم معها وفي لحظة كلمح البصر، وبينما هم في أشغالهم سائرون، لفظتهم واحداً تلو الآخر بعد أن نالت منهم ونالوا منها، فخرجوا من أحضانها فجأة إلى حُضن أمهم الأرض حيث حفرة صغيرة في باطنها تضمهم، قد تكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

(*) إجازة في الشريعة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل