; المجتمع الثقافي.. العدد 1078 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. العدد 1078

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 73

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مصر... قضية «نصر أبو زيد» تطفو على السطح مرة أخرى

نائب رئيس مجلس الدولة السابق: دعوى التفريق هدفها محاكمة العلمانية أمام القضاء القاهرة: شعبان عبد الرحمن

برزت قضية نصر أبو زيد مرة أخرى على الساحة المصرية بقوة عندما بدأت الأسبوع الماضي محكمة الجيزة للأحوال الشخصية نظر القضية التي رفعها المستشار محمد حميدة عبد الصمد نائب رئيس مجلس الدولة السابق والدكتور إسماعيل سالم الأستاذ بكلية دار العلوم؛ وهي دعوى قضائية تطالب بالتفريق بين «نصر» وزوجته بدعوى أنه مرتد بسبب طعنه في أحكام القرآن وهجومه على السنة النبوية والصحابة والفقهاء وخاصة الإمام الشافعي في مقالات وكتب أصدرها وتقدم بها لجامعة القاهرة كإنتاج يعطيه الحق في الترقي لدرجة الأستاذية؛ لكن الجامعة رفضت هذا الإنتاج وبالتالي رفضت ترقيته.

ورفض الجامعة كان بناءً على تقرير من الدكتور عبد الصبور شاهين عضو لجنة الترقيات بالجامعة؛ وكذلك تقرير من الدكتور محمد بلتاجي عميد كلية دار العلوم وعضو اللجنة، ومن يومها وفصائل العلمانية بشتى أنواعها لا يهدأ لها بال وتواصل هجومها على الدكتور عبد الصبور شاهين وعلى جامعة القاهرة وعلى العلم والعلماء معتبرة ما حدث لصاحبهم حجراً على الفكر وإهانة للعقل وعودة لعصور الظلام والتخلف.

لا شأن لنا بحياته الزوجية

«المجتمع» التقت في القاهرة بالمستشار حميدة والدكتور إسماعيل سالم وسألتهما عن الدافع والقصد من طلبهما التفريق بين نصر وزوجته والفائدة التي ستعود عليهما من ذلك خاصة أن الزوجة متمسكة بزوجها. ابتسم المستشار حميدة قائلاً: هم تناولوا القضية بظاهرها وبدون فهم للقانون فهدفنا بداهة ليس التفريق بين الدكتور نصر وزوجته؛ لأننا بالفعل لا يعنينا أن تعيش معه أو لا فهذه حريتهما، ولكن الذي اضطرنا لرفع القضية بهذه الصورة هي نصوص القانون المصري ذاتها، فالمعروف قانوناً أنك لكي ترفع دعوى ضد إنسان آخر فلا بد أن تكون صاحب مصلحة شخصية مباشرة إلا في حالة واحدة هي حقوق الله عز وجل أو الحقوق التي يغلب فيها حق الله وتسمى «الحسبة» (اسم لما يحتسب عند الله، وهي فرع من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).. والوسيلة الوحيدة أمام أي إنسان لكي يدافع عن حق الله ضد أي شخص آخر هو أن يرفع قضية الحسبة هذه والتي يكون شكلها المطالبة بالتفريق بين من ترى أنه اعتدى على حق الله وبين زوجته.. هكذا حدد القانون المصري شكل مثل هذا النوع من الدعاوى.

الأزهر طرف في القضية:

أضاف المستشار حميدة: إننا نحاكمه أمام القضاء العادل ليحكم على فكره، دون أن نتطوع نحن من أنفسنا بالحكم عليه، وقد أدخلنا الأزهر طرفاً في القضية، ومن المنتظر أن يقدم الأزهر رأيه الفقهي (من قبل العلماء المشهود لهم) في هذا الفكر كما إننا سنطلب شهوداً من الفقهاء والعلماء ليقولوا حكمهم في هذا الفكر فكر نصر أبو زيد وأمثاله حتى يكون واضحاً جلياً للناس وللطلاب فنقيهم بذلك شره.

ويؤكد الدكتور إسماعيل سالم «للمجتمع»، أن هذه قضية الأمة كلها وهي محاكمة للفكر العلماني الذي يصادم عقيدة الأمة وقرآنها وسنة نبيها.. وتعجب قائلاً: ماذا ينتظر منا هؤلاء بعد أن أنكر صاحبهم أحكام القرآن وطالب بتغييرها فقد طالب في كتابه: «نقد الخطاب الديني»، صفحتي 106،105 بتغيير حكم الميراث بالنسبة للأنثى وقال نصر: ليس من المقبول أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي، وفي كتابه: «إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني»، يعيب على الأمة الإسلامية أنها تعتبر القرآن الكريم نصاً سماوياً، ويصف هذا الاعتقاد بالتصورات الأسطورية التي يعيب عليها أنها ما زالت حية في ثقافتنا كما إنه ينكر عالمية القرآن في كتابه: «مفهوم النص»، ويصف هذا الاعتقاد لدى المسلمين بأنه ينطلق من مجموعة من الافتراضات المثالية الذهنية.

يواصل الدكتور إسماعيل استغرابه متسائلاً: ماذا يبقى للمسلم إزاء هذه الإنكارات المتتالية لما هو معلوم من الدين وما هو قطعي الثبوت والدلالة من الأحكام؛ هل نقف نتفرج عليه أم نلجأ للقضاء لتثبت ردته، وبالتالي إبعاده عن مناطق التأثير- خاصة الجامعة- في عقيدة الأمة؟

ضد الحجر على حرية الأستاذ الجامعي:

وكان لا بد أن أذهب للدكتور عبد الصبور شاهين الأستاذ بكلية دار العلوم وعضو لجنة الترقيات بالجامعة، والذي تتهمه الأوساط العلمانية بشدة بأنه السبب الرئيس في هذه القضية؛ بسبب تقريره الرافض لترقية نصر أبو زيد.. فأكد سيادته للمجتمع، أنه لا صلة له من قريب أو بعيد بالدعوى القضائية المرفوعة أمام القضاء، وأن دوره انتهى بالتقرير العلمي الذي رفعه للجنة الترقيات.. واستطرد أنا لست محكمة تحاكم فكراً ولست مفتشاً عن الخبايا في داخليات نصر أبو زيد كما يدعي العلمانيون، وإنما أنا أستاذ عرض عليه علم وقلت رأيي في هذا العلم ووافقت عليه اللجنة العلمية ثم الجامعة.. أضاف أن فكر نصر أبو زيد وأمثاله هو وسيلة إضلال وتخريب لعقول الطلاب وهو في الوقت نفسه وسيلة استفزاز لطلاب الجامعة لما فيه من هجوم وسخرية وتحدٍ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والأئمة وأحكام الشريعة، وهو بذلك يعد تربة خصبة لتربية الإرهاب وإثارة العنف في الجامعة، ونحن طلاب أمن واستقرار لبلدنا ولأنفسنا؛ ولذلك فمن الواجب كشف هذا الفكر وبيان زيفه وفساده، ولا يسمح له بالتغرير بعقول طلاب قليلي الخبرة بأساليب الزيف الفكري.

قلت له أليس ذلك نوعاً من محاربة الفكر والاعتداء والحجر عليه كما يروج العلمانيون؟ قال على الفور: عفواً أنا ضد أي حجر أو اعتداء على الفكر وضد أي قيود من أي نوع تُفرض على حرية الأستاذ الجامعي، فالجامعة يجب أن تظل ساحة لتبادل الرأي والرأي الآخر، ومن جهة أخرى فأساتذة الجامعة بخير والجامعة بصفة عامة بخير.

واستدرك محذراً أن الفكر واعتناقه شيء، وتدريسه وإكراه الطلاب على مذاكرته وإرهابهم بالامتحان فيه شيء آخر تماماً.. ثم من قال: إن هذا الذي يثيرون الضجة عليه يسمى فكراً؛ لأنه لا يزيد عن أنه نوع من العنف وتعلق السلطة والنفاق الذي يركب على ظهر البعض ليصل لإرضاء المعادين للإسلام بإسخاط الله.

وتبقى القضية مثارة حتى يوم السادس عشر من ديسمبر الموعد الذي حددته المحكمة لتبادل المذكرات، وبعدها سيتحدد ما إذا كانت المحكمة ستواصل النظر أم أن شيئاً آخر سيحدث، وحتى ذلك الحين يواصل العلمانيون مناصبتهم ضد الإسلام متسترين كعادتهم بشعاراتهم "حقوق الإنسان"، "حرية الفكر"، "إعلاء العقل"؛ وهي شعارات حق لا يراد من ورائها إلا الباطل.


واحة الشعــــــــــــــــــــــر

شعر محمود بن سعود الحليبي (الأحساء - السعودية)

الأمة تُهدهدْ مَسجِدِهَا الأسيرُ

نَم يا أسيرُ على مَواويلِ الوَجَعْ

 الثأرُ ماتَ وجفنُ قومكَ قدْ هَجَعْ

 ذهب الأُباَةُ الصَّامِدُوُنَ

 نَم يا أسيرُ، وفوقَ أرصفة الفَزَعْ

ومضى الذي لِسوىَ المهيمنِ ما ركعْ

عمرٌ مضى وصلاحُ راحَ ومَاَ رَجعْ!!

لَمْ يَبْقَ إلا السادرون

التائهون على الشواطئ كالبجَعْ

الميِّتُوُنَ الميِّتُونَ!!

الرَّاقِدُونَ مع الصَّبَايَا

 السَّاهِرونَ على الرُفَعْ!!
صَهْ يا أسيرُ فَمَا يزالُ القومُ حولكَ صَامِتِيِنَ

لا تسألنهُمُ جهاداً إنهم لا يقدرونْ

يَتَلاعَبُ الخَدرُ الرَّهِيبُ بِهم فلا يتحرَّكُونْ

إلا دمىً في كفَّ مَنْ يتهيبون

نَمْ لَنْ تَرَى فِيهِمْ رُؤوساً لَا تَلِينُ أو تستكينْ

نَمْ يَا حَبيبي لَنْ تَرىَ بِهمْ ظِلالَ الغابرينْ

أَمُكَبَّلٌ يَفْدِيكَ أمْ خُطَبُ الجُمَعْ؟!

أم مثقَلٌ بِهَواهُ تَحْرِقُهُ الهمومْ

 أَم لَيثُ قَصْرٍ نَامَ حتى لا يُخَدِّشَهُ السَّموم؟

 الظِّلُ ذللـه وأعماهُ الشَّبَع!

 أيفكُّ قيدك يا أسيرُ دَم خَؤُونٍ؟؟

باعَ الكرامةَ واضطجع

 ما عاد يُشْعِلُهُ الأنين

أيَفُكُ أسركَ أبْلَهٌ مُتَسولٌ مِنْ ثَدْيِّ أمريكا رَضَعْ؟

لعنتهُ أَلْسِنَةُ السِّنين

متهدِّلُ الشَّفتين يركض خلف أيديهم يُحاولُ أن يَقَعْ

ويمدُ كفَ الذُّلِ نَحْوَ الغاصِبِيِنَ ويأنَفُونْ

وعَلَى مُحَيَّاهُ الْمُجَدَّرِ مِنْ مَذلَّتِهِ بُقَعْ

خَسِئَتْ مساعي الصَّاغِرِينْ

حاشَاكَ يَا نُورَ العيونْ

أنْ تستردَّ سَنَاكَ كَفٌ أسكروها بالمُتَعْ

أن يستعيد حِمَاكَ ذئبٌ كَمْ تعوَّدَ أنْ يَخُوُنْ

نذلٌ يُعربدُ في طويَّتِهِ الجشعْ

نَمْ يا أسيرُ فما يزال القوم حولك نائمينْ

 نَمْ يا أسيرُ ودعْ قيودك للدموعِ وللحنينْ

فلربما صَدِئتْ كما صَدِئتْ سيوفُ المسلمينْ

ولربما نطقتْ كما نطقتْ قلوبُ الحائرينْ

 عُمْرٌ مَضَىَ وَصَلاَحُ راحَ وما رجعْ!!


المجتمع الثقافي (قصة قصيرة)

الحقيقــــــــــــــــــــة

بقلم: ياسمين الخثلان- السعودية

في رام الله؛ حيث ولد وترعرع الشيخ أحمد، ذلك الرجل الطيب الذي كان يملك وجهاً يفيض نوراً ووضاءة.. ها هي التجاعيد وقد هاجمت ذلك الوجه الطاهر الذي كان يشعر كل من يحدثه بالراحة والسعادة. وها هو اللون الأبيض وقد غلب على لحية الشيخ أحمد.. نعم.. إنها الأيام وقد رسمت على وجه الشيخ آثاراً تحكي قصة أرض عمرها أربعون عاماً.

قصة أرض أحبها الشيخ أحمد فأهداها أربعين عاماً من عمره أحبها وزرعها فكانت له الابنة البارة؛ حيث أعطته كل ما تعطي الأرض الطيبة. وقد تبرع بجزء منها لبناء مسجد لأبناء رام الله هكذا أحب الشيخ أحمد الأرض وعلَّم حبها لأولاده... علمهم أن يحبوا الأرض ويتمسكوا بها فهي تمثل ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم فلا يجوز أن يكونوا بلا ماضٍ أو بلا حاضر أو بلا مستقبل، هكذا علمهم، وهكذا صاروا مثل ما أراد لهم فكيف يعيشون بلا أصل.

كان سعيداً وهو يرى أبناءه يعشقون الأرض ويتمسكون بها، ولكن كان هناك أمر يقلق الشيخ أحمد ويزعجه إنه هو العجوز اليهودي الذي ما فتئ يكرر على سمعه أنه يريد شراء الأرض منه. كان الشيخ أحمد يقابل إلحاح هذا اليهودي بالرفض التام ويكرر عليه أنه لن يبيع شبراً واحداً من أرضه. ولكن شمعون لا يزال يصرُّ على شراء الأرض.

في وقت الأصيل كان الشيخ أحمد ينظر إلى أرضه- وقد ارتفعت فيها منارة المسجد عالياً- بسعادة غامرة لا يكاد قلبه الطاهر أن يتسع لها. جاء شمعون وقد علت وجهه ابتسامةٌ صفراء، وهو يُمَنِّي نفسه بالموافقة.

  • كيف حالك يا شيخ أحمد...
  • الحمد لله.
  • منذ فترة طويلة لم أرك.
  • كيف تقول إنك لم ترني وقد كنتَ عندي البارحة.
  • حتى تعرف مقدارَ حُبِّي لك يا شيخ أحمد... حقاً إنها أرض جميلة.
  • وستكون أجمل لو تحقق ما أصبو إليه.
  • ألف شيكل للمتر الواحد ماذا قلت يا شيخ أحمد؟
  • ولو بمال الأرض جميعاً يا شمعون.
  • يا شيخ أحمد زراعة الأرض في هذا الزمن لا تدر أرباحاً وفيرةً وأنتَ رجلٌ عجوزٌ وصحتك ليستْ على ما يرام.
  • وهل تعرف قيمة الأرض يا شمعون؟
  • نحن اليهود نعرف قيمة الأرض أكثر من أي شعب آخر وأما عن نفسي فأعرف قيمتها جيداً وأعرف كيف أستغلها وأجعلها تدر عليّ ذهباً.
  • وكيف تستغلها أيها اليهودي الماكر؟
  • كيف أستغلها!! أنت تعرف أن مدينة رام الله مدينة جميلة وأريد شراء أرضك لأزيل كل ما عليها، ثمَّ أبني فوقها قرية سياحية تضم الفنادق والملاهي والبارات والمراقص وحديقة حيوان كبيرة جداً.. وقفل الشيخ أحمد راجعاً تاركاً هذا اليهودي على أحلامه وتأملاته الواسعة.

بعد صلاة المغرب اجتمع الشيخ أحمد وأبناؤه يتكلمون في موضوعات شتى حتى إذا جاء ذكر شمعون اختفت الابتسامات وحل مكانها الاستياء والامتعاض من ذكر اسمه.

  • آوه يا أبي لا أطيق سيرة هذا المخلوق.. هكذا قال مجاهد فرد عليه أبوه جاءني اليوم وهو مصر على شراء الأرض بل قال: إنه يريد أن يجعلها قرية سياحية ويبني فوقها فنادق ويبني حديقة حيوان كبيرة. قال إبراهيم وقد بدت علامات الغضب على وجهه هل فقد عقله هذا اليهودي كيف يريد أن يحول أرضنا الخضراء إلى حديقة حيوان تضم آباءه وأجداده، كيف يسمح له عقله المريض أن يهدم بيتاً من بيوت الله؟ عندها جاء صوت عز الدين عالياً أبي سأقتله لو وطئت قدماه أرضنا مرة أخرى.

أُثْلِجَ صدرُ الشيخ أحمد بما سمعه من أبنائه الحمد لله- الحمد لله رددها الشيخ أحمد في نفسه بكل فرح وسعادة. كان هذا حال الشيخ أحمد وأبنائه أما عن شمعون فلا زال يفكر كيف يقنع الشيخ أن يبيع أرضه، وبعد تفكير طويل هداه عقله إلى أن يذهب إلى حسونة جار الشيخ أحمد عله يستطيع إقناعه. طرق شمعون الباب فجاء صوت حسونة من الداخل: من؟ صديق عزيز لوالدك، فتح حسونة الباب فقال شمعون؟

  • كيف حالك يا شيخ حسونة؟ إنها الدنيا ما فرقت إلا وجمعت مرة أخرى. لقد كنت صديقاً حميماً لوالدك وها هي الدنيا تجمعنا أنا وأنت مرة أخرى. وبعد أن دخل شمعون بيت حسونة وبعد أن لف ودار وأكثر من المقدمات والمدح وتذكيره بصداقته الحميمة مع والده، فاتح شمعون حسونة بالموضوع وأخبره أنه يريد شراء أرض جاره الشيخ أحمد فتظاهر حسونة بالاستياء من الطلب، ولكن شمعون عاجله بقوله: إنك أول من يستفيد عندما يبيعني الشيخ أحمد أرضه فسأحيطك برضائي، وستبقى أنت التاجر الكبير في رام الله أما إذا لم توافق على طلبي فلن تجد لك مكاناً في بلدة رام الله.

عندما سمع حسونة هذا الكلام نسي طيبة الشيخ أحمد ونسي حق الجيرة، بل ونسي المسجد الذي سيهدمه شمعون وتذكر شيئاً واحداً هو أنه سيحصل على رضاء شمعون وسيحافظ على مكانته في رام الله. وبعد هذه الخيانة الشنيعة والاتفاق الحقير ذهب حسونة إلى الشيخ أحمد... عندما رآه الشيخ أحمد علت وجهه ابتسامة كبيرة، وأخذ يعانقه ويسلم عليه بحرارة ويسأله عن حاله وحال أولاده وعن أرضهم ومحصولهم هذا الموسم كان حسونة مستعجلاً متشوقاً في أن يفاتح الشيخ أحمد بالموضوع فقد أعمى هذا اليهودي بصيرته، هب الشيخ أحمد من مكانه واقفاً أنت، أنت يا حسونة من يقول لي هذا الكلام أنت تطلب مني أن أبيع أرضي لهذا اليهودي وأنت تعرف ماذا سيعمل بها بعد ذلك؟ لقد قال لي أنه سيدفع للمتر الواحد ألف شيكل إنه مبلغ مغرٍ يا شيخ أحمد...

أه يا جاري تريد مني أن أبيع أرضي وأشرد أولادي هكذا.. تريد مني أن أبيع أرض الزيتون أبيع أرضاً يذكر فيها اسم الله لتتحول إلى أرض تضم القردة والخنازير والبارات، لقد صمَّتْ هذه المفاجأة القاسية آذان الشيخ أحمد فلم يكن يتوقع أبداً أن يكون هذا الطلب من جاره حسونة الذي نسي حق جاره ونسي أنهم إخوان يشتركان في دم واحد ودين واحد ولغة واحدة، لم يكن يتوقع أن يتعاون حسونة مع هذا اليهودي ضد أخيه أحمد.

أما عن شمعون فلم يكتفِ بحسونة، بل ذهب إلى الجار الآخر الذي يبعد قليلاً عن الشيخ أحمد. عندما سمع بركة بسيرة النقود وأن شمعون سيعطيه قدراً منها مناسباً إذا أقنع الشيخ أحمد، فقد صوابه فبركة معروف بولعه الشديد بالمال وأنه يبيع أي شيء في سبيل الحصول عليه، قال بركة: نعم.. نعم يا صديقي العزيز شمعون، فأنت أخي وصديقي، وأعزُّ عندي من هذه الدنيا وإنك تعرف ما أكنه لك من حب وتقدير لا تهتم سأعتبر أن الأرض أرضي وسأبذل قصارى جهدي، بل سأستميت حتى يوافق الشيخ أحمد..

سُرَّ شمعون كثيراً بموقف بركة وبصحة توقعه، كانت المصائب تتوالى على رأس الشيخ أحمد والضغوط تحاصره من كل جهة وصدمته في جيرانه الذين تكاتفوا مع هذا اليهودي، فهذا هو حسونة وقد قطع المياه عن أرض أحمد، وهذا هو بركة وقد استمات في إقناع الشيخ أحمد وغيرهم الكثير من الجيران الذين باعوا ضمائرهم وباعوا جارهم من أجل هذا اليهودي الخبيث من أجل أن يرضى عليهم.. من أجل المال باعوا الشيخ أحمد ولكن لا زال الشيخ أحمد صامداً في وجه التيار كان يستمد صموده من أبنائه الذين أقسموا بالله أنه لن يطأ شمعون أرضهم إلا على جثثهم ولن يتنازلوا ولو عن شبر واحد منها.

جاء في ذهن شمعون فكرة أن الشيخ أحمد الآن ضعيف؛ حيث تخلى معظم جيرانه عنه إنه ضعيف، ولكن صموده هذا وإصراره إنما هو صمود وإصرار أبنائه إنهم مثل الحائط الذي يستند عليه الشيخ أحمد؛ إذاً لماذا لا يهدم هذا الحائط حتى يقع الشيخ أحمد ويحصل على الأرض، وهكذا قرر شمعون أن يبعد إبراهيم ومجاهد وعز الدين عن أبيهم بأي طريقة وبأي ثمن ودبر المكائد وحفر الحفر وأبعد عن الشيخ أحمد أبناءه واحداً تلو الآخر. يا له من يهودي ماكر أبعدهم عن والدهم بعيداً عن أرضهم؛ لأنه كان يخاف منهم.. يعرف أنهم أبناء الأرض الحقيقيون، ويعرف أيضاً أن إبراهيم وعز الدين ومجاهد رفضوا حتى النقاش في مسألة بيع أرضهم.

وما قد أصبح الشيخ أحمد وحيداً ضعيفاً بعد إبعاد أبنائه وخيانة جيرانه.. كان يتخيل أنهم تجمعوا حوله بوجوه قبيحة وأيادٍ مشوهة لأنها لامست يد هذا اليهودي كان يتصور شمعون بينهم وقد استعد للانقضاض عليه ليختطف منه الأرض.. يؤسفني أني لم أتمكن من وضع نهاية لهذه القصة؛ لأن أحداثها لا تزال دائرة إلى اليوم وحال استكمالها سأعرض المشهد الأخير فيها.

 

الرابط المختصر :