; المجتمع الثقافي [العدد 1460] | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي [العدد 1460]

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1460

نشر في الصفحة 50

السبت 21-يوليو-2001

علاقة الأدب بالعقيدة

من المعلوم من الدين بالضرورة أن معيار القبول والرد في هذه الحياة هو «العقيدة» وما فيها من شريعة ونظام، لأنها الدستور والمنهج القويم الذي تقوم عليه الحياة ويسير عليه الناس في أقوالهم وأفعالهم، وفي حركاتهم وسكناتهم، فكلّ أمر -سواء كان قديمًا أم جديدًا، قولًا أو فعلًا- يُعْرضُ على العقيدة الإسلامية، فإن وافق منهجها قُبِلْ، ومن ثمّ يقبله البشر، وإنْ خالف منهجها فهو مردود، أيًا كان العملْ، أو لو صُدّرَ ممن ذاك قدرُهُ، والأدب -نثره وشعْرُهُ- جزءٌ من الحياة، نعرضه على الشريعة فإن وافقها كان أدبًا صحيحًا مقبولًا، تزخر الأرواح به، وتعشقُ الأنفسُ ثراء، وإنْ خالف «العقيدة» فهو أدبٌ مردودٌ مذمومٌ غير محمود، لا تلوكه الألسن، ولا تقبله الأفئدة. ولقد أقرّ النبي ﷺ بعض أبيات من الشعر وبعض القصائد، لما فيها من سمو المعنى ونبل الهدف فمن ذلك:

1- عن أبي هريرة  قال: قال النبي ﷺ: «أصدق كلمة قالها الشاعرُ كلمة لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ»، و«كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» (1). 

2- عن عمر بن الشريد عن أبيه قال: «أستنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته حتى أنشدته مائة قافية» (2). 

3- عن أُبي بن كعب  قال: قال رسول الله ﷺ: « إن من الشعر لحكمة» (3).

4- عن أبي هريرة  قال: يقول الرسول ﷺ: «إن أخًا لكم لا يقول: «الرفث» يعني بذلك ابن رواحة قال: 

فينا رسول الله يتلو كتابه

 

 

إذا أنشقُ معروفٌ من الفجر ساطعُ

 

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا 

 

 

به موقناتٌ أنّ ما قال واقعُ

 

يبيت يجافي جنبه عن فراشه

 

 

إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ (٤)

فهذه الأحاديث الكريمة دلالةٌ على قبول النبي ﷺ هذا النوع من الأدب لموافقته للشرع الحكيم. وعلى العكس، فلقد ذمّ الله  ورسوله ﷺ الشعراء، الذين ليس لهم هدف إسلامي صحيح:

1- قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾(الشعراء: 224 – 226).

 قال المفسرون في هذه الآية: «المراد بالشعراء شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين» (٥).

2- عن ابن عمر  قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلي شعرًا» (6)، ولقد بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن» فالأدب -شعره ونثره- إنْ صدّ عن ذكر الله بلفظه وبمعناه فهو أدبٌ مذموم في الشرع، والجدير بالذكر أنّ بعض الأدباء يقولون: «لا علاقة بين الأدب والعقيدة» ومن ثم ينادون «الفنّ للفن» وهم بهذا خالفوا نهج الرسول ﷺ، بل الأدب بصوره وأشكاله يجب أن يكون في إطار العقيدة الإسلامية فإن خرج عنها فليس بأدب.

الهوامش:

(1) رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (٦١٤٧).

(2) رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد.

(3) رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (٦١٤٥).

(4) رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (٦١٥١).

(٥) فتح الباري ج ۱۲ ص ۱۷۳.

(6) رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم (٦١٥٤).

لغويات سياسية

«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة»

رهب - هرب - هبر - بهر - بره – ربه. 

يقال: «هرب» الزعيم الإفريقي «فلان» من بلاده، بعد أن «هبر» «هبرًة» ضخمة من المال العام، تركت ميزانية الدولة في الحضيض. 

وربما كان الزعيم الهارب من أسيا، أو من أوروبا، أو من أستراليا، أو من أمريكا اللاتينية. أما أن يكون هذا الهارب عربيًا.. فلا. 

لماذا؟.. لأن تقليبات الجذر اللغوي «هـ ر ب»، واشتقاقاته كلها تأبى أن يكون عربيًا..

والأدلة على ذلك كثيرة منها: 

إنّ الذي «يهرب» بعد أن يسرق مال الأمة، إنما تدفعه إلى «الهرب» «الرهبة».

الرهبة من الشعب الذي سرقت أمواله فعضّه الجوع، أو «الرهبة» من القانون، أو الرهبة من قوة سياسية معارضة ذات شوكة، تقول له: «من أين لك هذا».. أو «الرهبة» من عذاب الضمير، ولا تستطيع هنا تحديد نوع الضمير، أو معرفة ما إذا كان بارزًا أو مستترًا، متصلًا أم منفصلًا.. فضمائر الذين يسرقون ما ائتمنوا عليه من مال الأمة، تختلف عن ضمائر اللصوص العاديين. لذا تصعب معرفة نوع الضمير لديهم، إذا كان لهم ضمير أصلًا. 

فإذا كانت «الرهبة» غير موجودة في صدر الزعيم، فما الذي يدفعه إلى «الهرب»؟! ولا سيما إذا كان هو قد «أرهب» شعبه كله، بما سخّر ضده من أجهزة رعب «رهيبة» سماها «أجهزة الأمن»!. 

وإذا كان زيّف إرادة الناس في بلاده، وساقهم كالقطعان إلى صناديق انتخاب مضحكة مبكية، ليحصل على نتيجة مذهلة «تبهر» السامعين والمشاهدين والأجيال القادمة، التي يصنع لها الفجر الباهر، والأموات الذين انتخبوا الزعيم ونواب حزبه، وهم رفات في القبور!.

أفلا يحقّ للعالم كله -قديمه وحديثه- أن «ينبهر» بما يراه من براعة الزعيم اللصّ، الذي يحصل من شعبه على تسع تسعات متوالية في صناديق الاقتراع المحترمة؟!. أفلا يجب على شعبه أن ينام «مبهورًا» من حنكة حاكمة الفذّ، لا سيما إذا نظر في كتب اللغة. وعرف بعضًا من معاني مادة «بهر»، واكتشف من اشتقاقاتها العجب العجاب، من مثل:

البُهر: انقطاع النفس مع الإعياء.

والبَهْر: الإضاءة.. كالبُهور.

والبَهر أيضًا: الغلبة، «ومعناها في السياسة واضح». 

والبُعد: «وله معان عدة، منها البعد عن الله، البعد عن مروءات الرجال وأخلاقهم، البعد عن التهمة، إذ لا يجرؤ أحد من المبهورين أن يشير بإصبع الاتهام إلى السيد المؤتمن..».

والحُب: «حبّ الجماهير لقائدها الفذ، حبّ الزعيم لنفسه، وكرسيّه، وسوّطه الذي يُلهب به ظهور عبيده -وأبناءُ شعبه عبيد كلهم لسيادته-».

والكرْب: «ومعناه معروف لكل من عاش يومًا واحدًا في ظل الزعيم الملهَم».

والقذف: «ومعناه هنا: اتهام الزعيم الخارق، بنوع من أنواع الفجور التي يمارسها جهارًا نهارًا، سرًا وعلانية، وبالطبع عقوبة القاذف هنا، هي أن يُقذَف به وراء الشمس، حرصًا على نقاء سمعة الفاجر المقذوف».

والبهتان: «ومعناه هنا: أن يُقال مثلًا: إن السيّد اللص المؤتمَن حصل على ثماني تسعات في الانتخاب، لا على تسع تسعات.. وهذا معناه الحقيقي أو الضمني، أن السيّد المؤتَمَن كاذب مزور للانتخابات!.. وأي بهتان أشنع من هذا؟!..»

والتكليف فوق الطاقة: «ومعناه هنا أن يسلّم الناسُ أرواحَهم وأموالَهم وبلادَهم وأعراضَهم للص محترف، ثم يطالبوه بعد ذلك بالأمانة، أو العفّة، أو النزاهة أو الشرف».

والعجب: «وما نحسب عاقلًا في الدنيا، يرى من بعيد أو قريب، ما يمارسه السيد المطاع المؤتَمَن.. دون أن تمتلئ نفسه عجبًا لا من اللص نفسه، فالسرقة طبع لديه، بل من الناس أصحاب البيت، الذين يصفقون لمن يغتصب بيتهم، وينهب أموالهم، ويجلد ظهورهم، وهو في كل ذلك يمارس أفعالًا مشروعة، من شكك بشرعيتها فهو مجرم يستحق الموت، يقول عنه الحاكم وزبانيته، بَهْرا له: أي تعسًا».

وبَهَرَ القمرُ: أي غلبَ ضوؤه ضوءَ الكواكب «وبالطبع كلّ لصّ مؤتَمَن باهرٌ في بلده». 

وبَهَر فلان: بَرَع «وأبرع مخلوق في الدنيا هو السيد المذكورة شمائله آنفًا».

والأبهر: الظهر، وعرق فيه، ووريد العنق «وكلها من معاني السيد المطاع المؤتَمَن: فهو ظهر لشعبه.. أي سند قوي له.. وهو عرق في هذا الظهر، ووريد في عنق الشعب، لو جُرح وسال منه الدم لماتت الأمة بأسرها.. لأن دمه دمها، وروحه روحها..».

عبد الله عيسى السلامة المادة

واحة الشِعر:

دنيا الطفولة

شِعر: خالد البيطار

عائشة لما تبلغ الثالثة من عمرها ومع ذلك فهي:

 

كثيرةُ القفز والتّصخاب واللعبِ

 

 

 ولا تحسّ بإعياء ولا تعبِ

 

تمضي وتُسرَع لا تخشى الوقوع ولا 

 

 

 تخالفُ من زلْة تُودي إلى العَطَبِ

 

تمشي على أربع حينًا لتُضْحِكنا 

 

 

 مثل الخروفِ وأحيانًا على الرّكَبِ 

 

وقد تطاولُ أختيها لنُبصرها

 

 

 كبيرًة وهي في ثوب من الزّغبِ

 

وكم تحملقُ عينيها لتُفزعنا 

 

 

 فنستعدُ ونمشي بغية الهَرَبِ

 

وكم «تَنُطّ» على رجل بلا حَرَج 

 

 

 وقد تميدُ عليها دونما طَرَبِ

 

كم ذا تقلّد عند السير جَدّتَها 

 

 

 تخطو وتبطئُ بعد العَدْوِ والخَبَبِ

 

وتنحني ويداها خلفها ولها

 

 

 صوتُ يحنُ كمن يرقى على صَبَبِ (1)

 

ذكيّة إن رأتني ضاحكًا ضحكت 

 

 

 وإن رأتني غَضُوبًا هَدّأتْ غضبي

 

إذا تشاغلتُ عنها «عَفْرتَتَ»، مرحًا

 

 

 وإنْ نظرتُ بدتْ في غاية الأدبِ 

 

كلامُها من حروفٍ عدُة وإذا 

 

 

 ما خاطبتْ أحدًا جاءته بالعجبِ 

 

تُحوّلُ الحرفَ، تأتي بالبديع كما

 

 

 يحلُو لها وهي في حلّ من العتبِ

 

تنحتُ اللفظَ لا تخشى الخليلَ ولا 

 

 

 يُهمُها أن تُجاري لهجةِ العربِ

 

تُكرّر اللفظ مرّات لنفهمه 

 

 

 هيَهات نَفْهمُ ما تبغيهِ مِنْ طلبِ

 

تلغو بكل حديثٍ وهي لاهيةٌ

 

 

 بلثغةٍ حُلوةٍ مجهولةِ النّسَبِ

 

ألعابها: طفلةُ في المهد نائمةُ 

 

 

 قد أسدَلتْ فوقها ثوبًا من القصبِ

 

وابنٌ رضيعٌ يَمُصّ الثديَ في نهم 

 

 

 وكَنغرٌ وحصانُ طائرُ الذّنَبِ

 

وحَيّةُ تتلوّى حين تُمسكُها 

 

 

 وأرنبٌ فوق كرسيّ مِنَ الخشبِ

 

وبُلْبُل وقطارٌ صوته خَشِنٌ 

 

 

 وقطّةٌ وخروفٌ وافرُ اللببِ

 

وجعبةٌ حَشَرتْ فيها بضاعتها 

 

 

 بعض الوريْقات والعيدانِ والعُلبِ

 

تحنو عليهم وترعاهم وتحفظهم 

 

 

 من كَفّ عابثةِ أو سَطْو مغتصبِ

 

تلهو بهم وتناجيهم وتُضحِكُهم 

 

 

 وقد تُؤنَبُهم حينًا على الكذبِ

 

تُحسّ بالبردِ عنهم كلّما بَرَدَتْ 

 

 

 وبالنُعاس إذا قرّتْ وبالسُغَبِ (۲)

 

وقد تُرَدّدُ بالصوت الخفيض لهم 

 

 

 لحنًا لكيلا يناموا نومَ مكتئبِ

 

دنيا الطفولة ما أحلى مرابَعَها 

 

 

 في عالم مُظْلم الآفاق مُضْطربِ

 

فيها عوالمُ مِنْ أُنْس ومِنْ مرحِ 

 

 

 فيها البّراءة تَبْدو دونما حُجُبِ

 

دنيا الطّفولة تزهو كلّما مُنِحْتّ 

 

 

 مِنَ المحبة والتهذيبِ في دَأبِ

 

دنيا الطّفولة تحلو كلّما أمنتْ 

 

 

 مِنَ العقوبة والتّقْريع والرّهبِ

 

دنيا الطفولة بالآمال واعدةٌ

 

 

 إذا تعاهدْتها بالنُصحِ والحَدَبِ

 

دنيا الطفولة أفراحٌ مُرَفْرِفَة

 

 

 يكادُ يجهلُها في البيتِ كلّ أبِ

 

إنْ أتعبتك الليالي في تقلّبها 

 

 

 وَضِقْتَ نَفْسًا بما تَلْقاه مِنْ نُوبِ

 

ورُحتَ تطلُب دنيا لا خداع بها 

 

 

 بريئة من دواهي المكر والرّيبِ 

 

فلن ترى غير دنيا الطفلِ خالصةُ 

 

 

 مِنْ كلّ سُوءِ فلم تُفسدْ ولم تَحُبِ (3)

 

الهوامش:

(1) الصبب: ما انحدر من الأرض. 

(2) السغب: الجوع.

(3) لم تَحُبِ: لم تأثم.

الأديبة الجزائرية «لطيفة عثماني»:

الطفل المسلم «مشروع المستقبل» لنهضة أمتنا الإسلامية

حاورها في القاهرة: محمود خليل

● طفولتنا مصدومة، وفي مسيس الحاجة لمن يستنقذها من عالمها المكلوم وغدها الضائع.

● ظهرت مؤخرًا بعض الاقلام النسائية الملتزمة إسلاميًا في هذا الميدان الخطير.. فإلى أي حد يمكننا تصور مسيرة الأديبة المسلمة في عالم أدب الأطفال؟

● أدب الطفل لا بد أن يتشكل من الجمال والمتانة والإبداع واللغة والتشويق والمعالجات الذكية بين التلميح والتصريح.

● شبهات وأباطيل جورجي زيدان حول تاريخنا الإسلامي دفعتني للكتابة الإسلامية للأطفال وقصص الكونتيسة «دي سغار» الفرنسية ولّدت لديّ ولاء خاصًا لأبناء ديني وعقيدتي.

أديبة الأطفال الجزائرية المسلمة «لطيفة عثماني».. ولدت عام ١٩٦٢ بقسنطينة العريقة، ونشأت في أحضان الثقافة الفرنسية القديمة والحديثة، تكتب القصة والسيناريو والحوار المتلفز بمهارة واقتدار.. لها ما يزيد على «الثلاثين» قصة للأطفال، إلى جانب عملين تلفازيين متميزين..

المجتمع أجرت معها الحوار التالي: 

● تتعدد مستويات الرؤية للأديبة الإسلامية التي تكتب للأطفال، فمن هي تلك الأديبة من منظورك الخاص؟

• هي تلك الكاتبة الموهوبة، التي تفجرت كتابتها للأطفال انطلاقًا من فكرة تسخير الأدب للدين، عبر وعي رفيع، وملكة فنية راقية، وإحساس عميق بطبيعة المعركة التي تخوض غمارها، وتسخر لها طاقاتها الإبداعية. 

● الأدب الطفولي في تراثنا العربي والإسلامي أدب مظلوم.. ظل مجهولًا حينًا، وهامشيًا حينًا آخر.. ثم تناوله البعض كصنعة سهلة، أو إجترار تاريخي بارد.. ماذا ننتظر من الأديبة المسلمة في هذا المجال الحيوي؟

• فعلًا عاش أدب الأطفال نتاجًا هامشيًا، أو حشوًا إبداعيًا حتى منتصف القرن التاسع عشر.. ولم يشهد خطوته الواسعة إلا على يد أمير الشعراء أحمد شوقي.. لكن الفترة ما بين الطهطاوي إلى شوقي، عبارة عن نصوص شعرية، وقليل من المختارات النثرية المدرسية.. في إطار أخلاقي عام.

أما الجيل الثاني من مبدعي أدب الأطفال من جيل كامل كيلاني وسعيد العريان والسحار وعطية الإبراشي، فهو تيار تربوي عام لا يخلو من تأثيرات غربية، تنقل إلى الطفل ألوانًا من حياة الأسرة الغربية وتراثها الأسطوري، سيما أدب «كامل كيلاني»، أما العريان والإبراشي والسحّار، فقد كان قصصهم دينيًا تقليديًا، أو اقتباسًا تاريخيًا.. لكنه يعتبر تأصيلًا جيدًا للاتجاه الإسلامي الذي بدأ يتنامى بعد ذلك.

أما الجيل الثالث من مبدعي أدب الأطفال، وهو الجيل المعاصر... فله نشاط بارز، ونتاج غزير، سيما عبد التواب يوسف وأحمد نجيب ويوسف العظم.

لكن الملاحظ أن الأدب الإسلامي للأطفال في العصر الحديث، نشاط «رجالي» خالص، وأن أسماء الأديبات قد غابت عنه تمامًا.. لذلك فإن الأديبة الإسلامية -وهي صلب قضية الطفولة- عليها أن تجند طاقاتها جميعًا، وأن تسخرها عن وعي وإدراك في خدمة هذا الجيل الإسلامي المحاصر.. وأن تجعل من هذا الطفل «مشروع مستقبل».. بل إن الأديبة الإسلامية، قد تكون أقدر من الأديب في خوض غمار هذا العمل لطبيعتها الأنثوية التي تتميز بصفات ينجذب الطفل إليها فهي رمز الأمومة بمعناها الواسع الذي يشمل الحنان والعطاء والرقة والبذل والأمان والرحمة.. 

الأم مدرسة إذا أعددتها               أعددت شعبًا طيب الأعراقِ

• الحقيقة أنه ظهرت بعض الأقلام النسائية الملتزمة التي شقت بعناء، طريقها وسط ركام الزيف الثقافي، وسموم الغزو الفكري، الذي يئن تحته العقل المسلم خائفًا يترقب.

ظهرت الأديبة الليبية «مباركة بنت البراء» ولها مجموعتان قصصيتان للأطفال، ونازك الطنطاوي ولديها إسهامات جيدة في القصة الدينية، إنجي بش أوغول، وهي كاتبة تركية ملتزمة، وناجية ثامر الكاتبة التونسية، وغيرهن الكثيرات ولكني أعود فأقول إنهن محاصرات إعلاميًا ونقديًا.

طفولة مصدومة:

● في عالم يعاني فيه أكثر من ٢٥٠ مليون طفل من العمل بأجور متدنية في مهن مهينة، ويئن مثل هذا العدد تحت وطأة الحروب والدمار والضياع، إلى جانب أطفال آخرين يتم بيعهم كعبيد بمقابل يتراوح ما بين ١٤ إلى ٢٨ دولارًا للطفل.. كيف يمكن لأدب الأطفال، والأدب الإسلامي على نحو خاص أن يتسلل إلى هذه الطفولة المصدومة؟

• ذلك يستوجب استنفار كل الطاقات، ومنها الإبداعية، لمحاولة إزالة آثار هذه الانعكاسات خشية أن تستفحل بنفوس أطفالنا، وتتأصل.. فنتحصّل على جيل مريض نفسيًا لا عطاء له، ولا قيمة لوجوده، ولا مردودية له في المستقبل.. بل قد يشكل في معظم الحالات خطرًا على المجتمع الذي يوجد فيه، إذا لم يسعفه المربون والإخصائيون في وقت مبكر. 

هذه الطفولة المكلومة -والجزائر خير شاهد- بحاجة إلى تعاون الجميع -وعلى رأسهم المبدعين والأدباء- درءًا لخطر رهيب يتهدد مستقبل البلاد والعباد.

● قلتم إن الجزائر خير شاهد لهذا الواقع الطفولي الملبّد.. كيف تنظرون إلى إسهاماتكم ومشاركتكم؟

• لقد أسهمت كمبدعة في رفع هذه الأنقاض النفسية والاجتماعية التي تجثم فوق صدور الأطفال، فلا يتولد لديهم سوى الرغبة في الانتقام من المجتمع الذي لم يَحْمِ آباءهم، ولم يرحم طفولتهم.

وبمشاركة الأطباء النفسيين، استفدت كأديبة مبدعة في مجال الطفولة من نصائح طبيبة نفسية تتعامل مع الأطفال، لعلاج ظاهرة الانتقام.. فأبدعت قصة «ابن القبيلة» التي جاءت لترسخ فكرة أساسية وهي أن الخير هو الطابع الأصلي في الإنسان، وأن التنكر له هو الخروج على الطبيعة والتنكر لمعنى الإنسانية، ومن ثمّ حث الطفل على الحفاظ على أصله الطيب والحرص على منبعه الخِيّر، ولو تعرض لأبشع المظالم، حتى لا يدخل في دوّامتي الشر والفساد، المؤديتين إلى الخراب والفناء.

بين التلميح والتصريح :

● بعيدًا عن أساليب الوعظ والإرشاد، أو التربية المباشرة.. يقع كثير من الأدباء، في وهدة إبداعية بين «التصريح» بالأمور الدينية الذي قد يفقد الإبداع نشوته وجماله أحيانًا، وبين «التلميح» الذي يضيّع على الإبداع هدفه ومغزاه.. ما موقفكم؟

• لعله من الضرورة في هذا السياق، أن أضرب مثلًا لأديبة فرنسية مسيحية من الطبقة الأرستقراطية في نهاية القرن الماضي، اتخذت من أدب الأطفال وسيلة لتمرّر من خلالها رسالتها العقائدية.

هي الأديبة «الكونتيسة دي سغار La Contesse De Segur التي ألفت ما يقرب من العشرين قصة للأطفال، تحث كلها على الفضيلة والأخلاق السامية وروح التسامح والتضحية، حتى يتسنى للطفل الفرنسي أن يحقق مسيحيته على أحسن وجه، فيرضي ربه. والملاحظ على طريقة المعالجة الرفيعة أدبيًا لهذه الكاتبة الشهيرة أنها تقتنص بل تفتعل، الأحداث التي تخدم فكرتها -وهذا في كل قصصها- والأديبة المسلمة مطالبة بعمل مماثل في مجتمعها، لأنها أحق من غيرها بهذا الترسيخ والتوجيه من منطلق إيماني ينأى بإبداعها عن «التلميح» الخافت الذي يكاد يتلاشى معه المضمون الإيماني الأصيل، وبين «التصريح» اللبق الذكي عن أمور الدين، بعيدًا عن التقرير والتلقين الذي يهبط بأدب الأطفال إلى الأفق المدرسي الضيق، ويفوت عليهم فرص التمتع برحابة الإبداع وطلاقة الأدب الجميل.

● رحلتكم الإبداعية بدأت مبكرة، وفاعلة.. وتميزت بالنشاط والمثابرة.. ما خلاصتها؟

• نشأت في وسط «مفرنس» بحكم التعليم الذي تلقاه والذي أثناء فترة الاستعمار الذي عمل على محو وإذابة الشخصية العربية الإسلامية من بلاد المغرب العربي، ولا سيما الجزائر.. وكانت كل سنوات تعليمي باللغة الفرنسية في الابتدائي والمتوسط والثانوي.. ثم التحقت بالجامعة للحصول على بكالوريوس اللغة العربية وآدابها.. وقد بدأت رحلتي الإبداعية وأنا طالبة بالمرحلة الثانوية، حيث كتبت عددًا من القصص باللغة الفرنسية، في محاولات لتشكيل أديبة ناشئة.

ثم كتبت في المرحلة الثانوية نفسها.. أول قصة لي باللغة العربية، حول اللغة العربية وما اعتراها من غبن في وطنها وبين أبنائها، وفي سنوات الجامعة الأولى كتبت مسرحية «رجل العقيدة» عن حياة الإمام المجاهد «عبد الحميد ابن باديس» (۱۸۸۹م- ١٩٤٠م)، وحصلت بها على الجائزة الثانية في المسابقة الأدبية لجامعة قسنطينة. ثم استمرت وتنامت رحلة الإبداع على طريق الأدب الإسلامي للأطفال.

أحقاد جورجي زيدان:

● نحن من المتابعين لرحلتكم الإبداعية ونعلم أن شبهات وأباطيل «جورجي زیدان» كانت وراء توثبكم وانطلاقكم لعالم الأدب الإسلامي... ما القصة؟

• بدأت ثقافتي تتشكل في عوالم الأدب الفرنسي، القديم والحديث وقرأت كثيرًا في هذا المجال، ثم جاءت قصص الكاتب النصراني «جورجي زيدان»، وكانت من أوائل قراءاتي للرواية والقصة العربية، في سلسلته الشهيرة، «قصص تاريخية للفتيان والفتيات» التي كانت السبب المباشر في ميلي للكتابة للأطفال.. بما سببته لي من بلبلة في الفكر في سنوات الصبا والمراهقة، حينما عكفت على قراءة قصصه التاريخي بكل ما يحويه من دسائس على الإسلام والصحابة الكرام رضوان الله عليهم وأبنائهم ونسائهم وأمهات المؤمنين والخلفاء أجمعين. 

وأذكر أنني احتججت مرة، وبشدة، لدى أحد الأساتذة بالجامعة قائلة: «لقد بلبل هذا الرجل عقلي بكتاباته»، فلماذا تطبع هذه القصص المشبوهة، ولماذا توزع في ديار الإسلام وكان رد الأستاذ الجليل: نحن لا نستطيع مصادرة هذه الكتب الأسباب كثيرة.. ولكن إذا أردت.. تستطيعين الكتابة أنت الأخرى والتصدي لها.. وكان أول الرد أن أنجزت بحثًا ضمن مادة «النثر الحديث» حول رواية «عذراء قريش» التي تناولت عصر الخلفاء الراشدين، ودس فيها الكاتب شبهات كثيرة، وملأها بالتجريح للصحابة الكرام  في قالب تمويهي مخادع من فن القصة الموجهة للفتية والفتيات.. وكنت أحس أن ذلك وحده لا يكفي.. فرحت أتجهز بطريقة، أستطيع أن أخدم بها أبناء ديني، عن طريق هذا الفن الجميل..

وكانت البداية عام ۱۹۸۸٨م بقصة «فارسي المدلل» تلتها في العام التالي قصة «الأشقياء الثلاثة»، ثم تزاحمت الأفكار وتوالت القصص والشخوص والمواقف... فظهرت لي «زعبوط المتهور» و«ناكرة الجميل» و«أمين والمزمار العجيب» و«الورقة الصغيرة» و«السحابة الرحيمة» و«سارق الحروف» و«محسن والخادمة الشريرة»، و«النخلة الخجول» و«الصّدفة الكتوم».. وهلمّ جرّا.

 

● لديك حفاوة خاصة بأعمال السيناريو وأفلام الكرتون، والإنتاج الموجه للإخراج المرئي والمسموع.. إلى أي مدى يمثل هذا الرافد الإبداعي ضرورة في أدب الأطفال؟

• ستظل جهود الأدباء الإسلاميين ضئيلة المفعول، ما لم يصاحب إنتاجهم المقروء إنتاج آخر موجه للإخراج التلفازي.. على اعتبار أن التلفزة تشكل في عصرنا الحالي الوسيلة الأولى وبلا منازع في التأثير على الأطفال، وفي بلورة عقولهم وسلوكهم..

ولعل أفلام الكرتون المستوردة بما تبثه من سموم وأخطار.. تُوجب علينا أن نجاهد في تقديم البديل الإسلامي النقي الأصيل.. وقد توجت أعمالي الأدبية للأطفال ببعض الأعمال التلفازية المهمة مثل «باديس أمير الكواكب» الذي عرضه التلفاز الجزائري في السنوات القليلة الماضية، ونال نجاحًا كبيرًا في أوساط الأطفال على الرغم من أنني لست راضية عن إخراجه حتى الآن.

وهناك مجلة للأطفال سميتها مجلة عارف للأطفال.. وجعلت من أركانها «مغامرات عارف» وأنجزت منها 5 حلقات. 

الرابط المختصر :