; لغويات سياسية :بين كَفَرَ.. ونَاَفَق | مجلة المجتمع

العنوان لغويات سياسية :بين كَفَرَ.. ونَاَفَق

الكاتب عبد الله عيسى السلامة

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1502

نشر في الصفحة 52

السبت 01-يونيو-2002

«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».

إعداد: مبارك عبد الله

- فكر: الفِكر بالكسر، ويفتح - أي الفَكر-: إعمال النظر في الشيء كالفكرة، والفكرى. جمعها أفكار.

فَكَر فيه، وأفكر، وفكر، وتفكر وهو فكير، وفيكر: كثير الفكر.

و: مالي فيه فكْر، «أو فكر»: أي حاجة.

- فرك: فَرَك الثوب والسُنبل: دَلَكَه فانفرك، والفرك: البُغضة عامة، وفَاَركهُ: تاركه- والفرك: استرخاء أصل الأذن.

- فرتك: فرتكه: قطعه مثل الذر. وفَرتَك عمله: أفسده

- فرنَك: فرنك: مشي مشية متقاربة.

- كفر: الكفر: ضد الإيمان. وجحود النعمة. 

- كرف: كل ما شممته، فقد كَرَفْتُه. واكْرفت البيضةُ: أفسدت.

- ركف: ارتكف الثلج، فوقع فثبت في الأرض 

- رفك: مهمل

يقال: كفر فلان بعقيدة أهله وقومه: خرج عليها، واستبدل بها عقيدة أخرى، أو خرج إلى «لا عقيدة» البتة فإن فعل ذلك، قاطعه قومه، وهجروه وربما قتلوه.

فإذا كان هذا الكافر، المفارق لدين قومه، زعيمًا «رئيسًا أو حاكمًا» صارت المسألة أكثر تعقيدًا فلا شعبه قادر على طرده، لأنه يملك المال والسلطان وقوة الجيش والسلاح.. ولا هو «أي الزعيم» قادر على طرد شعبه من البلاد لأنه عاجز عن طرد الشعب كله أولًا. ولأنه يحتاج إلى شعب يمارس عليه زعامته ثانيًا، ولأنه يحتاج إلى من يخدمه.. ثالثًا. 

وينشأ الصراع ويحل «الفرك» المذموم، بين الحاكم وشعبه، محل المودة والمحبة والتراحم.. وتسفر «المفاركة» عن نوع من «المعاركة».

ويبدأ «الفكر» لدى الزعيم يعمل عمله كيف يتصرف إزاء هذا الواقع «المُربِك»: لا هو مؤمن حقًا بعقيدة شعبه، ولا شعبه يقبله زعيمًا عليه، وهو کافر. فماذا يفعل؟ هل يزعم كما زعم أحد أسلافه من قبل، حين انهم العقيدة التي التف حولها قومه واعتنقوها بأنها «سحر» يفرق بين الابن وأبيه، وبين المرأة وزوجها: فنزلت فيه آيات كأنها الصواعق: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (المدثر:18-19)؟!

 لا.. إنها لعبة سمجة، وحيلة مكشوفة، ولو مارسها، لانقلب سحرها عليه، لأن الشعب بجملته ملتف حول هذه العقيدة، أباء وأبناء وأزواجًا وأقارب.. وهو مع زمرة من مرتزقته، خارجون عليها..

وهنا يهديه تفكيره، إلى حيلة أخرى أثبتت نجاعة على مدار التاريخ، وما تزال. فإذا كانت حيلة أسلافه «عبدة الأوثان» أخفقت، فإن حيلة أسلافه «عبدة العجل» لم تخفق إخفاقًا تامًا، بل حققت لأصحابها نوعًا من النجاح الساذج في التخلص

الظاهر، من بعض المآزق، أو المواقف المحرجة، ولم يُعاقبوا، ولم يُقتلوا. وحتى من جر السيف إلى رقبته جرًا، بحماقته ولؤمه الغبي المكشوف.. حتى هذا عف السيف عن دمه، وناله عفو صانع القرار، وتُرك لربه يفعل به ما يشاء.. فلم لا يُجرب الزعيم المعاصر حيلة أسلاف هؤلاء «عبدة العجل»!؟ ولم لا يبحث في «المعجم» عن مادة أخرى غير مادة «كفر»؟...

 وهكذا كان.. إنها مادة «نفق»..

ولم لا؟ «منافق» يملك رقاب العباد، ويتصرف بخيرات البلاد، خير - في نظره- من «مؤمن» لا يملك شيئًا، ولا يتصرف بشيء.

وهكذا كان.. صار «النفاق» غذاءه وماءه. وهواءه ودواءه، ووطاءه، وغطاءه، وأرضه وسماءه..

 ولم يكتف بذلك بل صار يقرب أعوانه على هذا الأساس وصار أكبر مؤهل لأي فرد من بطانته، هو مقدار ما لديه من النفاق. وكلما كان المرء أشد «نفاقًا»، كانت بضاعتهُ أسرع «نفاقًا» أي رواجًا.

 ولما كان النفاق أخبث سلوك عرفه البشر في تعاملهم فيما بينهم كان لا بد لأبناء هذه «الصنعة» من إتقانها وبالتالي، لا بد من معرفة مصادرها، ومواردها، ومعانيها ومبانيها، وأصولها في مظانها اللغوية.. أما مظانها النفسية والاجتماعية، فأهل الصنعة يعرفونها جيدًا. ويعرفون أي النفوس تصلح ميادين لتفاقهم، وأي المجتمعات تصلح أسواقًا لرواج بضاعتهم..

لذا، لا بد هنا، من ذكر المرتكزات اللغوية الأساسية - المباني والمعاني- التي يستند إليها أصحاب هذه البضاعة في تصنيعها، وترويجها، وأحيانًا في زرعها واستنباتها وجني ثمارها.

- نفق: نفق البيع نفاقًا: راج.

ونفق الرجل والدابة نفوقًا: ماتا. 

و: نقق، ونفق: نفد وفني أو: قل. 

و: نفاق: فعل المنافق. و: جمع نفقة. 

و: نفقت نفاقهم: فنيت نفقاتهم. 

و: رجل منفاق كثير النفقة.

 و: النفق: سرب في الأرض، له مخلص إلى مكان؟ وانتفق: دَخَلَه.

و: النفقة: ما تُنفقه من الدراهم ونحوها.

 و: النافقاء والنفقة - كهمزة-: إحدى جحرة اليربوع، يكتمها ويُظهر غيرها، فإذا أتي من جهة القاصعاء، ضرب النافقاء برأسه فانتفق.

و: نَفَقَ يَنْفُقُ، ونَفِقَ ينفقُ، وانتفق: خرج من نافقائه.

و: نيفق السراويل: الموضع المتسع منه.

و: أنفق افتقر. وأنفق ماله: انقده كاستنفقه..

 و: نفق السلعة تنفيقًا: روجها كأنفقها. 

و: نافق في الدين: ستر كفره، وأظهر إيمانه. 

و: نافق اليربوع: أخذ في نافقائه، كانتفق.

 ويدلنا استعراض «نفق» ومشتقاتها، على «عبقرية» الزعيم، الذي هرب من «كفر» الصريحة الواضحة إلى «نفق»، الغائمة الملتبسة، وبالطبع يهمه أن يعلم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (النساء: ١٤٥) فهذا من شأن الآخرة التي يؤمن بها أصلًا.

والنفاق يمنحه فرصًا ذهبية، بإقناع نفسه بأنه ذكي ألمعي حاذق.. يصلي في المناسبات أمام الناس، لتصوره عدسات التلفزة، ليُشهد له أبناء شعبه «الطيب» بأنه مؤمن تقي.

فإذا رسخ بين شعبه مقامه، وانتشرت في البلاد تماثيله وأصنامه.. عاد بين الفينة والفينة إلى «كفر» وتقليباتها ... فأرسل ضواريه في كل فج وزاوية «تكرف» له معارضيه، الذين لديهم القدرة على الموازنة بين أقواله وأفعاله بين مظهره ومخبره... لتلتقطهم هذه الضواري، وتفرتكهم شر «فَرَتَكة» حتى لا «يُفرتكوا» عليه تدبيره، فإذا اطمأن إلى استئصال كل «فكر» يمكن أن يشكل خطرًا عليه «فرنك» في قصره، وتبختر، وبدأ ينثر الوعود على رؤوس العباد «ليرتكف» بعضها فوق بعض وتسقط على الأرض الجرداء، تنتظر شعاعًا من أشعة الشمس، يذيبها كالثلج، لتنساب بعدئذ في أودية سحيقة، ثم لا يعود يذكرها أحد...

 ومن غرائب عبقرية الزعيم، أنه توصل إلى أن النفاق - وهو أخبث أنواع الكفر - لا يكشفه إلا قلة من الناس وهو قادر على سحقها.. كما أن النفاق لا يُعاقب عليه أحد - حتى لو كشف- ولا يجرؤ أحد على المطالبة بتطبيق عقوبة المرتد على المنافق، لأن المنافقين جميعًا، يحفظون عن ظهر قلب الحديث النبوي الوارد في سياق معين، وفي قضية محددة «هلا شققت عن قلبه»؟! أما أفعال «الكفر» الصريحة الواضحة، فإذا أشار إليها أحد «المشككين» فسرعان ما تلفت «الضواري» نظرة إلى الأفعال الأخرى «أي: العبادات التلفزيونية وتخوفه من نار جهنم، لأن يسئ الظن بورع تقي طاهر! كما تشد سمعه إلى أقوال الزعيم المشحون بعبارات الإيمان والتقوى، قائلة له: اسمع أيها «المخرب» حداء الإيمان، وترانيم الحق والخير والهدى والجمال.. واضبط لسانك، إذا كنت حريصًا على ألا تفقده.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

152

الثلاثاء 31-مارس-1970

مقامة

نشر في العدد 34

101

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 242

100

الثلاثاء 25-مارس-1975

المزيّفون