العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1573)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2003
مشاهدات 87
نشر في العدد 1573
نشر في الصفحة 50
السبت 18-أكتوبر-2003
أدب النوايا الطيبة
شادي الأيوبي: عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، شهدت السنوات الخمسة عشرة الماضية بروزًا ملحوظًا في كل الأصعدة لأصحاب الاتجاه الملتزم، وهذا الظهور يأتي نتيجة طبيعية مرافقة لتعاظم التيار الملتزم، وانتشاره في مجالات الحياة المختلفة، وسعى أصحابه إلى التعبير عن أفكارهم ومبادئهم في أدبيات مختلفة تراوحت بين المقروء والمسموع والمكتوب انتهاء الى الإنترنت والفضائيات والأدبيات عند الاتجاه الملتزم معنى خاص ودقيق، فقد كانت لسنوات طويلة وسيلة التعبير شبه الوحيدة لهم، وكانت كذلك الأداة الوحيدة لعرض رؤيتهم وفلسفتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية، بينما تمتعت التيارات الأخرى بحيز كبير من الدعاية، وسلطت عليها الأضواء، وأتيحت لها الفرصة لامتلاك المنابر الإعلامية المختلفة، جعل مبادئها معروفة للكثيرين وكانت تجربتها الإعلامية صارخة في عرض المبادئ وموغلة في الإقدام بموازاة تجربتها السياسية المدعومة والمركزة.
ولا يعني هذا الكلام أن الصوت الملتزم كان خافتًا تمامًا في الفترات السابقة، فقد عرفت الساحة الملتزمة أدباء عظامًا استطاعوا ردم الهوة التقنية التي كانت بينهم وبين التيارات الأخرى بمواهبهم الفذة، واستلهامهم لعذب المعاني من روح هذا الدين ومن نصوص القرآن والسنة والتراث، وكان نتاجهم الأدبي والفني متميزًا ذا صدى قوي رغم قلته وخفوت الدعاية له، فما زالت روائع سيد قطب وإقبال وبهاء الدين الأميري والطنطاوي وغيرهم من المبدعين، ما زالت تردد إلى اليوم بكامل بهائها وروعتها، وتتلقفها الفرق الفنية المختلفة كنماذج قيمة للفن والجمال والحكمة.
السنوات الأخيرة شهدت انفراجات مهمة بالنسبة للصوت الملتزم، وأتيحت له منابر مهمة كانت محظورة عليه سابقًا، خصوصًا في مجال الإعلام الإلكتروني والفضائيات، ورافق هذا انهزام مادي ومعنوي كبير لأصحاب التيارات المناهضة التي فقدت الكثير من بريقها، وانصرف عنها العديد من مروجيها، فضلًا عن المنساقين وراءها، رغم استمرار تفوقها المادي عمليًا، لكن الأجواء العالمية، وانهزام المعسكر الاشتراكي ثمان انهياره، والصلف الأمريكي الواضح إضافة إلى ثبات التيار الإسلامي على مبادئه ورفضه المساومة عليها، كل هذه العوامل جعلت من الصوت الملتزم الصوت المحبب إلى الجماهير والمعبر عن إرادتها المتزايدة لتحدي الأنظمة والقيم المفروضة عليها من وراء المحيطات، وقد أتاحت هذه الانفراجة للكثير من المبدعين الشباب التعبير عن أنفسهم بسهولة ويسر، واختصرت المسافة الزمنية بين ظهور المبدع واشتهاره، وظهرت على الساحة الإسلامية محاولات إبداعية كثيرة في مجالات عديدة، لكن معظمها كان بحاجة إلى الترشيد والتوجيه من قبل أساتذة هذا الفن وأربابه، فقد جاءت الوفرة على حساب النوعية والتميز، وأدت محاولات تغطية الرغبات المتزايدة في الفن الملتزم إلى دخول أقلام غير مؤهلة لكتابة الأدب المبدع أصلًا، فضلًا عن أن تكتب الأدب المبدع الملتزم، ويمكن للقارئ بنظرة سريعة على المحاولات الأدبية في السنوات الأخيرة أن يلاحظ هبوط مستوى الأدب المبدع عمومًا، وهذا وإن كان يشمل الأدب غير الملتزم، فإنه لا يعفي أصحابه الالتزام من المساءلة والمطالبة بتحسين الأداء عملًا بالتوجيه الشريف إن الله يحب إذا عمله أحدكم عملًا أن يتقنه، ولكونهم يمتلكون ذخرا معنويًا وماديًا هائلًا يتيح لهم فرصة التحسين والارتقاء، وإنك لترى الكثير من علامات التهرب من الالتزام الفني في المحاولات الإبداعية الناشئة حتى تلك التي تنتمي للنوادي الإبداعية المحسوبة على التيار الملتزم، وذلك في نواح عديدة منها:
التهرب من القصيدة العمودية رغم كل ما يقال عن الشعر الحر وشعر التفعيلة وغيرها من الأنواع الفنية المبتكرة، فلا تزال القصيدة العمودية تمتلك من الأناقة والبلاغة والجمال ما لا يمكن أن تعبر عنه سائر الأنواع، ولا يزال التعبير بها مجال اختبار دقيق لفحولة الشعراء وإبداعهم، إضافة إلى كون القصيدة العمودية قد مدت لأعوام طويلة ومرشحة للمزيد من الصمود والتألق للفترات القادمة، الأمر الذي لا يبدو أن الأنواع الأدبية الأخرى تمتلكه، لذلك كان من المهم التأكيد على الالتزام بالتفعيلة وتحسين الأداء بها بدل الجري وراء الأساليب المبتدعة غير الثابتة.
نورس
عبد الله بن علي الريمي.
أراك تتأمل كثيرًا في الصور بين يديك ابتسمت، نعم هذه صور لطيور النورس لقد لفت نظري هذا الشيء، ولفت نظري أيضًا أنك تحب هذا الطائر ربما وربما لا يكون حبًا بقدر ما هو إعجاب بصفات وتأمل لحياة كيف أحب التأمل كثيرًا، ولربما أثار المنظر البسيط في نفسي أمورًا لا يتخيلها أحد، أن نقاط الذوق والتميز والإيحاءات الفاتنة والهمسات المعبرة، وربما أجد من الدروس الكثير في شيء أراه ويراه غيري كل يوم، ولكنه يقع في نفسي فيؤلمني أو يسعدني ويبهرني فأحلق في سماء وصفه، لونه الأبيض يوحى بالصفاء، فالأصل فيه النقاء مهما اتسخ، وهو سرعان ما يعود للمعانه، وهذا يعطي شعورًا بالعودة إلى الطريق مهما ابتعدنا.
قوامه الرائع وما فيه من أنفة ظاهرة، وجمال ملحوظ، يعطي تكاملًا مع اللون الأبيض والشكل الانسيابي، تحليقه المتميز فهو يحلق بأكثر من طريقة وفي كل طريقة منها ميزة، التحليق السلس يعطي شعورًا بتحكمه في الجو، وسيطرته على الفضاء، التحليق عكس الريح وهذا يعطي شعورًا بالتحدي، الغربة، البعد عن العالم حوله، العزيمة للوصول إلى الأهداف وتحقيقها، والنظر البعيد، والعمل دون ملل أرأيت؟ كأنه يطير وهو ينظر إلى شيء أمامه، فيقاوم الرياح، ويطير ببطء، ولكن يقطع المسافات من أجل تحقيق هدفه، ولو نظرت إلى موضع بصره لرأيت الفضاء فتشعر أنه يرى ما لا نراه، ويخطط لأهداف بعيدة، ويعمل بهمة من أجل تحقيقها الانقضاض، وتشعر من خلال المتابعة له بالقوة والسيطرة والدقة، القوة في الهجوم، والدقة في توجيه نفسه وضرباته، والسيطرة على خصمه من جهة، وعلى نفسه، وإمكاناته ومواهبه من جهة أخرى، وحدة في خلطة، فعلى الرغم من أنه يعيش ضمن مجموعة وسرب، إلا أنه كثيرًا ما يبتعد ويحلق وحده، فهو مع سربه ينفع بقدر ما يستطيع، ولكنه إذا عاد لذاته طوى نفسه على نفسه، فكأن صدره كله جراح، وفكره كله ألمه مسكنه، وحياته على الشاطئ تشعر أنه كل شيء يشهد على ذوق هذا الطائر ورقته وحياته الهادئة.
ركاكة التعبير وسذاجة الأسلوب
وهذا يعود بشكل عام إلى ضحالة الثقافة الأدبية وعدم الاهتمام بالرقي بالمستوى الأدبي والفكري لدي المبدعين.
طرق الغريب والموحش والمتروك من الأبواب الفنية، وترك المعروف والمألوف منها، فإنك ترى اليوم الكثير من المبدعين خصوصًا في مجال الشعر يلجؤون إلى التعبيرات الغامضة والمعاني المبهمة، متناسين أن جمال الأدب يكمن في بساطته المعبرة وسهولة فهمه لدى أكبر عدد من الأفهام، كما ترى لجوء عدد منهم إلى ابتداع لبحور شعرية غريبة بزعم التجديد والابتكار، لكنك لم تستطيع أن تميز بسهولة أن هذه الهرطقات الفنية الجديدة خالية من أي إبداع، وليس فيها أي جرس موسيقي يجعلها ذات صلة ولو بعيدة بالأوزان الشعرية المبدعة، وهذه المحاولات ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد جرى اختراع أوزان شعرية مختلفة مثل تلك التي نظمت عليها بعض الموشحات الأندلسية، لكنها لم تعرف الشهرة ولم تعش لتنافس أو تجاري الأوزان المعروفة، إن من واجب الجمعيات والنوادي التي تصنف نفسها اليوم ضمن جمعيات الأدب الملتزم أن تسعى بكل جد للارتقاء بمستوى مبدعيها ووضع أطر ومبادئ عامة توضح أسس الإبداع الفني ومقوماته، لتوفر على المنتسبين إليها الطريق نحو الإبداع الراقي بدلًا من أن تكون التجارب والأخطاء الشخصية والانتقادات اللاذعة هي السبيل الوحيد لذلك الرقي، وبدون هذه التوجيهات سيبقى الإبداع الأدبي الملتزم رهين تصورات وتعبيرات وأفكار عفا عليها الزمان، ولم تعد اليوم تجاري الفكر المتلقي للإبداع، وقد يكون من المرير اليوم أن نقول بصراحة إن انتشار الكثير من الإنتاجات الأدبية الملتزمة لم يكن بسبب نوعيتها وتميزها الفني والتعبيري، بل جاء بسبب كونها تندرج تحت مسميات معينة تجد لها راغبين ومشجعين بغض النظر عن مستواها ومقدار الإبداع فيها، هذه الإنتاجات وإن كنا نسميها تجوز بالإبداعات كثيرًا ما تكون بعيدة تمامًا عن الإبداع، ويصدق عليها ما يطلقه بعض الفضلاء والصرحاء بأدب النوايا الطيبة، أي الأدب الذي يصدر عن نوايا سليمة وطيبة، ولكنه يفتقر إلى مقومات الإبداع، وإنك ليضيق صدرك وتحار نفسك في سبب عدم الارتقاء بهذا الفن، مع كونه صادرًا عمن هم أجدر الناس بالارتقاء، وكأنما كتب على كل ما تنتجه الأيدي والعقول الملتزمة بهذا الدين أن يكون بسيطًا، يثير لديك مشاعر العطف والشفقة، وأن يكون تقبله نابعًا من توجهه الفكري دون أن يسعف التركيب الفني في الأمر شيئًا، نعم إن علينا اليوم أن نقف وقفة مصارحة، وأن نختار ما بين طريقين لا جامع بينهما إما أدب الإبداع والفكر والتحدي، وإما أدب النوايا الطبية.
وصية إلى ولدي
شعر نجم حسن رضوان
أبني إنِّي ناصح فلتصغين لما أقول *** واحفظ بني وصيتي واستشعرن لها القبول
فلعل فيها ما يعين على النوائب أن تزول *** ولعل فيها بلسم الأدواء ما تغدو عليل
ولعل فيها ما يقوي عزمك الغض النحيل *** ابني إيلام الحياة لزامه صبر جميل
لا تبتئس إن ضاق رزق أو تأخر في الوصول *** كن موقنًا أن الذي رفع السماء هو المعيل
أبني إن عم الفساد بساحنًا نهرًا طويل *** فأصلح وكن ذاك المغير ما لذلك من سبيل
ولترشدن إذا ادلهم الخطب يعصف بالعقول *** والحق بركب الصالحين ولا تبطئ في الوصول
ابني إن هتف الأنام لكل معتقد دخيل *** فاهتف لهدي المصطفى لا تقبلن به بديل
واحذر سبيل الظالمين فإنه بئس السبيل *** ابني منهاج السعادة في القناعة بالقليل
إما سألت سل الكريم أو استعنت فبالجليل *** وتزودن من التقى كن مستعدًا للرحيل
وازهد بما عند الأنام فإنه دين ثقيل *** وتوكلن على المهيمن إنه نعم الوكيل
هل يجتمع الإسلام والفن؟
د. يوسف القرضاوي: قيود يجب أن تحكم فن الغناء وليصبح غير متعارض مع العقيدة
المفكر الإسلامي محمد قطب كيف يكون هناك فن ملتزم في مجتمع غير إسلامي؟
الفنانة منى عبد الغنى: لا يوجد مجتمع مسلم خال من وسائل الفن، ولكن المهم كيف تستغل هذه الوسائل في البناء لا الهدم؟
الكاتبة صافيناز كاظم: وسائل الإنتاج الفني استغلها أعداء الإسلام لتدمير الهوية، ولكن ما زال هناك بصيص أمل.
منى سيف الإسلام
: خدمة مركز الإعلام العربي القاهرة.
هل الإسلام خصم للفن عمومًا؟ لماذا يربط البعض بين الإسلام وتحريم الفنون؟ وماذا عن حفاوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالشعر وتشجيعه على توظيفه في خدمة الدين حتى قرب إليه حسان بن ثابت -رضي الله عنه- وقال له: «اهجهم وروح القدس معك، وأنصت إلى شعر عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- ووصفه بأنه أشد وقعًا على الكفار من وقع السيوف؟ هل للإسلام تصور معين للفن الهادف؟ وهل يضع شروطًا للإبداع الذي لا يتعارض مع العقيدة؟
حول الرؤية الإسلامية للفن تتحدث السطور القادمة
بداية يعترف الأستاذ محمد قطب المفكر الإسلامي -في مؤلفه منهج الفن الإسلامي- بصعوبة نقل الصورة الإسلامية عن الفنون؛ وذلك لعدم وجود نماذج للفن الإسلامي يستطيع الناس قراءتها أو مشاهدتها، ويتبين من خلالها ملامح هذا الفن وخصائصه التي تجعله إنسانيًا بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد، وفي ذات الوقت متفردًا بين جميع الفنون، النموذج الوحيد المضمون هو النموذج القرآني، أما النماذج البشرية فهي -لقلتها- تنم عن عدم وجود هذا الاتجاه، ولقلتها أيضا لم تأخذ مكانها المفروض في ساحة الفنون، بالإضافة إلى أن مدلول الفن الإسلامي غير واضح في نفوس الناس، فبعضهم يستنكر أن يكون للدين علاقة بالفن، البعض الآخر يستنكر أن تتدخل قيود الدين في حرية الفن، فالدين في نظرهم مجموعة من القيود والزواجر تقيد مجرى الحياة، بينما الفن انطلاقة توسع مجرى الحياة، وتنقله من المحدود إلى اللامحدود.
مفهوم قاصر:
وهناك رأي ثالث يرى أنه لا يمكن أن تكون هناك صلة للدين بالفن، إلا إذا تحول الفن إلى مجموعة من الحكم والمواعظ تخرج الفن من مجاله إلى مجموعة من الدروس الثقيلة المملة التي لا ترتاح لها النفوس، وحقيقة أن هذا التصور للدين والفن تصور قاصر وخاطئ، يقيم عداوة بينهما، وينشئ بينهما انفصالًا لا وجود له في الحقيقة، الفن تعبير الإنسان عن انعكاسات الحياة من حوله على حسه وفكره وشعوره في صورة تعبيرية جميلة، والفنان هو المرء ذو الحساسية الخاصة التي يلتقط بها الانعكاسات من حوله حتى الرقيق منها الذي قد تغفله النفوس العادية، فتمثل نفسه بتلك الانعكاسات، وتختلط بكيانه ثم تخرج صورة فريدة، ويقصد بالصورة المضمون، ولا يغيب عنا أن لكل فنان طابعه الخاص، ومذاقه المتميز النابع من الزاوية التي رصد منها.
فالفن الذي لا يرى من الحياة إلا الأحداث القريبة أضيق من الفن الذي يرى الأحداث البعيدة، ويربط بين القريب والبعيد، ثم يستخرج تفسيرًا واضحًا لسير الأحداث، ويجعل لها أبعادًا متميزة واضحة، وكذلك الفن الذي ينفعل بقصة فردية ويصورها في حدودها الضيقة أضيق من الذي يستطيع أن يقدم نموذجًا بشريًا عامًا لا يحده الزمان أو المكان. الذي ينفعل بعنصر واحد من عناصر الحياة، سواء كان اقتصادًا، أو سياسة، أو اجتماعًا، ويقدم تصوره من خلال عنصر واحد أضيق من الذي يلمس كل العناصر، ويلمح التفاعل بينها وانعكاساته على حياة الناس.
والذي يهتم بالإنسان فقط أضيق من الذي يتعاطف مع الأحياء كلها حيوان، وطير، ونبات، ويرى الرباط الذي يربط بينها جميعًا.
والذي ينحصر في المخلوقات وحدها أيًا كان عمق تصوره ورؤيته دون أن ينفعل إلى الخالق، ويربط بين الخلق والخالق، ويوضح ما بينهما من صلات، إن الذي لا يلم بكل هذه الجوانب يعطينا صورة غير كاملة، بل ومشوهة عن الحياة، وإذا أدركنا كل هذه الجوانب أدركنا الصلة العميقة بين الإسلام؛ والفن لأن التصور الإسلامي أشمل تصور عرفته الإنسانية.
هذه هي الرؤية الإسلامية والتصورات الإسلامي للفن من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فما تزال الفجوة عميقة بين التصوران الإسلامي والإنتاج الفني الإسلامي، والسبب أن حياتنا المعاصرة أقيمت على أصول غير إسلامية، بل أصول معادية للروح الإسلامية والفن تعبير عن الحياة، فإذا كان واقع الحياة غير إسلامي، فمن أين يأتي التعبير الإسلامي؟ وكيف يكون هناك فن إسلامي في مجتمع لا يحكمه الإسلام؟ وإذا كانت القاعدة التي يقف عليها الفنان غير إسلامية، والزاوية غير إسلامية فمن أين يأتي الطابع الإسلامي للإنتاج الفني؟
أما إذا كان هناك فنان، تنفعل نفسه بالإسلام، ويعيش الإسلام بكل أفكاره، ومشاعره، وسلوكه، ويتمنى أن يكون الواقع إسلاميًا، فهذا الذي يمكن أن يصدر عنه إنتاج فن إسلامي متميز.
الطريق الصعب:
وتؤكد الكاتبة صافيناز كاظم أن طريق الإنتاج الفني الإسلامي أحجم عنه الكثيرون واحتل وسائل الإنتاج من لا يحملون الرؤية الإسلامية، واستغل أعداء الإسلام هذه الوسائل كأسلحة لتدمير الهوية الإسلامية وثقافة الأمة، وكان السيناريو الثقافي من زمن وحتى الآن هو تركيز الضوء الإعلامي عن عمد على أسماء بعينها، وخطفت، واغتيلت، وأخفيت مواهب فنية وثقافية، واتفق على حذفها من دائرة الترديد الإعلامي، لكن يشاء الله أن يعطي الإسلاميين بصيص من فرص ينتزعونها بأظافرهم، ويقطعون الفكر والجهاد حتى يتاح للكلمة والرؤية الإسلامية أن تنبثق، وأن تتحرر قدرة الإنتاج من معوقات وابتزاز أعدائها، وتصبح القدرة الثقافية الإسلامية لها وسيلة إعلامها التي تنتج الفن الدرامي بكل وسائله والكلمة بكل حقولها وأشكالها.
الغناء بين الحل والحرمة:
أما عن الرؤية الشرعية للفن وخاصة الغناء من باب الحلال والحرام فيعرضها لنا الدكتور يوسف القرضاوي، فيرى أن الإسلام دين واقعي لا يطلق في أجواء الخيال والمثالية، ولم يفرض على الناس أن يكون كل كلامهم ذكرًا، وصمتهم فكرًا، وكل سماعهم قرآنًا، وكل فراغهم في المسجد، بل اعترف بفطرتهم وغرائزهم، فهناك ألوان كثيرة من اللهو، ومنها الغناء، وهو أداة عاتية من أدوات الإثارة، والهدم وإلهاء الأمة عن غايتها الجليلة، وقضاياها الكبيرة، وقدر ارتبط الغناء تاريخيًا وواقعيًا بالترف، ومجالس الشرب، وأصبح جزءًا أساسيًا من حياة المتحللين من العفاف، واتسم بالميوعة، والخلاعة والبعد عن أحكام الدين، لذلك غلب على الحس الديني النفور منه، ووقف علماء المسلمين في مختلف الأزمنة والأمكنة منه مواقف مختلفة ما بين محرم وكاره، ومبيح، فهناك أنواع اتفقوا على تحريمها، وهي ما اشتملت على معصية أو دعت إليها، وهناك أنواع اتفقوا على إباحتها وهي الغناء الفطري الذي يترنم به الإنسان مع نفسه، أو المرأة لزوجها، وغناء النساء في الأعراس مع بعضهم البعض.
وهناك أنواع أخرى كانت محل اجتهاد ونظر، الدكتور القرضاوي يرى ألا حرج في الغناء في حد ذاته، وهو داخل في جملة الطيبات التي أباحها الإسلام، أما الإثم فهو فيما يشتمل عليه، ويقترن به من أشياء تنقله من الحل إلى الحرمة، فالغناء يستحب في المناسبات السارة ترويحًا للنفوس كالأعياد والأعراس والوليمة، والعقيقة.
ويرى الدكتور القرضاوي أن هناك قيودًا لا بد أن تراعيها في أمر الغناء:
1- الموضوع، فلا بد أن يكون مما لا يخالف آداب الإسلام وتعاليمه، فالأغنية التي تصف الجسم مثلًا، أو تمجد الخمر، أو تدعو إلى شربها فأداؤها حرام، والاستماع إليها حرام، وكل ما شابه ذلك.
2-وحتى لو كان موضوع الأغنية غير مناف لتوجيه الإسلام، فإن طريقة المغني يمكن أنه تنقله من الحل إلى الحرمة، كأن يكون هناك تكسر أو تميع، أو تعمد إثارة، أو إغراء بالفتن والشهوات.
3- الدين يحارب الإسراف في كل شيء حتى العبادة، فما بالنا بالإسراف في اللهو وشغل الوقت، والوقت هو الحياة، ولا شك أن الإسراف في المباحات يأكل وقت الواجبات، وقد قبل «ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع».
4- تبقى أشياء يكون كل مستمع فيها مفتي نفسه، فإذا كان الغناء يثير غريزته أو لون خاص منه يغريه بالفتنة، ويطغي فيها الجانب الحيواني على الجانب الروحي فعليه تجنبه.
ليس مجرد غطاء:
ومن الذين يحملون الرؤية الإسلامية للفن الفنانة منى عبد الغني التي تقول: أسعى من خلال أعمالي أن أقدم الرؤية الإسلامية لكثير منه القضايا الاجتماعية والإنسانية، وأقوم الآن بعمل برنامج منى وأخواتها، أناقش فيه كل مشكلات البنات المراهقات الخادمات، اضطهاد المحجبات، وغيرها الكثير، وترفض منى أن يكون التزام الفنانة، أو تدينها مجرد غطاء تضعه على رأسها، بل هو التزام بقضايا أمتها، والتزام بتقديم الحلول الصحيحة، والعرض الواضح لكل الجوانب الإنسانية من غير إسفاف، وأن ترى الموضوع بشكل عام، وليس الدور الخاص بها، وترى أن الجانب الإعلامي في الإسلام أو الفني يحتاج إلى أن يوضع على مائدة البحث والدراسة، وأن يتم تناوله بشكل أكثر جدية واحترام، فلا يمكن أن نحلم بمجتمع مسلم خال من التليفزيون والسينما، والمسرح، والإذاعة والأغاني، بل على العكس كيف تكون هذه الوسائل أدوات في بناء المجتمع المسلم، وحل كثير من مشكلاته، بل كيف تكون وسائل تربية ووعي، وحفاظ على الدين يجب أن يدرك الناس أن الإسلام ليس جامدًا، فالأصل في الأشياء الإباحة -كما يقول العلماء- والأعمال بالنيات، كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ما دام العمل يناقش قضايا تهم المجتمع، ولا يتنافى مع دينه وأخلاقه، ولا يتعارض مع الثوابت العامة، ويبعد عن كل مظاهر الحرام من وصف وميوعة وابتذال وتبرج، فهو في صالح الإسلام وليس ضده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل