; المجتمع الثقافي (1645) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1645)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2005

مشاهدات 64

نشر في العدد 1645

نشر في الصفحة 48

السبت 02-أبريل-2005

شوقي ضيف الذي عرفته
د. جابر قميحة
Komeha@menanet.net

غادرنا إلى الله أستاذنا، وأستاذ الجيل شوقي ضيف «١٩١٠-٢٠٠٥».. أعظم حراس العربية في العصر الحديث، ولو قلنا: إن العمر يقاس بحيوية الضمير، والغيرة على الحق، والعمل النبيل، لما أسرفنا إذا قلنا: لقد عاش ألف عام.
لقد عاش حارسًا للعربية، حريصًا على الذود عنها، حارسًا لا ينام، لأن العدوان عليها في نظره عدوان فاحش على ديننا وقيمنا وعلى هويتنا وأصالتنا، وكم تألمنا معه وعصرتنا المرارة، ونحن نرى في العام الماضي واحدًا من الفقاقيع الأدعياء، تسانده «جوقة» من المنافقين النفعيين، رأيناه يشرع للغة العربية معدلًا مشوهًا مجرحًا، و«الجوقة» وراءه تردد معه هتافه الجاهلي الدميم الذميم بسقوط سيبويه، وسقوط من لقبوهم «بالحرس القديم»، وكان هؤلاء الأدعياء هم المعنيون بقول الشاعر:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها        كلاها، وحتى سامها كل مفلس
 

العطاء العظيم
عاش أستاذنا يعتز بالتراث الأدبي العربي اعتزازه بالأهل والأبناء والذات، وما أجمل وأكثر ما تعلمناه من موسوعته الفائقة في عصور الأدب العربي، الجاهلي والإسلامي والعباسي وصولًا إلى العصر الحديث، وإليها وجهنا أبناءنا وطلابنا، فنهلوا منها، وعلوا، وكم هو غني ما نهلوه، وعلوه.
أما ملكته النقدية، فكانت قوية وضاءة ثرية، لأنها لم تتعبد لمدرسة معينة أو مذهب نقدي مما فتن به النقاد، وسقطوا في شباكه أسارى، وقد تمثلت هذه الملكة في حاسة مرهفة جدًا، تعتمد على التعمق والاستقراء الشامل لإبداع الأديب، قبل أن يخلص إلى حكم نقدي، ولو كان جزئيًا، فهو منهج نرى فيه الموضوعية الفاحصة المتعمقة تتلاحم بالذائقة الذاتية المرهفة، بعيدًا عن الغلو والإسراف، وقد تأتي أحكامه النقدية متفقة إلى حد ما، أو إلى حد كبير مع الموجود النقدي في الساحة الأدبية، وقد تأتي مختلفة أو مناقضة لهذا الموجود، وما قصد في كل أولئك إلى مسايرة، أو مخالفة، ولكنه التجرد الخالص في الخلوص إلى الحكم النقدي، وإن شئت فقل هي الاستقلالية، فكرًا، ووجدانًا، وهي نخاع الموضوعية العادلة.
 

أخلاقيات شامخة
لقد عايشت الدكتور شوقي -رحمه الله- قرابة أربع سنين من بداية السبعينيات من القرن الماضي، أي منذ خمسة وثلاثين عامًا مضت، كان هو أستاذًا بقسم اللغة العربية بجامعة الكويت، وكنت أنا منتدبًا -من خارج الهيئة- لتدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية للطلاب الأجانب بهذه الجامعة.
عرفت الرجل معرفة حقيقية عن كثب، رأيته مثالًا صادقًا للعالم الزاهد في الأضواء والشهرة والضجيج الدعائي، كان يمنح عطاءه في هدوء واتزان وحكمة.
وكان دمث الخلق، عف اللسان، حتى مع الذين أساءوا إليه حسدًا وحقدًا، أذكر أنني قرأت كتابًا كبيرًا في النقد الأدبي للدكتور (م.ن) -غفر الله له- وفي الكتاب هجوم سوقي شرس على الدكتور شوقي، وكنت أعتقد أنه لم يقرأ هذا الكتاب.
وفي حياء وتردد أخبرته أن هناك كتابًا ألفه فلان، وقبل أن أكمل حديثي رأيت ابتسامة عريضة تغمر وجهه، وهو يقول: آه لقد شتمني بشدة في هذا الكتاب، ولكنه يضم فصولًا طيبة، قلت: أتمنى أن ترد عليه أو اسمح لي أن أرد أنا عليه، فأنا واحد من تلاميذك.. فاتسعت ابتسامته، وهو يقول: يا سيدي لا أنا ولا أنت، وسترى من هذا الكثير والكثير، ومثل هذه الشتائم لا يقتلها إلا إغفالها، وإهمالها.
 

أنا.. وشيخ أثينا
وأذكر في هذا السياق كذلك أنه هو والدكتورة سهير القلماوي -رحمهما الله- كانا عضوين في اللجنة التي ناقشتني في الأطروحة التي تقدمت بها للحصول على درجة الماجستير، وموضوعها: «الشعر القصصي عند خليل مطران»، وكان مما قاله في مناقشتي: لقد أغفلت قصة شعرية مهمة المطران هي «شيخ أثينا»، فوجدتني بحماسة وحدة ونبرة عالية أقول: لا يا دكتور.. إنها ليست قصة شعرية، ولكنها صورة قصصية، ابتسم الرجل العظيم، وقال بنفس الهدوء والاتزان: خلاص أنت حر هذا رأيي، ولك رأيك.
وكان قرار لجنة الحكم مشرفًا، ولكني لم أنم ليلتها لأنني شعرت بأنني أسأت الأدب بمقاطعته من ناحية، ورفع صوتي من ناحية أخرى، وقصدته في الصباح فمد يده إلي، وقال بابتسامته العريضة -قبل أن أنطق كلمة واحدة- مبروك كنت عظيمًا بالأمس، قلت: إنما جئت لأعتذر عما بدر مني من إساءة لسيادتكم، ضحك بصوت مسموع، وقال: تعتذر؟! ليس هناك ما يدعو للاعتذار، إن هذه طبيعة المناقشات.
 

اسمع يا شوقي
وموقف ثالث يدل كذلك على سماحته وتعففه وأدبه الجم، وخلاصته أنه كان عضوًا في لجنة مناقشة أطروحة دكتوراه في جامعة القاهرة، وأثناء المناقشة كان العضو الثاني -وهو قريب منه في السن- يقاطعه بمثل العبارات الآتية:
«لا يا شوقي.. مش معقول يا شوقي..»، وهكذا أمام الطلاب دون أن يخاطبه بلقبه العلمي دكتور مثلما كان أستاذنا الدكتور شوقي يحدثه، مع أن هذا الأستاذ لم يحصل على الدكتوراه، بل كان أستاذًا بالأقدمية، كل ذلك والابتسامة لا تفارق وجه أستاذنا العظيم، وبقدر ما حاز من حب وتقدير منا جميعًا، سقط صاحبنا الأستاذ المنفوش من عيوننا وقلوبنا.. رحم الله أستاذنا الحارس العظيم، ونفع الأجيال بعلمه وأدبه وخلقه العظيم.
 

إصدار جديد
كتاب «الانتخابات شهادة وأمانة»
 

صدر كتاب «الانتخابات شهادة وأمانة»، للباحث خالد أحمد الشنتوت، في «۱۲۰» صفحة من الحجم المتوسط، يضم مقدمة وخمسة فصول: 
1-    ركزت المقدمة على حتمية العودة إلى الإسلام، وذكر الباحث النصوص الصحيحة الصريحة التي تبشر بعودة المسلمين إلى إسلامهم، ليكونوا خير امة أخرجت للناس ويغلبوا اليهود، ويفتحوا روما.
2-    أما الفصل الأول فعن الإسلام والسياسة، وقد أكد الباحث شمولية الإسلام والسياسة جزء من هذه الشمولية، وأكد ضرورة التربية السياسية لقيام المجتمع المسلم، كما أكد أن تطبيق الشريعة الإسلامية قضية عقائدية، وقد أجمعت الأمة على كفر من يأبى التحاكم إلى الشريعة ويتحاكم إلى القوانين الوضعية.
3-    يعرض الباحث في الفصل الثالث الانتخابات كما هي في الشورى والديموقراطية: وفصل الباحث في نقاط التشابه بينهما، كما فصل في الانتخاب في الشورى، وعرض فقه الواقع، كما ينادي به العلماء المعاصرون، وعرض الانتخاب على مراحل كي تتحقق فيه الشهادة والأمانة، وكي يكون الناخب عالمًا بمن يشهد له فتكون شهادته صحيحة.
4-    أما الفصل الثالث فقد عنونه الباحث بـ «الانتخابات أمانة»، وذكر النصوص الصريحة والقطعية الثبوت التي تؤكد أن الانتخاب أمانة يسأل عنها الناخب، ويجب عليه ألا يضيع هذه الأمانة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨).. فالانتخاب تولية للمناصب يتولاه الناخبون، وقد أمروا أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وجاء الفصل الرابع بعنوان الانتخاب شهادة، أما عنوان الفصل الخامس فهو: الانتخاب ولاء وبراء.
 

الكتاب: الانتخابات شهادة وأمانة
المؤلف: خالد أحمد الشنتوت
الناشر: دار المجتمع- الخبر- المملكة العربية السعودية
هاتف: ٠٣٨٩٤١١٣٦


واحة الشعر
أماه لا أرضى الهوان
شعر: د. عدنان علي رضا النحوي
 

أماه أين أسير؟! دربي مغلق *** سدت مسالكه على أبصاري 
وكأنني بين الوحول أغوص في *** شرك وأدفع زحمة الأخطار
وكأنني أجري وألهث، دونني *** درب يصب على شفير هار 
وقبالتي يجري السراب ولهفتي *** تجري وتلهث خلفنا آثاري
أني جريت رأيت حولي أدمعًا *** ثكلى تصب دموعها وجواري
ورأيت أشلاء تمزقها الرياح *** تناثرت مزقًا بكل مسار 
وجماجمًا مثل الجبال تهزني *** فزعًا من التصديق والإنكار 
وصراخ طفل لم تزل أصداؤه *** بين الدماء تقول: يا للعار 
أماه من جلب الهوان ومن رمى *** بي في الطريق وشد حبل إساري
أماه! لا أرضى الهوان ولا أرى *** دربًا أعز من التحــام شــفــار
*****
أبني! تلك هي الميادين التي *** تأبى الهوان وذلة الإدبار 
أعلى ميادين الجهاد نفوسنا *** ومكامن الشهوات والأسرار
فإذا انتصرت بها فدونك ساحة *** أخرى تخوض بها عجاج غمار
فإذا صدقت الله ذلت بفضله *** حسنى الشهادة أو رفيف الغار 
فانزل ميادين الهدى ودع الهوى *** ودع الهـــوان لتــــائــه خـــــوار
واحسم مصيرك في جلاء مواقع *** لا بين حيرة زخرف وشعار
***
فعجبت من أم ومن ولد لها *** نهضا على شرف وصدق حوار
سألته: من أنت؟ قال: أنا ابن من *** ملأ الزمان بزحفه الجرار
فأبي الذي صب الدماء هنا رضًا *** لله يطلب منه عقبى الدار 
ما جال جولته على وثنية *** أبدًا ولا مارى دعاة صغار
حر على التوحيد يعمر قلبه *** لله شوق الفارس المغوار
آبائي الغر الذين عرفتهم *** طلعوا على الدنيا طلوع نهار 
أبناء مدرسة النبوة كلهم *** نسب التقاة ولحمة الأطهار

 

نؤرخ بالهجري أم بالميلادي؟!
عابدة المؤيد العظم
sardira@kaznova.com

لو تحرينا الأمر ورجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن العرب كانوا أشهر أمم العالم اعتمادًا على القمر في تقاويمهم، واستمر ذلك وثبت بمجيء الإسلام، إلا أن أممًا كثيرة من غير المسلمين اتخذت من القمر تقويما لحساب شهورها، من ذلك الهنود واليهود والصينيون والفرس القدماء وغيرهم، فالتقويم الهجري ليس خاصًا بنا ولا خالصًا لنا من دون الناس.
والقدماء احتاجوا إلى التقويم وعرفوا تعاقب الفصول المنتظم، ولم يعرفوا أن دوران الأرض حول الشمس هو السبب، ولكن سهل عليهم متابعة تغير موقع القمر وتغير أشكاله فاعتمدوا الأشهر القمرية، أي أنهم استعملوا التقويمين معًا: القمري والشمسي؛ فنشأ التشويش بسبب الاختلاف بينهما في عدد الأيام، فحاولوا التوفيق بينهما، وجهد الباحثون في وضع الجداول المقارنة بين التقويمين، واضطروا إلى إدخال بعض الإصلاحات على التقاويم، مما يدل على أن اتباع الآخرين للتقويم الميلادي قديم جدًا، وكان قبل ولادة المسيح وقبل ظهور النصرانية، فهو لم يكن تعنتًا ولا تعصبًا للمسيحية وإنما لأنه الأسهل والأسلم، فلماذا نتحاشاه نحن إذن؟ 

والتقويم الشمسي يعطي المرء تصورًا كاملًا عن فصول السنة والأحداث الحياتية التي تتعلق بها، والتي نحتاجها دائمًا لنخطط لمستقبلنا وأعمالنا، أي كم بقي للعطلة الصيفية؟ ومتى سيدخل الشتاء؟ ومتى ستنزل الفاكهة إلى السوق؟ ومتى يكون موسم الحصاد؟ فإن ذكرنا شهر آذار «مارس» علم الجميع أنه بداية فصل الربيع، وإذا قلنا آب «أغسطس» تفهمنا أنه فصل الصيف واشتداد الحر وعطلة المدارس، أما التقويم القمري فإنه يدور ويتغير مع أيام السنة، وهذا يربك ويصعب تتبعه، وتارة يكون رمضان في الصيف الحار طويل الأيام، وأخرى في الشتاء وفي أثناء البرد القارس.

ويحتج أنصار التقويم القمري بأن الأحكام الشرعية تتبع السنة القمرية، كرمضان والحج والعدة، الأمر الذي يعني أن الله اختار لنا -نحن المسلمين- التقويم القمري، وهذا الكلام حق ولكنه لا يعني أن نهمل التقويم الشمسي تمامًا، والإسلام جعل لدورة الشمس أيضًا أهمية لدى المسلمين، والزمهم بتتبعها، حين ربط الصلوات الخمس بحركاتها اليومية في فلك السماء، فنحن تصلي الفجر عند الشروق، والظهر عند الزوال، وهكذا تتباعد الصلوات أو تتقارب ويطول يوم الصيام أو يقصر بحسب بعد الشمس عن الأرض أو قربها، أي حسب فصول السنة الميلادية.

فالتقويمان متداخلان ويصعب فصل أحدهما عن الآخر فصلًا تامًا، وقد يكون ربط الأحكام الشرعية بالأشهر القمرية رحمة من الله بنا؛ لأن هذه الأشهر أقل عددًا فتقصر المدة على المعتدة، والأيام على الصائم، وتحري الأشهر القمرية يبعث النشاط والحيوية في المسلمين فيستطلعون الهلال ويترقبونه ليقيموا شعائر دينهم، وهذا يشحذ همتهم ويقوي عزيمتهم، وقد يكون ربط الأحكام الشرعية بالقمر اختبارًا من الله لنا ليرى مقدار تقوانا والتزامنا، فتحري الهلال يصعب أحيانًا، وكثيرًا وقع الخلاف في بداية الأشهر القمرية ونهايتها.

والمسلمون يميلون إلى التقويم القمري لأنه ارتبط بالهجرة وبدأ منها، فهو للمسلمين، والتقويم الشمسي ارتبط بولادة المسيح فهو -برأيهم- للكافرين وهذا سليم ظاهريًا، ولكن هل تعلمون أن بعض أعياد الغربيين تتبع السنة القمرية وتدور معها كما يدور رمضان على شهور السنة؟ فهم لا يستغنون عن التقويم القمري، ونحن أيضًا -مثلهم- نحتاج إلى التقويمين معًا، الشمسي والقمري، واحد لينظم حياتنا والآخر لينظم ديننا، وفي الشام كنا نعتني بالاثنين ونؤرخ لكل يوم بالتقويمين معًا ولا نجد ذلك صعبًا، والأفضل أن يعمم هذا في كل البلاد، وأن نتمسك دائمًا بالاثنين معًا؛ لأن الأول يعرفنا أحكام ديننا فنعرف كم بقي للحج -مثلًا- ونتابع الأيام والليالي الفضيلة لنستثمرها في العمل الصالح والدعاء، والثاني يعرفنا بفصول السنة والمناخ والدورات الزراعية وأمثالها من الأحداث الكبار التي يكون لها توقيت ميلادي وليس لها توقيت هجري.


إطلالة على إبداعات وجدانية
الرياض محمد شلال الحناحنة

أقام المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بالرياض ملتقاه الشهري الذي يجد صدى طيبًا لدى الأدباء الشباب وجمهورهم الذي يحاورهم، ويصغي لنصوصهم، ويواكب تجاربهم من خلال القراءات النقدية الهادفة التي تعقب اللقاء، ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من المنابر المحلية والعربية تتابع هذا الملتقى باهتمام، وتنشر نشاطاته.

إطلالة على شذا الوجدان: جاءت القصيدة الأولى «كاميرا الجوال» للشاعر عمر الرشيدي: لتتقدم على قصائده الأخرى، وتمثل خطوة إلى الأمام في تجربته الشعرية، لكنها لم تخل من التكرار كما بين الناقد د. حسين علي محمد، كما أن القافية قلقة، والألفاظ أضخم من الحدث كما أشار الناقد د. وليد قصاب، ولكنها عمومًا تظل تحمل همًا اجتماعيًا ملحًا في ظل عالم لاهث متسارع:
هتكت حجاب الستر في دنيا الورى 
                                    وأتت عليه وأرسلته إلى البلى 
أما قصيدة «ورد الوصال» لعلي بن محسن مشعوف، فهي قصيدة غزلية وفيها دلالة جلية على أن أفق الأدب الإسلامي واسع كما يقول الناقد د وليد قصاب، كما أنها تعبر عن مشاعر خاصة، لكنها لم تخل من إقحام للقافية وتكلف فيها، ومع ذلك نقرأ صورًا شعرية جميلة مثل قوله: 
أشتاق إن همست بصوت خافت *** وأذوب إن نسلت يداها من يد
وإطلالة على الشذا الجريح، ولم تغادر قصيدة «إطلالة» للشاعر هيثم السيد فضاءاته اللغوية المعروفة، وهي غالبًا فضاءات حداثية مبنية على الغموض المقبول كما يشير الناقد د. حسين علي محمد، كما أن هناك صورًا غير مقنعة أحيانًا لا تنسجم مع خيوط القصيدة كما بين الناقد د. وليد قصاب مثل قوله:
«وتغضي النوافذ عن لونها».
ولعل طول القصائد لدى هيثم السيد يجعلها مثقلة بكثير من الترهل، وبالتأكيد أن سمو معانيها وأفكارها لن تشفع لفنيتها كما المح الناقد د. حسين علي محمد، ومع تقديري لرأي الأستاذين الناقدين إلا أنني مازلت أجد في قصائد هيثم السيد إبداعًا متميزًا لا أجده في نصوص غيره من أدبائنا الشباب. 
أما قصيدة «شذا الجريح» لبدر محمد الحسين، فهي تعبر عن وجدان مفعم بالحزن، فتحكي قصة ابنته الصغيرة المصابة، وفيها من الصور الجميلة التي تدعونا للوقوف رغم تعثرها أحيانًا.
حين يمسي الحزن حقيقة، وفي قصة «أمسى حقيقة» للقاص محمود حسين نضج فني واضح في لغته، وسرد أحداث قصته واستنباط الأحاسيس الداخلية لدى الزوجة المصابة بالسرطان، مع أنه من التجارب الأولى للقاص كما أشار الناقد د. وليد قصاب.
وتحمل قصة «ليش عم تحكي مكسيكي» للقاص خليل محمود الصمادي سخرية لاذعة، وفنية عالية في معالجة أحداثها الاجتماعية، وهو من الأدباء الذين لديهم قدرة متميزة في اختيار ألفاظه والعناية بالحدث، وهي تحكي عن تجربة معلم ذاق المرارة في غربة اللغة العربية الفصحى بين طلابه في مدرسة مختلطة، لكن كثرة الجزئيات التي عالجتها القصة شتت القارئ، ولو ركزت على جزء واحد لكانت أكثر إشراقًا في مستواها التعبيري وأكثر قدرة على التأثير.
أما الكاتب أيمن ذو الغنى في ترجمته ورثائه للشيخ العالم عبد القادر الأرناؤوط، فقد جاء أسلوبه ناصعًا ينهل من معين القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهو أسلوب أدبي في تعبيره لا يخلو من النفس القصصي.
ولم تستطع قصة «حياة تافهة» لمنذر سليم محمود أن تنفعنا بأحداثها، ولم ترق في أسلوبها إلى وجداننا، كما أنها تحتاج إلى إعادة صباغة لتكون أكثر رشاقة تبعدها عن الترهل وتقربها من نبض الذاكرة.
أما قصة الأطفال «الخيمة» للقاص أحمد محمد صوان فهي تخاطب أطفالنا ببساطة في أفكارها وتراكيبها، وهي نموذج معبر عن أسلوب احمد صوان، إذ يركز غالبًا على العاطفة الجياشة لا سيما دفه الأبوة الحانية، ولكن لم تبلغ العقدة في هذه القصة وهج الذروة.

 

الفيلسوف محمد إقبال 
ينبوع لا ينضب من المقاومة والثراء الفكري
صلاح حسن رشيد(*)
 

تمر الذكرى السابعة والستون لوفاة فيلسوف الإسلام وشاعر باكستان الأكبر الدكتور محمد إقبال ۱۸۷۷- ۱۹۳۸م، وصاحب الصوت المعلى في إيقاظ همة المجتمع الإسلامي، وتخليصه من رجس التفرق والتشرذم والتخلف والتقليد الأعمى لكل الصيحات المناوئة للإسلام، والصادرة عن الغرب.
ولمكانته ودعوته الباحثة عن مجد المسلمين في القرن العشرين، مثلما كان مجدهم القديم، احتل إقبال مكانة لا تُسامى في قلوب وعقول وأفئدة علماء ومفكري الشرق والغرب، وبات مدافعًا مغوارًا، ومخلصًا أمينًا لحقوق العرب وأهل الشرق ضد الاستعمار وقوى الظلام، ودعاة الشيطان، وهكذا وجدنا مؤلفات إقبال موضع حفاوة وترجمة وقراءة ومتابعة من أدباء العرب وفلاسفة المسلمين، أمثال الدكتور عبد الوهاب عزام، والشيخ الصاوي شعلان، والدكتور حسين مجيب المصري، والشيخ أبي الحسن الندوي، والدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم.
وبالتالي تبدو أهمية فكر إقبال الآن، حيث يتعرض الإسلام والمسلمون لهجمات متتالية من العداء والحرب المعلنة ضد ثقافتهم وفكرهم وخيراتهم وأراضيهم من قوى الطغيان والإمبريالية والصهيونية في فلسطين والعراق وأفغانستان.
(*) خدمة مركز الإعلام- القاهرة.
ومن كلمات إقبال الدالة على همجية العصر الحديث، قوله: «ولا حفاظ للإنسانية من أخطارها، ولا سبيل إلى نهضتها إلا بأن يسير الزهاد والعباد مع الراكبين على صهوات الخيل ومتون الجياد». 
ويعلق على فساد الإمبراطوريات القديمة والحالية وفساد أمورها بسبب معاداة الأخلاق والدين لما بلغت الدولة الرومية في القوة الحربية والنفوذ السياسي أوجها، ووصلت في الحضارة إلى أقصى الدرجات، هبطت في فساد الأخلاق وفي الانحطاط في الدين والتهذيب إلى أسفل الدركات، بطر الرومان معيشتهم، وأخلدوا إلى الأرض واستهتروا استهتارًا، وكان مبدؤهم أن الحياة إنما هي فرصة للتمتع، إن قيصر والإسكندر وجنكيز، وهولاكو، وتيمور لنك، ونادر شاه، لم يكونوا إلا مرضى هذا الداء العضال؛ داء السكر بالقوة المادية، ونشوة الحكم، والتفوق بالعظمة، وكانوا يصطادون النوع البشري، ويدوخون الأسرة الإنسانية مرة بعد مرة بأسنتهم ورماحهم وبأقدامهم وبغالهم .
وربما نستطيع أن نضيف إليهم شارون وبوش الابن وبلير من طغاة وسفاكي الدماء في هذا العصر.
ويربط إقبال بين الدين والسياسة والمجتمع، خلافًا لما ذهبت إليه العلمانية بقوله: «إذا تخلت السياسة عن الدين صارت سمًا ناقعًا، وإذا كانت في خدمته صارت ترياقًا واقيًا».
أما عن مكانة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ودوره في إعلاء شأن الإسلام وتبليغ دعوته، فقال: «اكتست صحراء العرب بفضل هذا النبي الأمي حلة أنيقة، وأنبتت زهرة يانعة، إن عاطفة الحرية نشأت في ظل هذا النبي بل ترعرعت ونمت في حجره، وهكذا كان يوم هذا العالم المعاصر مدينًا لأمسه، لقد وضع قلبًا نابضًا خفَّاقًا في جسد الإنسان البارد، وأزاح الستار عن طلعته الجميلة الوضاءة، هزم كل طاغوت، وحطم كل صنم، وأورق به كل غصن يابس وأزهر وأثمر، إنه روح معركة بدر وحنين، وإنه مربي الصديق والفاروق والحسين، أذان صلاة الحرب، وجرس سورة الصافات غيض من فيضه».
إن كتابات إقبال تصلح لكل الأوقات؛ لأنها تعالج أمراض الأمة، وتلقي بأضوائها على النقاط السيئة والمظلمة والمريضة في جسدها، وهي بحاجة دائما إلى معاودة القراءة والاستزادة من رحيقها الفكري الثّر، لاسيما لمقاومة الاستطالة الأمريكية والصهيونية على العرب والمسلمين حاليًا.

الرابط المختصر :