; المجتمع الثقافي: المجتمع (1318) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1318)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1318

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 22-سبتمبر-1998

دور الناقد المسلم في غربلة الأفكار وتصفيتها

بقلم: براهمي إبراهيم (*)

المتتبع للساحة الأدبية والنقدية في السنوات الأخيرة، يلاحظ حركة لم نعهدها من قبل، تقودها مجموعة من الأقلام التي حكمت على نفسها أن تسخر حياتها لخدمة الكلمة الهادفة وتأصيلها، وذلك بدعم وترسيخ مفاهيم نظرية الأدب الإسلامي التي بدت تشق طريقها مع النصف الثاني من هذا القرن، والتي هي بحاجة إلى جهود كل الغيورين على الحرف العربي، وذلك بالنصح والتوجيه والنقد لإنتاجه في محاولة لتسليط الضوء على الضوابط والشروط التي يجب أن يلتزم بها الناقد المسلم في موقفه وحكمه النقدي.

لعله من الأمور الشائكة التي تواجه الناقد والأديب المسلم الذي يسعى لتوضيح نظرية الأدب الإسلامي الحديث وترسيخ مفاهيمها وتحديد معالمها وأبعادها الزمنية والمكانية في حقل الدراسات النقدية والأدبية الحديثة هو تحديد موقفه تجاه العديد من القضايا التي تطرح هنا وهناك في الساحة الأدبية والنقدية سواء كانت هذه القضايا:

من موروثنا الأدبي الذي واكب تجربتنا الحضارية، كتلك التي نلمسها في ظل العصرين الأموي والعباسي أو في عهد الانحطاط.

أو من الوافد إلينا الناتج عن احتكاكنا واتصالنا بأمم الشرق والغرب في العصر الحديث من مذاهب أدبية ومضامين فكرية وأشكال فنية معينة، وما شهدناه فيما بعد من حركة تأثرية – إن صح التعبير - في جل الميادين، وإن كان هذا الاتصال ليس كسابقه في العصر العباسي الذي أعتمد على النقل والترجمة الواعية، والغربلة والتصفية من الشوائب التي لا تتماشى وقيم الأمة، وحيث كانت القيادة الحضارية بيدي الأمم الإسلامية، فشتان بين ذلك الاتصال وهذا الذي حصل في عهد النكسة والسقوط حيث انبهار المغلوب بالغالب.

وإن كان النوع الأول قد نجد له تفسيرًا وتحليلًا، وموقفنا تجاهه يأتي من كونه عملية مراجعة وتصحيح ذلك أنه ذو صلات حميمة في بعض جوانبه بتاريخ نظريتنا «الإسلامية» ولكونه صادرًا في ظل الذات الإسلامية.

أما النوع الثاني فذلك الذي يحتاج إلى عناية واهتمام كل ناقد لما قد يكتسبه من خطورة لا تتبين إلا لواحد من اثنين:

١ - معايش لها وللمحيط الذي نشأت وتبلورت فيه، وما تحمله من غايات وأهداف، وقليل من هذا الصنف سينصفنا ويوضح لنا حقيقة القضايا التي نريد تجليتها، ولن يكون الواحد من هؤلاء إلا صاحب فكر حر، أو ذا قناعة خالصة من كل شائبة، كبعض ذوي الاتجاه الماركسي «الذين تجرؤوا على التحرر «من دكتاتورية الفكر، لينطلق تفكيرهم في أبعاد موضوعية جديدة لم تعهدها الشيوعية من قبل، وكان أن ظهر «تشايكوفسكي» و«دوبرو بوليوبوف» و«لاكريستكي» ثم «لوكاتش» ثم «جارودي» صاحب كتاب حوار الحضارات - والذي دخل الإسلام في يوليو ١٩٨٢م وصاحب الكتاب القيم – واقعية بلا ضفاف و«دوبريه، ليفتحوا أفاقًا جديدة للواقعية تكاد تنفصل عن الواقعية الشيوعية. (١) ومن هؤلاء نجد «أندريه جيد» وإن كان من الاتجاه نفسه الذي يذهب في مذكراته إلى توضيح حقيقة الالتزام في الأدب الاشتراكي، والذي تحول -حسب رأيه- إلى عملية إلزام تفرض على المبدع في الدولة والمجتمع الاشتراكيين (٢) كما كان يحصل في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى، وإن كان يهدف بنقده هذا إلى عملية التقويم فإنه على الأقل كشف لنا حقيقة قضية أدبية وافدة إلينا عششت في عقول الكثير من أدباءنا، الذين تلوثوا في ظل الأيديولوجيات التي فرضت على أمتنا في فترة من الفترات وأخالها مازالت.

٢ - وقد تتأتى للناقد المسلم بشرط أن تتوافر فيه خاصيتان تمكناه من كشف طبيعة الحقائق المراد تجليتها، وقد وضح الدكتور محمد حسن بريغش أن هاتين الخاصيتين هما:

أ - «أن يكون الدارس على فهم صحيح لإسلامه وللتصور الإسلامي، وتحقق هذا الشرط يحتاج إلى دراسة وجهد، ويحتاج إلى تجرد وإخلاص، ويحتاج إلى استعداد نفسي وفكري لخلع الكثير من الأردية المسمومة، التي ارتديناها باسم الأدب والفن والحضارة والمدنية والحداثة والتطور وملامة العصر، كما يتحقق هذا الشرط بفهم حقيقة الإسلام، كما أنزله الله في كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم ولو نظرنا إلى الواقع لرأينا أن الأدباء – في غالبيتهم مقصرين في هذا - كثير منهم يجهل مبادئ ديننا التي أفترضها الله». (٣).

وحين نطلب من الناقد والأديب المسلم ذلك. فلكي تكون لديه حصانة ومناعة حتى لا ينبهر من زخرف القول والظاهر البراق، الذي يميز بعض الدعوات التي تسحر كل من لا يمتلك قاعدة أو رؤية ينطلق منها، مثلما حدث لبعض أبناء أمتنا ممن وقعوا في مزالق التغريب فانسلخوا من جلدتهم، فبشروا وزينوا وأقاموا المهرجانات والملتقيات ترويجًا لمفاهيم غربية، زاعمين بذلك أنهم يسلكون طريق الكمال، حتى وصل الأمر أن تجرأ أحدهم في افتتاح إحدى السنوات الجامعية أن يعلن بأنه لا يفضل بدء كلامه بالحمدلة لأنها «موضة قديمة» فيا للعجب! لكن الشيء الذي يندى له الجبين أنهم يتلقون الدعم ويمنحون الجوائز من قِبل أجهزة الثقافة والإعلام في عالمنا الإسلامي.

ب. أن يكون الدارس على دراية كافية بشروط الفن الذي يكتب عنه، واللون الأدبي الذي يدرسه وعلى معرفة بأساسياته وشروطه، فضلًا عن الموهبة والحس الأدبي الذي يساعد على فهم النصوص وتذوق ما فيها من لهجات الجمال وإبداعات الصور ... (٤)

وإن كنت سابقًا أسهبت في الحديث عن الخلفية الفكرية والعقدية التي يجب أن يراعيها الناقد، فلأن الذي أعتدناه هو إهماله من طرف النقاد رغم ما يكسبه من أهمية، فلا يعني ذلك إهمالنا للجانب الفني الذي يكتسبه الناقد بالموهبة التي تمكنه من كشف مواطن الجمال وباحتكاكه المستمر بالأدب وفنونه والنقد وتياراته ومناهجه واحتكاكه الدائم بالتيارات العالمية التي تظهر واطلاعه على الإنتاج الإبداعي خارج محيطه، وهو بذلك يدرأ عن نفسه صفة التقوقع والعزلة التي يحاول البعض الصاقها بشخص كل مسلم، كما انه كلما كان قويًا في هذا الميدان كان سديد الرأي، دامغ الحجة، صاحب الموقف، وهو بتحكمه في الأدوات والقواعد الفنية المتعارف عليها يدرأ أيضًا عن نفسه هزالة وهشاشة الموقف الذي قد يتهاوى أمام أي نقد من الخصوم.

وبعد هذا فإن الذي يمكن أن نستخلصه أن مهمة الناقد لا تختلف كثيرًا -بل تكاد تطابق- مهمة الجندي الذي يسير بمكان مفخخ وهو يريد تفكيك الغامة وقد زود بالطرق والرؤى العلمية من قبل، وحسبنا أنه قليل من يستطيع ذلك ويمكن صياغة ما سبق على شكل القاعدة التالية.

١ - رؤية عقدية وفكرية + التحكم في الأدوات الفنية = موقف صائب وعمل موفق

٢ - طرق وأدوات علمية + براعة الحركة بذات المكان = عمل موفق ونجاح باهر في المهمة.

ولقد تصدر للقيام بعبء هذه المهمة التي هي جزء من أولويات نظريتنا - الأدب الإسلامي - مجموعة من النقاد المسلمين استطاعوا بفضل مجهوداتهم الجبارة دفع النقد الإسلامي قدمًا، مما يجعله في مصاف الحركة النقدية العالمية، وإن كان لنا أن نذكر بعض الأسماء فنجد من ذلك سيد قطب، ونجيب الكيلاني ومحمد قطب، وعماد الدين خليل، وهناك الكثير ممن أثروا هذا الحقل وقدموا عطاء متميزًا، اتسم بالموضوعية والجدية وطرح القضايا النقدية والأدبية ومعالجتها، يصعب حصرهم في هذا المقام.

الهوامش:

١- د. أحمد بسام الساعي- الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد -ط ١-دار المنارة-جدة- السعودية ١٩٨٥- ص ١٣،

2 - للتوسع أنظر فصل: جيد الناقد من كتاب: أندريه جيد الإنسان والناقد والفنان لمارك بيجبدير نشر وترجمة منشورات عويدت بيروت لبنان.

وأنظر كذاك مقال حول الالتزام الأدبي في منظوره الماركسي د. عماد الدين خليل مجلة الأمة القطرية ع ٥٥ أبريل ١٩٨٥م.

٣ - مقال في الأدب الإسلامي المعاصر ملاحظات وإيضاحات د. محمد حسن بريغش مجلة المشكاة المغربية ع ٨ السنة الثانية ١٩٨٨م بتصرف.

٤ - نفس المقال السابق.

تأنيث الشعر الحر؟ أم تذكير الإناث؟

قطعت جهيزة قول كل خطيب.. قول الدكتور محمد أبو بكر حميد نقلًا عن بدر شاكر السياب أنه قال: «لا يعرف لهذا الشعر أبًا شرعيًا غير باكثير» في كتابه «باكثير في مرآة عصره» يقطع الجدال حول نسبة الشعر الحر لنازك الملائكة أو لبدر شاكر السياب ويخطف الكرة الأدبية من أيديهم!! نقاد اليسار فنانون حقًا في السرقات الأدبية.. يريدون ادعاء الريادة في الأدب ما استطاعوا.. مغفلين حقائق التاريخ ومنطق الأشياء، ومع احترامنا لحواء، فالرجل «باكثير» محاولاته الشعرية الأولى في الشعر الحر تعود للثلاثينيات (١٩٣٨م) وهم يقدمون والأطاريح الأدبية في المؤتمرات، ناسبين ذلك الفتق الأدبي إلى من هم أدبيًا في عمر أولاده، ويتساءلون أترى ولدت القصيدة الحرة أنثى «في حضن نازك» أم ذكرًا «من ظهر السياب» بينما فارق الريادة بينهما والذي سجلته الدواوين ليس بالأمر اليسير.. إنه عقد من الزمان مؤرخ في دواوين الرجل.. وليس سنة أو شهورًا حتى تختلط الأمور.. سرقة لواء الريادة فن يتقنه هؤلاء أو خفة يد يمهرون بها، والرجل يوم عانق المحاولة ما كان ذلك إلا استجابة لتحدي أستاذه الإنجليزي الذي عاب على اللغة العربية عدم قدرتها على النهوض بهذه الفذلكة الأدبية الماردة.. «الشعر الحر» إذن فالشعر الحديث ولد إسلاميًا.. وعلى يد أديب إسلامي.. نيت هناك في حواف الربع الخالي، فكان ما كتبه منه إحساسًا بضرورة الاستجابة والموازاة للعالمية الأدبية.. فلا يصرفنا النقد المريض عن جنسية الأدب الحر ويثير اللغط حول جنسه.. نحن لا نشعر بمنافسة بين الذكر والأنثى كما يشعر اليساريون، لكل منهما اختصاصاته وخصائصه التي يتكامل بها مع الآخر، ولكن تستثيرنا المنافسة بين الإسلامي وغيره، فنستجيب كما استجاب أبو الشعر الحر باكثير رحمه الله!! والغريب أن اليسار الذي يؤمن بالتساوي بين الذكر والأنثى يسعى بدلًا من أن يزيل الفوارق بينهما ويحاول حرق تاء التأنيث الساكنة والمتحركة يسعى إلى تأجيج الصراع والتركيز على الفوارق بين الجنسين.. ويقدم في هذه المعركة الموهومة وقوداً جديداً للاستهلاك.. أليسوا «اليسار» نصراء المرأة وأعوانها.. إذن لا هم لهم إلا البحث عن أي مأثرة ولو وهمية لإثبات ريادتها وفضلها وأهليتها.. سبحان الله.. ومتى كانت المرأة منكرة مرذولة حتى نبحث لها عن فضائل؟ ومتى كان سقفها ساقطًا حتى نبحث له عن دعائم.؟. ومازال الغرب يتغنى بالمرأة وحريتها ومساواتها بالرجل حتى أرجح كفتها وطاشت كفة الرجال وقذف بهم في الأزقة بلا عمل ولا كرامة، وحتى قام من يدعو إلى تشكيل جمعيات حقوق الرجال. وقامت فعلاً! فهل لهذا الصراع من نهاية؟!

إن التطرف في الشيء عن حده يقلبه عن اعتداله إلى ضده. وإن العزف على أوتار حرية المرأة عند اليسار - والغريب أن أكثر نصراء هذه الحرية من الرجال لا من النساء - لا يقصد منه إنصاف المرأة ولا إكرامها، ولكن إخراجها من حصن العفة والاختصاص إلى ميدان الاختلاط والانتكاص!! كنت أحسب أن الذي يدافع عن أنوثة الشعر الحر امرأة.

سألت مرة صديقًا يساريًا عتيدًا من المشاكسين بقضايا حرية المرأة عن القصد الحقيقي من وراء إصراره على خروجها فقال: أنتم تريدون منهن أن يبقين قارات في بيوتهن مغلقات عليهن أحجبة العفة والعفاف كيف يمكن الوصول لهن إذن وكيف السبيل إليهن وهن وراء الجدر والحجرات!! يا شيخ لا أخلى الله مكتبًا منهن أتريدون حبسنا مع امرأة واحدة في صومعة الزواج!! اليس الإسلام مع التعدد؟؟ ألا لا رهبانية في الإسلام.. إن في التوحد العاطفي رهبانية وانتحار!

إذن نسبة الشعر الحر إلى السيدة نازك لا إلى السيد السياب لا يقصد منه فقط تضليل الرأي العام.. الأدبي عن الرائد الحقيقي لهذا الشعر «باكثير» فحسب، ولكن اللعب اليساري المعروف على أوتار المرأة وتفوقها واستحقاقها فهما صيدان وبحجر واحد!!

ونحن لانشك بأن المواهب قد تخلق أنثى كما قد تخلق رجلًا ولسنا في مجال تنافس معهن بل تكامل - ولكنا نشك في نوايا الثعالب الذين ما فتنوا يمتدحون الدجاج شكله ولونه وصوته وحسن سيرته.. والحقيقة أنهم ما قصدوا إلا لحم الدجاج!

د. حمدي حسن-السعودية

واحة الشعر

يا قدس

شعر: علي بن موسى التمني 

في زمن الهرولة لتوقيع صك ملكية اليهود لفلسطين بقدسها وخليلها وجليلها ومرجها ونقبها، وفتح بلاد المسلمين لمكر وخلاعة وفجور واقتصاد وسياحة وثقافة اليهود، في زمن هذا طابعه أتت هذه اللفحات.

يا قدس مالك تذرفين *** وحزن وجهك لا يلين

يا قدس كل حياتنا *** بالحزن عابسة الجبين

ما بال عينيك اللتين *** شربت حبهما سنين

قد صارتا عينين جا *** ريتين من يتم وطين

قد صارتا مأوى الك *** ـسابة ياله الأسر اللعين

لكن أهلك ضيعوك *** فما لهم لا يسألون؟

ما بالهم رقدوا الضحى *** والشر أحدق بالجفون

يا قدس لا تتكلمي *** فالصمت أبلغ أن يبين

هذي يهود تغطرست *** وتوعدت كي نستكين

يا قدس ضيعك الألى *** زعموا وصالك باسمين

الذائدون عن الخنا *** والعاكفون على «الجنون»

يا قدس ماذا نرتجي *** من عابثين وراقصين

هذا عدوك سائر *** في دربه ولنا الانين

اقصاك أقصي دوننا *** ويهود تحفر لا تلين

في كل شبر دمعة *** ودم لحر أو سجين

هذي وزارات اليهود *** وهيكل الكفر الهجين

مستوطنوهم كالجراد *** وفتح فاتحة المجون

يستوطنون دماءنا *** في كل رابية وحين

يا قدس «منف» (١) بايعت *** رابين واحترق المهين

يا أمتي عظم الردى *** فمتى التسابق للمنون

في ظل رايات الجهاد *** فنعم فجر الطالبين

أستاذ الحضارة الإسلامية الدكتور «أحمد شلبي» ل المجتمع:

الغرب يضيق بالآخر الحضاري.. ويراه جحيمًا

كبير مستشاري «نيكسون» «روبرت كرين» الذي أعلن إسلامه مؤخرًا يقول: إذا لم يستعد الأمريكان القواعد الروحية والأخلاقية، فإن جميع الأشكال الحياتية لديهم ستنحط وتتفسخ، وسيحكم على المدنية الأمريكية بالفناء.

حاوره في القاهرة - محمود خليل

سوء الفهم بين الغرب والإسلام ما يزال مستمرًا، ولا يمكن أن يكون ذلك حصيلة الجهل فقط، إنما هو خليط من الجهل والمطامع والغرور الحضاري، والتجاهل الأعمى لسنن التدافع الحضاري التي أجراها الله عز وجل بين خلقه أجمعين.

ومع سوء فهم الغرب للإسلام، يتوازى خط الجحود لما تدين به الحضارة الغربية للعالم الإسلامي.. حول هذه الإشكالية كان لـ المجتمع هذه المحاورة مع شيخ أساتذة الحضارة الإسلامية بالجامعات الإسلامية الدكتور أحمد شلبي..

الإسلام والغرب بين التوافق والتناقض العلاقة بين الإسلام والغرب.. أصبحت تكتسب عناوين شتى بين الصراع، والحوار، والمواجهة، والتحدي.. إلخ.. نريد توصيفًا لهذه الظاهرة التي تتراوح بين التوافق والتناقض.. سيما انها محور المصالح والقيم والأهداف الحالية والمستقبلية في عالمنا المعاصر؟

نقول إن هناك حراكًا حضاريًا بين المسلمين والغرب، ولكن ليس لعدوانية المسلمين التي صورها «نيكسون» ولكن لأن الحضارة الغربية حضارة غير منضبطة، جعلت من التكنولوجيا إلهًا، ومن الحرية ربّا، وأهملت في هذا الطريق القيم الدينية والأخلاقية وعدم الاعتراف بالله ومجاهدة من يعترفون به جل وعلاء وهذا هو أساس الخلاف.

أضف إلى ذلك أن الروح الصليبية التي تفجرت في آخر القرن الحادي عشر تلك التي راح ضحيتها ملايين البشر من المسلمين والصليبيين، هذه الروح لاتزال متقدة في دول الغرب المستعدة لإدارة الصراع.. وانظر معي إلى ما نشره «نيكسون» عام ١٩٨٥م في مجلة الشؤون الخارجية حيث يقول:

Russia And America Should Join Hands to Fight The Rising Tide Of Fundamentalism

أي: روسيا وأمريكا يجب أن تعقدا تعاونًا حاسمًا لضرب الصحوة الإسلامية التي برزت معالمها.

ولم يكتف نيكسون بذلك، بل نشر كتابًا كبيرًا عنوانه Seize the Moment أي انتهزوا الفرصة، أو تمسكوا بالظرف المواتي.. وهو كتاب مشهور.. وفيه أن الغرب سيضطر إلى تشكيل حلف جديد مع موسكو «بعد سقوط الاتحاد السوفييتي» لمواجهة عالم إسلامي معادٍ ومعتدٍ، وأن الغرب والإسلام متناقضان ومتباينان، وأن المسلمين ينظرون إلى العالم على أنه معسكران لا يمكن التوفيق بينهما: دار الحرب ودار الإسلام.

أضف إلى ذلك كتاب «فوكوياما» نهاية التاريخ، وهو مؤرخ أمريكي من أصل ياباني الذي رأى فيه أن تفكك الاتحاد السوفييتي وسقوط الشيوعية قد أنهيا الصراع في العالم بسيادة ثقافة النموذج الليبرالي الأمريكي على ثقافات العالم.

وعلى الطريق ذاته، تأتي كتابات «صمويل هنتنجتون» حول «صراع الحضارات».

ولا ندري لماذا ينظر الغرب إلينا هذه النظرة المناقضة حتى لمصالحه وأهدافه في اقتصاديات السوق، وإزالة الحواجز!! وأنا أتساءل معك.. لماذا يضيق الغرب بالآخر الحضاري؟ لماذا ينظرون إلى الآخر كما يقول «سارتر» الآخر هو الجحيم، الآخر هو نقيضي؟!

هذه النظرة المعبأة بالتحريض والعداء للمسلمين، ومحاولة فرض منظومات حضارية معينة ضمن سياسة الهيمنة والسيطرة.. ما وراءها؟

"إسرائيل" عميلة لأمريكا، وهي تأخذ من أمريكا حق العمالة، والغرب وأمريكا قد وصلا إلى ذروة الغرور الحضاري الذي أخذت معه أرضهم زخرفها وأزينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها.

ولعله مما يجب أن يعلمه الجميع أن المفكر اليهودي الأمريكي المشهور «برنارد لويس» الذي لا يقتأ ينشر بحوثه وكتاباته المعادية للإسلام والمسلمين، والذي خرج علينا مؤخرًا ليجدد أفكار المستشرقين الغلاة، والباحثين المتطرفين في القرنين الماضيين.. ومؤداها.. أنه بقدر ما يجب على الغرب أن يحافظ على حضارته المادية الصليبية - اليهودية، بقدر ما يجب أن يتربص بالإسلام والمسلمين.. في العداء والتعويض بكل السبل.

والآلة الإعلامية الصهيونية، وماكينة الدعاية اليهودية.. قادرة على تغذية هذا المسلك، وتعميق تلك الفجوة بين الإسلام والغرب، وهناك العديد من مراكز البحوث ودوائر الدراسات، لها علاقة واضحة حينًا، وخفية حينًا بمراكز التمويل والإمداد والإنفاق الصهيونية. وهمها الأكبر من وراء ذلك هو محاصرة الإسلام قبل النهوض، وتعويقه قبل الإقلاع من جديد.

ونحن نرى أنها سنة من سئن التدافع الحضاري الذي يجب علينا أن نتأهل له بكل السبل ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١).

معذورون ومغرورون:

قد تقبل مثل هذه الآراء من رجل مثل «هنتنجتون» أو تلميذه اليهودي «برنارد لويس» أو المتأمرك «فوكوياما».. ولكن كيف تخرج مثل هذه الرؤى من رؤساء مثل «نیكسون» أو «بوش» أو «كلينتون»؟

نيكسون رجل سياسي محدود الثقافة، كل ما كان منه أنه تبنى بصورة عمياء، مقولات «برنارد لويس» ومن لفَ لفَه.

«وبوش» أعلن أن العالم يتجه للقطب الواحد، الذي يجب أن تدور الدنيا كلها حوله، عندما أصابه «الغرور الحضاري» بأفول «الاتحاد السوفييتي»، ونتائج حرب الخليج.

و«كلينتون» أسلم نفسه للألاعيب الصهيونية.

ولكن مع «نيكسون» خرج على الدنيا كبير مستشاريه، وهو «روبرت كرين» الذي أعتنق الإسلام مؤخرًا، والذي قال: إن الإنسان كالطائر، والطائر له جناحان ويمثل العنصر الروحاني الجناح الأيمن للإنسان، ويمثل العنصر المادي الجناح الأيسر، وبدون الجناحين لا يعيش الطائر، وبدون جناحي الإيمان والعمل المادي لا ينجح الإنسان، وتصبح حياته لا معنى لها، والفراغ الروحي شديد التدمير على الذات الإنسانية.

ويضيف روبرت كرين أن الأمريكيين إذا لم يستعيدوا القواعد الروحية والأخلاقية، فإن جميع الإشكالات الحياتية لديهم ستنحط وتتفسخ، وسيحكم على المدنية الأمريكية بالفناء، وإذا كان «كرين» يرى أن أمريكا هكذا من الداخل، فما صورتها إذن من الخارج؟

أما «بوش» الذي بادر، فأعلن أن العالم يتجه للقطب الواحد، فقد جانبه الصواب في هذه الرؤية إلى حد بعيد، وذلك أن هذا المقعد الأمامي للقيادة العالمية، لم يدم للولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من ثلاثة أعوام، كما ترى لجنة الشؤون الأمريكية، ذلك أن «الولايات المتحدة اتجهت للهيمنة على شؤون المجتمع الدولي العالمي، وأرادت أن تملي إرادتها وسياستها على العالم، ودولة بهذا الطموح لابد من أن تمتلك التفوق في الجانب العسكري والاقتصادي، والاجتماعي، حتى يمكنها أن تمنع تحركات القوى الأخرى التي تسعى لخلخلة قيادتها، ولابد من أن تكون محايدة تمامًا، والأمر ليس كذلك بالنسبة للولايات المتحدة، فهي لا تملك من ذلك إلا القوة العسكرية فقط أما فيما يتعلق بالقوة الاقتصادية، فإن ديون الولايات المتحدة قد وصلت إلى ٦,٥ تليار دولار، «التليار ألف مليار»، وأن هذه الديون ستصل إلى ١٣ تليار سنة ٢٠٠٠م، إضافة إلى عجز ميزانها التجاري بما يساوي ١٦١ مليارًا وعجز ميزانيتها بحوالي ٤٠ مليار دولار سنويًا، إضافة إلى مظاهر العنف والانحلال، وتفكك الأسرة، وحوادث الانتحار الجماعي والخواء الروحي الرهيب.

ولك أن تعلم أن سبع ولايات فقط من الولايات المتحدة هي التي تعترف باللغة الإنجليزية لغة رسمية، وأمريكا كما نعلم، ٥٠ ولاية، أما عن الرئيس كلينتون، فإنه للمرة الأولى في تاريخ البيت الأبيض، يقيم الرئيس الأمريكي مأدبة الإفطار لعلماء الدين المسلمين في شهر رمضان المبارك عام ١٤١٦هـ، بينما كان العرف السابق، يقتصر على رجال الدين من جميع الطوائف فيما عدا المسلمين، وفي هذا الصدد صرحت زوجة كلينتون، أن الفضل في لفت نظرها للإسلام وفضائله، يعود لابنتها «تشيلسي» التي اطلعت على قيم الدين الإسلامي من خلال دورة مكثفة في هذا الدين، وأنها أطلعت والديها على ما تعلمته.

ثم قالت: «هيلاري» إن الإسلام يحقق الاستقرار في الأسرة والمجتمع، ولعلها أدركت الهوة الساحقة بين الأسرة في الإسلام وبين الأسرة الأمريكية وتفككها.

الصهيونية سارعت بالإمساك بالخيط:

ولكننا نرى أن الحركة الصهيونية العالمية ذات التأثير القوي في الغرب قد استغلت اللحظة استغلالًا جيدًا من خلال مسارعتها بالإمساك بخيوط هذه اللعبة العالمية في التحول العالمي المعاصر، وأدارت حركة الأحداث لصالحها تمامًا؟

نعم أنا معك تمامًا، فقد سارعت الحركة الصهيونية العالمية إلى استغلال بحث الغرب عن عدو خارجي بديل تتحرك آلة القوة وحركة السياسة تجاهه، فقدمت الإسلام والمسلمين فورًا على هذا «المذبح» الأثيم، مستغلة بعض الأخطاء التطبيقية لبعض الحركات الإسلامية، التي أحسنت هي أيضًا -الحركة الصهيونية- الوقيعة بينها وبين حكوماتها في الداخل، فأحسنت صب الزيت على النار وإشعال الصراع واللهيب، بقوة المال والإعلام والهيمنة على مراكز الدراسات ودوائر صناعة القرار في الغرب، أضف إلى ذلك أن «المتهم» وهم «المسلمون» لم يحسنوا المشاركة في دائرة الحوار الفاعل مع الغرب، بل حتى لم يتمكنوا من تقديم وثائق البراءة أو إثباتها.

من منظور حضاري إسلامي.. ما ملخص نظرية «هنتنجتون» ومن شاكله في صراع الحضارات، وما أهم تعليقاتكم عليها؟

«صمويل هنتنجتون» أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وقد نشر نظريته تلك عام ١٩٩٣م عن صراع الحضارات في القرن الجديد بعنوان Clash of civilization. وهذه المقالات قد أثارت عاصفة بين المفكرين عن هذا الصراع المتوقع في القرن الجديد، الذي هو فاتحة الألفية الثالثة من التقويم الميلادي، وهذا الصراع سيكون صراعًا حضاريًا أكثر منه عسكريًا.

ثم أعاد «هنتنجتون» نشر مقاله هذا في مجلة «فورن أفيرس سنة ١٩٩٥م»، وأدخل تعديلات عليه، فتقل الموضوع من الصراع إلى الحوار.

وملخص نظرات هنتنجتون، أنه يورد تاريخًا متميزًا للصراع بين الغرب والمسلمين على مدى ١٣٠٠ سنة، منذ عهد عمر بن الخطاب حتى العهد الحاضر، سيطر المسلمون خلالها على كثير من الأراضي الرومية، ثم حاول الصليبيون استعادة هذه الأراضي من القرن الحادي عشر للقرن الثالث عشر، ولكن كان نجاحهم محدوداً ومؤقتًا.

ومن القرن الرابع عشر للقرن السابع عشر، ظهر زحف العثمانيين الذين فتحوا البلقان والقسطنطينية وحاصروا فيينا.

في القرن التاسع عشر، فرضت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا سيطرة الغرب على كثير من البلدان الإسلامية، ثم تراجع الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن النفوس محتشدة بالآلام، ويقترح بعد ذلك «هنتنجتون» على الغرب وسائل على المدى القصير، وأخرى على المدى الطويل لتقوية المعسكر الغربي.

فعلى المدى القصير، يقترح دعم التعاون الأمريكي الأوروبي مع إدماج أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية في هذا الصف، والحفاظ على التعاون مع روسيا واليابان، إلى ذلك الحد من توسع القوة العسكرية الإسلامية - الكونفوشية، واستغلال الخلافات والنزاعات في هذا المعسكر لإضعاف هذه الجبهة، مع دعم "إسرائيل" باعتبارها حضارة متعاطفة مع القيم الغربية.

وعلى المدى الطويل: يرى أن الحضارات الأخرى ستحاول اللحاق بالحضارة الغربية، وستنجح اليابان في هذه المحاولة، ولذا يجب جذب اليابان للمعسكر الغربي، وستحاول الدول غير الغربية تحديث ثقافتها وقيمها التقليدية، وسوف تزيد حدة تلك المحاولات كلما عمق الغرب فهمه للجوانب والمعتقدات والفلسفات الكائنة وراء الحضارات الأخرى.

ومن ثم، فإن العالم مقبل على حلقة جديدة من حلقات الصراع، تسقط فيها دوافع الصراع القديمة الأيديولوجية وتصبح الحضارة هي المحرك الأعلى للصراع، لأن الصراع العالمي تحرك كالآتي بدءاً من الثورة الفرنسية أصبحت الخطوط الرئيسة للنزاع بين الأمم وليس بين الأفراد، كما كان في عهد الإقطاع.. ثم جاء الصراع بين الأيديولوجيات والمذاهب، كالصراع بين النازية والفاشية والشيوعية.

وأخيرًا ظهر الصراع بين الحضارات والثقافات، وهذه هي الحلقة الأخيرة من حلقات الصراع العالمي.. ولأن الخصائص والفروق الثقافية أقل قابلية للتبديل، وأقل قابلية للحلول الوسط من نظيراتها السياسية والاقتصادية، ومن ثم فلا مكان فوق القمة إلا للحضارة الغربية التي عليها أن تستغل تفوقها الحاضر في توجيه دفة الحضارة العالمية من منظور واحد وإلى الأبد.

وما أهم ملاحظاتكم العلمية على هذه «النظرات» وما موقع ودور حضارتنا الإسلامية من العلاقة الصعبة؟

«هنتنجتون» يحاول خلق عدو خارجي للولايات المتحدة، فكأنه بحكم غريزته الغربية، يعد العدة لحرب قادمة، وكأنه يخشى أن تتوانى الولايات المتحدة في الاستعداد.

ويتحدث عن الغرب كجماعة واحدة، وهذا خطأ كبير، فالغرب ليس كتلة واحدة، وقد حاول الغرب التأثير على فرنسا لتكف عن تجاربها النووية، ولكنه لم يفلح، والدور الأوروبي والأمريكي متقاطع إلى حد كبير.

إلى ما سبق، فإن هنتنجتون، ليس دارسًا للفكر والقيم الإسلامية، فهاجم الأصولية على أنها الإسلام، مع أنه عاد فقال إن الأصولية موجودة في اليهودية بشكل سافر، وموجودة في المسيحية والكونفوشية والبوذية.. ولم يفهم الأصولية على حقيقتها، وهو واقع تحت ضغط كبير من الفكر اليهودي المتعصب، لذا فقد دخل الموضوع على أنه صراع، ونسي محاولات غرس التسامح والتعاون بين الشعوب، وأبرز في هذا الصدد نقطة الدين كمصدر أساسي للنزاع بين المسلمين والغرب. وتناسى أن الغرب إنما ينسب للدين «أسمًا» فقط، في حين أن الدين في العالم الإسلامي - مهما كادوا له - لا يزال مادة الحياة الأساسية لشعوبه.

ومن سذاجة «هنتنجتون» أنه يربط بين بيع السلاح الصيني لبعض الدول الإسلامية، وبين الإسلام والكونفوشية، في حين، لم يذكر كلمة واحدة عن ترسانة الأسلحة الأمريكية المتطورة "لإسرائيل"، فخرج بذلك من دور الباحث «المحايد» إلى دور السياسي «المتعصب»، وتكلم عن اصطدام المسلمين بالغرب و"إسرائيل" والفلبين وبورما، وعجز عن إبراز الحقيقة الواضحة، وهي أن المسلمين معتدى عليهم في جميع هذه الدول.

وقد تبع برنارد لويس، هنتنجتون بدراسته عن صراع الثقافات، وهي لا تخرج عن الخط السابق، ولم ينس برنارد لويس، جذوره اليهودية، فالف كتابًا عنوانه: «احذروا الشرق الإسلامي»!

أصالة الوجدان:

تَميُّز الشعور النفسي عن الشعور الأخلاقي يشير إلى اختلاف وظائف الذهن وتنوع مواقفه تبعًا للظروف والأحوال ووجهات النظر أو مجالات الاهتمام.

الوجدان أو الشعور الأخلاقي يحتكم إلى الأخلاق بينما الشعور النفسي يحتكم إلى الحواس ويزداد بالمعرفة والعلم.

متى وُجِدَ التواز بين معطيات العلم وبين قيم الأخلاق أَمكن للعلم أن يخدم الإنسانية.. لا أن يهدمها.

بقلم: د. ماجد أحمد المومني

يتصف الوجدان الحي اليقظ بانه وسط فعال يُؤلف - مع الشعور النّفسي للفرد – وجهي حقيقة واحدة هي الذَّهن - أي وظائف العقل.

ويتميز هذا الشعور أكثر ما يتميز بالتطلع إلى الغد - أي المستقبل - تطلعًا هادفًا ملتزماً، وبالقدرة على إطلاق أحكام معيارية أو قيمية ملزمة تلبي انخراط المرء في خضم الحياة وتترجم نظرته إلى هدف الوجود.

فبينما يقتصر الشعور النفسي على الاتصال بالواقع والحكم عليه بما تسمع به الحواس، فإن الوجدان في الناحية الأخلاقية لا يقتصر على فهم الواقع بدون العناية بتحويره ورسم خُطى السلوك، والتصرف بمعايير تختلف عن معايير الحواس، إنها معايير ترتبط بالهدف الأعلى، وتتسامى إلى القيمة المثلى؛ فتقترب بالمرء إلى مصاف العارفين، والمصلحين، والمفكرين.

والحق أن هذا التمايز في وظائف الذهن لا يعني تمزّق الشعور وانقسامه على ذاته -إلا في أحوال المرض والخلل- وهذه الصورة التي تستهدف تمييز الشعور النفسي عن الشعور الأخلاقي، وإنما تشير هي وأضرابها إلى اختلاف وظائف الذهن وتنوع مواقفها تبعاً للظروف والأحوال، ووجهات النظر أو مجالات الاهتمام.

فإذا قيل إن الشعور النفسي يُطلق أحكامًا معيارية في ميدان المعرفة -سواء ذلك- معرفة الإنسان لنفسه، أو معرفته بسائر المواضيع العلمية كالرياضيات والعلوم - فإن الوجدان في هذه الأحوال يتفق مع الشعور النفسي فيما يتصل بالعناية بالأخلاق، عنايته بالعلم الذي يعتمد على الحواس والاستدلال المنطقي.

وبعبارة أخرى فالوجدان يرتبط ويحتكم إلى الأخلاق وقيمها، بينما الشعور يحتكم إلى الحواس ويزداد بالمعرفة والعلم الخاضع للتجريب والاستدلال الرياضي.

ومتى كان التوازن موجودًا بين مُعطيات العلم والمعرفة وبين قيم الأخلاق والتسامي أمكن للعلم ومنجزاته أن يخدم الإنسانية لا أن يهدمها باختراع وسائل الدمار، والتفنن في ابتكار أسلحة الدمار الشامل ووسائل الإرهاب التكنولوجي بأشعة الليزر، والمواد الكيماوية، والبيولوجية، والجرثومية.

والواقع أن حياة الضمير النقي النظيف تقتضي أن يمارس الإنسان بالفعل تجربة الأمر والنهي الأخلاقيين، فتتخمَّر الأوامر الأخلاقية في الوجدان تخمّراً خفياً لا يظهر إلا بعد أن يبلغ درجة كافية من القوة والنضج، وهذا التخمّر يكون إيجابيًا في حال الموافقة على الأفعال الخيّرة، وسلبياً في حال مخالفة الأفعال الشريرة.

ففي الحال الأولى تُصبح الموافقة تشجيعًا، والتشجيع شجاعة، والشجاعة خُلقًا موضوعيًا وابتكارا، أمًا عدم الموافقة في الحال الثانية فإنها تمنع من انتشار الفساد والفحش والرذائل، وأحيانًا يكون دره المفاسد أولى من جلب المصالح، بمعنى أبسط، هذا الموضوع يمثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون النهي عن المنكر أكثر إلحاحًا ولزومًا عند استمراء الفساد وانتشار الفحش من الأمر بالمعروف الذي لا يلقى أذاناً صاغية ممْن استفحل بهم الداء وأدمجوا على الخبائث، وأوغلوا في الفساد.

ومن هنا نعلم أن انحلال الضمير الأخلاقي ينزع عصب العمل، ويجدد الفاعل في سلاحه، ويحرمه من الشعور بالدوافع والعوامل والبواعث الخيّرة، ويقضي على العزيمة، ويحذف بالتدريج العناية بالتخلّق، فيقضي على الصوت الباطني المُسمَى الوجدان، فينطفئ ويصبح صاحبه خطراً على نفسه وأسرته، وهنا لابد من القصاص امتثالًا لقوله تعالى:

﴿وَلَكْمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكْمْ تتْقُونُ ﴾ (البقرة).

أما أصحاب الضمائر الحيّة النقية النظيفة فقد وصفهم الله بُمحكم كتابه بهذه الآيات البيئات:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأُرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامْا  وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يقولُون ربنا اصرف عنَا عذَاب جَهنَم إِنَّ عَذَابهَا كَانَ غَرَامًا  إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا  وَالَّذِينَ إِذا أَنِفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَفْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَّ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسِ اَلّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزنُونَ ومن يَفْعَلْ ذَلكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ (الفرقان 63 :68)

هذه هي صفات أصحاب الضمائر الحية، وتلك هي الأخلاق التي تقوم عليها حضارة الإسلام ومجتمعه الفاضل.

الفضائل تُرهق الوجدان

تقدَّمت امرأة جميلة إلى الشعبي -له شُهرة في القضاء كشهرة القاضي إياس- فادّعت عنده، فقضى لها، فقال الشاعر هذيل الأشجعي:

فُتِن الشعِبِيَ لِما *** رَفَعَ الطِّرفَ إليها

فَتْنَتْهُ بِبَنَانٍ *** كيفَ لوٍ رأى مِعْصْميها

وَمَشَتْ مشياً رويداً *** ثُم هزَّت منكبيْها

فَقَضى جَوْراً على الخصم، ولَمْ يَقْضِ عليها، فتناشدها الناس وتداولوها، حتى بلغت الشعبي، فخجل من نفسه وأنصف الرجل بعد أن جلد هذيل ثلاثين سوطاً بتهمة التشهير والطعن بعدالة القاضي.

ونحن إذا تركنا جانباً الاعتبار الأدبي والفني والحقوقي في هذه الحادثة وأضرابها، وفرضنا أن قاضياً يراوده امرؤ بهدية أو مال أو رشوة ليقضي له، بدل أن يقضي عليه، تُرى ماذا يحدث في نفس القاضي لحظة وعيه بهذه المحاولة؟

إنّ القاضي النزيه يرفض بشمم وإباء، وبدون أدنى تردد ذلك المسعى، ويعتبره مساسًا بكرامته، وإهانة لوظيفته، وتجريحًا لشعوره وعواطفه وسمعته، وامتهاناً لمهنة القضاء بشكل عام.

أمًّا إذا فتنته قيمة العرض، واستمالته الغواية والضلال من زاوية خلل أو تعثَّر في وجدانه -لا سمح الله- وجدنا أنه يتردد قبل الرفض، على الرغم من شعوره بخسّة قبوله العرض، فتراه يشحذ ذهنه وذكاه، ويستغل خبرته ومهارته لإيجاد المبررات التي تُغطي قبوله العرض، فتراه يدافع بخبث ودهاء لطمس الحقائق وتحويرها وتبديلها، أو على الأقل يدعي أن البيانات القانونية في تلك الحادثة غير كافية لإدانة المتهم.

ومتى اختلطت الأمور إلى هذا الحد عمَّ الفساد وانتشر البلاء، وأصبح القضاء هو الدّهاء والمكر والتفنن بإيجاد ثغرات في القانون تُطلق سراح المتهم، حتى ولو كانت التهمة بيع أطفال، أو ربما يلوذ المتهم بحماية إحدى السفارات المصونة بالحصانة الدبلوماسية المتعارف عليها دوليًا.

أمًا القاضي النزيه، فإنه يرفض المُغريات مهما كانت كبيرة وعظيمة، ويطبق العدالة ولو كلفته منصبه، أو استقالته، أو إحالته على التقاعد القسري.

والواقع يشهد أن كل إنسان في كل لحظة من لحظات حياته، يعيش مثل هذا الصراع الباطني الخفي، ويجدُ جُهدًا يسيرًا أو عسيرًا للتكيف مع ظروف وجوده الأخلاقي، فيدرك أن أعماله ليست حوادث حيادية، وإنما تتأثر بمعتقداته ومجتمعه وبيئته، بل إن صبغة أخلاقية هي صبغة الاقتراب إلى الخير والابتعاد عن الشر ما أمكنه تظهر في كل حركة يقوم بها أو عملًا يُؤديه.

هناك قاعدة تنبعث من أعماقه وتقاومه في الوقت نفسه فتفرض ذاتها عليه، ومثل هذا الصراع يتمثل بين المبادئ والمصالح، فإن غلبت المبادئ على المصالح انتصر الضمير الأخلاقي، وإن انتصرت المصالح على المبادئ تعثر الوجدان وانطفأ في نفس صاحبه.

كم من طالب في الامتحان يعرف أن الغشّ عمل يتنافى مع الفضيلة، ولكن الكثير ممن يتقدمون إلى الامتحان لولا المراقبة لقاموا بعملية الغش والتي تتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية.

المحك الذي يُعرف به أصحاب الضمائر الحية من أصحاب الضمائر الملوثة هي سلوكياتهم في معزل عن الرقابة، فإن كانت هذه السلوكيات تتلاءم مع الفضائل ببواعث داخلية تنبع من ضمائرهم، فهم أصحاب الضمائر الطاهرة، أما من يقتنص مصلحة على حساب المبادئ في غياب المراقبة، فهم أصحاب الضمائر الملوّثة.

الدين يهذب الأخلاق، والأخلاق تُرهف الوجدان.. الدين عقيدة وعبادات، والأخلاق سلوك وأعمال، فأركان الإيمان عقيدة، وأركان الإسلام عبادة، وممارسات سلوكية، وأفعال مُنظمة، وفي أوقات محددة من الصلاة، إلى الزكاة، إلى الصوم، إلى الحج جميعًا، أعمال ترتبط بالتوحيد لله تعالى تصديقاً بالقلب، وإقرارًا باللسان، وعملًا بالجوارح، ومع أن جميع المهن تحتاج إلى هذه الممارسات التي يكون من حصيلتها أصحاب الضمائر الحية النقية النظيفة إلا أن أخطر المهن علاقة بطهارة الضمائر ونقائها هي التعليم والقضاء؛ لأنها تتناول وتعامل مع الإنسان مباشرة، ومع العقول، ولا تتعامل بمبضع أو آلة أو جهاز، فهندسة العقول أولى بالرعاية من هندسة الإنشاءات، ومباضع الجراحات والعمليات.

وكلما كان هذا الصوت الباطني المسمى بالوجدان يشعر بحالات الفرح والارتياح إذا تناول أفعال صاحبه الماضية كان وجدانه حيًا طاهرًا ويتصف بالاعتدال والمروءة، أما إن ظهر بصوت الألم أو وخز الضمير فهذا يعني أن السلوك الإجرائي لصاحبه لا يتفق مع مبادئه، ومعتقداته، ودينه، ومروءته.

تأثير الوجدان في الحياة العقلية:

هذا التأثير شبيه بأثر الفكر الانتقادي في المعرفة النظرية، فقد يتفق أن يقع طفل أو شاب أو راشد على حقيقة من الحقائق بصورة عفوية، ولكن هذه الحقيقة لا تغدو مقبولة إلا إذا دافع عنها صاحبها، وبرهن على صحتها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إضافة الأمر والنهي للأعمال المستقبلية هو ما يسمّى بالإرادة التي تأمر بعمل الخير وتنهى عن الشر، وهذه الإرادة - إحدى وظائف العقل الثلاث: الذكاء، والعاطفة، والإرادة.. وإذا كانت هذه الوظائف الثلاث متوازنة بحيث تتجلى في أفعال الإنسان مُتناغمِة مع قيمه ومعتقداته، فإن ضميره حتمًا ضميرَ حي يقظ يعبدُ الله كأنه يراه، وتكون أعماله منسجمة مع طبعه، ومروءته، وخُلقه ودينه.

وهذا ما يُرادف التقوى في الشريعة الإسلامية، فالتقوى بمفهوم الشريعة الإسلامية أن تعبد الله كأنك تراه، وأن تؤمن بأركان الإيمان الستة تصديقًا بالقلب، وإقراراً باللسان، وعملاً بالجوارح، وأن تؤدي أركان الإسلام الخمس سلوكًا، وعملًا إجرائياً، وبانتظام حتى يستقيم السلوك، فالصلاة عمل أدائي، والصيام عمل إجرائي شهرًا في السنة، والحج بمناسكه، وإن كان مرة في العُمر له أركانه وواجباته وأعماله، وقل مثل ذلك على الزكاة، فمقاديرها معروفة في الأموال المنقولة وغير المنقولة، هذا بالنسبة للمسلمين، أما بالنسبة لغيرهم فالأمر يتفاوت بين الفضيلة والرذيلة تبعًا لمعتقداتهم ومذاهبهم وعاداتهم وقيمهم، ولكنها مهما بلغت لن تبلغ درجة الفضائل التي رسمها الخالق للبشرية في الشريعة الإسلامية، على اعتبار أن الإسلام دين عام للبشرية ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام هي رحمة للعالمين، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعَالَمِين﴾ (الأنبياء: ١٠٧).

لذا نجد أن خُلق الإنسان ينبع من ضمير حي في السلم والحرب، فإن انتصر لا يبطش، وإن احتل لا يؤذي، وإن خاصم لا يَفْجُر، بعكس اليهودي إن تمكن اخذته الغطرسة والبطش وتكسير العظام، وارتكاب المذابح كتلك التي ارتكبها في «قانا» اللبنانية، و«دير ياسين» الفلسطينية، و«بحر البقر» المصرية، ومذابح «صبرا وشاتيلا».. أضف إلى ذلك هدم البيوت وتهجير أصحابها، ومصادرة الأراضي.. إن ضمير المسلم ينبع من تعاليم دينه التي وردت في القرآن الكريم مصداقاً لقوله تعالى:

﴿قَد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صلاتِهِم خَاشِعُونَ  وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللُّغْوِ مُعْرِضُونَ  وَالَّذِينَ هُمْ لِلزُّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجهمْ حَافظُونَ  إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلْومِينَ فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئكَ هُمْ الْعَادُونَ  وَالّْذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالّْذِينَ هُمْ عَلَىْ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ  أُوَلَئَكَ هُمْ الْوَارِثُوِنَ ﴾ (المؤمنون1:10).

عشر آيات محكمات هن من أم الكتاب اشتملت على جميع المذاهب الأخلاقية الفاضلة، وعلى جميع أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، مع سلوك إجرائي للوفاء والمواثيق والعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن الفواحش كالزنى ...

وقد درست المذاهب الأخلاقية لجميع الفلاسفة، ابتداءُ من الفلسفة اليونانية، والغربية، والحديثة، ولم أجد مذهبًا أخلاقي ا يجمع كل هذه الفضائل في خمسة أسطر، وهذا بُرهان عملي على إعجاز القرآن.

ولم أجد ضميرًا أنقى من ضمير المسلم، لا يَفْجُرِ، ولا يبطش، ولا يقطع شجرة، ولا يُؤذي حيواناً، والحملة الظالمة على الإسلام والمسلمين أعمال يقوم بها مُرتزقة تُمولهم الصهيونية العالمية، ابتداء من أحداث الجزائر، وانتهاءُ بأحداث أفغانستان، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَان داوود وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتدون  كَانُوا لا يَتنَاهَونَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ (المائدة 78:79).

لقد فقدوا الشعور الأخلاقي فمات عندهم الضمير الحي، وانعدم الوجدان الذي يعمل وفق هداية السماء.

المراجع

١- فلسفة القيم، أ. د. عادل العوّا، جامعة دمشق.

٢- المذاهب الأخلاقية. أد عادل العواء جامعة دمشق

٣- الثقافة الإنسانية، أ. د. عبد الكريم الباني، جامعة دمشق.

٤- فلسفة الحضارة الإسلامية، أ. د. عفت الشرقاوي، جامعة الإسكندرية.

٥- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، الأستاذ الكبير: عباس محمود العقاد، جامعة القاهرة.

الرابط المختصر :