; المجتمع الثقافي: المجتمع (1497) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1497)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002

مشاهدات 129

نشر في العدد 1497

نشر في الصفحة 50

السبت 20-أبريل-2002

■ لغويات سياسية

«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».

كَبَتَه.. فبَتَك أذنيه!

سأل القاضي الحلاق: لِمَ قطعت أذني الأستاذ، وهو مرب جليل، وأستاذ فاضل وأديب محترم قال الحلاق لو كان مربيًّا جليلًا، وأستاذًا فاضلًا، وأديبًا محترمًا، لما قطعت أذنيه يا سيدي القاضي.

 قال القاضي: فما هو إذًا؟

قال الحلاق إنه مخلوق من مخلوقات اللهالضالة.

 قال القاضي: كيف تقول عنه هذا.. ويحك!؟ 

قال: الحلاق لست أنا الذي أقول ذلك يا سيدي القاضي إنما هو الذي يقول.

قال القاضي: فماذا يقول؟

قال الحلاق يقول: إن أصل الإنسان قرد.

قال الأستاذ: يا سيدي القاضي هذا الكلام ليس من عندي، بل هو كلام عالم اسمه «دارون» إنها نظريته في أصل الأنواع. هو يقول: إن الإنسان مخلوق تطور عن القرد. فما ذنبي أنا؟ 

قال الحلاق معنفًا: ذنبك أنك تدرس هذا الكلام لأبنائنا، وتثير لديهم الشك في عقيدتهم. والله- عز وجل- أخبرنا أن بدء خلق الإنسان من طين، وأنه حين خلقه من الطين نفخ فيه من روحه فصار إنسانًا، وأمر الملائكة بالسجود له فهل نترك كلام ربنا ونسمع كلام «دارون» يا سيدي القاضي؟ 

قال الأستاذ: ولكن هذا الكلام في المنهج الدراسي الذي وضعته الحكومة يا سيدي القاضي، ولم آت به من عندي.

 قال الحلاق محتدًا: سيدي القاضي، لو أن حضرة الأستاذ قال عن نفسه إنه من سلالة القرود لما قطعت أذنيه، ولا حتى أذنًا واحدة. أما أن يقول لابني: «إن جدك قرد» فهذا ما لا أقبله؛ ولا من الحكومة التي وضعت المنهاجالمدرسي فلينتسب كل إنسان إلى الحيوان الذي يحبه، فما شأني أنا؟.. أما أن يكون ابني من سلالة قرد، فهذا لا يكون أبدًا، وليذهب دارون ونظريته، ومن يعلم نظريته، ومن يؤمن بها، ومن يقررها في الكتب.. فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم.

 قال القاضي: ولكنك ارتكبت جريمة يعاقب عليها القانون.

 قال الحلاق: ليس الذنب ذنبي يا سيدي القاضي.. فأنا مأمور بذلك. 

قال القاضي مستغربًا: مأمور؟! ومن أمرك؟ قال الحلاق بثقة: أمرني الذي أمر هذا بإفساد عقائد التلاميذ، وأمر حكومته بوضع الضلال فيكتب المدارس.

قال القاضي: لم أفهم

قال الحلاق خير لك ألا تفهم يا سيديالقاضي، فالأمر محير حقًّا، ولكن أرجو أن تفهم شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الأستاذ محظوظ.

 قال القاضي متعجبًا: محظوظ لأنك قطعت أذنيه!؟

قال الحلاق: لا.. محظوظ لأني لم أؤمر إلابقطع أذنيه.

قال القاضي وضح ما تقصد.

قال الحلاق هذا الأستاذ الواقف أمامك، لم يكتف بتلقين التلاميذ. وابني واحد منهم أنهم أبناء قردة، بل هو يسعى دائبًا إلى حضهم على الفسق والفواحش، وممارسة الزنى بشكل دائم، حتى لا يعانوا من "الكبت".. كما يقول لهم وهو ينشر هذا الكلام في كتبه التي يطبعها ويوزعها بين الناس إنها ملأى بالعبارات التي تخدش المروءة والحياء، وتحض على الرذيلة، بل تزينها للناس، بأساليب جذابة براقة، ولو قرأت له قصة واحدة يا سيدي القاضي، لتأكدت من صحةكلامي.

 قال الأستاذ متلجلجًا وهذا الكلام أيضًا ليس من عندي يا سيدي القاضي، بل هو كلام «فرويد» عالم النفس المشهور.

قال الحلاق بثقة: ألا ترى معي يا سيدي القاضي أن حضرة الأستاذ محظوظ وأن الذي أمرني بقطع أذنيه فقط كان منصفًا معه؟!...

 قال القاضي: ومن أمرك ويحك بهذه الجريمة؟ قال الحلاق إنه الشيطان يا سيدي. إنه هو نفسه الشيطان الذي أمر هذا المخلوق سليل القردة، بأن يفسد عقول الأجيال وأخلاقهم وعقائدهم.. والجزاء من جنس العمل.

قال القاضي: وكيف أمرك بذلك؟ 

قال الحلاق: حين جاء ابني من المدرسة، وبدأ يحدثني عن «الكبت» ومضاره وآثاره السيئة. وعن تحريض الأستاذ له ولزملائه في الدروس على الفاحشة خوفًا من «الكبت»، وحين أراني ابني قصة للأستاذ تحض على الفاحشة مخافة «الكبت».. حينئذ طلبت من ابني أن يخبرني عن معنى كلمة «الكبت» فلم يعرف معناها بالضبط وقال لي سوف أستخرج لك معناها من المعجم وحين بحث عنها في المعجم، وجد لها المعاني التالية: كبته يكبته صرعه، وأخزاه، وصرفه وكسره ورد العدو بغيظه والله.

فلم أجد بين المعاني المذكورة كلها يا سيدي القاضي ذلك المعنى الذي يتحدث عنه الأستاذ في دروسه وكتبه. 

وقلت لابني: ابحث لي عن معان أخرى. فنظر الولد، فرأى كلمة «المكتبت»، ومعناها الممتلئ غمًّا فوجدت هذه الكلمة تنطبق على تمامًا يا سيدي القاضي.. فقد كنت مكتبتًا، إلى أقصى درجة. إلا أنني أمرت الولد ابني أن يتابع البحث عن معنى «الكبت»، فقال لي: هذه هي معاني الكلمة. ترتيب حروفها هكذا "ك ب ت". فقلت له: ابحث لي عن ترتيب حروفها بكل الصور. فبدأ الولد ابني يقلب في ترتيب حروف الكلمة - وهو يسميها: تقليبات. فقرأ علي المعاني التالية:

كتب: وهذه معانيها معروفة لديكم يا سيديالقاضي.

 بكته ضربه بالسيف والعصا. واستقبله بما يكره. ومثلها بكته. 

والتبكيت: التقريع، والغلبة بالحجة.

والمبكت المرأة المعقاب «كثيرة العقب: أي النسل».

وبتكه يبتكه ويبتكه قطعه كبتكه فانبتك وتبتك.

والبتكة «بالكسر والفتح»: القطعة جمعها بتك. وجهمة من الليل.

والباتك: القاطع، كالبتوك.

أما اللفظان «تكب» و«تبك»، فمهملان.. أهملتهما العرب، فلا معنى لأي منهما.

قال القاضي محتدًا: وماذا بعد كل هذا..!؟

قال الحلاق بهدوء: على مهلك يا سيدي القاضي، لأخبرك بأني أنصفته، حين قطعت أذنيه.

قال القاضي: كيف أنصفته ويلك؟ قل، ولا تضع وقت المحكمة.

قال الحلاق حسن: يا سيدي القاضي، سأخبرك. إني نظرت في المعاني التي ذكرتها لك. فوجدتها بين أحد أمرين: إما أنها أشد من العقاب الذي يستحقه الأستاذ مثل كبته أي صرعه وكسره، وإما أنها أخف مما يستحق، مثل "أخزاه" وصرفه، ورده بغيظه وأذله. وهذه كلها من معاني «كبت».

وأما معاني بكت، فهي كذلك بين أمرين: أحدهما أشد مما يستحق، والثاني أقل مما يستحق. فالأول مثل بكته ضربه بالسيف، والثاني مثل ضربه بالعصا، واستقبله بما يكره ويكنه أي قرعه وغلبه بالحجة. وأما اللفظان المهملان «تكب» و«تبك» فلا تشتق منهما عقوبة لأنهما لا معنى لهما. وأنت سيد العارفين.. فلم يبق عندي سوى البنك يا سيدي القاضي أي القطع. وهنا بادر الشيطان الذي أمر هذا الأستاذ بإفساد الناس.. فأمرني أن أقطع أذنيه، لأنه بهيمة ضالة. ألم يقل إبليس جد الشياطين، عن أبناء آدم أمثالي: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ (النساء: 119). وما دام هذا الأستاذ ينسب نفسه إلى القرد أي إلى المخلوقات العجماء، أفليس من الأنعام.. يا سيدي القاضي؟

ضحك القاضي، وضحك كل من في المحكمة. قال القاضي: قاتلك الله على هذا الفهم، وقاتل الشيطان الذي أمرك. ومتى كان الشيطان يغار على عقائد الناس وأخلاقهم حتى يأمرك بمعاقبة الأستاذ بهذا الشكل المزعج؟

قال الحلاق حسن: يا سيدي القاضي، فإذا افترضنا أن الشيطان ليس هو الذي أمرني، فبماذا كنت ستأمرني أنت لو كنت في مكانه؟

قال القاضي مستفسرًا: تقصد لو كنت أنا في مكان الشيطان؟

قال الحلاق: نعم.. وأرجو عدم المؤاخذة.. فليس مقامك من مقامه. إنما المسألة من باب الافتراض.

قال القاضي: قبحك الله.. لو كنت في مكانه لقطعت لسانك السليط هذا على وقاحته، لكنني ومن مكاني هذا الذي أطبق فيه القانون، أقضي عليك بعقوبة السجن مدة أربع سنوات، أنزلها إلى سنتين تخفيفًا عنك لغيرتك على أخلاق أبنائك ودفاعك عنها. وأقضي عليك بغرامة ألفي دينار دية للأستاذ، عسى أن يتمكن من زرع أذنين بعملية تجميل، بدلًا من أذنيه المقطوعتين.

عبد الله عيسى السلامة

 

■ واحة الشعر

لعرشك تنحني أمة

شعر: د. سعيد شوارب

أقبل تربة ضمتك يا معنى حمى أمة!
وأنسى المزجفين، ومن يتاجر فيك بالأزمة
رميت.. رميت باسم الله، ثم سقطت للقمة
وأنسى كل من باعوا الثمين بأنفس قزمة
أجل... فتباركت عين ترى ودروبنا فحمة
ومن زيف خيل الله، حتى ترهب الحومة
غضبت لسورة الإسراء، تبكي الأهل والحرمة
حزمت حزمت ذاكرتي عليك لأخطب النجمة
وفي عتباتها الخضراء قام الأبرص الأكمة
فمن أرجف من بعدك، لا عهد ولازمة
يجوس ونحن كالغرباء، لا خال ولا عمة
فدُس كل المطارات التي نامت عن الخدمة
فكنتَ إفاقة اللاوعي ترفع هامة الأمة
ودُس كل الكتابات التي لا تشرع الكلمة
وخذ عمري وأشعاري إليك وأعطني ضمة
حبيبي...قلبك الدفاق كم فجر من همه 
فدى أم طوت دمعًا يذوب قلبها رحمة
تلفتت المآذن عنه من سجاه؟ من شمة 
وقامت تفتدي الأقصى، وتنصب شعرَها غيمة
فلا أرض تحب القدس، إلا تشتهي ضمة
جرت «قمم، فما عقدت.. ووحدك تعقد القمة
حنانك لم يمت هذرًا، لعرسك تنحني أمة
حزمت حزمت ذاكرتي... عليك لأمحو الوصمة
جرت قمم فما عقدت ووحدك تعقد القمة
لأنسى كل من باعوك في بوابة الحكمة
وحسب الدم. حسب الدم.. هذه النعمة الجمة

 

■ يا أمتي

شعر : سعد خضر

يا أُمَّةً شَحَذَ العدو لها المدى                                            حتى متى تَبْقَيْنَ فاقدة الهُدَى؟
درب الجهاد هو الموصل للمنى                                         فَلِمَ المضي مع الخضوع إلى الردى؟
فيم انتظاركُمُ وهذا جَيْشُهُمْ                                              ملأ الدروب وعاث فيها مفسدًا؟
فيم السكوت وذي الدماء تدفقت                                   تستقي التراب، ولا يَكْفُ من اعتدى؟
جبناء دنيانا علينا اسـتأسدوا                                                أفلا نثور على الجبان إذا غدا؟
والله لو قمنا نقاتلهم لما                                                   وقَفُوا أمام البحرِ يُرْغي مُزبدًا
والله لو رأوا اتحادًا ما أتوا                                                   هذي الجرائم، فابسطوا لهم اليدا
يا أيها الزعماء أَنْتُم ظِلُّنَا                                                      لا تتركونا للهواجر والردى
قولوا لمن وقفوا وراء عدونا                                            إما الحياد أو القطيعة للمدى
وتحرروا يا مسلمون لأمركم                                              فالحر مختار، وليس مُعَبَّدا
إما سكوت بالهوان مغلف                                                يصمي الكرامة وانحناء للعدا
أو غَضِبَةً للهِ تَعْبُرُ نارُها                                                        كل الحدود لكي تُزيلَ مَنِ اعْتَدَى
المسجد الأقصى ينادي صارخًا                                          والصخرة العلياءُ تَجْهَرُ بالندا
يا مَنْ تُغيثون الصريخ إذا شكا                                          مهما يكن عنكم غريبًا أبعدا
هذا أخوكم صارخًا مستنجدًا                                             هلا أغثتُمْ صارخًا مستجدًا؟
أَوَمَا لَكُمْ فِيمَنْ تُفَجِّرُ نفسها                                           مثل به عند النوازل يُفْتَدى؟

 

■ أناشيد الغربة والصبر والاستعلاء في ديوان «القادمون الخضر» لسليم عبد القادر

بقلم : محمد الحسناوي[1]

ليس بالمستغرب أن تشغل التجربة الذاتية في الفن عامة وفي الشعر خاصة حيزًا واسعًا؛ لأن كلًا من الفن والشعر، خلافًا للعلم، يعتمد على التجارب الإنسانية. لكن الظاهرة التي تسترعي الانتباه أن تطغى التجربة الذاتية أو ضمير المتكلم على ثلاثة الأرباع من ديوان شعر إسلامي حديث يتوسم فيه الالتزام الجماعي والانطلاق من تجارب جماعية.

خطرت ببالي هذه المعاني وأنا أطالع المجموعة الشعرية الأولى للصديق سليم عبد القادر، ثم قلت لنفسي لكي تزول الغرابة في هذه المعادلة بين الذاتية والجماعية، لا بد أن تكون التجربة الفردية الذاتية للشاعر متطابقة مع التجربة الجماعية أو مشتقة منها، ولعل هذا هو الخيط الأساسي الذي يربط بين عنوان الديوان الجماعي "القادمون الخضر"، وبين أناشيده المغرقة في التوحد والانعزال:

غريب تهز الحياة حنيني
 وتتركني غارقًا في شجوني
  فأصرخ في وجهها مغضبًا 
إذا كنت أمي فلا تمهليني
تبسمت الأم في رقة 
وقالت بصوت شجي الرنين
 هو الدرب درب الهداة الأباة 
مليء بشوك الأسى والأنين
 على أن كلمتي "التطابق" و"الاشتقاق" لا توضحان كل معميات هذه المعادلة المستغربة، بل ربما أسهمتا في زيادة اللبس والغموض، ما لم تظلا في حدود التسهيل والتمثيل لا التحديد والتدقيق. ذلك لأن التعامل مع النصوص الأدبية الرفيعة كالشعر محفوف بالمخاطر، فالشعر الإسلامي لا يتطابق في كل العصور الأدبية، بل لن تتوقع التطابق بين شعراء العصر الواحد، وسوف نرى أن لكل قصيدة من قصائد هذه المجموعة شخصيتها المستقلة، ونكهتها الخاصة بها، على الرغم من أنها من نتاج شاعر واحد. يجمع بينها ألوان من التطابق في الأغراض، ثم الاشتقاق من تجربة الشاعر الكبرى أو رؤياه الشاملة.

فبقدر ما هو شاعر مسلم هو كذلك عربي سوري حلبي وفلان ابن فلان متوسط الطول نحيل الجسم حنطي اللون أسود العينين وهو أكثر من ذلك قد قضى حياته وأشعاره في أحد سجون الرأي أغسطس ۱۹۷۹م- مارس ۱۹۸۰م، وفترة أخرى في أحد بلاد الهجرة يونيو ۱۹۸۰- ديسمبر ۱۹۸۰ وفترة ثالثة في بلد ثان من بلاد الهجرة حتى يومنا هذا.

منذ أعوام، وحتى هذه اللحظة
تمضي كل ساعاتي اغترابًا
يوم ودعت بلادي هاربًا
أنشد بالهجرة أمنًا وثوابًا 
يا إلهي هل غدت غابًا بقاع
الأرض أم أني أرى العالم غابا؟ 

ونحن هل نرى في هذه الصرخات صدى للحديث الشريف: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"؟ ومن عجب أن تتحول التجربة الذاتية، بعمقها وصدقها، إلى تجربة إنسانية عامة: شاعر يستشهد أخوه. فكيف يكون وقع الحدث على حسه ومشاعره؟ وكيف يكون انعكاس تلك التجربة على حس القراء ومشاعرهم؟

سأبكيك طول العمر- يا جنة العمر 
بقلب سخي الدمع أحمر كالجمر
خليلي وحبي وابن أمي وبهجتي
وأكبر من سلوى وأكبر من صبر  

ألم تصبح مراثي الخنساء في أخيها صخر من كنوز الشعر الإنساني الخالد؟ 

فلو كان للخنساء مثلك راحل
لما بكت الخنساء يومًا على صخر

وأقل عجبًا أن تتحول تجربة شاعر مسلم إلى تجربة جماعية إسلامية أو مجتمع مسلم، فالشاعر له إخوة شهداء إخوة عقيدة، غير أخيه الشهيد ابن أمه وشعوره تجاههم صدى لمشاعر الجماعة المسلمة التي يوالونها وتواليهم.

وأنا في الحياة جرح كبير
  غارق في دموعه الهتانة 
 ما جرى دمعه من الهول لكن.
  فقد اليوم- يا أخي- خلانه 
 ذبحوهم والشمس تشهد والكون
  سميع، ومغمض أجفانه

من غير ما تمحل واعتساف سوف نرى طريق الشاعر- الجماعة محفوفًا بالمكاره، مخضبًا بالدماء. على الرغم من أن طبيعة الدروب، والطويلة منها، أن تكون متعرجة، أو متفاوتة الارتفاع والانخفاض، مختلفة في الإيناس والوحشة، متلونة في الخضرة واليباس، لكن طريق الشاعر مستقيم لا يعرف إلا الأشواك، أشواك السجن والمنفى والغربة. نعم هناك أنس بالله تعالى، وهناك إيلاف بالسائرين في اليقظة والأحلام، وهناك صحبة الليل أو زيارة الذكريات، ألا نسمع هذا الابتهال على الطريق؟

رب فاحفظني، وثبت في طريقي قدمي
  وارع قلبي، وأنر لي مهجتي ما دمت حيًّا  

كان وقع السجن، سجن الرأي، على حس الشاعر ومشاعره شديدًا، لكن حس الغربة عن الأهل والوطن، وحس المطاردة والعزلة والتضييق في بلاد الغربة لا يقل عن تجربة السجن إن لم تكن أشد منها. وهنا يلح سؤال: لماذا كانت تجربة الغربة أشد من تجربة السجن؟ هل لأن بعض إخوان الشاعر مازالوا 

أسرى وهو طليق؟

القهر يجري سعيرًا في أضلعي ودمائي  
 يشوي كـــــيـــــاني بنارٍ مشبوبة سوداء  
 لهيبها زفرات مضـــرجـــات الرجاء  
  تند في كل حين  عن إخوتي السجناء  

وتحول الطاغية إلى ظاهرة عامة 

ما عاد ذاتًا، ولكن عاد موضوعًا
 على المناكب والأقلام مرفوعًا،
 وعاد لا يحمل الأصنام في يده،
  ألم يصر صنمًا بالغدر مصنوعًا؟

ومع ذلك هل ييأس صاحبنا؟

يا نفس توبي، وكفي عن مهاترتي  
 فلم يزل خافقي للنور مشروحًا  
 ترثين ما ضاع، ما ضيعت لا ئمتي  
إلا متاعًا لشر الناس ممنوحًا  
تشكين؟ ويحك هل ترجين من أذن  
تصغي، فتمنح للمقهور ترويحًا؟  
 لا تشتكي إن في الشكوى لمهزلة  
يعافها الحر محزونًا ومجروحًا
  إني رضيت بما الرحمن قدر لي
  ولست أطلب بعد الذكر توضيحًا 
 لولا اصطباري على المكروه مبتسمًا 
 ما كنت مرتقبًا جناته الفيحاء 
 والعمر إن لم يكن الله كان سدى 
 لو سخر الجن للإنسان والريحا  

هكذا يختم الشاعر قصيدته "معاناة" المؤلفة من أربعة عشر بيتًا بخاتمة راضية متفائلة استغرقت نصف أبيات القصيدة للدلالة غير المباشرة على عمق الأمل الذي لا يقل عن عمق المأساة أو "المعاناة" التي استغرقت نصف القصيدة الأول. فالقصيدة "أسود وأبيض"، متوازنان ولو من الناحية الشكلية.

وقصيدة "محنة" من قصائد هذه المجموعة البارزة فيها النجوى والحوار وتتابع الأحداث والمشاهد والخاتمة فالتعليق على الحدث كله، وهي واحدة من قصائد الشاعر التي تحولت إلى أنشودة يتداولها الناس على أشرطة "الكاسيت" ويستمتعون بها.

أما القصيدتان الأخريان اللتان قام بناؤهما على الشكل القصصي فهما "زائر" و"مرثية". أما قصيدة "زائر" فتحكي قصة الشاعر مع الإسلام، وأما قصيدة "مرثية" فتحكي قصته مع الليل، بل قصة شهداء "تدمر" على وجه الدقة، وهي فصل من فصول قصة الشاعر وأمثاله مع الإسلام. ومن الطريف أن تتألف كل من هاتين القصيدتين القصصيتين من أربعة وعشرين بيتًا بالضبط.

في قصيدة "زائر" يجرد الشاعر من الإسلام شخصًا يزوره، ويدعوه إلى السير معه عبر البيد والنجود بخطى حمر على طريق منير، وهما سعيدان ينثران الأزهار الغضة الجميلة في دروب الأنام:

قال لي: سر، وراح يعدو أمامي  في دروب من السنا والظلام
ونعيش الحياة أغلى من الكون  وأحلى من شائق الأحلام

أما قصيدة "مرثية" فتتألف من ثلاثة مقاطع وبیت خاتمة. في المقطع الأول يشخص الشاعر الليل مخلوقًا مسهدًا حزينًا، أفرغ كل ما في كؤوسه وجراره من خمور، ثم راح يقطع جنبات الوجود وحيدًا:

وهو يشدو همومه، ثم يبكي وينادي أنى سيرى إخوانه  
عل قلبًا يُصغي إليه، ولكن أي قلب يسقي الظلام حنانه؟!  

فلا يتوقف الليل عند السكارى والمغنيات في القصور، ولا عند العشاق المغرمين في الحقول:

لم يرقه في الأرض شيء سوى طيف  شجي، مقدس أشجانه
إنه شاعر، فسالمه يا ليل وإن شئت فاستبح بستانه   

وهكذا يتوقف الليل عند شاعرنا الحزين:

أي قلب خلا من الحزن؟ بل أية روح لما تعد أسيانة 

كل ذرات هذه الأرض أمست للمآسي عشيقة ولهانة 

لماذا كان الحزن يغمر الكون، ولماذا كان الشاعر أكبر حزين يصطفيه الليل من دون العالمين؟ إنه الحزن على شهداء تدمر:

ذبحوهم في سجن تدمر غدرًا وانتقامًا من صحبهم وخيانة  
كل وجه كفلقة الصبح إن يشرق يضئ كونه ويسعد زمانه

 

■ مذكرات مراهقة

إساءة للفن وهدم للقيم

صلاح رشيد[2]

دافع مدكور ثابت، رئيس الرقابة على المصنفات الفنية بمصر، عن فيلم "مذكرات مراهقة"، الذي فاز مؤخرًا بالجائزة الأولى في مهرجان القاهرة الدولي السينمائي برغم اشتماله على مشاهد تتنافى مع القيم ومع تعاليم الإسلام، بزعم أن الفيلم يحكي الواقع بسلبياته وإيجابياته. واستشهد ثابت بالسينما الغربية قائلًا: إن هذا شيء مألوف ومطبق في الخارج، خاصة في السينما العالمية التي لا تخدع الجمهور، بقدر ما تقدم له الصورة بلا رتوش أو إضافات أو مجاملة.

  • سألته: ولكن كيف يتم إخراج فيلم مليء بالمشاهد الإباحية بين شاب وفتاة في دولة مسلمة توجد فيها رقابة من الأزهر ومن المصنفات الفنية؟

  • رد قائلًا: نعم، هناك رقابة تقوم بدورها عندما يكون هناك تعدٍ على المجتمع وعلى أخلاقياته وقيمه النبيلة، لكن أن يكون الفيلم متضمنًا مشاهد عادية مثلما نرى في الحياة والشارع، فهذا شيء عادي ولا أرى فيه خروجًا على القيم أو الأخلاق.

  • قلت: لكن مخرجة الفيلم معروفة بأفلامها المثيرة التي تعارض الأخلاق والآداب ويعترض عليها الأزهر؟

  • قال: أنا أتكلم عن فيلم "مذكرات مراهقة"، ولا دور لي لكي أدافع عن أحد؛ الفيلم يحكي قصة حب بين فتى وفتاة، كل منهما يحن للآخر، وكل الأفلام الرومانسية تحتوي على مشاهد غرامية، لكنها ليست لإثارة المشاعر أو للحض على الإباحية.

  • سألته: إذن أنت ترى أن الفيلم لم يتجرأ على القيم ولم يدع للإباحية.. فما تعريفك للإباحية؟

  • أجاب: الإباحية هي المشاهد الساخنة غير الأخلاقية التي تهدم القيم والتقاليد والتعاليم الدينية، وتهاجم الأسرة، وتدعو إلى التحلل والفجور، وليس العكس.

إزاء هذه الآراء المدافعة بقوة عن الفيلم من المسؤول الأول عن الرقابة الفنية بمصر، برغم أن الفيلم يمثل تعديًا على الآداب والتعاليم الإسلامية، سألنا أحد الفنانين الكبار الملتزمين وهو الفنان والمخرج حسن يوسف الذي قال: إن الفيلم لم يقدم فنًا يليق بالجائزة التي فاز بها في مهرجان دولي بمصر، لكنه من أوله إلى آخره مشحون بالمشاهد الإباحية غير الهادفة أو المخدومة، أو التي لها رابطة تربطها بالمشاهد الأخرى، هذه المشاهد جاءت لإرضاء المراهقين ولمغازلة شباك الإيرادات فقط. إذن المسألة ليست فنًّا، بقدر ما هي دعوة لهدم القيم وتحطيم الأسر، وإضاعة الشباب تحت هوس الجنس.

ويؤكد الفنان وجدي العربي أن الفن وسيلة من وسائل النهوض بالمجتمع والرقي به، وليس العكس، وأن فيلم "مذكرات مراهقة"، جاء صادمًا للقيم والمثل ولطبيعة النفس النقية التي تدعو للأخلاق، وتحاول أن تنشئ جيلًا يتعلم من الفن الفضائل والسمو الإنساني، ويرقى في سلم المكارم النبيلة.

وقال: إن المشاهد التي عرضها الفيلم لا تليق بمجتمع مسلم ينادي بالاستمساك بالفضيلة ويحارب الرذيلة؛ لأنه لا يصح أن نشجع العلاقات الآثمة بين الجنسين، وإلا فإننا نهدم المجتمع ونعيث فيه فسادًا

وتؤكد الفنانة مديحة حمدي الرأي نفسه بقولها: إن الفن لا ينبغي أن يخرج عن خط المثل والقيم وتعاليم الإسلام، وإلا كان شيئًا آخر وأضافت أن فيلم "مذكرات مراهقة" كان مستفزًا للجميع، وكان له رد فعل ضاغط على الشباب الذي يميل إلى تقليد ما يراه في السينما من حب وعلاقات جنسية، لذلك كان لابد أن تمنع الرقابة هذه المشاهد، حتى لا تسيء إلى أطفالنا وأبنائنا نظرًا لإلحاحها على قضية الجنس.

الإعلامية كريمان حمزة ترى أن أفلام المخرجة إيناس الدغيدي لا صلة لها بكلمة فن، لأنها بعيدة كل البعد عن الأهداف التي يرمي إليها الفن، وهي خدمة المجتمع ومعالجة قضاياه. من هنا فإن أفلامها هادمة للمجتمع، مشيرة إلى أن الرقابة على المصنفات الفنية أصبحت بلا دور، ولا توجيه في هذا الجانب، ولا تحاول أن تكون عينًا للمجتمع، تدفع عنه ما يحاول تحطيمه أو تلويثه أو الاعتداء على ثوابته ورموزه وقيمه الأخلاقية.

الفنانة منى عبد الغني ترى أن الفيلم وما أثاره من قضايا ليس جديدًا على مخرجته التي تخصصت في هذا المجال، حتى إنها تواجه ثورة عارمة بمجرد أن تطرح أفلامها في دور العرض. وتقول منى إنها لا تعترف إلا بالفن الذي يسمو بالنفس ويأخذها بعيدًا عن الأوحال، لهذا فهي ترفض هذه الأعمال ولا تحبها بأي صورة كانت.

وترى الفنانة سهير البابلي أن مثل هذه الأفلام والأعمال بدلًا من أن تكون مهمتها بناء المجتمع، والدعوة إلى القيم، فإنها تحاول هدم المجتمع وإثارة أبنائه، ولفت الأنظار إلى الغرائز والجنس والرذيلة مؤكدة أنها تحزن حزنًا شديدًا عندما تسمع أو تقرأ عن هذه الأفلام التي تسيء إلى أصحابها كثيرًا، لكنها تشير إلى أن العديد من الفنانين بحاجة إلى أن نخاطبهم ونؤكد لهم أهمية وقيمة الفن في المجتمع، وتوجيه أنظارهم إلى ذلك، حتى يستجيبوا للدعوة إلى الفن الراقي الملتزم المدافع عن الأخلاق والداعي إلى بناء المجتمع الفاضل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

159

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الشباب المتهم!!

نشر في العدد 831

112

الثلاثاء 25-أغسطس-1987

بريد القراء (عدد 831)