العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1231)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1231
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 24-ديسمبر-1996
▪ ومضة
عندما عاد الرسول ﷺ من رحلته إلى الطائف التي تعرَّض فيها للأذى والإهانة، وغير قليل من الجراح، عرض له ملك الجبال واستأذن في أن يقلب عليهم الجبلين- وهم يستحقون مثل هذا الجزاء- قال له النبي العظيم الذي خرج حظ النفس من قلبه فليس له من غاية إلا رضا ربه عز وجل: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوَّحد الله».
قد لا نستطيع- لثقل أوزارنا- أن نصل إلى هذه القمة السامقة، لكن يجب علينا أن نتطلع إليها دائمًا، وأن نعيش روحيتها، ونحن نتصدى لهؤلاء الذين ينتقدون الإسلام ويتهجمون على دعاته القدماء أو المحدثين، وأن لا ننساق مع الهوى فنجاري أساليبهم التي يستخدمون فيها مفردات السباب والشتائم والاتهام بالباطل، وأن لا تعاملهم بأخلاقياتهم التي تقلب الحق باطلًا، والخير شرًا، والمنكر معروفًا لا لشيء إلا لتسجيل انتصار زائف وتحقيق مكسب رخيص.
ذلك أن من العسير على النفس أن تسمع الكلمة النابية ولا ترد بمثلها أو بأقسى منها وأن تتعرض للعدوان ثم لا تصده بكل الوسائل المتاحة مهما كانت درجة الهبوط في هذه الوسيلة أو تلك.
ومع ذلك فالمطلوب من أصحاب الرسالات ألا يهبطوا وألا يتنازلوا عن أخلاقياتهم، وإن هبط الناس وسلكوا في هبوطهم كل سبيل، بل عليهم أن يحافظوا على مستواهم العلمي في الحوار، وأن يواجهوا الحجة بالحجة والضلالة بالهداية، والعماية والجهالة بالنور والمعرفة التي بين أيديهم.
أتدري لماذا قارئي العزيز؟.. لأسباب ثلاثة، أولها: أن مثلنا الأعلى هو رسول الله ﷺ، وثانيها: أن تبقى رسالتنا نظيفة بكل تجلياتها فلا تضيع روعة الحق فيها باستخدام الوسائل المستعارة، وبالتالي تختلط الأوراق، وتتبعثر الحقائق أمام المتابع النزيه، أما ثالثها: فهو إتاحة الفرصة لمن يريد أن يرجع إلى الحق الذي تاه عنه، وأن لا نكون عونًا للشيطان عليه فكم سمعنا عن كتاب كانوا يغمسون أقلامهم في الظلام، فلما شرح الله صدورهم عادوا يكتبون بمداد من نور.
▪ إصدارات مختارة.. عبد الناصر وعلاقاته الخفية
الأبطال الذين يضحون في سبيل أمتهم- أو هكذا يرسخ في أذهان الناس- كثيرون، لكن الذين يحظون باحترام وتقدير شعوبهم في نهاية المطاف قليل لأن نسبة كبيرة من هؤلاء الأبطال يظهر فيما بعد أنهم كانوا أبطالًا مزيفين صنعهم الإعلام الذي امتهن التسبيح بحمد الجبابرة، وتخصص في تلميع الوجوه القبيحة، وتضخيم الإنجازات التافهة، ورسم هالة كبيرة حول أصحابها تمهيدًا لعرضهم على الأمة وتقديمهم للناس على أنهم المخلصون المنقذون الذين اختارتهم العناية الإلهية لدفع عجلة التقدم ورفع مستوى المعيشة وتأمين كافة الاحتياجات مهما كانت صعبة وبعيدة من هؤلاء الأبطال كان جمال عبد الناصر الذي سماه الإعلام رسول القومية العربية ورافع راية العروبة وأمل الأمة العربية جمعاء ثم اتضح بعد أن قضى الرجل وأفضى لما قدم أن هذه الهالة الإعلامية التي أحاطت به كانت تخفي عن الجماهير الوجه الآخر للزعيم الذي فرض نفسه على شعب مصر ثمانية عشر عامًا.
ذلك الوجه الحقيقي للبطل الإعلامي الذي عكس الصورة المعلنة وكشف ما فيها من زيف عندما أبرز علاقاته الخفية مع أعداء البلاد ومحتلي أرضها ومستغلي خبراتها.
هذه العلاقات الخفية تثبت إلى أي حد يستطيع الإعلام الموجه إخفاء الحقائق وتزييف الوقائع.. لن أذكر هذه العلاقات الخفية تاركًا للقارئ أن يطالعها ويعيش مع أحداثها في صفحات هذا الكتاب.
الكتاب: عبد الناصر وعلاقاته الخفية
المؤلف: أحمد عبد المجيد
الناشر: الزهراء للإعلام العربي ص.ب ۱۰۲
مدينة نصر– القاهرة– تليفون ٠٦٠۱۹۸۸
٢٦١١١٠٦– تلكس ٩٤٠٢١ رائف يو إن
▪ ضغط العمل طريقك إلى النجاح
هذا الكتاب من أكثر الكتب بيعًا في العالم، والحمد لله أن وجد من يسعى لترجمته للعربية ليستفيد منه القارئ العربي.
والكتاب يقع في ۳۰۸ صفحات من الحجم الصغير ويتحدث عن موضوع مهم في الحياة المعاصرة وبالذات في المجتمعات الصناعية أو العاملة، إذ إن ضغوط العمل تتسبب في خسائر مادية هائلة دون أن يفطن الكثيرون إلى أنها هي السبب في ذلك، فأمريكا الشمالية تبلغ خسائر ضغوط العمل فيها قرابة ۲۰۰ بليون دولار في العام، وهناك أرقام مشابهة في الدول الصناعية الأخرى، وهناك خسائر تسببها الضغوط في جوانب أخرى مثل صحة الإنسان والجوانب الاجتماعية والنفسية وغيرها لا تقل عن الخسائر في الجوانب الاقتصادية.
والكتاب يعرض لهذه الضغوط ويحللها بطريقة علمية موضحًا أسباب نشوئها وطبيعة تكوينها وكيف يمكن معالجتها أو التعايش معها أو التقليل من أخطارها أو توجيهها لتكون الدافع نحو مزيد من النجاح بدلًا من أن تكون بداية طريق الفشل والخسارة، كما يقدم الكتاب بعض النصائح والإرشادات للوقاية من الضغوط المحتملة قبل الوقوع في براثنها.
ومما يسترعي الانتباه في الكتاب أن بعض هذه الضغوط أو أكثرها ينشأ عن أمور تعتبر تافهة بالنسبة للكثيرين ولا يعيرونها اهتمامًا مثل الإرهاق والصداع الناتج عن الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر الذي يسبب آلامًا شديدة للبعض ويكون السبب في ذلك ارتفاع شاشة الكمبيوتر أو انخفاضها عن الوضع الصحيح مما يسبب آلامًا في عضلات الرقبة تؤدي بدورها إلى مزيد من الصداع أو الآلام الأخرى.
ومن الأسباب التي أدت إلى رواج الكتاب كما يبدو أنه يقدم دراسة واقعية لمشكلات ملحة في الحياة اليومية الشرائح واسعة من الناس ويقدم لهم نصائح عملية لحلها وليس نصائح نظرية، كما أن مهنة مؤلف الكتاب وهو طبيب أتاحت له دراسة آلاف الحالات من المرضى والاطلاع على الأسباب التي تقف وراء الأمراض التي يعالجها مما أعطى لكتابه بعدًا مميزًا جعله من أوسع الكتب انتشارًا.
الكتاب: ضغط العمل طريقك إلى النجاح
المؤلف: بيتر هانسون
الناشر: مكتبة جرير
الطبعة الأولى ١٩٩٦م
عرض: يوسف مصطفى نجاة الدين
▪ موعد مع الشاباك
وصف المؤرخ أوري ميسلشتاين المتخصص في التاريخ العسكري الإسرائيلي العمليات التي قامت بها كتائب الشهيد عز الدين القسام بقوله: إن حرب العصابات ليست ظاهرة جديدة فقد وقع الكثير من الهجمات في السبعينيات، لكن هذه المرة فإن العمليات تنجح وأصبح الشبان الفلسطينيون يتغلبون على الإسرائيليين من الناحية التقنية المحضة.
كما علق الجنرال يهوشع شاغي «الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية» على المواجهة الشاملة التي خاضتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بالقول: «إنها لم تعد انتفاضة، إنها حرب عصابات جامحة بدون حدود» هكذا ينظر العدو اليهودي بخوف وهلع وجدية وحذر إلى المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني بعد أن تسلمت زمام المبادرة فيها السواعد المتوضئة والشباب المؤمن الذي يجاهد في سبيل الله ونصرة للمضطهدين والمقهورين والمعذبين وأملًا يتلألأ لأولئك الذين يعيشون الذل تحت خيام الشتات.
كتابنا الذي نقدمه اليوم يتحدث في خمسة فصول استغرقت ٤٥٦ صفحة عن المقاومة الإسلامية في فلسطين، ففي الفصل الأول استعراض لتطور العمليات العسكرية من الهجمات الخاطفة إلى الاشتباكات، ويجري في الفصل الثاني تحليلًا دقيقًا لهذه العمليات العسكرية، ويأتي الفصل الثالث تعليقًا على ردة الفعل الإسرائيلية وحربها الشاملة ضد حركة حماس، وفي الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن انعكاسات هذه العمليات على المجتمع الصهيوني وفقدانه الثقة بالأجهزة الأمنية.
أما في الفصل الأخير فيسجل ثبتًا بوثائق المقاومة الإسلامية من بيانات وبلاغات ونشرات تغطي يوميات المقاومة الإسلامية في فلسطين خلال ۱۹۹۳م.
الكتاب: موعد مع الشاباك– دراسة في النشاط العسكري لحركة حماس ۱۹۹۳م.
المؤلف: غسان دوعر.
الناشر: فلسطين المسلمة الأردن– عمان
ص.ب: (٩٦١٦١٨) المدينة الرياضة
أو Filistine AlMuslemah/P.O.Box: 2502 London NW24JQ UK
▪ الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط
بعد إحياء الاجتهاد أحد الوسائل الضرورية لتجديد الدين، وحجة لإثبات سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها وقدرتها على مواجهة التطور وتوجيهه ومعالجة مشكلات الفرد والمجتمع والدولة في ضوء أحكام الإسلام وتشريعاته.
ويكتسب الاجتهاد في الإسلام أهميته من أهمية إقرار قيمة العقل في النظر والحكم إلى درجة إثابة المجتهد مخطئًا ومصيبًا.
ويتسم الاجتهاد المعاصر بطابع عام يصلح معه للمثقف العادي، وهو ما أولاه المؤلف مزيد اهتمام، لأنه يتصل بأمر كثر فيه الادعاء حتى دخل في ميدانه حتى من لا يحسن تلاوة القرآن، ومن لم يقرأ كتابًا واحدًا من أمهات كتب الحديث، أو التفسير أو أصول الفقه، وكلها ضرورات لتصحيح منهج النظر والاستنباط والاجتهاد.
وألقى د. القرضاوي الأضواء على اتجاهات الاجتهاد المعاصر وأنواعه من اجتهاد انتقائي وإنشائي وتجلياته في صور: الفتوى والتقنين والقضاء والبحث، وحدد أهم العوامل والضوابط اللازمة لاجتهاد معاصر جاد وقويم وهي:
استفراغ الوسع والوصل بين الفقه والحديث والترحيب بكل جديد نافع وعدم إغفال روح العصر واحتياجاته، وإفساح المجال للاجتهاد الجماعي، وتحديد مجالات الاجتهاد بعيدًا عن المسائل القطعية الثبوت والدلالة.
وخصص المؤلف فصلًا كاملًا لمناقشة آراء سيد قطب في الاجتهاد المعاصر وجدواه، وأهم شروطه متمثلة في اشتراط مزاولة العقيدة والمنهج في الحياة العامة كعناصر لازمة لصحة الاجتهاد، فضلًا عن ضرورة تحكيم منهج الإسلام في مشكلات الحياة المعاصرة وتنزيلها عليها.
الكتاب: الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط
المؤلف: د. يوسف القرضاوي
الناشر: دار التوزيع والنشر الإسلامية
عرض: مركز الإعلام العربي– القاهرة
▪ منابر الدعوة الإسلامية المعاصرة «رؤية من الداخل»
يحتاج العمل الإسلامي بين الفينة والأخرى إلى وقفة، يراجع فيها العاملون في الحقل الإسلامي أعمالهم، فيحمدون الله على الصواب، ويسعون لتصميم الخطأ وإزالة العشرات التي ربما تكون قد تراكمت في الطريق وحالت دون النهوض بأعباء الدعوة على الوجه المطلوب.
وهذا الكتاب عبارة عن رحلة بحث زاخرة بالعلم والمعرفة والحقائق وخلاصة زيارات ميدانية لأكثر من خمس عشرة دولة ورؤية من الداخل لعشرات المراكز الإسلامية ولقاءات شخصية مع رجالات ومؤسسي العمل الإسلامي ومقابلات مع القائمين على العديد من المؤسسات التنصيرية وقراءة متأنية واعية لمئات الكتب والمجلات والنشرات الإسلامية.
إنه بحق لبنة صادقة من أجل دفع عجلة الدعوة الإسلامية قدمًا إلى الأمام بلا تحيز أو تعصب، واطلاع القارئ على بعض الهيئات والمؤسسات والمنابر الدعوية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات.
يحتوي الكتاب على ثلاثة أبواب عدا الباب التمهيدي، وكل باب منها يضم عدة فصول موزعة على صفحات الكتاب التي تزيد على ستمائة صفحة، في الباب التمهيدي نطالع الفصل الأول الذي يتحدث عن دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام، والفصل الثاني يغطي جهود أشهر الحركات الإسلامية بدءً من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية وأخيرًا جماعة الإخوان المسلمين، أما الباب الثاني فيتناول السياسات العامة لمنابر الدعوة الإسلامية، وأخيرًا يناقش الباب الثالث العوائق والمشكلات التي تقف في طريق الدعوة الإسلامية..
الكتاب: منابر الدعوة الإسلامية المعاصرة «رؤية من الداخل»
المؤلف: د. بدر عبد الرزاق الماص
الناشر: الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية
العنوان: الكويت ص.ب: ٣٤٣٤ الصفاة ١٣٠٣٥
ت ٢٤١٨٠٢٥– ٢٤٤٨٧٨٦
▪ بدايات الاتجاه الانعزالي في الأدب العربي
بقلم : سمير أحمد الشريف
من يعود إلى تاريخ الصحافة العربية في مصر فإنه واجد لا محالة أن بعضها قد كرست صفحاتها لبذر الانعزالية وتفتيت وحدة الوطن في عصر النهضة وشق الصف والتناحر وتكريس الولاء للأجنبي وتثبيط الدعاة إلى الاتحاد والاعتماد على المقدرات الذاتية للأمة.
صحيفة «المقطم» أولى الصحف التي باركت الإنجليز واستعمارهم ونادت بالسير على خطواتهم وإنشاء دولة تحذو حذو بريطانيا في الوقت الذي وقفت نفسها للتصدي لمصطفى كامل وأفردت مساحات من صفحاتها تهاجم الجامعة الإسلامية وما فعلته صحيفة «المؤيد» التي تذكرت لمبادئها من التصدي للإنجليز وأصبحت تداهنهم وتهون من مخاطر احتلالهم، مركزة على المواقف التوفيقية في الإصلاح، ذلك كله تزامن مع دعوات المستشرقين في الدعوة للعامية أمثال «ويلكوكس» وغيره.
أما صحيفة «الجريدة» صحيفة أستاذ الجيل وحزب الأمة التي بارك خطاها «كرومر» واحتضنها وعقد عليها الآمال حتى أطلق على حزب الأمة حزب الشيخ محمد عبده، أمثال هذه الصحف وغيرها من المجلات هيأت الظروف والمناخات لترعرع الاتجاه الانعزالي فيما بعد لينمو حتى وصل الأمر بأصحابه أن يجاهروا بمواقفهم علانية من خلال محاور عديدة اتخذوها وتحت مجموعة من العناوين التي اتفقت أن تصب في بحيرة واحدة هدفها الأول تكريس الانعزال.
إن الأدب العربي في مصر ولعدة اعتبارات أهمها موقع مصر من قيادة العالم العربي عندئذ ولكونها قلب الأمة الثقافي كان أول الواجهات التي ارتفعت عليها تلك النزعات وهدفها غير المعلن تحقيق أهداف الاستعمار والتشكيك في الأصالة الضاربة جذورها في تربة الأمة.
هذه الأمة التي نفضت عن نفسها أو كادت أغلال الاستعمار وبدأت تتلمس طريقها للعودة إلى ذاتها ومنابعها، جاءتها تلك الحملات المغرضة في محاولة لتثبيطها وإعاقتها وتأخير وصولها، وإلا فما معنى أن يمول الاستعمار بعثات للبحث عن تاريخ الحيثيين في شمال سورية؟ ولماذا أمد البعثات التي قصدت العراق يومئذ؟
ألم يكن القصد إيهام ذلك الشعب أنه يتحدر من البابلية والسومرية وإلهائه؟
هل ذلك محض صدفة أن يأتي ويحدث والكل منشغل في أبحاث ضرورة استعمال العامية؟
هل محض صدفة أن ينشغل كل شعب من أقطار الوطن العربي بالنبش والتنقيب في الأساطير ودلالات الفولكلور والأغاني الشعبية؟
لطفي السيد وطه حسين
إذا ما عدنا إلى مصر، تذكرنا لطفي السيد وطه حسين وحسين هيكل وغيرهم عام ١٩٠٧م ذلك العام الذي تأسس فيه حزب الأمة وكيف أن هذا الحزب أنشأ له صحيفة تنطق باسمه دعاها «الجريدة» التي تبارت فوق سطورها أقلام من لا هم لهم إلا تأكيد الانعزال، ويكفينا أن نثبت ما قاله أستاذ الجيل موضحًا مذهبه ومواقفه السياسية مما نشره في صحيفة الحزب وأعاد نشره في كتابه تأملات ص ٧٥ قائلًا: «يعوزنا الاعتقاد بأن مصر لا يمكنها أن تتقدم إذا كانت تجبن عن الأخذ بمنفعتها وتتواكل في ذلك على أوهام وخيالات يسميها البعض الاتحاد العربي».
هذا هو رأي أستاذ الجيل الذي أودع أفكاره لتلميذه طه حسين وسلامة موسى وغيرهم من بقية الرعيل الذين لا زال تلامذتهم يتناسلون بيننا حتى اللحظة وينتشرون في عرض الأقطار العربية وطولها، وإن كنا قمنا بصدد الخوض في تفنيد مواقف كرومر وعلاقته بهم وتأييده لهم ويأتي محمد حسين هيكل ليفجر الثورة في كتابه «ثورة الأدب» وفيه يطرح رأيه علانية ويدعو للأدب الفرعوني، مما كان له ردود فعل أيقظت الواعين الذين تنبهوا للخطر فوقفوا أمام هذه الدعوة وغيرها بحزم وثبات مما أنتج معارك أدبية كانت محاورها العروبة والإسلام من جانب طه حسين وحسن صبحي، وسلامة موسى، ومحب الدين الخطيب، وعبد الرحمن عزام، وزكي مبارك من جانب آخر وخيل للمتابع أن رياح المعارك قد هدأت حتي كان عام ۱۹۳۸م أي بعد خمس سنوات من المعركة السابقة وذلك إثر صدور کتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» وبث فيه أراءه الصريحة في الدعوة للفرعونية وحضارة البحر المتوسط وضرورة تعلم اليونانية من قبل طلابنا من جديد، معلنًا أن الشعب المصري لن يستطيع العيش بدون اقتفاء الحضارة الأوروبية، وأن حاجة الشعب المصري ماسة للتمسك بالمعاهدة البريطانية وأن مصر جزء لا يتجزأ من أوروبا ولا علاقة لها بالوطن العربي، وقد تصدى لتفنيد أباطيله ساطع الحصري، ثم اشتعلت المعركة ثانية من جانب أمين الخولي وأحمد ضيف أولئك الذين استغلوا مناصبهم الجامعية وحاولوا في كتبهم في «الأدب المصري» «وبلاغة العرب» تعميق الاتجاهات الانعزالية معتمدين الأساس الإقليمي والجغرافي في دراستهم.
▪ أخطر مجلة أسبوعية
لن تفوتنا الإشارة في هذه العجالة لأخطر مجلة أسبوعية ظهرت آنذاك والتي تبنت اتجاه العناية بالانعزالية والتركيز عليها وتنمية كل إحساس إقليمي «مجلة السياسة» التي كرست أعدادها جميعًا للدعوة للفرعونية والترويج لها شاهدنا على ذلك كتابات محمد زكي عبد القادر ١٩٣٠م وكتابات عبد الله عنان ۱۹۳۲م ومما قاله: «من الخطأ البين أن تنظم مصر في سلك البلاد العربية إذا تعلق الأمر بالناحية القومية، فالقومية المصرية قومية أصيلة وجدت منذ أقدم العصور التاريخية واقترن اسمها بحضارة من أقدم الحضارات ولم تفقد الأمة خواص الوحدة والتجانس منذ أيام الفراعنة».
وتقوقعت الدعوات بأصحابها والمروجين لها زمنًا ظن الناس فيه أن الوطن قد شفي من أورامه الخبيثة وقد تناسوا أن هذه الأمراض قد كمنت في الجسم منتظرة فرصتها ولو إلى حين لتعود إن وجد الظرف فتكون أكثر قوة وأمتن عودًا وأشرس هجمة.
ها هم التلاميذ يعودون من جديد، يكشفون عن حقيقة دورهم بعد أن لبسوا الأقنعة زمنًا كاد أن يطول، ها هو حاخامهم يكتب في الأهرام مقالته «الحياد» سنة ۱۹۷۸م يدعو مصر فيها علانية أن تتخلص من هذا الهم العربي والصراع العربي الإسرائيلي وتلتفت إلى بناء نفسها وتتخلص من
مشاكلها التي استعصت على الحل.
ترى هل أدرك هذا الحاخام وبعد أن فعلت مصر ما أريد لها من انسلاخ عن ذاتها وعروبتها وإسلامها؟ هل أدرك المخاطر التي وقع فيها شعب مصر أم ما زال حالمًا بأفكاره التي استقاها من أساتذته؟ وهل تابع خلال استراحته ما قام به تلاميذه الذين لم يتعظوا حتى الآن بمخاطر هذه الدعوة وغيرها ممن أعادوا نشر ضلالات عميدهم طه حسين في الأدب الجاهلي على صفحات مجلة القاهرة عدد ١٤٩ أبريل سنة ١٩٩٥م الصفحات ٢١-٨١.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل