العنوان المجتمع الثقافي ( 1606)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1606
نشر في الصفحة 50
الجمعة 25-يونيو-2004
مسرحية ذات فصل
حديث موسى!!
محمد علي البدوي
المنظر: أمام مسجد قرطبة العظيم يظهر موسى بن نصير متوشحًا سيفه يتأمل روعة البناء ودقة التصميم، يدخل فجأة موسى بن أبي غسان يضع يده على كتفه الذي يثعب بالدم والسيف باليد الأخرى..
موسى: يا الله.. يا لروعة البناء!
ابن أبي غسان «يدخل فجأة وهو ينزف»: آه.. أ.. أ... السلام عليك يا أخا الإسلام.
موسى «فزعًا»: عليك السلام ورحمة الله وبركاته.. ما الذي أصابك يا بني؟
ابن أبي غسان: لا شيء، جرح وسيندمل.. ولكن أنت! ما الذي شغلك عن المواجهة؟
موسى «يساعده في الجلوس»: وأي مواجهة؟ هل بدأت الحرب؟
ابن أبي غسان: بدأت! الحرب توشك على نهايتها، ولم يتبق لنا سوى غرناطة؟
موسى: غرناطة! ماذا يحدث هنا؟
ابن أبي غسان: من أنت يا سيدي؟
موسى: أنا موسى بن نصير.
ابن أبي غسان: يا الله!! موسى بن نصير الفاتح العظيم.
موسى: لا عظيم إلا الله.. ومن أنت؟
ابن أبي غسان: الأمير موسى بن أبي غسان، قائد المقاومة المسلحة في غرناطة.
موسى: مقاومة فقط! وأين جيش الإسلام؟
ابن أبي غسان: إيه يا موسى، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك!
موسى: ويلكم.. ثكلتكم أمهاتكم، وأين أمیرکم؟
ابن أبي غسان: وهل أضاعها إلا أمراؤها، إنه يختبئ كالفأر المذعور في جحره.
موسى: لا حول ولا قوة إلا بالله.. رحماك يا رب.
ابن أبي غسان «يأخذ في النهوض»: ادع لنا يا موسى، فالأعداء على أسوار غرناطة.. الوداع.
موسى «متشبثًا به»: وأي أعداء؟
ابن أبي غسان: إيزابيلا وفرناندو، لقد ابتلعوا البلاد، ولم يتبق لنا سوى غرناطة. موسى بن نصير: وهل ستقاتلهم وحدك يا موسی؟
ابن أبي غسان: الله معي ولن يخذلني، إما النصر أو الشهادة.. الوداع «يخرج».
موسى: بورك فيك يا بني، امض إلى نصرك أو شهادتك.
«يدخل الشاب موسى وتبدو عليه آثار المدنية الحديثة والتقليد الأعمى ويأخذ في الهذيان كالمخمور».
الشاب موسى «يشير لموسى بن نصير»: إيه.. أنت.. هل أنت مرشد سياحي؟
موسى: ويلك.. انظر ماذا تقول!
الشاب: أنت تجيد العربية إذن، جميل.. جمیل.
موسى: أنا عربي مسلم.. من بلاد الله.
الشاب: وما الذي جاء بك إلى بلاد بني الأصفر أيها المسلم؟
موسى: جئنا لننشر دين الله في أرض الله.
الشاب: على فرعون يا هامان، لقد جئت من أجل حسناوات بني الأصفر.
موسى: أنت معتوه ولا شك.
الشاب: ها.. ها.. كلنا في الهواء سواء، لا بأس.. سأدلك على حاناتهم.
موسى «في نفسه»: لا حول ولا قوة إلا بالله.. الرجل مخمور.
الشاب: ماذا تقول؟ منصور.. اسمك منصور.
موسى: أنا القائد المسلم موسى بن نصير.
الشاب: موسى.. أبو نصير، وأنا أيضًا موسى، ولكن أين طارق بن زياد؟! يبدو أنه سبقك إلى الداخل «يغمزه في جنبه».
موسى «شاهرًا سيفه»: تأدب يا هذا.. وإلا..
الشاب «في رعب»: ما.. ما هذا.. سيف! يبدو أن الأمر جد لا هزل فیه.
موسى: وهل جئنا إلى هذه البلاد من أجل الهزل والعربدة كما تفعلون!
الشاب «متوسلًا»: أ.. أ.. المعذرة يا سيدي، كلنا يفعل ذلك.
موسى: سحقًا لكم، تهزمكم شهواتكم.. وتريدون النصر على أعدائكم!
الشاب: و.. و.. وماذا تريدنا أن نفعل؟
موسى: ويلكم.. وهل نسيتم دوركم في الحياة؛ عمارة الأرض وخلافة الله؟
الشاب: ولكننا لا نستطيع ذلك، العالم كله سيحاربنا.
موسى: فاستسلمتم وركنتم إلى الدنيا ورضيتم بالذل والعار.
الشاب: حتى حين.. حتى حين يا سيدي.
موسى: حتى يتمكن الأعداء من رقابكم، أو تسعى إليكم آجالكم؟
الشاب: ...........
موسى: كم هو الفرق واسع بين موسى الذي يسعى إلى حتفه وموسى الذي يسعى إلى شهوته!
الشاب: وهل هناك موسى غيرنا يا سيدي؟
موسى: الأمير موسى بن أبي غسان، حتى أجدادكم وأبطالكم تنكرتم لهم؟!
الشاب: هون عليك يا سيد موسى.
موسى: سأفعل.. يبدو أنني جئت في الزمن الخطأ وفي المكان الخطأ «يهم بالخروج».
الشاب: هل ستغادرنا يا موسى؟
موسى: يبدو ذلك، ولكن دعني أقدم لك هذا السيف «يناوله» فقد تحتاجه يومًا ما.. الوداع.
«يعود موسى بن نصير إلى يمين المسرح ويقف كتمثال قُدَّ من صخر بينما يتأمل الشاب السيف ويعود إلى هذيانه».
الشاب «يضحك»: ها.. ها.. سيف!! ما كل هذا العنف يا موسى؟ حسنًا.. سأعود به إلى البلاد فقد أبيعه بثمن باهظ، فهو كنز أثري لا يقدر بثمن، وقد أحتاجه فعلًا عندما أمتطي صهوة فرسي الأبلق وأشق الصفوف.. مكبرًا: الله أكبر.. الله أكبر.. يا خيل الله اركبي.. ها.. ها.. ها.
«يدخل مجموعة من الجنود يتقدمهم الضابط ويحيطون بالشاب».
الضابط «يشير إلى الشاب»: إنه هنا، اقبضوا عليه بالجرم المشهود.
الشاب «مرعوبًا»: أ.. أ.. أنا؟! وماذا فعلت؟
الضابط: نحن من قسم مكافحة الإرهاب وكنا نراقبك منذ دخولك البلاد، فأنت عربي ومشبوه في بلادنا.
الشاب: أ.. أ.. أنا يا سيدي؟
الضابط: نعم أنت، كنت تخطط لعمل إرهابي كبير، وهذا السيف هو أداة الجريمة.
الشاب: إنه.. إنه سيف موسى بن نصير، لقد كان هنا منذ فترة.
الضابط «يشير إلى تمثال موسى بن نصير»: لعلك تقصد هذا التمثال الحجري؟
الشاب: تمثال!! ومتى أصبح تمثالًا؟
الضابط: أيها المعتوه، تتظاهر بالجنون!
«للجنود»: خذوه.
الشاب: صدقوني.. إنه سيف موسى بن نصير، إنه موسى بن نصير.. انطق يا موسى.. تكلم يا ابن نصير.
«يقتادونه إلى الخارج، تخف الإضاءة تدریجیًّا».
ستارة.
واحة الشعر
بلا وداع
محمد بن عائض القرني
خرج يبحث لهم عن قوت فعاد وهم أشلاء بصاروخ صهيوني أو صليبي!
بكاؤك اليومَ يا «نعمان» يبكيني وما أصابك يا نعمان يشقيني
رأيت عبراتك اللاتي تدافعها غدت تخرُّ فؤادي فعلَ سكين
الحزن والغبن يا نعمان قسمتنا أسقيك من كأسه حينًا وتسقيني
لم يبق للبشر في قاموسنا لغة عند الخطاب ولا لفظ يسليني
أودى بنوك ولم يقضوا لبانتهم من الحياة ولم يحظوا بتأبين!!
تخطفتهم يد الإجرام تاركة قلبًا تمور به أعتى البراكين!
لم يدفع الموت عنهم حضن والدة ولا حماية جد في الثمانين
أودى الجميع فلا أهل ولا ولد فيا لهول مصابٍ بعدَ ستين!
في غابة نحن يا نعمان ما عرفت عدلًا ولا نعمت بالوحي والدين
وحوشها من بني صهيون كيف إذا تهيأت «لصليبي وصهيوني»
نفاية الأرض ما زالت تمجّهم كما تمجّ عصابات الشياطين
ولم تزل أمة الإسلام نائمة ما نبهتها الرزايا في فلسطين
إلى متى أنت يا نعمان مكتئب؟! وكم كئيب كسير القلب محزون!
كم في الفراتين من طفل وأرملة ومُقعد حائر أعمى ومسكين
كم في فلسطين من قهر تؤججه كلاب صهيون من أزلام شارون!
تعاورتنا من الأحداث سلسلة من غرب فاس إلى شرق الفلبين
حتى ألمت بنا دهياءُ مظلمة في جحفل بسموم الحقد مشحون
لو كان فينا صلاح الدين لاندحرت فلولهم بين معتوه ومجنون
أستودع الله في بغداد عاصمة ثغرًا حماه بنو الصيد الميامين
كانت منارًا بنو العباس زينتها دار الرشيد ومنصور ومأمون
يا ويح بغداد أضحت مسرحًا وغدا يجوسها كلّ عربيد ومأفون!
عدت عليها عوادي الدهر جائرة وأفدخ الظلم تطفيف الموازين
من المغول إلى السكسون ما خمدت نيران محنتها إلا إلى حين!
قل للغزاة: كفى ظلمًا وغطرسة دماؤنا غصص من نار غسلين
لا نرتضي الكفر في الإسلام فاندحروا يا طعمة الشر أحفاد السعادين
الوقف
منال نور
«المنظر: مسجد عائلة المنصورية، وهو مسجد صغير مبني على الطراز المعماري الإسلامي، ويظهر واقفًا على المنبر الشيخ يوسف منصور كبير عائلة المنصورية، وهو شيخ مُسن، نوراني الوجه، يعتمر عمامة خضراء ويتخلل الشيب لحيته الكثة، يرتدي ثوبًا أبيض، وأمامه يجلس على حصير المسجد عدد كبير من الرجال في ملابس أبناء البلد».
قال الشيخ منصور من فوق المنبر:
يا أبناء الوقف، الوقف وقفكم والإرث إرثكم، وأنتم تعرفون كيف تم تكوين مجلس النظارة من سفهاء فاقدي الأهلية، فهل تتركون وقفكم الذي هو أمانة في أعناقكم إلى هؤلاء السفهاء ليتحكموا فيه؟ انهضوا جميعًا لتحموا الوقف بأنفسكم.
قاطعه رجل مسن من الجالسين عاتبًا: أنت يا شيخ يوسف فرطت في نظارة وقف المنصورية وسكت على مؤامرات ابن عمك معتوق، وهو رجل خائن معروف بصداقته الحميمة للغاصبين.. وهذه هي النتيجة.
- يا شيخ كامل أنا تركت الرئاسة لمعتوق عندما كان في الأمر مغنم وأموال وصدارة مجلس لأنني أبحث عن أشياء أخرى ترضي الله وتعمر آخرتي، لكن اليوم عندما أصبح الوقف في مهب الريح ولم يعد وراء النظارة مغنم، ولا يأتي من ورائها إلا الجهاد والمواجهة، فأنا أتمسك بحقي في أن أقودكم جميعًا إلى استخلاص حق عائلة المنصورية وحقوق جميع أبناء الوقف.
قال آخر: ومجلس النظارة؟
أجاب الشيخ بيقين: لا تنتظروا شيئًا من السفهاء، انهضوا قبل أن يوقع مجلس النظارة عقود بيع الوقف بالكامل وتصبحوا في العراء بلا مأوى ولا أرض ولا دخل.
وسرت الهمهمات بين الجالسين:
- الشيخ يوسف معه حق.
- هيا يا شباب.
- الوقف وقفنا نحن وليس وقف معتوق ولا أعوانه السفهاء.
- إنه معتوه وليس معتوق.
- فلنبدأ به، نقتله ونولي الشيخ يوسف مكانه.
عندما سمع الشيخ يوسف منصور هذه العبارة الأخيرة هتف من على المنبر فزعًا مستنكرًا:
لا يا أبنائي.. مالنا ولمعتوق؟ نحن سنتحرك مباشرة لمواجهة الغاصب. أما معتوق فعندما يفيق من سكره ويجدنا قد استرجعنا حقنا وحقه فسيفرح بما حققناه مما لا يستطيع أن يحلم هو بتحقيقه.
- سيعترض الخفراء طريقنا يا فضيلة الشيخ.
- شمروا عن سواعدكم وعندما تتجهزون فإن للخروج ألف وسيلة ووسيلة، وليست كل الطرق عليها خفراء. استعدوا وأنا كفيل بإيصالكم إلى الطريق الآمن، مواجهتنا مع الغاصبين.
جاءه صوت خشن من آخر الصفوف: وأعوان الغاصبين يا شيخ منصور؟
قال الشيخ بحزم: أعوان الغاصبين هم آذيال الأفعى، إنك لو قطعت الذنب بقي الرأس الماكر الذي يستطيع أن يستبدل ألف ذيل وذيل، اقطع الرأس يمت الذيل من تلقاء نفسه.
عاد الصوت الخشن: لكن الذيول تعوقنا عن التقدم، هم جنودهم وحماتهم، وعندما نقتلهم يتعرى الغاصب ويسهل اصطياده.
عاد الشيخ يقول: يا ولدي، هؤلاء الأعوان مرتزقة فهم أعوان المنتصر، فلو انتصرت كانوا معك، ولو هزمت كانوا عليك. هم غثاء لا وزن لهم عند أسيادهم، هم الجدار الواقي الذي يتترس به المغتصب ويستطيع تجنيد المئات منهم كل يوم، هم السور الواقي.. دروع بشرية من بني جلدتنا، نحن لن نهدم السور ولن نفجر الجدار، علينا أن نتسلل من أي ثغرة فيه أو فرجة إلى القلب.. يا بني إذا ضربت فاضرب القلب، تتوقف الحركة في الأطراف.
وقف شاب متحمس في وسط المسجد وهتف بالشيخ: ما هذا الكلام يا شيخنا؟! إن هؤلاء هم المنافقون! والله يقول في المنافقين: ﴿هُم العَدُو فَاحذَرهُم﴾ (المنافقون: ٤)، ويقول أيضًا: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التحريم: ٩) صدق الله العظيم.
الجميع في صوت واحد: صدق الله العظيم.
أكمل الشاب بقوة وقد شعر بتأييد من حوله: ولقد قرن الله المنافقين مع الكفار في وجوب الجهاد، فكيف لنا أن نترك المنافقين؟! واجب علينا أن نقاتل المنافقين والكفار معًا، نقاتل الغاصب وأعوانه.
سرت همهمات مؤيدة من أركان المسجد.
انتظر الشيخ حتى هدأت الأصوات وهو ينظر في الجميع نظرات ثاقبة ملؤها اليقين والأبوة معًا، وقال بهدوء: كل ما ذكرته صحيح يا ولدي، فالله تعالى حذرنا من المنافقين وذكر أنهم العدو كما ذكر الكثير من صفاتهم الخبيثة، لكن رسول الله ﷺ...
أصوات مجتمعة: ﷺ.
- أكمل الشيخ: لم يقاتلهم ولم يأمر بقتالهم، ولكنه قال لعمر: «لا نقتلهم يا عمر حتى لا تقول العرب إن محمدًا يقتل أصحابه». سيدنا النبي هو أدرى بمراد الله من كلامه وآياته البينات، والنبي رغم تبليغه لهذه الآيات لم يقاتل المنافقين ولم يأمر بقتالهم، وغاية ما فعله معهم أنه أسرَّ لحذيفة بأسمائهم حتى لا يصلي عليهم.
قاطعه شاب: لكن القرآن صريح يا مولانا.
قال الشيخ مؤكدًا: يا بني، القرآن صريح طبعًا، لكننا لا نفهم القرآن الكريم إلا بطريقة تطبيق النبي الكريم له، وفعل النبي هو تفسير القرآن، فلو خالفت فهم النبي للقرآن كأنك تعتبر أن فهمك لمراد الله أحسن من فهم النبي لمراده، فهل تتهم النبي بنقص فهمه لمراد الله؟
قال الشاب مستنكرًا: معاذ الله يا شيخ، حاش لله.
وهتف الجميع: حاش لله يا مولانا.. حاشا لله.
قال الشيخ مؤكدًا: تذكروا مواجهتنا مع الغاصبين.
وعلا الهتاف: مواجهتنا مع الغاصبين.. مواجهتنا مع الغاصبين.
في هذه اللحظة يقطع الهتاف دخول شاب مهرولًا وهو يصيح محذرًا: أدركنا يا شيخ يوسف، إن معتوق أصدر الأوامر لجنوده والخفراء لمحاصرة المسجد.
سأله الشيخ: لماذا؟!!
أجاب الشاب المرتعد: معتوق وصلته أنباء عن اجتماعات سرية في المسجد وهو يريد ضبط المجتمعين في حالة تلبس.
يقف كل من في المسجد دفعة واحدة وقد تعالت همهمات الغضب.
يهتف بهم الشيخ يوسف في رباطة جاش: اهدؤوا.. اهدؤوا.. يا عبد الله، أطفئ النور، وأنت يا محمد أغلق الباب الكبير.
«تُطفأ الأنوار ما عدا إضاءة خافتة».
واصل الشيخ حديثه: وأنتم عليكم الآن أن تخرجوا من البابين الجانبيين للمسجد بهدوء كل اثنين مع بعضهما، ولا ينتظر بعضكم بعضًا في الطريق، كلٌّ ينصرف إلى بيته مباشرة حتى لا تثيروا الريبة، وسأبقى أنا وعبد الله ومحمد هنا لصلاة الليل ونلتقي غدًا فجرًا إن شاء الله.
تعالت بعض الأصوات: لم يعد المسجد مكانًا آمنًا للقاء يا شيخ.
قال الشيخ: بعد صلاة الفجر نتدبر أمرنا إن شاء الله.. انصرفوا الآن بهدوء.
«لحظة صمت بدأ خلالها المجتمعون التحرك إلى جانبي المسجد في هدوء».
ثم عاد صوت الشيخ يوسف منصور يدوي في المسجد: عاهدوني يا إخواني على أن تكون حربنا على الغاصبين وحدهم مهما كانت الظروف.
وتعالت الصيحات من جديد: نعاهدك يا مولانا.. نعاهدك يا فضيلة الشيخ.
ستار
تسمية المدينة ومدلولاتها
علاء سعد حسن
من لطائف الهجرة النبوية الشريفة أن الرسول ﷺ وصحابته الكرام عندما هاجروا من مكة المكرمة إلى دار الهجرة التي كان اسمها عند العرب «يثرب» فنهى النبي ﷺ عن تسميتها بهذا الاسم وسماها «المدينة». إن استبدال رسول الله ﷺ الاسم عقب الهجرة مباشرة، واعتماد القرآن الكريم لهذا الاسم في أربعة مواضع كريمة من كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿مَا كانَ لِأَهْلِ المَدِينَة ومَن حَوْلِهِم مِن الأَعْرَاب أَن يتَخَلَّفُوا عَن رَسُول الله ولا يرْعَبُوا بِأَنفُسِهِم عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: ١٢٠)، فيه دلالات مهمة، منها مثلًا:
١- الانتقال من حياة البداوة إلى حياة المدنية، لقد كان العرب في الجاهلية يعيشون حياة البداوة التي كانت تشكل البيئة الاجتماعية في حياة العربي، بكل ما يتعلق بهذا المفهوم وتلك البيئة من تقاليد وموروثات وقيم (١). إن الانتقال من عالم القبيلة إلى عالم المدينة إقرار بالنقلة الاجتماعية الهائلة التي يجب أن تحدث في حياة المسلمين، واستعداد لتقبل هذه التغيرات الاجتماعية في مفاهيم الأخوة والوحدة والدولة والقصاص والسلطة، المفاهيم التي ما كانت البيئة البدوية لتتقبلها بسهولة.
٢- الانتقال من حياة القرية إلى عالم المدينة والمدنية والتمدن، لقد ورد ذكر المدينة في القرآن الكريم أربع عشرة مرة تركزت أغلبها على ذكر المدينة المنورة، والمدينة في مصر حيث وقعت أحداث قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون وقصة يوسف عليه السلام. ومن المعروف أن مصر كانت مهد الحضارة القديمة والدولة المركزية الموحدة التي حكمت مساحة واسعة من الأرض شملت عدة أقاليم، بينما ورد ذكر القرية في القرآن الكريم ثلاثًا وثلاثين مرة. إن دقة ألفاظ وتعبيرات القرآن الكريم تعطينا انطباعًا عن اختلاف معنى المدينة عن معنى القرية في اللغة (٢)، ولعلنا نفهم من ذلك الإشارة إلى أن عاصمة الدولة الإسلامية وهي المدينة سيكون لها مركز مميز في دولة مركزية موحدة، خلافًا لمجتمع القرية المحدود نسبيًّا.
٣- الانتقال إلى مرحلة الإشعاع الحضاري الذي ينبعث من المدينة، حيث تشير المدينة دائمًا في الثقافات المختلفة إلى دور الإشعاع الحضاري الذي تلعبه في المجتمع، وهو الدور الذي قامت به مدينة رسول الله ﷺ لاحقًا في التاريخ الإسلامي بعد الهجرة وخلال عهد النبوة حتى وصلت إلى أوج ازدهارها في عصر الخلافة الراشدة حيث انطلقت منها كتائب الفاتحين.
٤- الانتقال من الحكم الديني «الثيوقراطي» القائم على الكهنوت وسدنة الأصنام والكهانة، والحكم العسكري القائم على البطولة العسكرية ومقومات الفروسية -وهما النمطان السائدان في الجاهلية- إلى الحكم المدني الذي يحكم المجتمع بقيم تعتمد على الشورى وتبادل النصيحة والمكاشفة والبيعة وآليات المؤسسات المدنية تحت إطار عام من الشرع الإسلامي، وهي دعائم الحكم المدني التي مارسها وأرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٥ - إعلان تأسيس الدولة الإسلامية الموحدة وعاصمتها «المدينة» على غرار «المدائن» عاصمة الفرس.
ومن هذه الإشارات ندرك أن الإسلام قد أرسى أول نقلة حضارية لجزيرة العرب، وأن مفهوم الإسلام للدولة والمجتمع يؤسس للمجتمع المدني والدولة المدنية والمؤسسات المدنية داخل المجتمع، وأن المطالبة بالحكم الإسلامي داخل المجتمعات الإسلامية لا تعني الرجوع إلى نظام الحكومة الكهنوتي الذي عمل الإسلام على إزالته من الوجود، ولكنه يعني المطالبة بحكم مدني وفق مرجعية شرعية إسلامية.
الهامش
(١) فقه السيرة للغزالي بتحقيق الألباني ص ١٤٢
(٢) مع ملاحظة أنه جرى استخدام المدينة والقرية بمعنى واحد في بعض المواضع مثل الحديث عن مؤمن أل يس ﴿واضرِب لَهُم مَثَلًا أَصْحَابَ القَرَيَة إِذْ جَاءَهَا المُرْسَلُونْ﴾ (يس: 13)، ثم عاد فعبر عن القرية بالمدينة فقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِن أَقْصَا المَدٍينَة رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوم اتّبِعُوا المُرْسَلِين﴾ (يس: 20).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل