; المجتمع الثقافي ( 1639) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( 1639)

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005

مشاهدات 71

نشر في العدد 1639

نشر في الصفحة 48

السبت 19-فبراير-2005

لماذا لم يتجه الفتح الإسلامي إلى الحبشة؟

الحبشة دار الهجرة الأولى لصحابة رسول الله وصل إليها الإسلام قبل أن يصل إلى المدينة المنورة وقبل أن يصل إلى أي بقعة في العالم.

ويوم أن اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لتكون المأوى والملاذ لأصحابه- الكرام رضوان الله عليهم - علل ذلك بأن «فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد»، ولم تكن الحبشة آنذاك بالمجهولة عند العرب، بل كانت التجارة والرحلات تتم بين جزيرة العرب والحبشة، ولعل ما قام به أبرهة الحبشي ومحاولته هدم الكعبة المشرفة يدل على مدى الاحتكاك والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين جانبي البحر الأحمر شرقيه وغربيه، بل إن كتب التاريخ والسير تخبرنا عن وجود عدد كبير من الأحباش، الموالي، في مكة ومنهم من أسلم وحسن إسلامه كسيدنا بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

غير أن الشيء اللافت للنظر والذي يستدعي الاهتمام به والبحث حوله أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جيش الجيوش وأرسل قادته إلى أماكن متفرقة من العالم، سواء إلى بلاد الروم أو إلى بلاد فارس، ولكنه لم يفعل ذلك مع الحبشة رغم قربها المكاني من الجزيرة العربية ومعرفة المسلمين والعرب التامة لها، وسار على نهجه خلفاؤه الكرام - رضوان الله عليهم - أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، باستثناء إرسال سيدنا عمر بعض السرايا لتؤدب القراصنة الأحباش الذين حاولوا الاعتداء على ساحل الجزيرة وبالتحديد في «جدة».

 إن من بين الأسباب وراء ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينس للنجاشي رضي الله عنه موقفه النبيل من أصحابه الذين استضافهم وآواهم ورفض تسليمهم لوفد مكة الذي ذهب في إثرهم يريد إرجاعهم وتسليمهم للمعسكر المعارض للإسلام والمحارب له، كما أن إسلام النجاشي -رضي الله عنه - وهو الحاكم - وإن كان لم يجهر به - قد يكون من بين هذه الأسباب، فإذا كان رأس الشعب أو الدولة قد أسلم ففي ذلك دلالة خيرية واستعداد هؤلاء الناس لقبول دعوة الإسلام وهو دين الفطرة.

 على أي حال، فإن وجود الصحابة الكرام في الحبشة فترة قاربت الخمسة عشر- عامًا كان لها - بلا شك - تأثيرها ودورها في انتشار الدعوة الإسلامية، كما أن جماعات البحارة الذين جابوا هذه البلاد قادمين من الجزيرة أو السودان ومصر كان لهم الدور في نشر الدعوة الإسلامية والثقافة الإسلامية في أماكن كثيرة من أرض الحبشة، يدل على ذلك وجود مساجد قديمة يصل عمرها إلى مئات السنين. 

والذي اتضح من تاريخ الحبشة الطويل أن فترات الحرية التي نعم بها المسلمون في الحبشة قليلة جدًا. فباستثناء فترة النجاشي لم نسمع عن حاكم جاء بعد ذلك أفسح المجال للمسلمين لينشطوا في نشر الإسلام والدعوة، بل على العكس من ذلك كان التضييق الشديد على المسلمين هو السمة الغالبة والطابع العام لكل فترات المسلمين حتى يومنا هذا، وكأن الأحباش أرادوا التكفير عما قام به النجاشي من إيوائه ودعمه للمسلمين!

فراحوا يزعمون أن تاريخ الحبشة الطويل عبر القرون لم يعرف رجلًا بهذا الاسم. يقصدون النجاشي! لماذا؟ لأنه أسلم واستضاف المسلمين! فهم يريدون محو هذه الصفحة وشطبها من تاريخ الحبشة برغم كونها حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها أو شطبها.

نقول: إن حكام الحبشة من النصارى أمثال تودور، ومينليك، وهيلاسلاسي... وغيرهم لم يكونوا في تعاملهم مع المسلمين بالمنصفين، بل كان التعصب والإكراه والإجبار على ترك الإسلام واعتناق النصرانية هو ديدنهم وهو شغلهم الشاغل رغم أن المسلمين ما أجبروا أحدًا على اعتناق الإسلام ولا أكرهوا أحدًا على ترك دينه. وكانت فترات الحرية التي تتسم فيها المسلمون نسائم الحرية محدودة وقليلة حتى تستطيع أن تقول: إنه من كل مائة سنة كانت تأتي في بضع سنين» ظروف وأوضاع كان ينشغل حكام الحبشة بأمور وأحداث داخلية أو خارجية فيرفعون أيديهم عن المسلمين اضطرارًا، وفي هذه السنوات القلائل كان الإسلام ينمو وينتشر انتشار النار في الهشيم ثم يأتي التضييق والإرهاب.

الطاغية هيلاسلاسي

وفي عهد هيلاسلاسي الذي أذاق المسلمين صنوف العذاب وأباد خضراءهم شار وهدم مساجدهم ومدارسهم وأحرق قراهم حارة وقتل علماءهم، وكان إذا سئل في زياراته للدول الأوروبية والغربية عن المسلمين في بلاده، «الحبشة»، يقول: ليس عندنا مسلمون، بل هم حفنة قليلة وسننتهي منهم، نقول: في عهد هذا الطاغية الظالم عندما هاجمت إيطاليا الحبشة واحتلتها وهرب هيلاسلاسي من الحبشة وأزاح الإيطاليون الغمة عن المسلمين في وغيرهم من الطوائف الأخرى، استطاع الإسلام أن ينتشر وأن يعتنقه مئات الآلاف في جال فترة لم تتجاوز بضع سنين، بل إن معظم المساجد الموجودة الآن في الحبشة – يقول مسلمو الحبشة - بنيت في فترة الطليان!

الظل الأسود         

ثم ما لبث أن عاد الظل الأسود، «أسد يهوذا»، وجثم على الحبشة، وكتم أنفاس المسلمين، واستمر في سياسة المصادرة لأراضيهم وأموالهم وفرض الضرائب وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية وتحريم دخولهم المدارس والجامعات، فتوقف انتشار الدعوة الإسلامية أو تجمدت، وبعد أن أراح الله الحبشة من هذا الظل الأسود، وجاء الرفيق منجستو هيلا ماريام، كانت هناك فترة زمنية محدودة في بداية عهده أطلق فيها الحريات للمسلمين وسمح لهم بدخول المدارس والجامعات وأعاد لهم شيئًا من حقوقهم التي سلبها هيلاسلاسي.

وفي هذه الفترة المحدودة التي لم تتجاوز سنوات قلائل انتشر الإسلام وانتشرت الدعوة الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، حتى ثم ما لبث الرفيق الشيوعي أن بدأ في تطبيق النظرية الشيوعية وانقلب على المسلمين.

وصادر أموالهم وأراضيهم وضيق عليهم، وانتشرت مخابراته وجواسيسه تجند الشباب والفتيات في الحزب وتنشر الفوضى والفساد في كل مكان، وللمُعارض الموت رميًا بالرصاص أو تعذيبه حتى الموت، وظل الوضع كذلك حتى ترنح الرفيق تحت معاول الهدم الرباني للشيوعية وشاء الله للمسلمين أن يأتي عهد جديد، فجاء مجلس زيناوي، وكالعادة فتح الباب للمسلمين ولغيرهم من القوميات التي اضطهدها منجستو حتى تستقر له الأوضاع ويستتب النظام.

وفي الفترة من (۱۹۹۰م. ١٩٩٤م) استطاع المسلمون أن ينشروا الدعوة وأن يتحركوا، وأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا وانتشرت مظاهر الصحوة الإسلامية في المدن الكبرى كأديس أبابا ودردوا ولك وهرر وغيرها، وبنيت المساجد والمدارس، وخرج المسلمون في رمضان ۱۹۹۳م لصلاة العيد في أكبر ميادين أديس أبابا «ميدان الصليب» وشهدها قرابة المليون مسلم ومسلمة، وكانت شيئًا مذهلًا ومغيظًا للأعداء الذين أخذوا على غرة! وفوجئوا بهذه الأعداد من البشر الذين جاؤوا للصلاة في أديس أبابا التي تضج بمئات الكنائس العتيقة التي تدق اجراسها ليلًا ونهارًا. وأسست الجمعيات الإسلامية المختلفة في أرجاء الحبشة ولكن كان النظام قد استوى على سوقه، وما أراده من المسلمين في دعمه وتأييده قد حصل، إذن فلا حاجة إليهم الآن، وقامت حملات الحقد الكامنة في نفس صليبيي الحبشة بوضع العراقيل والعقبات للتضييق على العلماء والشباب، فاعتقلت من اعتقلت وقتلت من قتلت وأغلقت جمعيات إسلامية، وكانت الشماعة هذه المرة - الشماعة التي يعلق عليها الطغاة تبرير إجرامهم وأكاذيبهم هي الإرهاب». نعم إن الإرهاب تسلل إلى الحبشة ولا يمكن السكوت عليه!! فالحبشة هي الجزيرة النصرانية وهي قلعة النصرانية في إفريقيا، هكذا أراد لها الأحباش وأراد لها أذنابهم من قساوسة الغرب الذين يبيعون في بلادهم لعدم وجود من يرتادها. هذه هي حكاية الحبشة الأليمة عبر العصور: لا حرية للمسلمين الذين يبلغ تعدادهم قرابة 70%من مجموع السكان البالغ تعدادهم ٥٥ مليونًا، ولا وزن لهم في الحياة السياسية ولا في الحكم، فهل يأتي اليوم الذي تستقيم فيه الأمور والأوضاع؟ نأمل هذا.. وما ذلك على الله بعزيز.

مركز الإعلام العربي. القاهرة 

شعر: محمد أبودية

واحة الشعر

شمس النبوة لم تغب

في القدس مضمار التحدي والغلب

                  والمسجد الأقصى إليها ينتسب 

بلد الكرامة والوسامة والندى

                   فيها الأمانة والحصانة والحسب 

شعب الإباء بها عريق كالجبال

               الراسيات على الدهور بلا تعب

 ما هزها عصف الرياح تناوحت 

                   في شرقها أو غربها عبر الحقب 

ما رامها من غادر مستكبر 

             إلا غزته العاديات مع الغضب 

الصاعدات النازلات على العدا 

                    سيل تدهور بالصخور من الحدب

   الله أكبر جاوبت رعد السما

               لمع السيوف كأنه برق السحب

 الله أكبر من لئيم يدعي

                     أن الجبال له ويافا والنقب 

الله أكبر من جواسيس الأذى 

                 كأبي رغال لا حياء ولا أدب 

ظن النجاة مع العدا لما رأى

                  أفيالهم بين الكتائب والجلب

 لكنه في الهالكين وقبره 

                              في قفرة وعليه تل من حصب 

الله أكبر من فلاسفة الهوى 

                      ملأوا الصحائف بالتفاهة والكذب 

الله أكبر من يقوم حيالها 

                             إن وحدت بين الأعاجم والعرب 

من مشرق الأنوار في شرق الدنا

               للمغرب الأقصى وشطآن الذهب 

ما ردهم حسادهم عن غاية 

                      القدس تهواها ويهواها رجب 

فيه صلاح الدين حطم قيدها

                      ومدينة الإسراء زايلها التعب

تعس الذي يهوى الحياة ذليلة

              بين الوحول يعيب أنوار الشهب

 هذا الذي خان العهود ولم يزل

                 يرجو عطايا مشرك يا للعجب!! 

يا ويحه يحيا بدون كرامة

                   كالعاويات أصابها داء الكلب

يا أيها الأبطال في وطن الهدى

               في القدس في وجه الحقود المغتصب 

بين الأسنة والمدافع واللهب

                    والسجن فيه الصابرون على السغب

 يا أيها الأحباب طال عذابكم 

                        والنصر للأحرار حتمًا يقترب 

لن يفلح الموساد في وطن الذي 

               وهب الحياة وماله فيما وهب 

لم يستمع رأي الكسول ولا الذي 

                   يتلو على الشبان قائمة العتب

 لما دعته الصارخـات أجابها 

            هتف الفتى «الويل لي إن لم أجب» 

هذا طريق الفائزين أحبه 

                ومشاه من قبلي أحباء نجب 

ياسين والزهار في أصحابهم 

                جند أباة، بل فريق منتخب 

المؤمنون الصاعدون إلى العلا 

                 حيث الجنان نعيمها تحت الطلب 

الحور فيها والقطوف وظلها 

                    والطيبات وكل أمر مستحب 

والدور فيها فضة أو عسجد 

                    لا حزن فيها لا صراخ ولا نصب

لن يفلح الشيطان ينهب أرضنا 

                     ويقيم جدرانًا حديدًا أو خشب

 سيزول.. قد زال الفرنجة قبله

                من كل مملكة أتى جيش لجب 

لم يبق منهم في الشام وحولها 

            إلا قتيل أو أسير أو سلب 

زالوا كما زال الضباب مع الضحى

                 شمس الضحى فوق الضباب لها الغلب 

أما التتار فقد تناثر عقدهم

                    فرسانهم لم يحسنوا غير الهرب 

من كل واد أدبروا الما رأوا

               أهل الحمية والشباب المنتدب 

ورأوا أمير الجند تحت عجاجة 

                 والسيف في يمناه يلمع كالذهب

واستسلمت أعداؤه بل أسلمت 

                  سمعت كلام الله يتلى والخطب 

سمعت نداء الحق عنوان الهدى

                    تابت سريعًا والنجاة لمن يتب

سيزول كابوس اليهود بهجمة

                    تأتي عليهم في جمادى أو رجب

 كالسيل تجتاح الغثاء تدوسه

                    تسقي بماء الغوث دالية العنب

 يا قدس إنا قادمون فأبشري 

                   شمس النبوة عن سمانا لم تغب

 

قصة قصيرة

بينهما برزخ

وفاء الحمري

رمته بنظرات شزر.. حطت القهوة على المائدة الصغيرة قبالة زوجها... تعمدت عدم احضار السكرية.. أريده أن يتجرعها مرة كما المرار الذي سقانيه ذاك القاعد هناك..

رددت بينها وبين نفسها، رفع هو فنجان القهوة إلى فيه وعيناه مصوبتان إلى جهاز التلفاز... كأني أرتدي طاقية الإخفاء تمتمت بتعجب.. لم يكلف نفسه حتى التفاتة بسيطة ليشعرها أنها موجودة... حاضرة.. واقفة ومنتصبة أمامه بطلعتها البهية وقامتها الفارهة...

سمع صفير تجرعه لذاك السائل الأسود الذي اعتاده وأدمن عليه.. تمنت لو تحولت بقدرة قادر إلى قهوة فيتجرعها بلذة كما يفعل مع الأخرى.. لكنها سرعان ما غيرت وجهة أمنيتها.. هو من أرادته سائلًا أحمر قانيًا فترتشفه هي بمتعة حتى أخر قطرة منه فتراه مترديًا كالثور الأسباني على حلبة المصارعة....

خالت نفسها البطل الذي يحمل الراية الحمراء ويهش بها على ذلك الثور القوي العنيد تلاعبه.. تعانده تصارعه فتصرعه... كم هامت على أجنحة الخيال بعيدًا.... تمنت مرة أن تكون من برج العقرب... بل تمنت نفسها عقربًا حقيقيًا أسودًا مريعًا ينفث سمه في ذلك الممدد ببلاهة على الأريكة الشاخص العينين أمام صندوق الفرجة «آه لو تحولت إلى هذه القناة التي يحياها آه لو أمعن النظر، ثم شخص البصر، لرأى العجب العجاب والمنظر الجذاب ولما تحول عنها أبدًا.. صندوق الفرجة بكل امتيازه»صيحات مزعجة- عند سماعه خبر إتمام جدار الفصل في الأراضي الفلسطينية - أعادتها من برج الخيال إلى أراض الواقع... لم تجد نفسها لحظتها إلا طائرًا مقصوص الجناحين.. لا يملك إلا زقزقات مبحوحة لا لحن فيها ولا شجن.... نغمات حزينة وخيالات جامحة....

«أين الرجال؟... أين العرب؟ أين المسلمون؟ أرض الأقصى سيجت وأحيط بها» صاح بحماس منقطع النظير وعيناه مصوبتان إلى الشاشة لا تكادان تبرحانها إلا للترميش ثم تعودان إليها مرة أخرى أكثر انتباهًا وتدقيقًا... عطرها الفواح لا يصله... ربما حاسة الشم لديه ضعيفة، هكذا ظنت في البدء تقصد في بداية حياتها الزوجية... كانت المسكينة تغير كل مرة نوعية عطرها ظانة أن تلك التي تضعها لا تعجبه....

لكن مع مر الزمان، تأكدت أنه عديم الحس. 

تصوروا أنها طالبته يوماً بزيارة طبيب عيون.. إنه لا ينتبه إليها.. لا يكاد يلحظ وجودها إلا لطلب ما.. لا يميز بين الطفرات التجميلية والتغيرات الشكلية التي تأتي بها المسكينة بين الفينة والأخرى لتظهر جلية بهية ... لتذهب بليه فيأتيها هاشاً باشاً، طالباً راغبًا... معجبًا ...

تيقنت أنه ضعيف البصر، فوضت أمرها لله وصبرت على تلك البلوى وجهزت نفسها لتتحمل منظره وهو يحمل نظارات مثل قاعدة الكؤوس الزجاجية، المهم أن يراني.. يستمتع برؤيتي ويهش لطلعتي.. قالتها لحظتها في حوار مع النفس لامتصاص هول الصدمة. عاد إليها بنتيجة الفحص بدون اهتمام.. إنه متيقن من قوة إبصاره.. دلل على ذلك بملاحظة خالة صغيرة جداً على الخد الأيمن لتلك المذيعة ذات الثقافة العالية والصوت المذهل كما يحلو له أن يصفها دائمًا.

 تصوروا أيضًا أنها ظنته يومًا ضعيف الذاكرة «مجنونًا يعني- وقاكم الله» عندما جهزت كعكة في الذكرى الأولى لزواجهما وكتبت عليها «ياسين وبشرى سنة مضت وتأتي بالمسرات الأخرى» سألها ببلاهة لا يحسد عليها من بشرى هذه؟ يومها ضربت صدرها ولطمت وجهها ونفشت شعرها ولخبطت كحلها، فبدت كالحمقاء ورددت بهياج شديد «مجنون ليلى.. مجنون بشرى لا بل مجنون وبشرى.. لا بل مجنن بشرى.. لا بل مجنون ومجنونة.. ظلت تهذي وهو لا يبالي كأنه غير معني بما حدث أو قل ليس سبب الذي حدث....»

في نهاية العرض المسرحي الحي، جمعت أنفاسها وأحضرت عقلها وقالت بلهجة المتأسي الفاقد الحيلة «مجنون واحد أفضل من مجنونين» ومن يومها فوضت أمرها إلى الله. 

انحنت ورفعت القهوة محدثة جعجعة بالفنجان عله يلمحها.. يحس بها.. ينظر إليها.. لا أمل... رفعت الطاولة الصغيرة بحنق ووضعتها بقوة على أصبع رجله ظانة أنها لن تعدم النظرة هذه المرة نظرة غضب... لا يهم. الأهم أن تفوز بأي نظرة قالتها وهي متأكدة أنها ستربح التفاتة صوبها.. تكاد المسكينة تفقد إحساسها.. بذاتها.. بجسدها.. قام هو مكانه مذعورًا.. صوب الاتجاه المعاكس وعانق مخدة فوق الأريكة ينفث فيها ألمه وهو يصرخ «لقد فعلها الجبان فعلها الصهيوني البطاش وأكمل جدار الفصل حول أرض الأقصى وعزل الشعب الفلسطيني داخل سجن مفاتيح أبوابه في جيبه» فغرت هي فاها.. ضربت كفاً بكف وصرخت هي الأخرى بألم عميق وحسرة قائلة: «لقد فعلها.. فعلها الجامد وأتم بناء جدار الصمت واللامبالاة.. أوصد أبوابه ورمى مفاتيحه بعيدًا.. بعيدًا»... وقامت تجر أذيال الخيبة والمرارة صوب المطبخ تحضر له ما سيتعشى به وهي تتحسر على عمر يضيع مع فاقد الحس ضعيف الحواس.. مهندس نظرية الصمت ثم الصمت ثم الصمت ولا شيء يعلو على الصمت والفرجة فمن صمت نجا، وهو ملحن الأغنية العربية الشهيرة، الصمت علة والكلام ذلة.. سامحيني يا قدس يا فلة.. آه لو كنت نحلة لجئتك بألف برميل عسل ومليون نخلة لكني يا قدسي - ويا أسفا - لست بنحلة، ولست جملًا ولست بغلًا.. أنا جسد له خوار يدخله الريح من الجانب الأيمن ويخرج من الجانب الأيسر... لا يثبت على أرض ولا على مدار.. الصمت عنده أصل الحوار وجداره جدار صمت لا يهدمه حكم أو قرار .....!

 هذه هي رائعته التي يرددها كل ذي ظفر وناب من العرب والمسلمين.. ويحفظونها لأطفالهم اليافعين.. ويوصون بها عند الحياة وعند الممات ويدعون بعدها بكلمة آمين... 

أيقنت المسكينة أن لا أمل ولا رجاء في تحطيم الجدار، وأن عليها أن تتعايش مع الوضع المرضي المزمن عسى الله القادر يمن عليها وعلى أمثالها بالفرج فتهدم بإذنه جميع الجدران العالية والبرازخ العاتية. 

صدر حديثًا

الفاتيكان والإسلام

مجموعة من الوثائق الدامغة عن التعصب الكنسي

خطة البابا يوحنا بولس الثاني الخمسية لتنصير العالم

عرض أحمد محمود التلاوي 

 خدمة مركز الإعلام العربي القاهرة 

هذا الكتاب عبارة عن دراسة كاشفة لموقف الفاتيكان الحقيقي من الإسلام، والذي يتعامل مع الدين الحنيف وحضارته والمسلمين بوجهين: وجه يدعو إلى الحوار والتعاون الإنساني.. وآخر يتخذ كافة التدابير لاقتلاع الإسلام من العالم.

ويحتوي الكتاب على مجموعة من الوثائق الدامغة عن التعصب الكنسي الذي كل ما يعنيه.. كسب الوقت من خلال بدعة الحوار بين الأديان إلى أن تتم عملية تنصير العالم وفقًا لأمانيهم.

وهذا الكتاب هو السابع ضمن سلسلة صليبية الغرب وحضارته، والتي تتناول العديد من القضايا الداخلة تحت اسم التعصب الكنسي وحربه الصليبية ضد الإسلام وتسعى لإلقاء مزيد من الضوء عليها، وكشف القناع عنها. ومؤلفته هي الأكاديمية والكاتبة المصرية الدكتورة زينب عبد العزيز صاحبة الاهتمام الواسع بقضايا الإسلام والمسلمين في عالم اليوم.

في مقدمتها للكتاب تطرح الدكتورة زينب تصوراتها العامة حول سياسات الفاتيكان تجاه الإسلام والمسلمين من خلال عدد من الوثائق التي صدرت عن الفاتيكان سواء الإصدارات الكنسية أو الخطب الرسولية التي تفضح العديد من الحقائق حول السياسات الفاتيكانية تجاه الإسلام والمسلمين، وتعكس الموقف الديني للغرب وهو الموقف الذي أصبح ملاصقًا للموقف السياسي، بل ومحركًا له بصورة لا سابق لها.

وقد ارتبط مفهوم السلطة السياسية بالسلطة الكنسية منذ أولى خطوات الاستعمار، وتواكبت جهود الآليات الحربية والعسكرية وتواكبت بآليات المنصرين والمستشرقين لتنضم إليها حاليًا فرق المفكرين والمثقفين.

كذلك لم يعد خافياً على أحد كيفية تضافر الجهود السياسية والدينية لاقتلاع الإسلام كبديل للمسيحية التي تم تحريفها عبر المجامع على مر العصور.

وكما قرر المجمع الكنسي اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات فإنه قرر اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات من القرن العشرين المنصرم وهو أيضًا ما يتم حاليًا على الصعيد العالمي برمته، عن طريق المجازر الرهيبة، والتي تتم بكل أسف بفضل تواطؤ بعض المسلمين أو صمتهم المخزي. 

وإذا كانت عملية اقتلاع الإسلام تتم قديمًا أو حتى فيما بعد منتصف الستينيات في صمت وخفاء، فإنه منذ عام ١٩٨٢م أصبحت تتم في وضح النهار وتعلن على صفحات الجرائد والمجلات، بعد أن أعلنها يوحنا بولس الثاني صراحة مطالباً بضرورة إعادة تنصير العالم.

من أوربان الثاني إلى يوحنا بولس الثاني

تنهي الدكتورة زينب عبد العزيز هذه الفقرة بالحديث عن سماحة الإسلام وأدلة ذلك من القرآن الكريم في مقابل الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في عالم اليوم وجذورها التاريخية التي تعود إلى أيام الإسلام الأولى مرورًا بالحملات الصليبية ووصولًا إلى وقتنا الحالي.

ولم تكن الكنيسة منذ البداية غائبة عن هذه القضية حيث قاد البابا أوربان الثاني الحروب الصليبية في بدايتها بعد أن تم تحريف المسيحية وتكريسها في أوساط أتباعها على أنها المسيحية الحقيقية.

وعبر القرون الماضية لم تتوقف محاربة الإسلام، وإن عرفت موجات متفاوتة الحدة لعمليات التنصير والتغريب أو الضغوط السياسية والاجتماعية، وكان من أهمها مؤتمراً لوزان وكلورادو في السبعينيات من القرن الماضي ومؤتمر مسيحيي الشرق في باريس عام ۱۹۸۵م، وفي الجانب الآخر تنشط العديد من المنظمات والمؤسسات الدينية لأخذ دورها في هذا المجال وعلى رأسها منظمة «عمل الرب، والتي أسسها الأسقف «بالاجير» في أكتوبر من عام ۱۹۲۸م.

وفي هذا السياق أيضًا، توضح المؤلفة حقيقة الدور الذي قام به الفاتيكان خلال الحرب الباردة لإسقاط الشيوعية والاتحاد السوفييتي السابق، ودعم الوجود المسيحي محل الشيوعية في شرق أوروبا ثم جاء الدور على الإسلام والمسلمين بعد ذلك.

خطة خمسية لتنصير العالم

في الرابع عشر من شهر نوفمبر ١٩٩٤م ألقى يوحنا بولس الثاني في روما خطابه الرسولي الجديد وكان يدور حول الإعداد للاحتفالات الخاصة ببداية الألفية الثالثة لمولد السيد المسيح عليه السلام، ويتمحور جدول عمل الفاتيكان وسياساته والتنصيرية في العالم خلال الفترة الحالية حول:

1- الإعداد الفوري للتنصير والتبشير في العالم.

2- رفع شعار «يسوع المسيح هو نفسه»، إلى الأبد.

وفي هذا السياق أكد يوحنا بولس الثاني على عدد من الثوابت العقدية للمسيحية، واتجاهات سياسة التبشير في العالم، والتي اعتبرها بمثابة امتداد للدور الذي لعبه الفاتيكان لإسقاط الشيوعية في أوروبا الشرقية، وداعيًا في السياق ذاته إلى ما يشبه تضامنًا كنسيًا عالميًا لمواصلة ذات الهدف والرسالة.

الكتاب: الفاتيكان والإسلام

المؤلف: زينب عبد العزيز

الناشر: دار الكتاب العربي دمشق. القاهرة

 الطبعة الأولى ٢٠٠٥م 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

110

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع