العنوان المجتمع الثقافي (1074)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
مشاهدات 65
نشر في العدد 1074
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 09-نوفمبر-1993
ومضة!!
عندما تتوقف سيارتك في منتصف الطريق، أو عندما تحجم عن الإقلاع لحظة
من اللحظات فإنك لا تعزو ذلك إلى مزاجها المعاكس أو طبعها العنيد، وإنما تفكر في
الخلل الذي أصابها فعطل حركتها، وأفقدها القدرة على المسير والانطلاق.. إنك تبحث
عن الأسباب، وتفتش عن العوامل التي أدت إلى هذا الوقوف الفجائي، والذي سبب بدوره
ضيقًا في نفسك وإرباكًا في حركة المرور من حولك.
هذه الصورة تتكرر وتتشابه في كثير من المناحي والأوضاع، وفي مختلف
الأعمال والحالات. فالعامل عندما تفتر همته، والطالب عندما ينتابه الملل، والجندي
عندما يبرد حماسه، والأديب عندما يشعر باللاجدوى.. هل يبدع واحد من هؤلاء؟ وهل
يتقدم إلى الأمام؟ أم أنه يتحول رقمًا في آلة الحياة ومسمارًا في دولابها الجبار؟
لنتصور موظفًا في شركة أو دائرة أو مصنع، يخضع لقواعد وأصول في العمل،
وهناك هامش ترك عمدًا بدون قيود لإعطائه فرصة للإبداع، لكننا بقرار مزاجي ألغينا
هذا الهامش، فهل ننتظر من هذا الموظف أن يكسر حاجز الروتين ويتجاوز الآلية في
العمل ليبدع ويطور ويغير ويحسن من أدائه خاصة ونحن لا نقدر جهده بعطاء مجزٍ، ولا
بكلمة طيبة، ولا سكوت مريح؟ إذًا فنحن ننتظر معجزة، أو أننا نتعامل مع ملاك كريم.
شهداء الأمة.. واستهلاك الكلمة
لا تزال كلمة الشهادة توزع توزيعًا «فوضويًّا» في هذا الزمن.. فلان
ينتحر فيقال إنه شهيد.. بل يوضع في مقدمة الشهداء.. لأنه قد ضحى بنفسه وأهدر دمه
من أجل قضية آمن بها.. علمًا بأن الانتحار هزيمة.. وتفريط في النفس لا يرضى به
الله.
فلانة تموت فتسمى شهيدة الفن.. وتعدو كلمة «الشهادة» وسامًا يعلقه من
شاء على من شاء. نحن هنا لا ندعي أننا قادرون على تحديد مستحقي الشهادة وتعيينهم
بين من يموت من الناس فذلك أمر ليس في أيدينا ولا في يد أحد من البشر ولكننا نود
الإشارة إلى أن كلمة الشهادة كلمة عظيمة لها مدلولها العظيم ولها حدودها التي أشار
إليها القرآن وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الشهادة بهذا المعنى السامي لا تتحقق إلا لمن آمن بالله تعالى
حق الإيمان وتمثل ذلك الإيمان في شؤون حياته كلها.. ومن هذا المنطلق فإن استهلاك
هذه الكلمة جدير بوقفة متأملة منا.. لا لأننا نرفض استخدامها ولكن لأنها تحتاج إلى
وعي كامل بمدلولها الإسلامي الكبير.
الشهداء من أعلى الناس مراتب يوم القيامة.. وهم أحياء عند ربهم
يرزقون، ولكن من هم الشهداء؟ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سقط بعض الرجال في
ميادين القتال فهنأهم الناس بالشهادة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبه الناس
إلى أن الأمر أبعد مرمى مما يتصورون.. فربما ظن الناس أن فلانًا قد مات شهيدًا
بينما هو أبعد ما يكون عن الشهادة بمعناها الإسلامي.. في وادي القرى سقط خادم
لرسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلًا فقال الناس هنيئًا له الشهادة.. فقال صلى
الله عليه وسلم: «إن الشملة التي غلها من غنائم خيبر لتشتعل عليه نارًا»، وكانت
الشملة لا تساوي قيمتها أكثر من ثلاثة دراهم. لا يعني ذلك أننا نسعى إلى تضييق
واسع أو تحطيم أمل في النفوس، ولكننا نريد أن نحفظ لبعض المصطلحات الإسلامية ماء
وجهها.. وأن نستخدم الكلمات في أماكنها.. والله أعلم بما تضمر النفوس. د. عبد الرحمن
العشماوي
إصدارات:
مسرحية «ملاذ كرد»
• الكتاب: مسرحية «ملاذ كرد».
• المؤلف: صلاح الدين أنكين.
• المترجم: د. محمد حرب (رئيس المركز المصري
للدراسات العثمانية).
• الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع جدة
-٢١٤٣١ – صب ١٢٥٠ السعودية.
مسرحية إسلامية تركية تروي قصة انتصار المسلمين بقيادة السلطان ألب
آرسلان السلجوقي على البيزنطيين بقيادة الإمبراطور رومانوس الرابع وهي قصة أغرب من
الخيال. استطاع كاتبها عبر حوار شخصيات مسرحيته أن يدلنا على أسباب الفشل والهزيمة
في الحروب فليست الهزيمة هي الشيء الذي يخاف منه لكنه الجهل بكيفية الانتصار.
كما تصور المسرحية الكلام المعسول عن العظمة والخلاص وكلمة الشرف على
لسان رومانوس ثم كيف يغدر هؤلاء الذين يتشدقون بالدفاع عن حقوق الإنسان عبر دورات
التاريخ، وما الذي فعلوه بالعُزَّل الأبرياء من أهل المدن المفتوحة من قتل ونهب
واغتصاب وتدنيس للمساجد والمقدسات.
وفي المقابل فإن أرسلان القائد المسلم الذي يقول: «إن جيشًا لا يعرف
معنى العرض والشرف محكوم عليه بالفناء.. إن جيشًا كهذا يحمل في داخله بذور فنائه»
هذا القائد كان يحافظ على شرف كلمته ويرعى عهود أعدائه ويحافظ على أعراض من يقع
تحت يديه منهم. لقطات معبرة تلك التي تصورها مسرحية ملاذ كرد وتعرض خلالها صفحات
مشرقة من أمجاد الإسلام حريٌّ بنا أن نتوقف عندها للاعتبار وتصفح الدروس استعدادًا
للإقلاع من جديد إلى تحقيق طموحات المسلمين، وحريّ بالقارئ الكريم أن يهتم بمثل
هذه المواقف التاريخية بدلًا من التركيز على صفحات الفتن والخلاف.
واحة شعر: شعر حيدر الغدير
إيرما
فتاة مسلمة صغيرة من سراييفو كأنها الفراشة الطاهرة، أصابتها قذيفة
قناص صربي فشُلّت وعجز عنها الطب وظلت لا حية ولا ميتة لتكون شاهدًا على بطش العدو
وعجز الأخ...
أتاني مصابك والنائبات ** جيوش على أمتي دائرات
غواش كما شاء أعداؤها ** وحقد
كفور كما الضاريات
صليب تنزّى بأحقاده **
وأجناده العسف والفاشيات
يباركه القس في صبحه **
ويمنحه في المساء الهبات
وتحمله عصبة كالتتار **
وأطماعها كالردى داميات
ويشكو ويبرأ منه المسيح **
وتبكي لآثامه الغاديات
•••
أتاني مصابك وَاخَجْلَتَا ** وقد أحكم القيد عسف الطغاة
وقومي ويا حسرتا فرقة ** ووهن
وذل وعزم موات
وهذا يروح وهذا ينوح ** وهذا
أسير المنى التافهات
وذاك بأوهامه سادر ** ونحن
ضحايا الونى والشتات
ويشغلنا عن هدانا الصغار **
وخمر ولهو وزار وقات
وفكر عدو سداه الضلال **
ولحمته الهلك والمهلكات
وتيه على دربه الهالكون **
وقد ساقهم للبوار الحواة
•••
رأيتك يا أخت بين الذئاب ** صريعة أيامنا العاجزات
وما لمت في الصرب عدوانهم ** كما لمت قومي ونفسي الغداة
وقد جف دمع
فأين البكاء ** وقد شاخ عزم فأين الثبات
وأنت على عارنا شاهد **
وتبكيه في ليلها الأمهات
ويبكيـه تـاريخنا والحفاظ **
ويبكيـه خالد والصافنات
وتـبـكـي الـفـتـوح ويبكى
الأذان ** وتـبـكـي المحاريب والمئذنات
ويخجل يا أخت إيماننا **
وتخشع في حزنها الذكريات
•••
أيا أخت ها قد أطل الصباح ** وهـا هـي فـي المـوعـد الـبـشـريـات
خيول محمد ملء البطاح ** على
متنها المؤمنون الأباة
شباب وشيب وأخت حصان ** رزان وفى إثرها المؤمنات
زحوف تداعى لـهـا الأكـرمـون ** ودجـلـة فـيـهـا وفـيـهـا
الـفـرات
وأسيافها الموت أين الفرار ** وما من محيص وأين النجاة
أتـتـك ولـلـصـرب طغيانهم ** لتثأر منهم وتفني العداة
وتثأر من عجزنا المستبد **
وتحطم أغلاله الكالحات
وتبني لنا في غد ظافر **
صروحًا بأمجادها باذخات
بلال عليها ينادي الصلاة **
وخالد فيها يقود الكماة
وإيرما ومن حولها المؤمنات **
حمائم في دورها آمنات
قوانين كونية: الهداية
بقلم: عبد الرحمن بعكر - صنعاء – اليمن
أما معناها اللغوي: فهداه الطريق إذا دله عليه.
وأما مدلولها القرآني ففي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ
يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ (الأنعام: 125)،
فهي نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وفي الحديث «الإيمان ما وقر في القلب
وصدقه العمل»، ونجد
الآيات القرآنية تشير إلى أن هناك هداية عامة لكل الناس وهداية خاصة اختصها الله
للمستحقين لها من عباده. (1).
وقد ورد في سورة البلد ما يوضح معنى الهداية العامة التي
جعلها الله مصباحًا وحجة على كل البشر ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجدَيْنِ﴾ (البلد: 10)،
وفي سورة الشمس ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 8)، وفى سورة
القيامة ﴿بَل الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيْرَةٌ﴾ (القيامة: 14)، وهذه البصيرة
هي تلك التي نسميها الفطرة والتي عناها الحديث «كل مولود يولد على الفطرة»، فمن
استعمل هذه الهداية استعمالها الحق وسلك بها النهج استحق الهداية الخاصة التي
عنتها الآية: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ
فَسَنُیَسِّرُهُۥ لِلۡیُسۡرَىٰ﴾ (الليل ٤-٧) ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ
هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: 17)، وهناك ملمح خاص عن الإيمان الذي هو
فحوى الهداية وثمرتها تشير إليه سورة يونس ﴿إنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ يَهْدِيْهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيْمَانِهِمْ﴾ (يونس: 9)، وسورة التغابن
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: 11)، فالإيمان والهداية إذًا
خليط من الفضل الرباني والجهد البشري. ولا حظ للجاحد المستكبر في كل شيء من تلك
النعمة السابقة.
أما آثار تلك الهداية وثمارها الطيبة فهي تلك التي توضحها الآيات الست
أول سورة المؤمنون والآيات الخواتم من سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ إلى
آخر السورة، والآيات من سورة المعارج ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِيْنَ هُمْ عَلَى
صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى آخرها. وذلك باختصار بالغ معنى الهداية وآثارها، ولا
تزال مدارج الهداية تندرج بصاحبها متسامية إلى أعلى فمن الهداية إلى التقوى
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: 17) ومن
التقوى إلى الإحسان ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم
مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: 128) والإحسان كما وضحه الحديث أعلى درجات المجاهدة للنفس
على تقوى الله واتباع رضوانه. وفي القرآن صفات للمؤمنين تسع فصلتها الآية المئة
والحادية عشرة من التوبة، وصفات للمؤمنات ست فصلتها الآية الرابعة من التحريم. وصفات
عشر للمؤمنين والمؤمنات فصلتها الآية الخامسة والثلاثون من الأحزاب، وتلحظ في
القرآن أربعة مواقف فصل الله فيها حال المتقين في أول البقرة وفي مطالع آل عمران
وفي أواسطها وفى الذاريات، كما أن للمؤمنين أربعة مواقف فصل فيها القرآن أحوالهم
في أوائل سورة «المؤمنون» وأوائل سورة الأنفال وأواخرها، وآية في أواخر الحجرات،
وهناك طراز رفيع من البشر أسبغ الله عليهم نعمه فجمعوا بين الإيمان والتقوى وبلغوا
في الترقي إلى درجة السابقين وهم أولو الذروة السامقة والغاية السابقة ذكرتهم سورة
الواقعة وأشادت بهم الآية المئة من التوبة وفصلت أحوالهم الآيات من السابعة
والخمسين إلى الواحدة والستين من سورة المؤمنون ويكفينا من صفات هذا الطراز الرفيع
أنهم يؤتون ما آتوا وهو بمعنى العطاء لا بمعنى المجيء؛ أي أنهم يتقدمون بالحسنات
خائفين وجلين ألّا تقبل منهم.
وتلك شفافية عالية ومعرفة بمقام الله سامية وإشفاق من عذاب الله ما
عليه مزيد. وقد فصلت الآية الثانية والثلاثون من «فاطر» أصناف هذه الأمة الثلاثة
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32)
وقد فسروا الظالمين بأنهم التاركون لبعض الواجبات الفاعلون لبعض المحرمات. وفسروا
المقتصدين بأنهم الفاعلون للواجبات التاركون للمحرمات وفسروا السابقين بأنهم
الفاعلون للواجبات المستحبات التاركون للمحرمات وبعض المباحات، وتلك صفة الصحابة
الأولين والتابعين لهم بإحسان، اللهم اجعلنا منهم.
[1] أوصلها ابن القيم في مدارج السالكين إلى عشرة أصناف من الهداية.
آفاق العزة
بقلم الدكتور: أحمد عبد الرحيم السايح
العزة، والإباء والقناعة، من أسمى القيم التي أرشد إليها الإسلام..
وجاءت دعوة الإسلام هذه من أجل الإنسان ليحتفظ ببشريته وحريته وكرامته،
وطمأنينته.. وكلما كان الإنسان مهذبًا كان مقدرًا للروح الإنسانية، والإنسان
المهذب، لا ينزل بإنسانيته إلى الهون ولا يقبل أبدًا أن يتمرغ في الوحل، بل يسعى
في استمرار إلى وضع إنسانيته في الوضع اللائق.. قال تعالى في سورة المنافقون:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8) والعزة في الإسلام صورة عملية
سلوكية تدفع إليها الإرادة القوية والعزم الصادق والاستطاعة على التكييف والعزة
سعي لتحقيق المثل العليا في الحياة ليكون للمسلمين تاريخ وحضارة وأمجاد، وتاريخ
المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل لم يقم ولن يقوم على تحقيق الشهوات والتواكل
والاستجداء، ولكنه يتجسد بالبطولات والتضحيات والعلم والمعرفة، ومواكبة التقدم
الحضاري.
ومن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره،
يطلبها من عند الله وفى ظلال الإيمان بالله لأن الإيمان بالله ليس دعوة إلى
الانعزال عن الحياة، وإنما حقيقة أساسية من حقائق الوجود، والإيمان في ذاته كفيل
بتعديل القيم والموازين وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك وتعديل
الوسائل والأسباب.
ويكفي أن تستقر العزة بمفهومها ومدلولها وفلسفتها في قلب الإنسان
المؤمن لتقف به أمام الدنيا كلها بمن فيها وما فيها، عزيزًا كريمًا ثابتًا، غير
هياب ولا وجل سواء وقع على الموت أم وقع الموت عليه والمعتز بالله لا يحني رأسه
لمخلوق مهما كان ولا لعاصفة طاغية، والمعتز بالله لا يقبل الارتخاص، ولا يرضى
بالابتذال.. حقيقة تستقر في القلب فتملأ الإنسان المؤمن قبل أن يكون لها مظهر في
دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها المسلم على كل أسباب الذلة والضعة
والذوبان والانسلاخ حقيقة يستعلي بها المؤمن على النفس الأمارة، ويستعلي بها على
شهوات النفس، استعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع، ومن تحقق له
هذا الاستعلاء وارتشف من ينابيع الإسلام، وارتبط بالإسلام أخلاقًا وسلوكًا وفكرًا
ونظامًا، فلن يملك أحد وسيلة لإذلال إرادته وإخضاع ذاته.
والعزة في الإسلام ليست كما يتوهم البعض عنادًا جامحًا يستكبر على
الحق ويتشامخ بالباطل، وليست طغيانًا فاجرًا وجعجعة وتشدقًا وحذلقة، وليس اندفاعًا
يخضع لشهوة ويرتمي في تبعية، وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل، وليست فلسفة
جاهلية وادعاء. إذن وبكل تأكيد وبدون مجانبة للصواب يمكن أن نقول: إن فلسفة العزة
في الإسلام خضوع لله وخشوع وخشية وتقوى ومراقبة وعمل. ومن هذه المعاني وبها ولها
ترتفع الجباه وتصعد النفوس، وبهذه المعاني كان المسلمون أقوياء في كل شيء، هاب
العدو بأسهم، وخاف المنافقون سلطانهم.
ولم يحدثنا التاريخ أن المسلمين يوم أن كانوا قوة قبلوا أن يكونوا
تابعين لأي قوة بشرية، والأمم كالأفراد، وما الأفراد إلا لبنات في بناء المجتمع
الواسع، والفرد في الإسلام جزء من المجتمع الإسلامي يكمله ويكتمل به ويعطيه ويأخذ
منه، ويحميه ويحتمي به. والأمة التي تفضل أو ترضى بالتواكل والاستجداء والكسل
والتبعية، وتترك الاعتماد على النفس والجهاد في سبيل الله، أمة لا تستحق الحياة
الحرة الكريمة، والحياة الحرة الكريمة لا تتأتى لأمة دون ثمن، والثمن هو التضحية ولا
يتأتى لأمة أن تشق طريقها في الحياة، وأن تستعيد وجودها وكرامتها، وتعيد صنع
حياتها، دون أن تحاول جاهدة أن تبني نفسها بناء يتفق مع الاعتداد بالذات.
وقد يكون من المسلمات البديهية: أن ضعف الأمة في جوهره وجذوره ليس
ضعفًا في قوة الدفاع أو في القوة العسكرية، وإنما يكمن في ذل النفوس وشعورها
بالضعف. وقد يكون من المسلمات البديهية أيضًا أن فقر الأمة في جوهره وجذوره ليس
فقرًا في السلاح والمعدات أو فقرًا في المال والإمكانيات وإنما يكمن في فقر النفوس
وعجزها، وضعف الإرادة واضطرابها.
ولهذا جاء الإسلام في قوة أن يغرس هذه المعاني في النفوس المؤمنة
بالله المعتدة بعقيدتها، وقد لاقى المؤمنون الأهوال والصعاب وتجشموا المشاق
والمخاطر بصبر وعزم وحزم وخاضوا غمار الحروب واقتحموا ساعات القتال بإيمان وشجاعة
واضعين في الاعتبار أن الجبن لا يطيل أجلًا والإقدام لا ينقص عمرًا. قال تعالى:
﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل
عمران: 154)، قال تعالى: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ
الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب:
16).
وانطلاقًا من هذه المفاهيم والقواعد، انطلق المسلمون في سبيل الله
والعقيدة انطلاقة أنقذت الإنسانية من وهدة الضياع والخسران وأزالت الأصفاد والقيود
التي كانت تقف حجر عثرة أمام تقدم الإنسانية واستتباب الإسلام. وإن الحياة تتطلب
من الأمة الإسلامية أن تطعم التاريخ خبر الشهادة والاستشهاد، وأن تغرس أقدامها في
طريق السؤدد والمجد، وأن تربي الأجيال على الاعتزاز بالعقيدة وحب الخير والإصلاح
والصلاح.
من مذكرات بعثي تائب.. أحمد عبد الكريم
الدوحة من: حسن على دبا
لم يكن هذا البعثي زعيمًا أو بطلًا قوميًّا حتى يمكنه أن يسجل شيئًا
من تاريخ الحزبية أو الحركة الفكرية في حزبه.. حزب البعث، لكنه كان «رفيقًا» عاش
في بطن الحقيقة المرة والشعارات الجوفاء فترة فصار شاهد عيان ومعاصر فعل غريب ولم
يشأ أن تموت التجربة دون أن تصل حقيقتها إلى الآخرين، هذا هو أحمد عبد الكريم
العضو في إحدى قيادات حزب البعث السوري الذي صدر له مؤخرًا كتاب «من مذكرات بعثي
تائب» عن دار الغوطة للطباعة والنشر بقبرص.
دخل حزب البعث عن طريق قريب لميشيل عفلق وصديق لأكرم الحوراني وأحد
تلامذة زكي الأرسوزي وهو «وليم طنوس»، وهو أستاذ والده عبد الكريم وكان يزورهم في
البيت ويعقد الجلسات.. ومرة بعد مرة دعاه الرفيق أحمد وكلفه بدعوة أصدقائه الطلاب،
وصار قائدًا للمجموعة، وبدأت علاقته بالمسجد والشيخ عبد العزيز تفتر وتقل حتى وصلت
إلى الاكتفاء بصلاة الجمعة، ولما عاقر الخمر وتعلق بالنساء- رمزًا للولاء للحزب
والبعد عن التدين- صار يصلي الجمعة منزويًا عن أعين الآخرين.
يتذكر معركة افتعلها الأستاذ وليم حيث بعث بمجموعة لتسب الدين حتى ضرب
قائدها في مكان من قبل المسلمين الملتزمين الذين هم في نظر البعثيين «إخوان
مسلمون»، وانعقد الاجتماع للرد على ذلك الضرب، واتفق على أن يذهب البعثيون
ويتظاهرون بالتصالح ثم ينقضون على هؤلاء عند سماع كلمة السر، وضرب الجميع في
«الحارة»، وكان مصيرهم السجن والمستشفى.. ولم يكونوا يعرفون أنها من تدبير وليم
عملا بمبدأ «فرق تسد».
أشار المؤلف إلى الشعارات المعروفة التي تتردد في كل اجتماعات
البعثيين «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة» وحقيقة تلك الرسالة ليست الإسلام،
لكن الآخرين يمكنهم أن يفهموا ذلك أول الأمر لينجذبوا إلى الحزب.. كما ذكر دور
الخمر في جندية الفرد العربي فلم يكن يجرؤ واحد على الابتعاد عنها إلا بصعوبة وتحت
ادعاء ضررها بمعدته، أما غير ذلك فسوف يتهم بالتدين وهي جريمة عند البعثيين كما
نوه بدور المرأة في الحزب واستخدامها في إغراء الشباب وإبعادهم عن الدين.. ثم حكى
عن تجربة الوحدة ورفض «الإخوان المسلمون» التوقيع على بيان الانفصال رغم عدائهم
لعبد الناصر، فقد قاد الانفصال البعثيون.. وحينما أدرك عبد الناصر خداعهم- فقد
أرسلوا الوفود مماطلة- خطب خطبة مشهورة تحدث فيها عن ميشيل عفلق وقال: «جاء عفلق
ليردد يعني يعني وهو لا يعني أي شيء» واشتهرت بعد ذلك أغنية مصرية يعني يعني
تهكمًا بالمفكر عفلق.
قبل أن يختتم أحمد عبد الكريم «كُتَيّبه» أشار إلى الدونية التي تعرض
لها أهل السنة داخل الحزب، وصارت الشخصية الطائفية هي القادرة على فصل كل شيء من
تراخيص وتجارة ومصالح.. وكان اسم «البعث» يمنح الشرعية في فعل كل شيء بيد أن
المؤلف لم يصرح بما يقصده بالطائفية وهي النصيرية والأصل في كتابة المذكرات الوضوح
وإعلان الأسماء وإلا صارت ذكريات أو أوراقًا، ولم تقترب من السيرة الذاتية أو
الاعتراف الذي قصده المؤلف.. وألاحظ أن المؤلف أخفى بعضًا، ربما كان من باب عدم
الجهر بالسوء من القول، واختتم مذكراته- الجزء الأول- بسعادة بالغة مرَّ بها حين
ترك الخمر والجنس، رمز الولاء للبعث، وعاد إلى المسجد!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل