العنوان المجتمع الثقافي(1459)
الكاتب : مبارك عبدالله
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001
مشاهدات 58
نشر في العدد 1459
نشر في الصفحة 50
السبت 14-يوليو-2001
من وحي الدانمارك
عاقبة التهور
إعداد : مبارك عبد الله
علي العبود
كان يراها كل صباح وهي تحمل حقيبتها، وتصعد الحافلة في طريقها إلى المدرسة، وكانت تبدو في عينيه ذات حسن وجمال، وجسم ممتلئ حيوية ونشاطًا، فوجد في نفسه ميلاً نحوها، فهو مثلها في المرحلة الأخيرة من الثانوية، ولم يبق على انتهاء العام أكثر من شهر واحد، لقد باح لصديقه بسر حبه لها، ورغبته في الزواج منها ليكمل نصف دينه الآخر.
سأله صديقه إن كان له صلة بها أو علاقة سابقة، أو حتى فاتحها في هذا الأمر فأجابه صالح بحدة قائلاً: «أعوذ بالله، وهل أنا من أولئك الناس؟ .. إن هذه اللحية (وأشار إلى لحيته) نبتت على طهر، وستبقى إن شاء الله على ذلك.
إن كل ما أعرفه أنها ابنة جارنا سعيد، وأن أباها رجل مستور الحال.
انقضى الشهر، ونجح صالح في امتحان الثانوية، وها هو ذا ينتظر قبوله في إحدى الكليات، وفي ليلة الجمعة من شهر أغسطس رن جرس المنزل، فصاح سعيد: «من»؟ ولما فتح الباب وجد جيرانه: أبا أيمن، وأبا صالح، وأبا زياد ينتظرون، فرحب بهم قائلاً: «أهلًا وسهلًا تفضلوا... تفضلوا يا جماعة.. زارتنا البركة، الله يحييكم». فرد الجميع: «الله يبارك فيك يا أبا سلمى». وما إن استقر الجميع في غرفة الجلوس حتى تقدموا بطلب يد سلمى لصالح.
أبدى العم سعيد رغبته في تلبية طلبهم، فقال: «صالح شاب مهذب بعيد عن مظنة السوء، بل لا تكاد تفوته صلاة في المسجد إلا عند الضرورة، فهو نعم الصهر». ولكن العم سعيد طلب مهلة أسبوع كي يشاور سلمى وأمها.
انصرف الجميع وقلب صالح يخفق بين جنبيه، فهو يرى الأسبوع كأنه سنة دراسية أخرى. كان صباح يوم السبت باردًا بعض الشيء، فاستقر رأي العائلة على تناول طعام الفطور في حديقة المنزل التي لا تزيد مساحتها عن عشرين مترًا مربعًا، وتحت عريشتها أفضى الأب إلى زوجته وابنته بالخبر.
امتعضت سلمى وأربد وجهها وهزت رأسها بعنف، فتناثرت خصلات شعرها حتى غطت عينيها، وصرخت في وجه أبيها: «لا.. لا أحبه، ولا أحب من كان على شاكلته».
وشاركتها أمها الرأي، كأنهما على اتفاق مسبق، ولما أراد الأب أن يتحدث ثانية، قامت سلمى من مقعدها، وانفجرت بالبكاء، وهي تهرول إلى داخل حجرتها.
- ما سبب كل هذا يا أم سلمى؟! .. إن الرجل شاب طيب نعرفه، ونعرف أصله وفصله، وإن كان فقيرًا، فالفقر لا يعيبه.. إنه يخاف الله ويعرف حق الزوجة.
وردت أم سلمى قائلة: «بصراحة يا أبا سلمى.. إن ابنتك تحب وسام بن أحمد سالم، وهو يبادلها الشعور نفسه، وقد وعد بخطبتها».
توقف أبو سلمى عن الحديث زمنًا، وأمسك بعود، وأخذ ينكت به الأرض، ثم رفع رأسه قائلاً: «يا أم سلمى هذا الشاب لا نعرفه، ويقولون: إن أصحابه من ذوي السوابق والمشبوهين، وكثيرًا ما يراه الناس في الحانات.. أما ترين آلة التسجيل لا تفارق خصره وشعره المتهدل على كتفيه يدل على ميوعته».
- هذا حال معظم الشباب قبل الزواج يا رجل... إنه غني وإن أباه تاجر وابنتنا وحيدة.... ولندعها يا أبا سلمى تختار شريك حياتها بنفسها.
وأمام إصرار سلمى وأمها استسلم العم سعيد ولما التقى بصالح بعد أسبوع قال: «عفوًا يا بني ما في نصيب – البنت ما رضيت».
تقدم وسام لخطبة سلمى، وتم الزفاف، وبعد شهرين استقرت سلمى في بيت زوجها الدونجواني... والذي بقي على عادته، يخرج مع رفاقه بعد العشاء، ويعود قبيل الفجر، وعيناه حمراوان منتفختان كأنهما مصبوغتان بالدم.
بدأت سلمى تشعر بالوحشة، فهي سجينة غرفتها، وكلما مر يوم جديد، كانت الوحشة تزداد وتزداد، حتى أصبحت ترى اليوم الذي تذهب فيه لزيارة أبويها كأنه يوم عيد، وتتمنى لو أنها بقيت يومًا آخر عندهم... دب الخلاف بين الزوجين، في البداية سرًا، ثم بدأت أخباره تتسرب إلى الأهل والجيران، ولما اشتدت غيرة سلمى على زوجها، وصارت تضايقه بالأسئلة، اعتدى عليها بالضرب... وشتمها... وذكرها أنها أقل من أن تحاسبه، وإلا تصرف معها بطريقة أخرى. كظمت سلمى غيظها حتى تتحاشى لوم والدها، وتشفي الآخرين الذين نصحوها بعدم الزواج منه.
أحست سلمى أن جنينًا يتحرك في أحشائها، فازدادت همومها، وخافت على مستقبلها، إذا استمر زوجها على هذا النهج. وظلت تغرق نفسها في كثير من التساؤلات والتحليلات، حتى أخذها النوم.
وعندما استيقظت صباحًا كان زوجها المبجل يرجل شعره القرنفلي، ويستعد للخروج. مضت الأيام وبدأت سلمى تشعر بثقل الحمل، إلا أن زوجها لم يكترث بها كأنها دمية على سرير النوم. وعندما أمسكت بثيابه في صبيحة أحد الأيام تسأله عن إهماله لها، صفعها على وجهها المملوء بالكلف من أثر الحمل، ودفعها بعنف فارتمت على السرير تبكي وتنتحب.
اقتربت الساعة من الحادية والنصف ليلًا، ولما يأت وسام بعد... كانت سلمى تشعر بالقلق، ففتحت النافذة وأطلت منها على الشارع المظلم، إلا أنها لم تر شيئًا. عادت إلى فراشها، وهي تقاوم النعاس الذي غلبها أخيرًا، فالنوم سلطان. وطلع الفجر ولم يعد وسام بعد. ولما حان وقت الغداء كانت لا تزال وحيدة. أخبرت والدها بالأمر، واتصلت بأمها تشكو لها هوانها على زوجها. غابت الشمس كما أشرقت، ومضى نصف الليل، ولما يأت وسمعت صوت رجل يقول: «أنت زوجة وسام»؟ «نعم يا سيدي، ما الأمر؟».
- «أنا من قسم شرطة المكافحة.. زوجك عندنا في القسم، بتهمة الاتجار بالمخدرات».
وقعت سماعة الهاتف من يدها، وأحست برغبة في التقيؤ، ثم شعرت بدوار شديد يعصف بها، فارتمت على السرير مغشيًّا عليها، ولما استيقظت وجدت والدتها إلى جانبها تبكي، وفي يدها لفافة قطن مشبعة بالعطر المنعش.
وبعد شهر واحد فقط، كانت المحكمة الجنائية قد أصدرت حكمًا بالسجن خمسة عشر عامًا على وسام ورفاقه، بعد إدانتهم بتهمة الاتجار بالمخدرات. وقبل أن تغرب شمس اليوم التالي كانت سلمى تحمل حقيبتها، وتسير بخطى وئيدة نحو منزل والدها. وفي الطريق شاهدت صالحًا مقبلاً يحمل كيسًا مملوءًا باللحم، وآخر من الفواكه، وزوجته المحجبة إلى جانبه. فأخفت سلمى نفسها خلف عربة نقل صغيرة حتى جاوزاها، حتى غابا خلف سور شقتهما.
تذكرت سلمى قول الحسن البصري، فقد قرأت له قبل أيام: «لا تزوج ابنتك إلا لتقي: إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها». ولكن هيهات فقد سبق السيف العزل.
واحة الشعر
تبّتْ يداك
شعر: صبري أحمد الصبري
ردًا على المغربية «حكيمة الشاوي» التي أساءت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم في قصيدة لها ألقتها في الاحتفال بما يسمى عيد المرأة بالمغرب يوم الثامن من مارس عام ۲۰۰۱م قالت فيها: «ملعون يا سيدتي من قال إنك خلقت من ضلع أعوج خرجت»، قالت أيضًا: «ملعون يا سيدتي من أسماك علامة على الرضا بالصمت».
تبت يداكِ «حكيمة» البهتان يا من هَزِيت بشعرك الشيطاني
يا مَن وَصَفتِ المصطفى وحديثهُ وصفاً بذيئًا سيئ الهذيان
يا مَن حسبتِ المنكرات تقدُّمًا والصالحات تخلف الإنسان
يا من سطَرْتِ مداد شعر ساقط فيه التهتك في جميع معاني
وكتبت سيلاً من وقاحتك التي تعلي مبادئ منهج علماني
وكأن شعركِ يا سفيهة مغربِ قلم بكف معاقل الكفران
كُنت الجريئة في الشرور وما بها من بغي فهم قاصر حيران
فلعنتِ مَنْ قال الحديث، وإنه خير الأنام وسيد الأكوان
طه الرسول المجتبى خير الورى من جاء يدعو دعوة الإيمان
من حاز مدحًا في الكتاب مُنزلًا بالوحي في سُور من القرآن
من جاء يرفع للنساء مكانة بعد الهوان على مدى الأزمان
من جاء يحمي للحريم كرامة هتكت مع الرفقاء والأخدان
بحجاب طهر من فضائل شرعة ذخرت بنور الواحد الديان
يكسو النساء طهارة ووضاءة في حشمة ومهابة وأمان
هل ضاق صدرك يا «لئيمة» بالهدى واغتال قلبك هاجس الإذعان
للمارد الملعون في لهو الهوى والرقصُ في سفه مع الألحان
هل راق عقلك يا «عقيمة» مرتع إبليسُ فيه مُوجهُ النسوان
هل هاج فكرك يا «سقيمة» مغرمًا بالعري للأرواح والأبدان
وكذا بموضات الملابس تزدهي فيها النساء بملمس فتان
وكذا «بمكياج» الغواية والردى في حرقة الأصباغ والألوان
ماذا دهاك لكي تكوني هكذا بوق الخلاعة في أخـس لـــســـان
ماذا حصدت من المروق عن الهدى إلالعائن ربنا الرحمن
إني لأعجب من نساء زماننا في بعضهن لجاجة البهتان
والحمد لله الكريم بفضله مازال نبع الخير في الجريان
فنساء أمتنا لديْهُن التقى بــالـــبــر والمعروف والإحسان
منذ القديم وهُن في شرف العلا والاتباع لشرعة الفرقان
لا لن يضُر نساءنا شعرُ الهوى مهما استقر بمنحنى الزوغان
لا لن يهِمن مع التهتك في الردى مهما استمر الإفك في الدوران
لا لن يَكُن كما يريدون سلعة معروضة في متجر الشيطان
أما الحبيب المصطفى نور الهدى فهو الضياء المجتبى الرباني
حاشاك خير الخلق قولاً جارحًا فلأنت نور من حمى المنان
ولأنت هادٍ للأنام ومُجتبى وشفيعنا في موقف الميزان
ولأنت نور الرشد مصباح التقى فخر الوجود المصطفى العدناني
يا سيد السادات يا خير الورى يا صاحب الحوض البديع الشان
صلــى عـلـيـك الله جل جلاله بصلاة حمد دائم ريان
أجنحة الفن و الواقع
في رواية «خطوات في الليل»
عبدالله عيسى السلامة
قد يكون مُكرها، في تمثيل دور البطولة على أرض الواقع، أو مُكرها في صناعة بعض أحداثها على الأرض.. في دنيا الناس.. وقد يتمثل - لو أراد - بالمثل العربي القديم «مُكره أخوك لا بطل».. بل لعله لم يغفل عن التذكير بهذا المعنى، في غير موقف من مواقف الرواية - الرواية المدونة على الورق، لا الرواية الحية على أرض الواقع-.. وحتى تلميحه، أو تصريحه بأنه مُكره على تمثيل دور البطولة - في رواية الحياة - لا يخلو من تواضع.
فإذا كان مكرها هناك، في واقع الحياة على تمثيل دور البطولة، أو تمثيل بعض أدوارها، كدور المنفي من بلاده، أو دور السجين مثلاً.. فهل هو مكره حقيقة على تمثيل هذا الدور في الرواية المكتوبة؟! لا نظن ذلك، بل نظنه اختار هذا الدور عن وعي وقصد وتصميم، وبإرادة حرة بعيدة عن كل ضغط أو إكراه.. بعيدة عن فوهة المسدس، وجدران الزنزانة وسحنة الجلاد.
فكرة الرواية : داعية مسلم مدرس مفكر أديب، تنشأ في بلده أحداث دامية بين السلطة ومجموعة معارضة، فتلاحقه أجهزة الأمن، فيتوارى، ثم يغادر بلاده ليستقر في بلد مجاور لها، ثم يُعتقل في هذا البلد، ويُحبس في زنزانة لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا.. وفي الزنزانة تتجمع في ذهنه عناصر القصة وتتلاحم، وتتفاعل مع جو الزنزانة، ليتشكل الإطار الفني العام في عمومه، وفي كثير من خصوصياته.
الإطار العام للتناول الفني الروائي «شكل الخارجي» : كتابة الرواية على شكل مذكرات مؤرخة بأيام وليال: (النهار كذا).. (الليلة كذا).
زمان الأحداث: هناك ثلاثة أزمنة: زمنان رئيسان وأخر ثانوي
- الزمن الرئيسي الأول: هو الفترة التي قضاها المؤلف في السجن عام ١٩٨٠م.. وهذا الزمن الرئيسي الضيق هو زمن تاريخ الأحداث.
- الزمن الرئيسي الثاني: حياة الكاتب برمتها، وهي في حدود نصف قرن.
- الزمن الثانوي: زمن كتابة الرواية، وقد جاء بعد خروج المؤلف من السجن بحوالي خمس سنوات.
مناخ الرواية: هناك ثلاثة مناخات للرواية كذلك:
- مناخ الزنزانة: بكل ما فيه من أحداث ومواقف وعلاقات ومشاعر وأفكار وضغوط وسجانين وأخيلة وأشواق.. وهو مناخ ضيق محدود بحدود الزنزانة، ثم حدود المبنى العام الذي يضم الزنزانة.
- مناخ الحياة: أي الحياة العامة الحرة الطليقة التي كان الكاتب يحياها قبل دخوله السجن، بكل ما فيها من حرية وانطلاق وضغط وملاحقة، وأعداء، وأصدقاء، وزوج وولد، وبيت ومدارس، وجامعات وسياسة وأدب وأحلام وذكريات.. وهذا هو المناخ الواسع العريض، المترامي الحدود والأبعاد... في الزمان والمكان.
- مناخ التفاعل الأليم الطريف بين المناخين السابقين: وهو مناخ ذهني نفسي عاشه الكاتب بالساعة واللحظة داخل زنزانته، فصاغ منه عالمًا فنيًّا زاخرًا بالمفارقات والمتناقضات حرية أسر.. وطن اغتراب…
سمات بارزة في الأسلوب:
- الجري وراء التداعيات الذهنية.
- إنطاق الآخرين بما لم يقولوا - مما يقدر المؤلف أنهم يمكن أن يقولوه على ضوء معرفته بنفسياتهم وظروفهم وأوضاعهم الاجتماعية.. وغيرها.
- استبطان نفسيات الآخرين، وإجراء حوارات داخلية في أعماقهم، وتصور أنهم يفكرون بكذا ويشعرون بكذا.. على ضوء معرفة المؤلف بهم.
- المزج بين الحلم والواقع..
- نقل الكاميرا - كاميرا الخيال - من مشهد إلى آخر، ومن زاوية إلى أخرى خارج الزنزانة من ناحية.... وبين عالم الزنزانة والعالم الخارجي من ناحية أخرى، بأسلوب عمل يشبه أسلوب عمل «كاميرات» الرحالة في بعض الأحيان.
- عدم الحرص على التقيد بالأساليب التقليدية المألوفة، لدى كتاب الرواية القدماء المعروفين من إنجليز وفرنسيين وغيرهم - في مجال تحريك الشخصيات، وصناعة الحبكة الفنية، والمزج بين عناصر العمل الفني، إذ اتخذ المؤلف هنا نهجًا متميزًا يقتضي التعامل معه بطريقة تناسبه، على ضوء اختيار المؤلف نفسه لمنهجه، لا على ضوء اختيارات الآخرين، ولا سيما أن الرواية «المثال» مفقودة، وأن الكاتب الروائي المثالي لم يُولد بعد.
- إدخال الفن الشعري في نسيج الرواية، في مواضع عدة.
- الحرص على صناعة سلاسل معقدة من الحلم والواقع، واقع يولد أحلامًا تصنع واقعًا يحلم من خلاله الآخرون بواقع جديد، أو يحلمون كأنهم في واقع جديد...
- إدخال القرآن والتفسير والأقصوصة والمثل والطرفة في نسيج القصة الأصلية.
- استعراض فيلم سينمائي، مما اختزنته الذاكرة.
- أحاديث عن التذوق الفني والجمالي في بعض النصوص القرآنية والأدبية.
- حوارات مطولة حينًا وموجزة حينًا حول قضايا سياسية واجتماعية.
- المزج بين أدق التفصيلات الواقعية و أغرب السياحات الذهنية والخيالية.. وقد تكون هذه السياحات باتجاه الماضي أو المستقبل.
خصوصيات
في الرواية مجموعة من الخصوصيات يلحظها القارئ بنسب متفاوتة من التركيز في مواضع شتى.
من هذه الخصوصيات ما يتعلق بالأحداث، ومنها ما يتعلق بالأفكار والمشاعر، ومنها ما يتعلق بطرائق التناول والعرض، ومنها ما يتعلق بالمرحلة التي عاشها الكاتب، ومنها ما يتعلق بشخص الكاتب نفسه.
وسنحاول تلمس بعض هذه الخصوصيات، وتسليط الضوء على بعضها ...
1- خصوصيات تتعلق بالأحداث:
من المعلوم أن لكل حدث خصوصياته التي تميزه عن الأحداث الأخرى، حتى تلك التي تشاركه في صفات وملامح كثيرة ،ومن الأحداث ما يمكن تنميطه - إدراجه ضمن نمط معين - ومنها ما تصعب عملية تنميطه إلى حد كبير أحيانًا ...
وأحداث الرواية هنا في أساسياتها، وفي الكثير من فرعياتها، تحمل خصوصيات متفاوتة في تفردها.
- ثورة مسلحة ضد حكم ظالم فاسد، يدعي الوطنية.
والخصوصيات هنا تكمن في المكان والزمان وطبيعة الثورة، وطبيعة الحكم ... والثورة هي ثورة عقدية صرف، ليس لها أي رداء آخر من وطنية أو قومية أو نحو ذلك.
ونظام الحكم هو نظام متميز إلى أقصى حدود التميز من حيث فساده وعبثه واستهانته بكل مبدأ وقيمة أو خلق.
وبهذه الاعتبارات كلها، يعتبر الحدث الرئيسي - الثورة - مميزًا في تاريخ هذا البلد، ويختلف عن كل الثورات الأخرى التي قامت في العالم المعاصر.
خصوصيات تتعلق بالعمل الدعوي الإسلامي
بسط المؤلف كثيرًا من ممارسات الحركة الإسلامية في بلده، وعلى الأخص جماعة الإخوان المسلمين.. على مستوى التفكير والتحرك، وعلى مستوى المطامح والأهداف، وعلى مستوى العمل وعلى مستوى مشاعر القادة ومشاعر الجنود، وعلى مستوى العلاقات مع الدول والأحزاب.
خصوصيات تتعلق بالمرحلة
للمرحلة التي تفجرت فيها الأحداث خصوصيات معينة منها:
- العلاقات بين نظام الحكم والدول العربية المجاورة له.
- الحياة السياسية والاجتماعية.
- علاقة النظام بأحداث لبنان وعلاقته بالشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية.
- علاقة النظام بالروس والأمريكان، وقضية أفغانستان..
خصوصيات تتعلق بالمؤلف «بطل الرواية»
هناك خصوصيات للمؤلف «بطل الرواية» ذكرها بنفسه، وبشكل واعٍ مقصود.. وهناك خصوصيات أخرى عرضها تفاعل الأحداث في الرواية بشكل غير مقصود.. ومن أبرز خصوصيات المؤلف بشكل عام:
- طريقته في التفكير، وفي عرض القضايا الفكرية.
- طريقته في التواضع، وطريقته في فهم التواضع.
- أسلوبه في استبطان نفسيات الآخرين، ونسج مشاعرهم الخاصة، وصياغة أفكارهم وتحريكها.
- طريقته في فتح بوابات الذكريات، وفي انتقاء الذكريات التي تعجبه والاسترسال في استعراضها.
- طريقته في التعامل مع السجانين، وفي تكوين الانطباعات عنهم.
- طريقته الذهنية في نسج الأحلام: أحلام اليقظة وأحلام النوم.
- طريقته في وصف ملامح إخوانه وأصدقائه، وفي التركيز على بعض الملامح والصفات.
- تصوره للعمل السياسي وضروراته ومسوغاته، وطريقته في عرض هذا التصور.
- طريقته في التعامل مع دواعي الشوق والحنين، بشكل واعٍ أو غير واعٍ.
خصوصيات تتعلق بطرائق التناول و العرض
- إذا كان لابد من تصنيف الرواية ضمن مدرسة أدبية معينة، فيمكن القول: إن هذه الرواية هي مدرسة نفسها، إذ ليس لها - بحسب اطلاعنا المحدود - مدرسة أدبية تنتمي إليها، من الناحية الفنية.
- ثمة أسلوب مميز في مزج العناصر الفنية، وأسلوب مميز في عرض هذا المزيج.
- السياحة الذهنية هي الطابع البارز الذي يندرج ضمنه كل أساليب القص (سرد - حوار - وصف - مونولوج - تخيل عوالم الآخرين الداخلية والخارجية .. )إلا أنها سياحة ذهنية خصبة منضبطة في حدود معينة، ومؤطرة بأطرٍ معينة، وموجهة لخدمة الفكرة والفن معًا، ضمن منهج روائي مرن فضفاض.. وفي أغلب الأحيان تكون السياحة الذهنية عملية واعية مقصودة.
وقد يمارسها المؤلف في ظروف حصار ذهني شديد، حيث يستغرب أن ينطلق الذهن من أسار ظروفه الضاغطة، لينطلق في عوالم أخرى بحثًا عن ذكرى سارة، أو موقف بهيج، أو وجه حبيب غائب.
وبعد
قبل أن نختتم هذه الجولة القصيرة، في رواية (خطوات في الليل) لا يسعنا إلا أن نشير إلى بعض الانطباعات التي خلفتها في الذهن والوجدان، فنقول:
1- إن في هذه الرواية نوعين من المتعة:
- النوع الأول والأهم: المتعة الكامنة في المعرفة ذاتها.
- النوع الثاني: المتعة الفنية التي تُغلف المعرفة أو تمازجها، وتتفاوت حظوظ القراء من المتع.. كل بحسبه.
2- إن هذه الرواية عالم رحب فيه الغابة والبحر والجبل والصحراء، وفيه الشجرة والساقية والصخرة والشلال.. فيه الذكرى البهيجة وفيه الألم المحض.. فيه الضحية البريئة وفيه الوحش الكاسر، وفيه الظبي الشارد.. وفيه طعوم الحياة جميعًا: الحلو.. الحامض.. المر.
وكما يتألم الإنسان ويفرح ويقلق وتتوتر أعصابه وتنفرج أساريره في الحياة.. كذلك قد يجد مثل هذا كله في الرواية.. وربما يجد المزيد.
3- هذه الرواية ميدان خصب مثير لتحليلات أنماط من المحترفين والهواة.. ولغير هؤلاء وأولئك من القراء.. وكل يخرج منها بقدر، ويظفر منها بطائل: الداعية المسلم.. رجل المخابرات.. رجل القانون.. الناقد الأدبي.. رجل المبدأ أيًّا كان.. سجين الفكر.. المشرد بسبب عقيدته.. المضطهد في بلده فكريًّا.. المؤرخ.. المحلل النفسي.. كما يفيد منها بطرائق شتى القارئ - أي قارئ - الذي لم يقيد مزاجه بنموذج معين من نماذج الرواية.. القارئ الباحث عن المعرفة الممزوجة بمتعة فنية قصصية: معرفة بعض مسارات الحركة والفكر لشرائح من الدعاة الإسلاميين، على مستوى الفرد والمجموعة.. معرفة ما يجري في الأقبية والسجون لرجال الفكر.. معرفة درجات التفاوت بين مواقف الدول تجاه حركة سياسية معينة، في ظروف معينة.. معرفة طعم الزنزانة وطعم الغربة، وطعم البعد عن الأهل والوطن..
ثم معرفة أحلام الداعية المسلم: أحلام اليقظة وأحلام النوم.. ومعرفة أنماط من الصراعات والمفارقات والموافقات بين أنواع من الشرائح الاجتماعية والسياسية.. ومعرفة كيف يفكر ابن الخمسين: الإنسان، والرجل، والداعية، والمفكر، والأديب، والمنفي، والسجين..
ثم معرفة أسلوب جديد من أساليب الكتابة الروائية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل