; المجتمع الثقافي (1815) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1815)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008

مشاهدات 95

نشر في العدد 1815

نشر في الصفحة 44

السبت 16-أغسطس-2008

كتابة السيرة في زمن الصورة

 محمد سعيد الريحاني (*)

الكتابة عموماً هي شكل من أشكال تحقيق الفكر وجعله واقعاً على الورق أو على الأرض لكنها أيضا دعم للبحث عن الحقيقة في نسبيتها ومطلقها فإذا كانت الصورة معادلة للحقيقة، فلماذا لا تستثمر الصورة في كتابة السيرة لدعم الحقيقة التي تنشدها حقيقة المحكي، وحقيقة ما جرى؟ السيرة الذاتية المصورة لون أدبي فني وليد جديد على الثقافة العربية أولاً، وعلى الثقافة الإنسانية عموماً، وأملنا أن تكون هذه السيرة الذاتية المصورة المنشورة بعنوان عندما تتحدث الصور الحجر الأساس لهذا الجنس الأدبي الفني الذي نأمل أن يصبح تقليداً إبداعياً راسخاً في الثقافة العربية والإنسانية عموماً يصالح القراء مع الكتاب في زمن العزوف عن القراءة، ويعرف القارئ عن قرب على المؤلف جاعلاً من الكتاب ملاذا حميماً مادامت السيرة الذاتية تقرأ أصلاً بشكل مختلف عن باقي الأشكال المكتوبة وهذا ما يفسر الإكبار الذي لقيته المعلقات والذي لم يتكرر بعد عصر الجاهلية بسبب خروج الشعر عن الفخر بالذات والإنحباس في مقايضة مال السلاطين بهية الإبداع محاولات الكتابة في السيرة المصورة تكاد تنحصر في الكتابة عن سيرة الغير من طرف المعجبين والاتباع على السواء، لذلك فهي تنضوي تحت جنس السيرة الغيرية المصورة، كما هو الحال مع فوتو بيوغرافيا البرت أينشتاين للكاتبة مارفيه فرغسن ديلانو، وفوتو  بيوغرافيا لينكولن للكاتب راسل فريدمن و فوتو بيوغرافيا غاندي للكاتب بيتر روهه، وفوتو  بيوغرافيا مارتن لوثر كينغ للكاتبين بوب أدلمن و تشارلز دجونسن و فوتو بيوغرافيا تشي غيفارا للكاتبين كرستفر لافينيه وكريستوف لافينغ لكن هدفنا من المشروع الراهن عندما تتحدث الصورة، ليس هو دعم السيرة الغيرية المصورة التي إستنفدت جهداً أكثر من باحث في أكثر من ثقافة، وأكثر من لغة وإنما التأسيس لتقليد أدبي إبداعي جديد السيرة الذاتية المصورة يشرف فيه الكاتب بنفسه على إنطاق الصور بدلا من تزيين السيرة بالصور الذي يبقى هدف غيرنا الفرق بين السيرة الغيرية المصورة و السيرة الذاتية المصورة، يمكن الإنتباه إليه من عدة زوايا أهمها: خاصية الكتابة من الداخل حالة السيرة الذاتية المصورة التي يشرف عليها الكاتب بنفسه، وخاصية الكتابة من الخارج حالة السيرة الغيرية المصورة التي يشرف عليها المعجبون والأتباع أما الفرق بين السيرة الذاتية المصورة 

نقطة وسـطر جديد

رجاء محمد الجاهوش

عندما تنتهي بنا الجملة  أثناء الكتابة السَّطْرِ نَضَعُ نُقِطَة ثُمَّ تَنتَقِلُ إِلَى في نهاية سطر جديد نقوم بهذه العملية بشكل تلقائي، ودون تعنت مِنَّا فِي رَصُ الحُروفِ على السطر الأول، وذلك لأننا أدركنا تمام الإدراك أن السطر لم يعد يتسع لحرف جديد، وما عاد يحتمل من الكلمات ما يُشكل جملة مفيدة ذات معنى جميل، فيأتي السطر الثاني بمثابة فرصة ثمينة تهب حروفنا الحياة من جديد لكن ماذا لو أَصَرَّت الحروفُ عَلَى أَنْ تُكتب كلها على السطر الأول وإنصاع القلم لرغبتها ؟ فراح سن القلم يقطع المسافة بين أول السطر وآخره جيئة وذهاباً بحثاً عن فُرْجَة يدس فيها حروفهُ، تُرى هَلْ سَيتحقق له ما يريد؟ النقطة والسطر الجديد وإصرار الحروف على ألا تبرح السطر الأول تذكرني بتجارب الماضي الفاشلة التي تخيم بقتامتها على قلوب البعض، فيُنغَمِسُونَ فيها إلى حد الفرق أسرى هم لأحزانهم وإحباطاتهم وإذا ناداهم منادي الأمل أشاحوا بوجوههم عنه، وأصَمُّوا آذانهم، ثم مضوا مهرولين إلى حيث يقبعون دائماً في تلك الزاوية الكئيبة في غرفهم المنزوية، لا يقوون على فعل شيء سوى البكاء والنحيب على ما فات، والأسى على ما هو آت مكبلين بالعجز وقلة الحيلة وسوء التدبيراً نظرهم قصير المدى وفي إتجاه واحد كان داء التصلب أصاب رقبتهم وإذا سألتهم: ماذا ترون؟ أجابوك: السواد يبسط ردائه على كل شيء، فلا نرى شيئاً حرموا أنفسهم بأنفسهم متعة المحاولة الجادة للبدء من جديد، حينما أساؤوا الظن بالله جل جلاله ولم يفقهوا قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾  (الرعد: ۱۱) لا أعلم كيف يُقاس النجاح عند بني الدُّنيا، وبم يُقاس الفشل؟ لكنني على يقين أنه لا يوجد نجاح مُطلق.

والسيرة الذاتية المزينة بالصور فيمكن الانتباه إليه من عدة زوايا، أهمها: أولاً: أن السيرة الذاتية المصورة تبقى كتابة أدبية بينما تنفتح السيرة الذاتية المزينة بالصورة على الكتابة التعليمية (سير عظماء التاريخ مثلاً) والكتابة التسويقية سير الفنانين والنجوم والمشاهير ثانياً: أن الصورة محورية في السيرة الذاتية المصورة فهي السارد وهي الموضوع الآن ذاته؛ فالصورة سابقة على النص لذلك كانت مولدة له وهي بذلك غير وصفية ولا تكتفي بالتعليق إنها تعيد عقارب الزمن ووجدان الكاتب مع إلى الوراء لإعادة الحياة إلى مجال حيوي أحاط بالصورة عند التقاطها.

أما في السيرة الذاتية المزينة بالصور، فالصورة مجرد تزيين ثانوي يمكن حذفه دون تأثير على بنية العمل الأدبي لأن النص، سابق للصورة وربما مغيب لها: فنص السيرة هو أول ما يكتب ثم يتم البحث بعد ذلك عن الصور لتوضيح المكتوب فيما يبقى دور الفنان المنشط للكتاب بالصور أو الموضح لأفكاره بالصور دورا غير مهم داخل العمل، لأنه لم يعايش اللحظة التي تسجلها الصورة. 

الهوامش:

(*) موقع الكاتب بتصرف

أو فشل مُطلقٌ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، بَلْ تَجارب وخبرات  فكم من تجربة فاشلة جَعَلَتْنا نَقِفُ مَعَ أنفُسِنَا وَقفَة تفكر وتدبر، وكَمْ مِن تجربة قاسية كانت السبب في أن نتعلم سراً جديداً من أسرار النجاح  نعم فما كان سراً بالأمس أصبح اليوم من أبجدياتنا، ولليوم سره الذي لم يُكتشف بعد، حَتَّى إِذا ما تم اكتشافه بتوفيق من الله تقدمنا خَطوةً في دَرب الفلاح، وهكذا  فالتجارب الفاشلة لا تنتهي إلا بانتهاء الأجل، لكنَّها تقل بزيادة الوعي والخبرة، ولا تُكتسب الخبرة إلا بسبر أغوار الحياة، وخوض التجارب والتعلم منها، ومن ثمَّ تَجاوزها لما بعدها بتحدٍّ وإيمانٍ كبيرين وقلبٍ لا يعرف الحقد!

واحة الشعر

نداء إلى الأمة

شعر: سفيان أحمد الأصبحي

       يا أمتي رصي الصفوف وأعلني             بدء الجهاد على العدو الغاصب 

        يكفي شتاتاً للقلوب وفرقة                 يكفي مجافاة لمنهاج النبي

 سيري إلى القدس الشريف وطهري           أرجاءه من رجس كل مشاغب

 كي يعلم الباغون أن جهودهم                 في قدسنا باتت كأمس الذاهب

 لا تستكيني للعدو إذا بغى                         أو تفزعي من كاهن أو راهب 

من ابتغى سلماً فلبي سؤله                         ومن ابتغى نصب العداء فناصبي

 غيث الجهاد سقى رباك فأخصبت                بالأمس بالنصر المبين الطيب

 واليوم ساد الوهن في أوساطها                     والضعف أسعفها بجيل مجدب 

جيل يرى أن الجهاد تأخر                              ويرى التقدم في تسكع لاعب

 ويرى الفضيلة في مدامة عابث                         أو في منادمة الفتاة الكاعب

 يا أمتي سيري على نهج الهدى                           وتتبعي تلك الموارد واشربي 

فالمنهل العذب النقي ميسر                          ومذلل سلسل القياد لطالب

 يا أمتي هل في صفوفك قائد                            ليدلنا نحو الطريق اللاحب؟

 ويخلص القدس الأسير بقوة                        لا بالتأمر والحديث الكاذب

 هو قادم يا أمتي هو قادم                                   ومعين ديني لن يكون بناضب

 قد أخبر المختار عن إتيانه                                   بعلامة صحت بقول صائب

يأتي فيملأ أرضنا من عدله                                   ويزيل جوراً عمنا بمصائب 

من نسل أحمد قائداً وموجهاً                             ومجاهد في شرقنا والمغرب

 هم ينظرون قدوم دجال لهم                              يفني بزعمهم سلالة يعرب

 وجنوده من آل صهيون كذا                             أهل النفاق وكل وغد خائب 

يا أمــتـي إنـا رأينا شعبنا                                   في أرض أقصانا وفي بالواجب

 بجهاده قامت علينا حجة                             أنحت بإذلال ولين الجانب

 لعدونا من أجل عيش خانع                              وتنافس في لذة وتكالب

 يا أمتي هيا لننصر شعبنا                             ونسير في حرد كليث غاضب

 لنعيد للأقصى السليب مكانة                      ونصيب ثأراً من عدو غاصب

يـا أمـتـي حيي رجالك إنهم                             جعلوا الأعادي في عذاب واصب 

أبطال غزة شرفوا هاماتنا                           بصمودهم فازوا بذكر طيب

حور الجنان تشوفت لجهادهم               وتزينت شوقاً فهل من خاطب

إن التجارة في جهاد عدونا                       والربح جنات النعيم لراغب

 

تأثير القرآن الكريم في مجال اللغة والحضارة (۳ من ۱۰)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود (*)

  • هو سر الحركة الحضارية المزدهرة التي صنعها المسلمون حتى أواسط العصر العباسي وهو أساس نشأة كثير من العلوم والفنون.

إن خضوع هذه اللهجات الكثيرة التي أوضحها الواسطي، قد كان أمراً طبيعياً بسبب البلاغة المعجزة التي أقبل بها القرآن الكريم فقد كان من إعجازه أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعاً.

خشوع للفصاحة

ويشير الرافعي إلى أن هذه اللغات أو اللهجات، وإن اختلفت في اللحن والاستعمال، إلا أنها تتفق في المعنى الذي من أجله صار العرب جميعاً يخشعون للفصاحة من أي قبيل جاءتهم، وهذا المعنى هو مناسبة التركيب في أحرف الكلمة الواحدة، ثم ملاءمتها للكلمة التي بإزائها واتساق الكلام كله على هذا الوجه حتى يكون كالنغم الذي يصب في الأذن صباً فيجري أضعفه في النسق مجرى أقواه لأن جملته مفرغة على تناسب واحد وقد استوفى القرآن أحسن ما في تلك اللغات من ذلك المعنى (١).

ولعل هذا ما جعل الرافعي يوضح ذلك المعنى بطريقة أيسر حين أكد أن القرآن الكريم جمع العرب على لغة واحدة (هي لغة قريش) بما استجمع فيها من محاسن الفطرة اللغوية التي جعلت أهل كل لسان يأخذون بها، ولا يجدون لها عنها مرغباً؛ إذ يرونها كمالاً في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية (٢).

لب كلام العرب

وهذه الفطرة اللغوية هي التي قادت في الماضي عالماً جليلاً مثل الراغب الأصفهاني إلى التطبيق العملي الذي عبر عنه الرافعي حديثًا فعكف على ألفاظ القرآن أو مفرداته يدرسها ويتناولها بالدرس والفحص ليقدم لنا كتاباً رائعاً في بابه، يضع فيه هذه الألفاظ في أرفع مقام، حيث يراها، لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم وما عَدَاها وعَدَا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة وكالحثالة والتين بالإضافة إلى لبوب الحنطة (۳) وإذا كان الراغب الأصفهاني قد احتشد لبيان قيمة ألفاظ القرآن الكريم ودلالاتها وتأثيرها في اللغة العربية فإن عالماً آخر جليلاً، وهو السيوطي صاحب الإتقان قد خصص صفحات طوالاً، لتناول المسألة من وجوه عدة، تؤكد إعجاز القرآن وبلاغته وتفسر مراميه وأبعاده (٤).

مركز الدائرة

وبصفة عامة؛ فإن القرآن الكريم كان المركز الذي دار حوله العرب والمسلمون في لغتهم، أو نشاطهم اللغوي، ولولا القرآن وأسراره البيانية كما يقول الرافعي  ما اجتمع العرب على لغته، ولو لم يجتمعوا لتبدلت لغاتهم بالاختلاط الذي وقع ولم يكن منه بد خاصة في العصر العباسي ودخول العناصر الفارسية والرومية وغيرها إلى ساحة الدولة الإسلامية وتأثيرهم فيها باللسان والثقافة حتى تنتقض الفطرة، وتختبل الطباع ثم يكون مصير هذه اللغات إلى العفاء لا محالة إذ لا يخلفهم عليها إلا من هو أشد منهم اختلاطاً وأكثر فساداً، وهكذا يتسلسل الأمر حتى تستبهم العربية فلا تبين  وهي أفصح اللغات  إلا بضرب من إشارة الآثار، وتنزل منزلة هذا (الهيروغليف) الذي قبره المصريون في الأحجار وأحيته هذه الأحجار (٥).

ولا ريب أن القرآن الكريم في كل الأحوال، كان عاصماً من دخول اللغة العربية إلى القبر وكان أكسير الحياة الذي ردّ إليها الروح بعد محاولات جبارة بذلها خصوم الإسلام والعروبة على مدى التاريخ، أو عوامل الاختلاط والتمازج بين الشعوب ومن المفارقات التي تشير إلى تأثير المعجزة القرآنية في الشعوب الإسلامية التي لم تتكلم العربية قبل الإسلام أن يكون أعلام اللغة العربية، وكبار دارسيها من أبناء هذه الشعوب وليسوا من العرب الأقحاح، ويكفي أن يكون سيبويه وعبد القاهر الجرجاني، في مقدمة هؤلاء الأعلام والدارسين.

العربية والسامية

إن اللغة العربية تنتمي في نسبها إلى اللغات السامية ولكنها بفضل القرآن الكريم تميزت عن هذه اللغات جميعاً وهو ما أشار إليه المنصفون من غير العرب الذين درسوها واستنبطوا معطياتها الثرية ويمكن في هذا السياق أن نرصد بإيجاز بعض الميزات التي توافرت للعربية دون غيرها من أخواتها الساميات مثل: العبرية والسريانية في النقاط التالية بسبب نزول القرآن بها:

(1) أن القرآن الكريم، وحد لغة العرب ونشرها في أرجاء الأرض، فتكلمت بها شعوب عديدة غير عربية، بعد أن هجرت لغاتها الأصلية، ومع نشوء القوميات والعصبيات في العصر الحديث بفعل الاستعمار والاحتكاك بأوروبا، فما زال كثير من هذه الشعوب الإسلامية ترى العربية لغة الدين، وبعضها يجعلها اللغة الثانية في بلاده لقد كان القرآن الكريم من أهم عوامل انتشار اللغة العربية أغراضاً ومعاني وألفاظاً وأساليب حتى اتسع محيط اللغة عما كان عليه في الجاهلية، فأصبحت معانيها سهلة وألفاظها رقيقة وعذبت وتهذبت وتميز أداؤها، وقوي أسلوبها .

 (۲) أن القرآن الكريم أكسب اللغة العربية الخلود إلى ما شاء الله وحفظها من التشويه والضياع، وظلت باقية حية، ولم تتعرض لدخول القبر كما أشار الرافعي من قبل وبقيت بعيدة عن الخطر، مع ما يحاك لها خاصة في عصرنا الذي تعيش فيه الأمة تحت رحمة الغزاة الذين يستأصلون هويتها ويروجون للانخلاع منها، ويعملون ليل نهار على إحلال لغاتهم مكانها، ومع أنهم نجحوا جزئياً في بعض المواقع، ولدى بعض النخب إلا أن القرآن الكريم ما زال هو الترياق الشافي الذي يواجه كل السموم، ويبطل أثرها.

 (۳) أن القرآن الكريم كان سرّ الحركة الحضارية المزدهرة التي صنعها المسلمون حتى أواسط العصر العباسي، وهو أساس نشأة كثير من العلوم والفنون، ولولاه ما عرفنا علوم اللغة من نحو وصرف واشتقاق وعلوم البلاغة من معان، وبيان، وبديع، وعلوم الأدب والقراءات والرواية والتدوين والتاريخ والفلك والحكمة.

(٤) أن القرآن الكريم حقق غاية عظمى في مجال حفظ معاني القرآن نفسه من اضطراب الفهم، وسوء التأويل ووقوع المسلمين في الفتن لقد اختلف المسلمون في قراءة القرآن لعهد عثمان وبدأت ألسنة أهل الحضر والمدن ومن في حكمهم تجنح إلى اللحن وتزيغ عن الوجه في الإعراب، وجعل ذلك يفشو بين المسلمين بعد أن اضطرب كلام العرب فداخله الشيء الكثير من المولد والمصنوع وذهب أهل الفتن يتأولون عن معاني القرآن، ويحرفون الكلم عن مواضعه وخيف على سنة رسول الله وهي الأصل الثاني بعد القرآن، ثم فشا الجهل بأمور الدين وضعف عامة الناس عن حمل العلم وطلبه، واقتصروا من ذلك على أن يفزعوا إلى العلماء بالمسألة فيما يحدث لهم وما يرجون أن يتفقهوا فيه كما يقول الرافعي  ثم تباينت آراء العلماء واختلفت أفهامهم فيما يستنبطون من الأحكام، وما يتأوّلون لها من الكتاب والسنة واختلط أمر الناس، وأقبلت عليهم الفتن كقطع الليل، وامتدت إليهم كأعناق السيل فكان ذلك كله مما بعث العلماء أن يفترقوا على جهات القرآن حياطة لهذا الدين

إصلاح اللغة المعاصرة

وإذا كانت اللغة العربية تعاني اليوم من صراع عنيف يشعل ضرامه خصوم الإسلام وخصومها، فإن الانتصار في هذا الصراع مرهون بالقرآن وإعادته إلى مقدمة الاهتمامات التعليمية والتربوية في العالم العربي والإسلامي لقد قام الغزاة اليهود في فلسطين المحتلة ببعث «العبرية» بعد أربعة آلاف عام من موتها وجعلوها لغة التخاطب والكتابة والعلم والأدب والسياسة والفكر، ويتحدث بها قادتهم في المحافل الدولية والمؤسسات العالمية ولم يخجلوا منها، ولم يروا فيها قصوراً ومع أن العربية تفوقها وتفوق بقية اللغات السامية فإن خصومها لا يكلون ولا يملون من ترديد أكاذيبهم القديمة الجديدة حول قصورها ويستهينون بها في أجهزة الإعلام والتعليم والصحافة والأدب، ويسخرون منها؛ بل إن بعض الطبقات الجديدة التي تعاني من مركبات دونية تخلط كلامها العربي بالمفردات الأجنبية، وهناك مؤسسات ووكالات في بلادنا العربية صارت تتعامل في خطابها اليومي ومراسلاتها، واتفاقياتها بلغات أجنبية على أساس أن ذلك يحقق لها جانباً من التميّز والتفوق وهذا غير صحيح بكل تأكيد لأن التفوق أو التميز يأتي من خلال الإبداع والاختراع والابتكار، والإضافة إلى ما حققه الآخرون إن إصلاح حال اللغة العربية المعاصرة، لن يتحقق إلا بالعودة إلى إعادة الاعتبار الحفظ القرآن الكريم وفهمه وتدريسه من خلال علوم اللغة والأدب، فضلاً عن التفسير وغيره حتى تستقيم الألسنة والأفهام جميعاً . 

الهوامش

(*) أستاذ الأدب والنقد

(۱) تاریخ آداب العرب ٦٣/٢ . 

(۲) نفسه، ۷۸/۲

(۳) المفردات في غريب القرآن، ص ٦ .

(٤) الإتقان في علوم القرآن، ص ١١٤ وما بعدها على سبيل المثال.

(٥) تاريخ العرب ٨٠/٢

الرابط المختصر :