العنوان دراسَاتْ في السيرة (الحلقة ۱۱) أسلوب المستشرقين في كتابة السيرة
الكاتب محمد النايف
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1975
مشاهدات 62
نشر في العدد 231
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 07-يناير-1975
دراسَاتْ في السيرة
الحلقة -۱۱-
أسلوب المستشرقين في كتابة السيرة
كتاب «الدعوة إلى الإسلام» يحتوي على أخطاء جذرية.. رغم الثناء الكثير عليه!
●يزعم أن الإسلام انتشر بالسيف
●ويزعم أن «القبلة» خضعت لمساومات سياسية..
●ويزعم أن أحكام الدين تأثرت بيوحنا الدمشقي
تعرضنا في الفصل السابق لأهداف المستشرقين، ونقلنا طائفة من آرائهم في القرآن الكريم، وفي نبينا صلى الله عليه وسلم، ومعظم المستشرقين يسيرون على هذا المنهج المعوج ويمضون في طرق ملتوية، يدفعهم حقد دفين وتعصب أعمى.. ومن أجل هذا وأدوا كل معاني الصدق وأمانة البحث العلمي، وجروا يلوون أعناق الروايات حتى تأتي مطابقة لأفكار لهم عن الإسلام وضعوها قبل أن يشرعوا في البحث والتحقيق. فهم كالغريق الذي يتمسك بكل ما تقع عليه يداه لينجو من ورطته، فتراهم يأخذون روايات واضح كذبها، ويسكتون عن روايات هي في صحتها كالشمس رأد الضحى، ويلفقون أخبارًا من نسيج خيالهم وأساطيرهم، وعلى الأساطير يقوم تراثهم الحضاري فما كان ليعجزهم الوضع والتلفيق.
ومع أن تشويه الغلاة المستشرقين كثير وكثير جدًا، لكننا رأينا في النماذج التي نقلناها في الفصل السابق ما يكفي على التدليل بآرائهم.
وفي هذا الفصل ندرس كتابين من كتبهم الأول وهو:
الدعوة إلى الإسلام:
مؤلفه سير توماس. و. أرنولد إنجليزي نصراني، اشترك في تحرير «دائرة المعارف الإسلامية»، التي تعتبر من أخطر الموضوعات التي كتبها المستشرقون ضد الإسلام وتوفي عام ١٩٣٠وولد عام ١٨٦٦. وكتابه «الدعوة إلى الإسلام» موضع ثناء الكتاب المسلمين، بل موضع ثناء كثير من ثقاتهم!!
ولا أنكر أن في الكتاب صفحات ناصعة مشرقة، وشهادة من صليبي على سمو الإسلام وعدله.. وبين ثناياه دس قد ينطلي على كثير من القراء، وما كان الكتاب ليجد رواجًا لولا هذا الأسلوب المحبب إلى قلوب المسلمين، واستبعاده العبارات النابية المنفرة. وما المانع بعد ذلك أن هذا الأسلوب نفسه من وضع المستشرقين واتفاقهم على اتباع بعضهم الأسلوب اللين، والتقرب إلى المسلمين بالمداهنة والثناء ومن خلال ذلك يمررون بعض أفكارهم.
ومن نتائج ذلك أن المسلمين لا يقبلون أي شيء يقوله شاخت وجولد تسيهر وزويمر ومرجوليوث.. بينما يزكون أرنولد والفرق بينه وبينهم ليس بالبعيد.
ولنعد إلى الكتاب على شيء من السرعة التي تناسب منهج البحث.
فالمؤلف يكتب عن الإسلام بعقلية النصراني وتصوره، ويستخدم ألفاظًا صليبية وهو يعرض الإسلام.
فعندما يتحدث عن الأديان يحشر الإسلام مع البوذية والمسيحية: بينما يضع اليهودية مع البرهمية والزرادشتية «ص ٢٥»، وهو تلاعب لا مسوغ له من مؤرخ محقق!
وإذا تحدث عن سماحة المسلمين وطريقتهم في نشر الدعوة الإسلامية شبههم «برهبان ماینهارد وتيودوريك» «ص ۳۱»
وتحت عنوان «أسباب تحول المسيحيين إلى الإسلام» يزعم أن حالة الكنيسة الشرقية التي تدهورت في ذلك الوقت، وصار رجال الكنيسة يتنازعون فيما بينهم على أشد مسائل الدين إبهاما وأكثرها غموضًا. والأرثوذكس والنساطرة واتباع أوطيخوس واليعاقبة يضطهد بعضهم بعضا. «ص ۸۹»
وتدهور الكنيسة مع انحلال الدولة الفارسية كلام يردده الذين يريدون أن يقللوا من أهمية الفتوحات الإسلامية، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.
ويتابع حديثه فيقول: «أضف إلى ذلك أن الإسلام قد نظر إليه بعض الباحثين على أنه رد فعل ضد النظام الكنسي البيزنطي الذي كان يمثل الإمبراطور ورجال بلاطه صورة من الجلالة الإلهية في الأعالي ثم يمضي ليبين أن الذين تحولوا إلى الإسلام وجدوا في الآراء الدينية عند المعتزلة كثيرًا من المبادئ التي كانت مشتركة بين العقيدتين، إذ ثبت أن هناك شواهد بينة تدل على ما كان لعلماء اللاهوت البيزنطيين من أثر في تقدم البحث في المذاهب الإسلامية بصورة منظمة. وإن أقدم أحكام الدين التي وضعت باللغة العربية لتوحي إلينا صيغتها وترتيبها بالنسبة بينها وبين الرسائل المماثلة لها، التي كتبها القديس يوحنا الدمشقي وغيره من الآباء المسيحيين» «ص: ٩٢»
والفتوحات الإسلامية مع التحول إلى الإسلام بدآ منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-.. قبل أن يكون هناك معتزلة أو متصوفة.. بل إن هذه الفرق المنحرفة ما وجدت سبيلًا إلى الظهور إلا في عهد المأمون أي في القرن الثالث من الهجرة.
ولا ينسى أن يجعل سيوف المسلمين سببًا من أسباب الفتوحات، وكيف أن هذه السيوف زعزعت عقيدة المسيحيين، وهو يثبت في آن واحد تسامح المسلمين مع النصارى، واضطهاد المسلمين للنصارى «ص ٩٤-٩٥»
ويقول في مقدمة كتابه: «إننا لم نضع هذا الكتاب لدراسة تاريخ الاضطهادات الإسلامية، وإنما وضعناه لدراسة الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم» «ص: ۳۰»
وبهذا يؤكد الاضطهادات لكن غيره من الكتاب الصليبيين قد انفرد في الكتابة عنها، أما هو فقد انصرف لتأريخ الدعوة الإسلامية.
المعجزات والغيبيات:
قفز- أرنولد- عن نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيفية نزوله، والظروف التي سبقت ولحقت نزوله، كما أنه قفز عن حادثة الإسراء والمعراج فأثبت رحلة الطائف ووفاة خديجة وبيعة العقبة، وبينهما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الحدث العظيم لم يتعرض له أرنولد، كما أنه لم يثبت أية معجزة لرسول عليه وسلم الله صلى الله.
وعلى أنه أوتي حظًا وافرًا من الذكاء والفطنة لا يلبث أن يفصح عما بنفسه فيقول عن الوحي: «بمعنى أن الله تعالى، في فترات من تاريخ العالم، قد وهب بعض تجليه على الخلق، على لسان أنبياء ملهمين»
ويرى أن أحسن عبارة لتفسير الإسلام والوحي قالها «البروفسور مونتيه»: «الإسلام: في جوهره دين عقلي، بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية. فإن تعريف الأسلوب العقلي بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، ينطبق عليها تمام الانطباق. والحق أن محمدا الذي كان متحمسا لدينه، كما كان كذلك يمتلك غيرة الإيمان، ونار الاقتناع، تلك الصفة القيمة التي بثها كثير جدًا من أتباعه قد عرض حركته الإصلاحية على أنها وحي وإلهام: على أن هذا النوع من الوحي ليس إلا صورة من العرض والتفسير.. وتتلخص العقيدة الإسلامية من وجهة نظر المؤمنين في الاعتقاد بوحدانية الله ورسالة نبيه، أما من وجهة نظرنا نحن الذين نحلل عقائده تحلیلًا لا روح فيه، فنعتقد في الله وفي الحياة الآخرة».
وهكذا وقع أرنولد فيما هرب منه فيرى أن الوحي إلهام وتجلي الله على خلقه، بل هو إيمان واقتناع عرضه على أصحاب محمد على أنه وحي وإلهام..
أما جبريل الذي أنزله الله على عبده محمد- صلى الله عليه وسلم- فليس له نصيب عند أرنولد.
ثم يفسر العقيدة الإسلامية من وجهة نظره فيراها إيماناً بالله واليوم الآخر ويجحد برسوله- صلى الله عليه وسلم-.
وهو نفسه يؤمن بالمسيح وبعقيدة التثليث ومعجزات المسيح مع ما يرافق التثليث من أمور تصطدم بالعقل والمنطق.
تحويل القبلة
وهنا يقتفى- أرنولد- أثر إخوانه من المستشرقين، ويتخلى عن حياده الذي ادعاه فيقول:
«..وكان المصلون قد تعودوا في العهد الأولي أن يولوا وجوههم شطر بيت المقدس، وربما كان المقصود من ذلك استمالة اليهود»
وهذا مرفوض نقلًا، لأنه ليس هناك من دليل يعتمد عليه المؤلف لإثبات قالته التي ذهب إليها. ومرفوض عقلا لأنه لم يكن في مكة يهود حتى يحاول- صلى الله عليه وسلم- استمالتهم، والاتجاه إلى بيت المقدس كان من أيام مكة.
ويتابع حديثه عن جهود الرسول- صلى الله عليه وسلم- في استمالة اليهود فيقول:
«..وقد حاول محمد استرضاءهم بوسائل أخرى كثيرة، فدأب على الاستشهاد بكتبهم ومنحهم الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية، وساوى بينهم وبين المسلمين في الحقوق السياسية. ولكنهم قابلوا صنيعه باستهزاء وسخرية. فلما أن أخفقت آماله في استمالتهم إليه وأصبح من الواضح أن اليهود لا يقبلون محمدًا نبيًا لهم، أمر صحابته بأن يولوا وجوههم شطر الكعبة بمكة».
ونسبة أمر تحويل القبلة لمحمد- صلى الله عليه وسلم- حيدة عن الحق ظاهرة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس له من الأمر شيء مطلقا، فبأمر الله اتجه المسلمون نحو بيت المقدس أولًا، ثم بأمره وحده اتجهوا نحو مكة، والله أمرنا أن نعطي أصحاب الكتب السماوية حرية في إقامة شعائرهم الدينية، ورسول الله لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (سورة النجم: 4) ولا شك أن أرنولد ينكر هنا الوحي وأوامر الله ويعتقد أن تحويل القبلة جاء من محمد ليس إلا.
ويحلو له التخمين والظنون فيرى أن تحويل القبلة بداية للحياة القومية في الإسلام- وما عرفنا القومية والتمييز العنصري إلا في ظل الاستعمار الصليبي الغربي-.
وبعد: هذه صورة لكتاب هو حقًا من أجود كتب المستشرقين، وتلقاه كثير من المسلمين- كما أسلفت- بالاستحسان والقبول.. لكنه صيغ بتصور غريب عن عقيدتنا، ومؤلفه صليبي متعصب، ولهذا حوى الكتاب كثيرًا من الدس والافتراء وأريد أن اذهب إلى أبعد من هذا:
هناك مستشرقون هداهم الله للإسلام نتيجة البحث والتحقيق ومع هذا لا نأخذ عنهم تاريخنا وسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم، بل نحن نقدمها لهم من مصدرها العذب وقبل أن تداخلها الشوائب نتيجة سيرها الطويل، وليكتب لنا إخواننا الوافدون الجدد عن زيغ الحضارة الأوروبية الصليبية وسيرها نحو الهاوية وقديما قيل «أهل مكة أعلم بشعابها».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل