; المجتمع الثقافي (1839) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1839)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009

مشاهدات 74

نشر في العدد 1839

نشر في الصفحة 46

السبت 14-فبراير-2009

العرب المعاصرون مقصرون!

آداب الشعوب الإسلامية (6 من 6)

بقلم : أ. د. حلمي محمد القاعود (*)

على درب الشاعر «محمد عاكف» ذاته تقريبًا سار الشاعر خليل الله خليلي في بنائه الشعري وصياغته الفنية.. فقد اعتمد على البناء القصصي، وأكثر من استلهام الجزئيات والتفاصيل التي صاغها في تشبيهات رائعة ومبتكرة، يساعده على ذلك خيال خصب وتصوير فريد..

وهو أيضًا قد أعطى «الواقعية الإسلامية» أبعادًا ممتدة في شعره وقريضه، بحيث يمكن أن نرى بناءه الشعري منتميًا إلى عناصر الواقع ومفارقاته.. وإن كانت القصة تبقى هي السلطان الغالب في قصيده بصفة عامة...

نموذج واحد:

وسوف نكتفي بالإشارة إلى نموذج واحد من شعره يعرض فيه محبة الأم لأبنائها من خلال سياق درامي ناضج يقول:

«أسر ابن وأمه، ووقع كلاهما أسيرًا في قبضة القدر 

والحكم على ذلك في مراجع القانون أن يحكم على كليهما بالقتل

 وأن يضرب كلاهما بالسوط على قدر ما يشاء الضاربون دون حد معين 

وضربوا الأم العجوز كذلك حتى تضرجت في الدماء من رأسها إلى أخمص قدميها

 وتورم جسدها الرقيق وصار كل عضو فيها أسود من شدة الألم

ولكن لم تتأوه من فرط الغضب ولم تشك من فساد الحال حتى وقع الابن تحت وطأة السوط

 صاحت الأم ألف صيحة وذهبت كالبرق إلى جسد ولدها وارتمت بجسدها المجروح 

وشدت الشعر وهي لا يقر لها قرار. تضرعت وتأوهت وتألمت

 وكان أحدهم حاضرًا فقال: يا أماه ما السبب؟

إنك لم تتألمي لحظة واحدة لنفسك مع أنك تعذبت أكثر من ابنك 

لكن من آلام ابنك ضعفت، ووصلت آهاتك عنان السماء

ولكن الأم لم تستطع أن تجيبه، إجابة قاسية جزاء فعله!

وإنما قالت: هذا الضرب الذي ناله بدني، عاد على جسدي

أما ضرب ابني فنزل على قلبي، واستقر في موطن الحب».

 أدب ناضج:

وأخيرًا يمكن القول: إن «نموذج عاكف»، و«نموذج خليلي»؛ قد قدما مثالين تطبيقيين للأدب الإسلامي الناضج، يضافان إلى أمثلة أخرى عديدة من قبلهما ومن بعدهما عبرت بكل صدق وإخلاص عن روح الإسلام وتصوره الظافر، وأثرت في المحيط الاجتماعي تأثيرًا كبيرًا، ما زال يمتد حتى الآن في كل اتجاه، ويحظى باحترام عديد من المخالفين للفكرة الإسلامية ذاتها؛ إذ إن القدرة الفنية لدى أدباء الإسلام الناضجين تفرض نفسها، حتى لو لم يتم الاعتراف بأصحابها في الواقع الأدبي أو يجري التعتيم عليها في أجهزة النشر والإعلام.

ويكفى أن يكون في وداع الشاعر «محمد عاكف» يوم رحيله في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1936م جمهور عظيم اعترافًا بفضله وتأثيره، ويصر الطلبة على حمل نعشه طوال الطريق من عمارة «مصر» في «بيوغلي» إلى جامع «بايزيد» حيث أقيمت عليه الصلاة إلى «أدرنه قبو» حيث مثواه الأخير، وكان المشيعون ينشدون شعره وقصائده.. وهذا على كل حال اعتراف بتأثير الرجل في شعبه ومواطنيه..

وإذا كان «خليل الله خليلي» لم يستطع أن يحقق أمنيته بالعودة إلى «أفغانستان» واحتضان ثراها، فإن شعبه الأفغاني المهاجر قد احتفى به تقديرًا لدوره وشعره يوم وفاته في أوائل مايو عام 1988م، حيث دفن في «بيشاور» بـ«باکستان» مهاجر الأفغان ومركز قيادة المقاومة الأفغانية ضد العدو الشيوعي... لقد أوصى «خليلي» قبيل وفاته أن يكون مثواه في أرض الأسود «أفغانستان»، وأعتقد أن المجاهدين وأحبابه سينفذون وصيته..

 إن الحديث عن «عاكف»، و«خليلي» في هذه الإشارات السريعة والخاطفة، مجرد تذكير بأن هنالك أدبًا إسلاميًّا رائعًا وخصبًا يكتبه أشقاؤنا الإسلاميون في لغاتهم المتعددة التركية والفارسية والأردية والكردية وغيرها.. وهو أدب يحمل الفكرة الإسلامية ويعبر عنها بطريقة ناضجة، وأعتقد أن الالتفات إلى هذا الأدب كفيل بأن يخرجنا من الدوران في الحلقة المفرغة حول تعريف الأدب الإسلامي، أو صياغة المصطلح المعبر عنه.

(*) أستاذ الأدب والنقد.

آفاق ثقافية

معجم البابطين

بمناسبة دورتها الحادية عشرة في الكويت، أشار تقرير صحفي صادر عن مؤسسة جائزة عبد العزيز بن سعود البابطين للإبداع الشعري إلى أنها بصدد إصدار: «معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين» الذي يضم تراجم وأشعار لثمانية آلاف شاعر كتبوا بالعربية، واستمر العمل به مدة أحد عشر عامًا متواصلة..

الأدب الإسلامي

الأدب الإسلامي هو الإبداع الشعري والنثري المعبر عن تصور الأديب المسلم للوجود والناس والقيم انطلاقًا من العقيدة الإسلامية؛ يستوي في ذلك ما كان موجودًا في الواقع، أو ما يستشرفه الأديب ويتطلع إليه في عالمه الخاص ورؤيته الإبداعية.

سجن الأقمار الصناعية

في الندوة التي عقدتها مؤسسة عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع المدني يوم الثلاثاء مؤخرًا حول مواد مشروع قانون البث الفضائي الموازي، ووسط جدل ساخن بين مؤيدي وثيقة تنظيم البث الفضائي في المنطقة العربية ومعارضيها، قامت بعض مؤسسات المجتمع المدني بطرح بدائل يمكن من خلالها التوصل إلى حلول أقل تقييدًا لحرية الإعلام؛ خاصة أن المعلومات حول مشروع إنشاء جهاز لتنظيم البث المسموع والمرئي يشمل كل ما تعده الدولة خروجًا على الخط الإعلامي المرسوم.

حائط الفيس بوك

أتاح «الفيس بوك» من ضمن إمكانياته حائطًا يمتد بطول الإنترنت ليكتب عليه الجميع ما يجول بخاطرهم، كما يحدث على أرض الواقع، حيث يستيقظ أهل المدينة ليجدوا على الحائط كلمات جديدة إما ضد السلطة أو الاحتلال أو تعبيرًا عن حب، أو حتى خيانة، أو مجرد محاولة لتخليد الاسم على الحائط الذي يبدو لحظتها أبديًّا.

واحة الشعر

تاهت بغزة أدمع بدمائها

شعر: عارف عاصي

بكـت الـعـيـون تـقـرحـت أحداق      واستغربت من عمقها الأعماق

 بكت العيون فجف شريان همي   بدمـائـه واسـتـبـعـد الـتـريـاق

 مالي إذا نادى المنادي اثاقلت    مني الخُطى واستُحضر الإخفاق

 وإذا الثنايا لوحت بخبيئها      اسابقت شوقًا حياة عناق 

وتلذذت بالنوم نفس هادنت     شيطانها واستحكم الإملاق

أين التُّقى يا نفس قد طال النوى   فهوى بنا كيد غوي معاق

يا رب فارحم عبرتي وتذللي       جهد المقل حدا به الإشفاق

خمسون عامًا قد دنوت لبابها    والقلب في حب الدنى سباق

أيموت طفل دون ذنب يجتنى   وتلذنا في عيشنا الأشواق

أتموت أخت والحياة تروقنا     من ذا يـعـيــش بـذلـه أفّــاق

كذب أنا إن لم أناصر إخوتي    كذب أنـا فـاسـأل يُـجـبـك نفاق

يا قلبي المحبوب يا خلي الوفي    أخشى بنومك يجتنى الإحراق

ما لي أهيم بليلنا متخبطًا     «ومحاقنا الأعمى يليه محاق»

تاهت بغزة أدمع بدمائها   والمســلــمــون تـنـاحــر وشــقــاق 

من غزة الحزن الكئيب يهدني    فأشيـح عـنـه يـرد قـلـبـي عـراق

أنى اتجهت بأعيني في أمتي     ملأ العـيـون لـظىى دم مـهـراق 

قدري أنا -والشيب يعلو هامتي-    سيل الجحيم بـأمـتـي دفاق

من ذا يجير النفس في خلواتها   أترى سـيـبــرئ جـرحـهـا شدياق 

أواه والهم المذيب يجُرني     فيجيب مخنوقًا دجى مطباق

يا أمة المليار أين جهادنا     أو ما تحركنا الدماء تُراق

بعنا كرامتنا وبعنا ديننا     أين الرجولة حارت الأحداق 

أنثى وتحمي شعبها بحديدها   لم يثنها خنس ولا نطاق

والله لو كان الجهاد سبيلنا   لثنى هواها رعبها الخفاق

نصر الرسول برعبهم من صدقه   يا مسلمون أما بنا مصداق 

أو ما تحركنا أخوة ديننا        ماذا سيبقى حتفنا سباق

 أواه هُزينا بعمق غزتي      آذى الفؤاد العجز وهو معاق

 أواه زلزلت الصخور مصيبتي     وسفاح حكمتنا رضي مغداق

 إن الجهاد محرّم يا أمتي      إبليس قال فصـفـقـت أفـاق

 

صورة أدبية لشخصية مؤسس جماعة النور.. تعكس رمزية المدن التركية

قراءة في رواية: آخر الفرسان

الرواية تعكس الصراع المرير بين النموذجين الإسلامي والعلماني في تركيا

الاقتباسات القرآنية والمفاهيم الروحانية والخواطر السياسية أهم ما يميز البناء في «آخر الفرسان»

عرض عبدلاوي لخلافة (*)

يرسم الأديب والفقيه المغربي «فريد الأنصاري» في روايته الجديدة «آخر الفرسان» سيرة أدبية لـ«مكابدات بديع الزمان النورسي»، مستفيدًا من الوقائع التاريخية لدولة الخلافة العثمانية عبر صراعها المرير بين من تصفهم الرواية بـ«أشباح الظلام أو خفافيش الظلام» وتلاميذ «رسائل النور».

ومن خلال فصول الرواية السبعة، يحلق الأديب المغربي بالقارئ فوق سماء الأحداث والوقائع والمواقف التي طبعت حياة بديع الزمان سعيد النورسي، مؤسس جماعة النور التركية، وآخر فرسان دولة الخلافة.

توصیف شکلي

جاء عنوان الرواية «آخر الفرسان» معرفًا بالإضافة ومنكرًا من حيث الدلالة؛ إذ لا يمكن للقارئ منذ الوهلة الأولى معرفة من هو آخر الفرسان، خاصة مع وجود تمويه في غلاف الرواية برسم فرس أبيض جامح، يركض مثيرًا النقع وراءه.

وقد اشتمل لون الغلاف مزيجًا من اللونين الأبيض والأسود وفيًا لثنائية الظلام ونور الشمس المنبعث من بعيد. ولا يستبين القارئ دلالة العنوان إلا بفتح الغلاف، حيث أضيفت عبارة: «مكابدات بديع الزمان النورسي». 

وقد أصدر المؤلف روايته الثانية بعد روايته الأولى «كشف المحجوب» بإهداء إلى الأستاذ «محمد فتح الله كولن» وارث سر بديع الزمان النورسي، تلاه إشارة المؤلف إلى أن معلومات الرواية مستقاة من كتاب «الرجل والإعصار» لإحسان قاسم الصالحي، و«سيرة النورسي» المضمنة في المجلد التاسع لكتاب «كليات رسائل النور»، وكتاب «رجل القدر» لأورخان محمد علي.

إلا أن المؤلف اختار أن يبني «فصول هذه الرواية بهندسة تجمع بين التصميم الواقعي في ترتيب الأحداث والمعيار السريالي المجنح بالخيال في عرضها؛ لأن ذلك -في نظري- هو التعبير الأدبي الأنسب لتقديم صورة عن حياة رجل كالنورسي الذي عاش حياة درامية أشبه ما تكون بالخيال» (ص: 7).

كما يستشف القارئ أن المؤلف استفاد من زياراته المتكررة لتركيا في رسم المكان ودقائقه واستأنس بشهادات رفاق النورسي وتلامذته في رسم شخصيته ورصد سلوكياته، وكذا استعان بالمصادر التاريخية التي اعتنت بالتحولات التي ميزت تاريخ تركيا «دولة الخلافة» وصراعها المرير بين النموذج العلماني والإسلامي. 

وقد توزعت الرواية إلى سبعة فصول في 244 صفحة من الحجم المتوسط، وجاءت عناوين الفصول رمزية تحتاج إلى ذكاء القارئ لفك دلالتها مثل الفصل الأول: الأشباح تهاجم المدينة (جهود علمنة تركيا)، الفصل الثاني: مكابدات سعيد القديم (قبل النبوغ والفتح القرآني)، الفصل الثالث: إسطنبول بين الأولياء والأتقياء (شخصيات أثرت في تاريخ تركيا: عبد الحميد الثاني كراصو..)، الفصل الرابع: تجليات الموت (عرض للمعاناة والمكابدات)، الفصل الخامس: مكابدات سعيد الجديد (التدافع العلماني والإسلامي بعد تفتق الموهبة الإيمانية)، الفصل السادس: منفى «بارلا» مولد النور والجمال (انتشار رسائل النور رغم التضييق)، والفصل السابع والأخير تجليات الحزن الجميل (يرصد اللحظات الأخيرة من حياة النورسي).

مفاهيم روحانية واقتباسات قرآنية:

منذ البدء يشعر القارئ أن المؤلف لا يقر بموت سعيد النورسي المادي؛ لأن بقاء رسائل النور التي ألّفها وغيرت مسار الأحداث في تركيا هو ما يمثل حياته الحقيقية، مستمسكًا بتعبيرات روحانية واقتباسات قرآنية:«....كان قلبي يحدثني أنه ما زال هناك.. رغم أنه قيل لي لقد مات منذ سنة 1960م، كيف يكون قد مات -يا سادتي- وأنا أكاد أجد ريحه لولا أن تفندون.. نعم، كل الكتب تتفق على تاريخ وفاته المذكور، وأصدقكم القول: ما صدقت منها أحدًا... لذلك قررت أن أراه وعزمت على الرحيل، فحملت حقيبتي الصغيرة وتوجهت تلقاء سيدة المدائن، خاتمة عواصم الإسلام إسطنبول!» (ص19).

وأثناء سير المحطات العصيبة التي طبعت حياة سعيد النورسي يتعرف القارئ على رجل بذل حياته كلها نضالًا وتضحية لتثبيت جماعة النور بتركيا كامتداد للمجد الإسلامي في عاصمة الخلافة الإسلامية.

وفي عرض مواقف الشخصية الأساسية للرواية «الخيالية» يطلع القارئ على المعالم الحضارية للمدن التركية، وكيف ساعد المكان على انتشار رسائل النور أو التضييق من حركتها حسب طبيعة ساكني هذه المدن في مقابلة رمزية لافتة بين أشباح الظلام في أنقرة خلال القرن العشرين وتلاميذ النور في «بارلا» وإسطنبول.

وفي رسم تلك المشاهد والصور تتجلى بوضوح لغة أدبية رائقة تمتح مفاهيمها اللغوية من الحقل الصوفي: مواجيد، مقامات، أحوال تجليات رؤيا، واردات، أحوال، فتح الأسرار تلاوة الأوراد... دون أن يجرف المؤلف استعمال هذه المفاهيم الصوفية إلى الإقرار بالمخالفات الصوفية، التي سبق أن نبّه إليها في كتابه الصادر ضمن سلسلة كتاب الأمة بقطر: «التوحيد والوساطة في التربية الدعوية». 

وهو الأمر الذي سيحرص الكاتب على التنبيه إليه في موضعين:

الأول: أثناء لقائه الرمزي مع سعيد النورسي وطلبه مصاحبته؛ إذ أرشده النورسي بالقول: يا بني إنني صاحب طريق فقط، حتى إذا كنت بحاضرة الأنوار فشأنك وصاحبك الذي تريد.. وإنما تجلياتك على قدر صدقك! فذلك امتحانك العسير يا ولدي.. فتأهب للرحيل!» (ص: 20).

أما الموضع الثاني: فقد جاء أثناء الحديث عن الحيرة التي انتابت النورسي بعد اطلاعه على «فتوح الغيب» للشيخ عبد القادر الجيلاني، و«مكتوبات» للإمام أحمد الفاروقي السرهندي، حيث تأكد للنورسي أن القرآن هو بداية الطرق وأصل هذه الجداول وشمس هذه الكواكب السيارة: «... فتوحيد القبلة الحقيقي إذًا لا يكون إلا بالقرآن، أو ليس القرآن هو أسمى مرشد، وأقدس أستاذ على الإطلاق» (ص: 130). وعن طريق القرآن تحول سعيد القديم إلى سعيد الجديد وألّف رسائل النور.. وإلى جانب الاغتراف من المفاهيم الصوفية والعرفانية كانت الاقتباسات القرآنية مساعدة في تبليغ كثير من المعاني في توليف سلس بين النص الشرعي واللفتة الخيالية للأديب الروائي، كما جاء في مواضع متعددة من الرواية: «لقد أرادوا بي أمرًا ، ولكن الله أراد أمرًا، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم:4) وشاهدنا مرة أخرى سرًّا من أسرار الآية الكريمة ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216) (ص: 188).

«... ولا يغرنك تقلب خفافيش الظلام (دعاة العلمانية) في البلاد» (ص: 204) «..وكانت السيارة ترحل في عالم آخر متدثر بتراب النبوة الذي أصاب أعين المشركين ليلة الهجرة، فصار الغبار الرقيق ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: 9) (ص: 231).

وبالإضافة إلى هذين الطابعين المميزين (المفاهيم الصوفية والاقتباسات القرآنية) في بناء الرواية هناك مجموعة من الخواطر الخاصة أوردها المؤلف بذكاء على لسان بطله «النورسي» حول السياسة والدعوة: «كان الاستقبال أروع ما يكون، وكانت بهرجته كافية للإيقاع بأي عاشق لبريق الألوان.. كل المسؤولين حاضرون، كل النواب في البرلمان، كل الأعيان، وجموع الأهالي تملأ المكان ما هذا؟ وماذا يراد بي؟ ودخلت البرلمان.. كان واضحًا أنه مجرد لعبة لإلهاء الأمة، فما هو إلا مسرح للجدل بلا عمل، واد لتفريغ الطاقة وإشغال العباد بنفخ الرماد والسم يجري بجسم الأمة وا أسفاه فأين المبصرون؟!» (ص: 136).

ملاحظات حول الرواية

اجتهد المؤلف في تقديم صورة أدبية قريبة لشخصية مؤسس جماعة النور وتثبيت رمزية المدن التركية حتى يخيل للقارئ أنه يعيش مرافقًا لسعيد النورسي في حياته الخاصة والعامة، إلا أن ذلك لا يمنع من إيراد بعض الملاحظات التي تخالف الحكمة النورسية «خذ ما صفا ودع ما كدر»، ولكن من قبيل «لكل شيء إذا ما تم نقصان، ومن هذه الملاحظات. 

حاول «فريد الأنصاري» احترام القارئ بتقديم مصدر معلوماته في تصدير الرواية وهو الشيء الذي يوحي بأن العمل قد يكون مجرد رواية تسجيلية لأحداث وقعت، وكان الأولى تأخير هذه الإفادة إلى النهاية للحفاظ على تشويق القارئ لمتابعة أحداث الرواية، رغم أنه وفق إلى حد ما في نسج أحداثها والتوليف بين تحركات الشخصيات عبر أمكنة مختلفة في وقائعها.

حرص الروائي على المزج بين ضمير المتكلم وضمير الغائب في تقريب شخصية النورسي وتاريخ تركيا، إلا أن هذا المزج أوقع التباسًا في بعض الأحيان عندما يتحدث المؤلف والنورسي بضمير المتكلم في نفس المقطع الروائي: «جنون القراءة»، مثلًا ص: 40 و 41 من الفصل الأول.

بالقدر الذي يسرت عنونة الفصول وموادها المدرجة تحتها استراحة نفسية لقارئ الرواية، إلا أن كثرة العناوين أثرت شيئًا ما على انسيابية القراءة، رغم أن القارئ يظل مستمسكًا بأحداثها بخيط عضوي حافظ عليه المؤلف باحترام الترتيب الواقعي للأحداث بدءًا من ميلاد سعيد النورسي وانتهاء باختفاء قبره وتسلم أخيه الزبير وصديقه «بيرم يوكسل» لمشعل مسيرة النور بعد غياب مؤسسها الأول.

وفي الأخير يجدر التأكيد أن الروائي المغربي تفنن في تقديم بطله الأسطوري روائيًّا / الواقعي فعلًا، بخصاله الرفيعة «من تواضع ورحمة على الخلق..» وتضحياته العظيمة لتثبيت دعوته السلمية في الإصلاح مما يسر انتشار رسائل النور وحصول القبول لها بين أفراد المجتمع ويأس «أشباح الظلام» من التضييق عليها ومحاصرتها، وبذلك يكون الفقيه والشاعر فريد الأنصاري قد قدّم، بالإضافة إلى تجربته السابقة في رواية «كشف المحجوب»، إمكانية أن يكون الفقيه أديبًا وشاعرًا وعالمًا وروائيًّا في الآن نفسه.

الرواية: «آخر الفرسان»

المؤلف: د. فريد الأنصاري (المغرب)

الناشر: دار النيل للطباعة والنشر بمصر.

 (*) كاتب وصحفي مغربي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل