; المجتمع النسوي.. عدد 1074 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع النسوي.. عدد 1074

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1993

مشاهدات 56

نشر في العدد 1074

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 09-نوفمبر-1993

الصبر المذموم

بقلم: فاطمة البدر

تعودنا في بلادنا من نسائنا أن تصبر إحداهن على الزوج في أغلب الأحيان مهما بلغت به القسوة ورداءة الخلق، وفي صبر الزوجة على زوجها وتحملها العيش معه كارهة في سبيل الحفاظ على بيتها وأطفالها لها في ذلك الأجر العظيم من الله تعالى إذا كانت نيتها في صبرها عليه خالصة لله سبحانه، ولكن أحيانًا يكون الصبر مذمومًا إذا كانت الزوجة تتحمل كل هذا من أجل ألّا تحمل لقب مطلقة أو حبًّا في هذا الزوج حتى ولو أمرها بالتنازل عن بعض أمور دينها.

فتجدها تطيعه وتقدم أمره على أمر الله تعالى، ويبدأ هذا الرجل بفتنة زوجته عن دينها وقد يتلذذ وهو يراها تقدم كلامه على كلام الله تعالى، وهي في هذا تنظر لنفسها أنها صابرة ولها أجر الصابرين مع أن وجودها مع هذا الزوج الفاسق خطر عليها وعلى دينها، وهذه الفتنة التي حذرنا الله تعالى منها وقال عنها إنها أشد من القتل. وإذا تعللت بأطفالها وبأنها لا تستغني عن هذا الزوج والأب حتى لا يحرم الأبناء من حنان والدهم، ولكنها تناست في نفس الوقت أن وجود هذا الأب خطر على الأبناء فقد يقلدونه في فسوقه، فأغلب الأبناء تعلموا شرب الدخان من آبائهم فكيف إذا وجدوهم يقومون بمنكرات أكبر من هذه كترك الصلاة ومخالطة النساء؟

هذا في اعتقادي من الصبر المذموم. وقد أجد من لا توافقني هذا الرأي وترى أنني أعمل على هدم البيوت بحديثي هذا ولكني أرى الصبر المذموم قد انتقل إلى أشياء لا تحتاج أصلًا إلى الصبر وهو الصبر على الخادمة مهما وصل بها الأمر من سلوك سيئ في أخلاقها. فنجد ربة البيت تتغاضى عن خادمتها حتى لو رأتها تفعل الفاحشة في بيتها ولو رأتها تسرق وتضرب الأطفال وتتحرك في البيت في غير حجاب أمام رب الأسرة والشباب من الأبناء.

كل هذا تصبر عليه سيدة المنزل في مقابل ماذا؟ هل مقابل وظيفة تافهة تذهب إليها ربة المنزل كل يوم فلابد أن يحل محلها أحد مهما كان سلوكه؟ أو مقابل مرتب يصرف على الكماليات؟ أو لأجل صالات رخامية يجب أن تكون لامعة ليل نهار؟ إذا كانت الزوجة شابة قد أوتيت من الصحة والعافية فلماذا تبيع نفسها وبيتها وأطفالها لقائمة تتطاول عليها ليل نهار؟ فهي مهانة في بيتها قلقة متوترة خائفة من تمرد الخادمة كل هذا من أجل ألّا تدخل المطبخ وترتب منزلها لسويعات قليلة كل يوم. هل نسيت يا أختاه وصية نبيك صلى الله عليه وسلم: «ألا يأكل طعامك إلا تقي»، فكيف بمن يعيش معك؟ كيف ترضين أن تسلمي مملكتك بهذه السهولة؟

بل إن بعض السيدات تسلم البيت والأطفال للخادمة بعد ليلة واحدة من وصولها للمنزل.. ماذا عليها لو أخذت إجازة أسبوعًا بدون راتب حتى تتأكد من حسن خلق هذه الخادمة؟ ترى هل أصبحنا ماديين إلى هذه الدرجة؟ تبادر إلى ذهني الآن قول أحد المسؤولين الإنجليز عن الوافدين لبريطانيا فقال: «إن التعليم والتطعيم إجباري على كل وافد على بريطانيا وليس هذا حبًّا ورعاية للوافدين ولكن لأن هؤلاء سيعاشرون أبناء المجتمع الإنجليزي ومن الخطر أن يختلط أبناء بريطانيا بالجهل والمرض لذلك فنحن نحصنهم ضد الجهل والمرض حتى لا تتفشى مثل هذه الأشياء في مجتمعنا الذي نريده دائمًا أن يكون متحضرًا». فما رأيك الآن؟ هل ما زلت تصرين على الصبر على أشياء لا تستحق الصبر؟


اعترافات زوج

نشأت في أسرة ثرية أكثرت من تدليلي في الصغر. كانت جميع مطالبي المادية تلبى دون تأخير. اعتدت وأنا طفل صغير أن ألبس أغلى الثياب، وأن ألعب بأثمن اللعب.. مصروف الجيب الذي كان يمنحني إياه والدي كل صباح كنت أنفقه يمينًا وشمالًا، لذا كان الأصحاب يلتفون دومًا حولي وأنا أنفق عليهم بسخاء.

كنت محبوبًا من زملاء فصلي عندما كنت طفلًا صغيرًا وحين غدوت صبيًّا يافعًا، وأخيرًا عندما غدوت رجلًا الأصحاب دومًا من حولي. أنا أنفق وهم يستمتعون.. لم يقل لي أحد في يوم من الأيام إنني مبذر، كنت أرى السعادة في عيون والديَّ وهما يرانني أنفق المال يمينًا وشمالًا، وكلما كبرت زادت مطالبي المادية.. لم أكن أسمع كلمة «لا» بتاتًا. لم تقلها أمي لي يومًا ولم يقلها أبي.. كنت أحب الفخامة في كل شيء الفخامة في الملبس والمأكل والمشرب في السكن الذي أقطنه والسيارة التي أركبها، لذا كان من الطبيعي أن أنتقي زوجة لي من عائلة ثرية تليق بمستواي المادي وهكذا كان.

بعد أن تزوجت انتقلت وزوجتي للسكن في شقة منفصلة حسب رغبتها ورغبتي، وقد حرصت على تأثيث الشقة بأفخم الأثاث، ليس ذلك فحسب بل رغبة مني في إكرام زوجتي رحت أغرقها في هدايا لا آخر لها من ثياب وحلى و... إلخ.. وفوجئت بزوجتي تقول لي: لا.. أجل صارحتني بأن كل هذا تبذير وهي لا تحب التبذير.. عجبت لما أسمع.. ماذا تقصد بالتبذير؟ إنني لم أسمع غيرها يصفني بهذه الصفة.. لم ألقِ لتنبيهاتها بالًا في البداية، وسرت على نمط الإنفاق الذي اعتدت عليه، لكن زوجتي صارت تتضايق كثيرًا من كثرة إنفاقي الذي لا مبرر له برأيها.. الغريب أن أغلب ذلك المال كنت أنفقه عليها وبدلًا من أن يسعدها ذلك كانت تثور وتغضب. أحضرت لها ذات يوم فستانًا يتجاوز سعره مئات الدنانير وبدلًا من أن تفرح بهديتي وتشكرني عليها، قطبت جبينها وتساءلت في سآمة: ما هذا؟ قلت لها في بهجة:

  • فستان اشتريته لك.
  • كم سعره؟؟ لاطفتها مبتسمًا:
  • الفستان هدية مني، والهدية لا يُسأل عن ثمنها. قالت في إصرار: لا بد أن تخبرني كم ثمنه؟ قلت بلا مبالاة: بضع مئات من الدنانير. شهقت في فزع: مئات الدنانير؟! حرام عليك.. إنه والله لا يستحق أكثر من خمسين دينارًا. ضحكت ساخرًا: من سمع شهقتك يظنك من عائلة فقيرة لم تتعامل مع مئات الدنانير يومًا.
  • كوني من عائلة ثرية لا يعني أن أنفق مالي وأبذره على أشياء لا تستحق كنت أفضل لو أعطيتني هذا المال لأوفره.
  • أوه.. أنت بخيلة.
  • وأنت مبذر، لماذا لا تفكر في أطفالك؟ إنهم بحاجة لهذا المال مستقبلاً.
  • اطمئني.. أبي لا يبخل عليَّ بنقوده و... قاطعتني قائلة:
  • ولماذا تنفق من مال أبيك؟ أنت لم تعد صغيرًا، اعتمد على نفسك في نفقاتك.. أرجوك أعد هذا الفستان إلى المحل الذي اشتريته منه.
  • لماذا؟
  • لديَّ فساتين كثيرة ولست بحاجة إليه.
  • إنهم يرفضون ذلك.
  • وأنا لن أرتديه.. أطفالي أحق بهذا المال الذي تبذره.

نفذت زوجتي تهديدها ولم ترتدِ الفستان.. آلمني تصرفها بلا شك ولكنه لم يردعني عما اعتدت عليه من حب للإنفاق. كنت أشتري كميات هائلة من الثياب والألعاب لأطفالي وكان هذا التصرف مني يثير سخط زوجتي إلى درجة كبيرة، وبدأت خلافاتنا تكبر وكلها حول المال وكيفية إنفاقي له، حتى كان يوم مررت فيه بأزمة مالية حادة جدًّا ولم يكن لديَّ مال فلجأت إلى أبي كعادتي، ولكن أبي ولأول مرة في حياتي اعتذر لي وقال إن المبلغ كبير جدًّا لا يستطيع أن يوفره لي. طرقت أبواب الأصدقاء واحدًا تلو الآخر وكلهم اعتذروا.. جلست في بيتي حائرًا لا أدري كيف أتصرف وزوجتي ترمقني بعيون صامتة قلقة.. قلت لها بأسى: أنت شامتة بي.

  • من قال ذلك؟
  • جاء اليوم الذي طالما حذرتني منه.
  • لا ينفع الكلام الآن.. المهم الفعل.. أنقذ نفسك من هذه الورطة. بعت الكثير من حاجيات بيتي حتى أتجاوز الأزمة المادية التي أمر بها. اقترضت من هنا وهناك بعد أن بذلت جهودًا كبيرة وأرقت الكثير الكثير من ماء وجهي.. ظللت بعد ذلك سنوات عديدة أسدد تلك الديون، بعد أن وعيت الدرس جيدًا. أرجوكم لا تلوموني فيما حصل ولكني ألقي باللوم على أمي وأبي فهما لم يقولا لي في يوم من الأيام لا تبذر.

أوائل المؤمنات: رفيدة الأسلمية

أول طبيبة في الإسلام وصاحبة أول مستشفى عسكري بقلم: حلمي الخولي

هي «كعيبة بنت سعد الأسلمية» عرفت باسم رفيدة الأسلمية، أسلمت بالمدينة المنورة، وأعلنت إسلامها في بيت أبي أيوب الأنصاري، حيث أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته مباشرة، وعاهدت النبي صلى الله عليه وسلم على التفاني في حب الإسلام وبذل ما يمكن بذله من جهد لرفع رايته.

وعرف النبي صلى الله عليه وسلم مكانة كعيبة في المدينة وخاصة في قومها بني «أسلم» إذ كانت عارفة بشؤون علاج المرضى وخبيرة في مداواتهم. ولما بدأ الكفاح والجهاد بالسيف واستعد المسلمون للخروج إلى غزوة بدر الكبرى وخرجوا وتوج الله خروجهم بالنصر، وعادوا وكان من بينهم بعض الجرحى فأقامت رفيدة خيمة في فناء المسجد النبوي الشريف تستقبل فيها جرحى المجاهدين.

وتعد هذه الخيمة هي المستشفى العسكري الأول في الإسلام، كما كانت هي أول طبيبة وممرضة لجند الله من المسلمين أيضًا. واستقبلت أولى الطبيبات الجرحى لتعالجهم وتعتني براحتهم، وكم كانت سعادتها غامرة، ونفسها بالفرحة عامرة، وهي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخيمة ليحنو على إخوانه وأصحابه المجاهدين الجرحى.

وتبلور في ذهن «كعيبة» الطبيبة المسلمة أن هناك من الوسائل التي تساوي الجهاد بالسيف ولا تقل عنه سموًّا، فانخرطت في مهنة الطب في أيام السلم أيضًا تداوي الجراح وتطبب المصابين. وتتوالى الأيام والأحداث تأتي سريعة ويذهب المسلمون إلى غزوة أحد، ولم تنتقل كعيبة بخيمتها خلف المجاهدين، فظلت في المسجد النبوي الشريف، وكانت خسائر المسلمين في المعركة كبيرة، فقد كثر عدد القتلى حتى تجاوز عدد الشهداء سبعين شهيدًا غير الجرحى، ومن هذا اليوم أيقنت كعيبة أنه لا بد وأن تكون خلف المجاهدين وبجوارهم لتكون أكثر فاعلية في إسعاف وعلاج الجرحى.

ولهذا نصبت كعيبة خيمتها في غزوة الخندق خلف خطوط المجاهدين، فكانت خيمتها بمثابة مستشفى حربي متنقل، وكان من نصيبها في هذه الغزوة أن تقوم برعاية المجاهد البطل سعد بن معاذ حين أصيب بسهم في ذراعه، وكانت الإصابة بالغة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب».. وجزاء لما قدمت رفيدة من جهد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لها مثل الرجل المجاهد حين وزع الغنائم، فجعل سهمها مثل سهم الفرسان الأبطال.


على هامش المؤتمر التربوي النسائي

غادة الهيب لـ«المجتمع»: للمرأة دورها الهام في تأصيل القيم الإسلامية في النشء وأفراد الأسرة أعدتها وأجرتها: كواكب الملحم

كيف تربي المرأة جيلًا إذا لم تكن هي قد ربيت تربية جيدة؟! بعد اختتام فعاليات المؤتمر التربوي النسائي تباينت ردود الأفعال حوله لكنها أجمعت على أنه كان حدثًا ضخمًا أثبت نجاح المرأة الكويتية في العمل النسائي وكان له صفة التميز والابتكار والتجديد وقد أشاد العديد من شخصيات المجتمع به.

وعلى هامش هذا العرس التربوي وهذه التظاهرة النسائية كان لمجلة «المجتمع» هذه اللقاءات مع بعض ضيفات المؤتمر اللاتي توافدن على الكويت من شتى أقطار العالم من أجل خدمة هدف سامٍ ألا وهو «تطبيق الشريعة».. حتى عبرت إحدى الضيفات قائلة: إن الكويت هي دائمًا السباقة إلى الخير ولعلها تكون اليوم هي من السباقين في استكمال تطبيق الشريعة.

أول لقاءاتنا كان مع السيدة الأستاذة غادة الهيب وهي سورية أمريكية الجنسية نالت إجازة في آداب اللغة العربية من جامعة حلب عام ١٩٧٤ ثم عملت مدرسة للغة العربية في ثانويات حلب حتى عام ١٩٧٧، وأشرفت على افتتاح إدارة عدة مدارس ووضع مناهج اللغة العربية في عدة مدن أمريكية. نشرت كتاب سفينة بلا شراع وكثير من المقالات في المجلات العربية في أمريكا وهي داعية تلقي العديد من المحاضرات في مدن مختلفة في أمريكا.

المجتمع: سمعنا أنكِ تقدمتِ للمؤتمر ببحث متميز فهلا ذكرتِ لنا أبرز وأهم نقاط بحثك؟

 غادة الهيب: عنوان البحث (المرأة المسلمة بين البيت والمدرسة) ويبحث دور المرأة التربوي والاجتماعي بين البيت والمدرسة في تأصيل القيم الإسلامية في النشء وأفراد الأسرة. ضم البحث (8) فصول وتناول في فصوله الأولى (ماذا أراد المغرضون للمرأة؟ وماذا خطط المنصرون للمرأة وماذا أعطى الإسلام للمرأة؟ وماذا نريد منها؟ البيت المسلم والأم المسلمة..) وكلها تناولت دور المرأة في المجتمع والبيت. أما ما تميز به البحث عن غيره -من وجهة نظري- فهو التركيز على المدرسة والمعلمة. فقد تحدث عن صفات المعلمة الناجحة من (حب للطفولة- وحب التعليم- وإتقان التربية- وسلامة العقيدة- والقدوة الحسنة- والتضحية والإبداع- وغزارة العلم- والقدرة على ضبط الفصل- والعلاقة الودية مع أولياء الأمور) وخُصص فصل كامل لـ (العوائق التي تقف في طريق النجاح- من الانفصام بين المنهج والأستاذ- الانفصام بين المنهج والتلميذ- التنافر بين شخصيات المعلمين- عدم إعداد المعلمين الإعداد الكافي- شخصية المعلم و(معلم الدين) بشكل خاص- المدرسة والإعلام- التناقض بين البيت والمدرسة). وتميز بالمقترحات والتوصيات في طريق النجاح في الفصل الأخير وهي (إيجاد مؤسسات تربوية متميزة- إحياء المساجد- فتح المدارس الخاصة- دورات ومدارس تحفيظ القرآن- رقابة الإعلام- وجود الجو الاجتماعي الديني- إعادة النظر في إعداد المعلمين- المتابعة الميدانية- الدورات السنوية- حلقات بحث دورية- إعادة النظر في المناهج المدرسية- تغيير طريقة تقييم الطالب في مادة التربية الدينية- اللغة العربية ومادة التربية الإسلامية). ونأمل من الله سبحانه أن يساهم مع غيره من البحوث في البدء بخطوات جدية لتطبيق الشريعة الإسلامية.

المجتمع: حدثينا عن تجربتك الذاتية في المجال التربوي والتطوعي في الولايات المتحدة.

 غادة الهيب: لقد أتى على أمريكا ثلاث موجات من المسلمين على الأقل، أول موجة جاءت عند استقدام العبيد منذ قرون ولكنها اندثرت تحت وطأة العبودية إذ أجبر العبيد على تغيير دينهم وأسمائهم والذي يتذكر مسلسل (كونتا كينتي) (Roots) يرى كيف كان معظم العبيد من المسلمين. ثم جاءت الموجة الثانية في بدايات القرن الحالي، وكان أكثرها من لبنان وسوريا، وكانت الأكثرية كذلك مسيحية، ولكن هذه الموجة أيضًا انتهت إذ لم تستطع الحفاظ على معالم شخصيتها الإسلامية ولا العربية إلا من رحم ربي. وجاءت الموجة الثالثة في الخمسينيات والستينيات وإلى الآن، والذي يميز هذه الموجة أنها حاولت واستطاعت أن تدعم الجذور الإسلامية باتباع عدة وسائل، كإيجاد مؤسسات إسلامية تجمع كافة قطاعات المسلمين من طلبة ومهنيين وجاليات وغير ذلك، وتؤمن لهم لقاءات دورية يتبادلون فيها همومهم وخبراتهم، ويقوون فيها صلاتهم، ونجح ذلك إلى حد بعيد، وكالسعي الحثيث لإيجاد المدارس الإسلامية سواء في عطلة نهاية الأسبوع أو المدارس كاملة الدوام، وبذلك استطاعت هذه الموجة الأخيرة من المهاجرين توريث الإسلام إلى أبنائها وزرع الأصالة الإسلامية والهوية المتميزة ونحن نرى هذه البذور الجديدة من الجيل الجديد اليوم تنمو وتترعرع وتخرج لنا نماذج يفخر بها في الشرق والغرب. ولقد كان دوري في هذه المرحلة الثالثة بالذات حيث استطعنا بعون الله أن نؤسس ونساهم في عدة مدارس إسلامية في عدة مدن أمريكية مثل كولومبس وفيلادلفيا وديترويت وتوليدو وآن أربر وغير ذلك.

 كذلك أنا مشرفة الآن على وضع واختيار المناهج المناسبة لهذه المدارس، ونحن اليوم بصدد إنشاء مدرسة كاملة الدوام في مدينتنا فنرجو الله تعالى التوفيق ونسألكم الدعاء.

المجتمع: ما هو في تصورك الدور النسوي في تهيئة الأجواء التربوية والاجتماعية لاستكمال تطبيق الشريعة؟

 غادة الهيب: لو سألنا معظم الناس في بلادنا: هل تريدون تطبيق الشريعة الإسلامية؟ لكان الجواب «نعم»، في تقديري. ولكن لو سألنا ماذا يعني تطبيق الشريعة بالنسبة لك؟ هل هو قطع اليد أو رجم الزاني لربما كان رد الأكثرية بنعم. ولا نستغرب ذلك فهذا ما توحي به وسائل الإعلام الأجنبية بل تركز عليه. وإذا سألنا هل هذا هو فعلاً تطبيق الشريعة لرأينا عكس ذلك، فالحدود جزء بسيط ومتأخر في الشريعة بل أحيانًا تعطل الحدود إذا لم تتوفر شروط مسبقة (كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه) عندما أوقف قطع يد السارق في عام المجاعة. وهنا يأتي دور الجميع رجالاً ونساء لتهيئة مثل هذه الأجواء والمرأة بشكل خاص لها دور أساسي في هذه القضية فهي أولاً عليها أن تثقف وتخرج من القمقم الذهبي الذي يريدون وضعها فيه، فكيف تربي جيلًا إذا لم تكن هي قد ربيت تربية جيدة وثانيًا عليها أن تربي أولادها والأسرة كلها بإيجاد جو إيماني إسلامي رائع يزرع القيم الإسلامية الأصيلة كالتقوى وصلة الرحم والأدب وقوة العائلة (والتي تكاد تتحطم في الغرب) والالتزام بالدين الإسلامي الحنيف. عند ذلك ينشأ جيل يكون الإسلام همه وطريقه وحياته وعند ذلك فقط لا يستغرب ولا يأبى تطبيق الشريعة. وإلا فإن سن القوانين وحده لا يكفي فكم نرى رجالاً ونساء شيبًا وشبانًا يأتون من بلاد فيها (قوانين) إسلامية، ولكن بمجرد أن يتخطوا عتبة المطار نرى حجابها قد نزع ونرى الكؤوس في أيديهم مشرعة وغير ذلك كثير والعياذ بالله.. فماذا نفعتنا هذه القوانين؟ وكم يستغرب أولادنا من الجيل الناشئ الجديد في أمريكا عندما يرون أقرانهم في البلاد الإسلامية، ويصابون بخيبة أمل لأنهم يرون فيهم السذاجة والسطحية والتعلق بالقشور من نفايات هذه المدنية المادية.

المجتمع: ما هي العقبات التي تحول دون أداء المرأة لهذا الدور؟ وكيف يمكن إزالتها؟

 غادة الهيب: لا شك أن هناك عقبات كثيرة يمكن أن نعدد بعضها: 1 – نظرة المجتمع بشكل عام لنفسه قد أصبحت عائقاً كبيراً. فنحن نرى أنفسنا متأخرين ونرى أنفسنا غثاء، ونحسب أن دورنا قد انتهى وأن أمامنا على الأقل مئات السنين حتى نلحق بالغرب. وهذا إن كان صحيحاً من جانب إلا أن الجانب الأكبر منه خاطئ، ونحن الذين نعيش في الغرب نعرف ذلك تماماً ونلمسه.. فنحن وإن كنا متأخرين تقنيًّا إلا أننا نملك الكثير الذي يحتاجه الغرب. ونحن وإن كنا في آخر الركب العالمي اليوم، ولكننا ندرك أن الغرب قد فقد هدفه وريادته، وكل همه استغلال الآخرين والسيطرة عليهم، ونؤمن بأن أمامنا مشواراً طويلاً وهدفاً واضحاً لا بد من الوصول إليه لأنها مسؤوليتنا وعليها نؤجر أو نأثم وهذا الهدف هو قيادة العالم إلى الطريق الأمثل، والتي هي أحسن وبدون استغلال الناس أو السيطرة عليهم. نظرتنا إلى المرأة ودورها بالذات فنحن إلى الآن ما زلنا مختلفين على مواضيع نراها أحياناً سطحية، ونراها أحياناً تُبعَث من القبور وتحيا من أجل إبقاء المرأة مهمشة وثانوية الدور، وهذا يدل على عقلية تبسيطية (تبسط الأمور) جِدًّا في التعامل مع الأمور، ونرى هذه العقلية تسود ليس في قضايا المرأة بالذات بل في قضايا إسلامية كثيرة تؤدي بالنهاية إلى عمل تجزيئي وتبسيطي يعجز أو يصاب بالشلل عند أول معضلة تواجهه تحتاج إلى تفكير أو تقليب في الآراء، فتلجأ إلى التحريم المطلق أو محاولة الالتفاف على القضية بدون وضع جواب شافٍ لها. إذن لا بد من عملية تثقيفية واضحة للرجال والنساء على السواء. وهذا التثقيف الذي لا يتم من خلال عمل مبرمج يخطئ ويصيب، وبذلك يكون التدريب الحقيقي والتثقيف العملي والخبرة الواقعية.

المجتمع: كيف يمكن التنسيق بين وسائل الإعلام ومناهج التعليم لصياغة هوية الطفل المسلم؟

 غادة الهيب: الشريعة كما قلنا حياة وطريق، ولذلك يجب ألّا تكون هناك عقبات في هذا الطريق، فما فائدة مناهج التعليم إذا كانت مناهج الإعلام مضادة لما يُعَلّم؟ فكما أنه لا بد من أسلمة التعليم، فكذلك لا بد من أسلمة الإعلام. وهذه عملية تطويرية تبدأ بأهداف صغيرة ثم تنتهي إلى الأسلمة الكاملة. فيمكن أن تبدأ مثلاً بأن تقوم وسائل الإعلام بوضع حدود لنفسها لا تتجاوزها، فكما أن هناك في كل دولة دستوراً لا يُتجاوَز فكذلك في الدول الإسلامية يجب أن يكون هناك دستور الإسلام الذي يجب أن يراعيه الجميع فلا يتجاوزونه ولا يهمزونه ولا يلمزونه، وهذا يعني إنشاء إعلام مسؤول. وحتى في الدول الغربية رغم حرية الإعلام الكاملة فيها وحيث نرى الغث والثمين إلا أننا نرى من خلال قراءتنا خطًّا واضحاً يربطها جميعاً لا تتجاوزه وإن كان أحياناً لا يبدو واضحاً للعيان. وبعد ذلك ننطلق إلى مرحلة أسلمة كل الوسائل لخدمة الهدف العام الذي نسعى إليه جميعاً ألا وهو استكمال أسلمة المجتمع.

لقطات من المؤتمر:

  • أشادت د. منى يكن بمستوى التنظيم والدقة في المؤتمر وقالت: شاركت في مؤتمرات رجالية ونسائية، في أقصى الشرق وأقصى الغرب ولم أرَ مؤتمراً نسائيًّا بهذه الدقة وهذا المستوى.
  • اللجنة التحضيرية للمؤتمر كانت بالفعل مثل «القنوان الدانية» حيث لازموا الحضور بروحهم السمحة وابتسامتهم وقد كانوا كخلية النحل.
  • لوحظ حضور الجمهور النسائي المبكر لحجز مكان في القاعة وذلك إنما يدل على مستوى الوعي الذي وصلت إليه المرأة الكويتية.
  • ضجت القاعة عدة مرات بالتصفيق أثناء إلقاء الضيفات د. منى يكن وغادة الهيب وحمدة غالب وهدى كامل لكلماتهن المؤثرة.
  • كما لوحظ أن الحضور يشمل حتى النساء كبيرات السن اللاتي حرصن على المشاركة.
  • ازداد الطلب على أبحاث المؤتمر من قبل الحاضرات مما اضطر لجنة السكرتارية إلى إعادة طباعتها وتوزيعها أكثر من مرة.

 

الرابط المختصر :