العنوان علاقة المسلمين بغيرهم في المجتمع المسلم.. شبهات وردود.
الكاتب محمود جيلاني
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 75
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 34
السبت 22-سبتمبر-2012
هل أهل الكتاب مواطنون من الدرجة الأولى في الدولة الإسلامية؟ (۳-۳)
اشتراك الذمي في الدفاع عن دار الإسلام يسقط عنه الجزية والذين تنطبق عليهم شروط الجزية لا تنطبق عليهم شروط الجندية. هم مواطنون لهم حق المواطنة كاملة وإذا وجدت استثناءات يفرق فيها بين المسلم وغير المسلم فليس ذلك انطلاقًا من أفضلية المسلم على غيره بل استيفاء لشروط معينة. هم مواطنون لهم حق الواقع يشهد بالمعايشة الكريمة بين المسلمين وأهل الكتاب منذ بدء الدعوة التي كانت تتم بصورة تلقائية وبغير حساسية ولا خصومة ولا عقد. بينا في العدد الماضي أن الإسلام قد اعترف بوجود الآخرين وأقر لهم بشرعية حرية العبادة، وأن القرآن ألزمنا عند دعوتهم بإتباع قواعد وآداب معينة.. وأوضحنا الحالات الأربع الذي يشهر فيها سيف الإسلام، كما بينا الدوافع وراء انتشار مقولة إن الإسلام انتشر بحد السيف، وفي هذا العدد نتحدث عن علاقة المسلمين بغيرهم في المجتمع المسلم، وكيفية التعامل معهم، وحقهم في المشاركة بمواقع المسؤولية في المجتمع المسلم.
في هذا البحث محاولة لتوضيح موقف غير المسلمين الذين يعيشون في دول إسلامية، وهل هم مواطنون لهم كافة حقوق المواطنة، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تميزوا عبر التاريخ الإسلامي بوضع خاص تحت مسمى أهل الذمة؟ ولماذا كانوا يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون؟ وما تفسير الآيات والأحاديث الصحيحة التي يفهم منها معاملتهم بصورة خاصة قد تصل إلى حد الاستبعاد في ظاهرها مثل: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطرهم إلى أضيقه»؟ وكيف كانت صورة العلاقة عبر التاريخ الإسلامي عمومًا؟
وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية:
هل أهل الكتاب مواطنون من الدرجة الأولى في الدولة الإسلامية؟
هناك من العلماء من يقول:
- الذمي لا يستحق المواطنة الكاملة، لأن الذمي مع كونه مؤمنًا بالله، إلا أنه لا يعترف بمحمد رسولًا له، فلا يستحق أن يكون عضوًا خالصًا في الأخوة الإسلامية، لذلك فإن الذين لا يؤمنون بمبادئ الإسلام لا يحق لهم أن يتولوا رئاسة الحكومة أو عضوية مجلس الشورى.
ويقولون أيضًا: إننا لا نجد في عهد النبوة ولا في عهد الخلافة الراشدة مثلًا يدل على أن أحدًا من أهل الذمة انتخب عضوًا لمجلس الشورى أو قاضيًا أو وزيرًا، أو قائدًا في الجنود، أو سمح له بأن يدلي برأيه في انتخابات الخليفة، فلو كان الاشتراك في كل هذه الأمور من حقهم، لفعل ذلك رسول الله والخلفاء الراشدون من بعده، «كما ذكر الإمام المودودي»، والحقيقة والصواب أن أهل الكتاب الذين يعيشون مع المسلمين في بلد واحد الآن هم مواطنون لهم كافة حقوق المواطنة:
والدليل الأول: على ذلك هو ما نصت عليه «الصحيفة» التي كتبها الرسول مع اليهود بالمدينة هي أول دستور للدولة الإسلامية، وقد حدد فيها الرسول بالاتفاق مع «الآخرين» الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين المسلمين وغيرهم في مجتمع المدينة، فقد أكدت الصحيفة على أن المسلمين وغيرهم «أمة واحدة».
الدليل الثاني: هو كلمات الرسول عليه الصلاة والسلام التي تستنكر وتتبرأ من أي مسلم «آذى ذميًا» أو «ظلمه» أو «انتقصه» وأي نقصان أشد من اعتباره مواطنًا من الدرجة الثانية؟ ثم إن آيات تكريم الإنسان والبر بالذين لم يقاتلونا تقف في صف هذه الدعوة على طول الخط.
والذين يقولون أنهم لم يشتركوا في الانتخابات ولا التعيينات على عهد الرسول والخلفاء الراشدين إنما يسقطون المفاهيم السياسية المعاصرة على العهد النبوي والراشد، وهذا ليس بالمنهج العلمي، فرغم أن المفاهيم الإسلامية كانت مكتملة إلا أن الآليات كانت في طور نشأتها، ثم إنها تتغير وستتغير حسب تطور المجتمعات الإسلامية، فالنظام السياسي كان إذن ناشئًا، وهل كان في ذلك الوقت انتخابات أو حكومات بالمفهوم الحالي حتى نقول: إنهم لم يمثلوا فيها؟ إن الممارسات على الأرض تحكمها البيئة الزمانية، لكن يبقى الأصل الذي تحكم به على هذه الممارسات وهو القرآن والسنة كما ذكرنا في الدليل الثاني.
وأخيرًا فإن من الذين يطرحون هذه التصورات يخاطبون عالمًا غير عالمنا، وعلى سبيل المثال، فإن الأستاذ المودودي يقسم رعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين إلى ثلاثة أصناف:
أولها: الذين يدخلون في كنف الدولة الإسلامية بعقد صلح أو معاهدة.
والثاني: المغلوبون بعد الهزيمة في الحرب، أي الذين فتحت بلادهم عنوة.
والثالث: الذين ينضمون إلى الدولة الإسلامية بطريق غير طريق الصلح والحرب... وليس لي إلا أن أسأل بعد ذلك: أين هؤلاء في خريطة الواقع الإسلامي الذي تخاطبه الآن؟
٢- إذن فلماذا استخدم تعبير «أهل الذمة» إذا لم يكن هناك أي فرق بينهم وبين المسلمين؟
«أهل الذمة» هو أكثر الأوصاف شيوعًا في الحديث عن غير المسلمين، وهذا الوصف بات أكثر الأوصاف حاجة إلى المراجعة وإعادة النظر، فنحن لا نجد في نصوص القرآن أثرًا لتعبير «أهل الذمة»؛ لكننا نجد له أصلًا في السنة النبوية فقد استعمل النبي هذه الكلمة: «الذمة» في معظم كتبه الموجهة إلى الأفراد والعشائر، يعطيهم «ذمة الله ورسوله» وقول رسول الله عن المسلمين: «ويسعى بذمتهم أدناهم» وقد عرف العرب من القديم التناصر بالجوار، بما يسمونه عقد الجوار أو عقد الذمة، ومن خلال هذه الصيغة الوصفية التي أطلقت على الآخرين من أهل الكتاب ومسلمين وغيرهم على لسان رسول الله في عهوده، دخل تعبير أهل الذمة قاموس التخاطب مع غير المسلمين. وإذا أضفنا إلى ذلك أننا نقف في حقيقة الأمر، في مواجهة صيغة كان استخدامها في السنة النبوية من قبيل الوصف لا التعريف، وكان بمثابة استخدام للغة ومفردات وصياغات سادت في جزيرة العرب قبل الإسلام.
وإذا كنا نعترف بتأثير متغيرات الزمان والمكان على الأحكام الشرعية، فليس أقل من أن نعترف بتأثير تلك المتغيرات على الصياغات اللفظية وتغير دلالاتها في أذهان الناس حيث أصبحت الآن تحمل ظلالًا من التمييز وعدم المساواة؛ بدلًا مما كانت تحمله في الماضي من حقيقة كفالة الحقوق وضمانها لغير المسلمين، علما بأن تعبير «أهل الذمة» قد أسقط من البناء القانوني في دولة الخلافة الإسلامية، منذ صدور أول دستور عثماني في عام ۱۸۷۱م، مقررًا مبدأ المساواة في جميع الحقوق والواجبات بين جميع مواطني الدولة على اختلاف أديانهم.
٣- ويثور سؤال: القاعدة الفقهية التي تقرر «أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، هل لها استثناءات يفرق فيها بين المسلم وغير المسلم؟
- إذا جاز أن نسميها استثناءات فإن هذه الاستثناءات لا تجيء انطلاقًا من أفضلية المسلم على غيره، ولكن استيفاء لشروط معينة في مواقع بذاتها، تفترض أن اعتناق الفرد للإسلام يوفر قدرًا أكبر من التوافق والانسجام. أي أن ذلك يتم في إطار التصنيف Classification) وليس التمييزDiscrimination ، والتصنيف لا يتعارض مع المساواة، لكن التمييز يتعارض مع العدل، وإذا كان مقبولًا أن يعاد تعيين ألفي موظف كبير في الإدارة الأمريكية مثلًا، لمجرد انتقال الإدارة من رئيس إلى رئيس لكي يضع الرئيس الجديد في المواقع الحساسة من هم على التزام شخصي بسياسته، فلا بد أن يكون مقبولا أيضًا أن تعطي الدولة الإسلامية حق تعيين كوادرها في المواقع التي تفترض في شاغليها التزامًا شخصيًا بالإسلام.
والحق أن كثيرًا مما يجوز للأقليات توليه من المناصب يمكن الاستثناء عليه بسوابق العمل في الدول المختلفة، فوجود الأقليات ليس مما تنفرد به دولة الإسلام.
٤- ولكن هناك آيتان في القرآن الكريم تدعوان صراحة إلى منع التعامل مع غير المسلم، وتفضيل المسلمين على غيرهم في إدارة المجتمع الإسلامي بوجه عام، وفي كافة مرافقه وأنشطته:
١- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 118)
٢- ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ (المائدة : ٥١).
الآية الأولى: فيها نهى الله المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوا بالغش للإسلام وأهله، وأنت «ترى أن هذه الصفات التي وصف بها من نهي عن اتخاذهم بطانة، لو فرض أن اتصف بها من هو موافق لك في الدين والجنس والنسب، لما جاز لك أن تتخذه بطانة لك»
والآية الثانية: يقول في شرحها الشيخ محمد الغزالي: «...... فاليهود والنصارى في هذه الآية قوم يحاربون المسلمين فعلًا، وقد بلغوا في حربهم منزلة من القوة جعلت ضعاف الإيمان يفكرون في التحبب إليهم والتجمل معهم»، ويتساءل الغزالي: هل هناك ضير على دين ما، إذا منع أتباعه من مصادقة الذين يتهكمون بتعاليمه، ويسخرون من شعائره؟ إن تفاسير الآيات وشروحها تقول: إنها جميعًا لا تضع قيدًا على حركة وممارسات الآخرين من المسالمين غير المعتدين ولا المتآمرين.
فإذا كانت لهم حقوق المواطنة كاملة فلماذا فرضت عليهم الجزية الثابتة بنص القرآن؟
- إن الجزية صارت من الأمور التاريخية.. وليس لها وجود بعد تغير ظروف العالم، فحقيقة الأمر أن الجزية كانت تفرض على غير المسلم من المحاربين في البلاد التي فتحت حربًا فقط نظير إعفائه من الخدمة العسكرية وإعفائه من واجب الدفاع عن دار الإسلام، وهذا النظام كان معمولًا به في مصر حتى قرب منتصف القرن الحالي، إذ كان كل من لا يرغب في أداء واجب الخدمة العسكرية من المسلمين وغير المسلمين يدفع «بدل الجهادية».
ويعزز هذا الرأي ويؤكده أن الجزية كانت ترفع عن غير المسلمين، إذا ما أسهموا في أداء واجب الدفاع.
ويذكر أكثر الفقهاء بين مسقطات الجزية: اشتراك الذمي في الدفاع عن دار الإسلام، كما أن الذين تنطبق عليهم شروط الجزية هم الذين تنطبق عليهم شروط الجندية، فهي لا تؤخذ من الأعمى والشيخ الفاني والمقعد والمرأة والطفل، لأن هؤلاء لا تنطبق عليهم شروط الجندية ولا يلزمهم أصل النصرة بأبدانهم لو كانوا مسلمين.
أما الآن وقد تغير دور الجيش في الدولة وصار دوره هو الدفاع عن الوطن، فإن دخول الأقباط في الخدمة العسكرية أمر طبيعي، وهو ما يترتب عليه أيضًا إلغاء فكرة الجزية فتصبح شيئًا من الماضي. وليس في هذا تعطيل لحكم في القرآن، على اعتبار أن العلة الأساسية التي بني عليها الحكم الشرعي لم يعد لها وجود، حيث يشترك الجميع الآن في الدفاع، سواء انطلاقًا من الدفاع عن العقيدة جهادًا في سبيل الله، أو الدفاع عن الوطن الذي بات ينتمي إليه الجميع. وقد سبق أن منع عمر سهم المؤلفة قلوبهم الثابت بنص القرآن أيضًا لنفس السبب وهو انتقاء علة الحكم.
ولكن الآية تنص على «أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» فهي ليست فقط قضية جزية ولكن حتى طريقة الأداء لابد أن يكون فيها إذلال.
- قال الشيخ رشيد رضا: ومن المفسرين من قال في الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29) أقوالًا يأباها عدل الإسلام ورحمته.
والحق أننا لا نستطيع أن نعزل الآية عن تلك المبادئ الأساسية التي قررها الإسلام، سواء في نظرته إلى كرامة الإنسان أو دعوته إلى البر بأهل الكتاب، وهو خطأ جسيم أن تقتطع الآية وتحمل بما يتناقض مع تلك
المبادئ التي أرساها الإسلام. وإذا كان يدهشنا أن يذهب فقهاء كبار هذا المذهب في التفسير وهو «الإذلال والقهر لأهل الكتاب عند أخذ الجزية من أهل الكتاب»، فإننا لا نجد مبررًا لهذا الموقف سوى أن بعضهم تأثروا في ظروف تاريخية خاصة بتصرفات لبعض أهل الذمة، شكلت إساءات جارحة لمجتمع المسلمين في ظروف دقيقة مثل الحروب الصليبية أو اجتياح التتار للعالم الإسلامي.
أما تفسير الآية فقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا أن الجزية ضرب من الخراج..
لكن كتب الفقه عند معظم العلماء والمذاهب تتكلم بغير هذه الروح؟
- هذه القضية التي طرحناها في السؤال السابق تعد نموذجًا لانفصال الفقه أحيانًا عن الواقع عند بعض الفقهاء، إذ إن عامة المسلمين أنفسهم أدركوا بحسهم الفطري وفهمهم المبسط للإسلام– أن تلك التعاليم المذكورة في الحديث الشريف «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها» (متفق عليه)، لا تخرج عن كونها إجراءات استثنائية في ظروف استثنائية، فلم يلزموا أنفسهم بها كقاعدة.
ولكن هناك حساسية عند بعض الفقهاء تجاه الذميين، كرد فعل لتصرفات هؤلاء الذميين أحيانًا، ولذلك فإن أكثر هؤلاء الفقهاء لجؤوا إلى تضييق القاعدة، وتوسيع
الاستثناء، حتى صار الأصل مثلًا هو عدم إلقاء السلام عليهم.
فعندما زار الرسول غلامًا يهوديًا في بيته أثناء مرضه، كان يتصرف تصرفًا طبيعيًا منطلقًا من وعي أصيل بروح الإسلام.
فكيف كان واقع أهل الكتاب على عهد الرسول ﷺ والخلفاء؟
- ويشهد الواقع التطبيقي بالمعايشة الكريمة بين المسلمين وأهل الكتاب منذ بدء الدعوة والتي كانت تتم بصورة تلقائية، بغير
حساسية ولا خصومة ولا عقد!
- «لقد كان للرسول جيران من أهل الكتاب ظل يتعهدهم ببره، ويتبادل معهم الهدايا، حتى أن امرأة يهودية دست له السم في ذراع شاه أهدتها إليه، حيث كانت عادته أن يتقبل هديتها ويحسن جوارها.
- ولما جاء وفد نصاري الحبشة، أنزلهم رسول الله في المسجد، وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم، وكان مما قاله يومئذ إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين فأحب أن أكرمهم بنفسي.
- ولما جاء وفد نصاري نجران أنزلهم في المسجد وسمح لهم بإقامة صلاتهم فيه، فكانوا يصلون في جانب منه، ورسول الله والمسلمون يصلون في جانب آخر!
وعلى هدي الرسول سار خلفاؤه من بعده.
- فنجد عمر بن الخطاب حين يدخل بيت المقدس فاتحًا يجيب السكان المسيحيين إلى ما اشترطوه؛ من ألا يساكنهم يهودي، وتحين صلاة العصر وهو في داخل كنيسة القدس الكبرى، يأبى أن يصلي فيها كيلا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدًا!
- «ونجده وهو أمير المؤمنين» وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو ابن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها، فسأل عمرًا عن ذلك، فأخبره أن المسلمين كثروا، وأصبح المسجد يضيق بهم، وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها، وبالغ في الثمن فلم ترض، مما اضطره إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت.
ومع أن هذا مما تبيحه القوانين المعاصرة، فإن أمير المؤمنين لم يقبل ذلك، وأمر عمرًا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت.
فماذا عن مشاركتهم في مواقع المسؤولية في المجتمع الإسلامي؟
- إن شهادات التاريخ ترسم هذه الصورة بأوضح ما يكون.
- روى الخطيب البغدادي عن أبي هريرة أن النبي قاتل معه قوم من اليهود في بعض حروبه، فأسهم لهم مع المسلمين.
- وعندما أجاز الإمام الشافعي اشتراك أهل الذمة في جيوش المسلمين، استدل بأن الرسول استعان في غزوة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع، واستعان في غزوة حنين بصفوان ابن أمية وهو مشرك.
ولكن هذا الكلام الجميل يدحضه ما نراه حقيقة من توتر في العلاقات بين المسلمين وغيرهم في البلاد الإسلامية، فلماذا هذا التوتر المتجدد إذا كان الماضي جميلًا هكذا؟
- نعم نقرر أن الصفحات التي تؤرخ العلاقة المسلمين بأهل الكتاب، لم تكن كلها بهذا الإشراق، فلربما تعرض بعض غير المسلمين في القرون المتطاولة من حياة دولة الإسلام لما يخالف مبادئ الإسلام وأحكامه من جانب بعض المسلمين أو بعض أصحاب السلطة منهم، وهو أمر لم يسلم منه المسلمون أنفسهم في عهد الانحراف والحيف، ومع غیاب قواعد الإسلام ونظمه عن تنظيم الحياة، فقام بعض الخلفاء بمحاولات غير مجدية لإقصاء أهل الذمة عن الوظائف العامة، ولكن مجرد تجدد هذه المراسيم الخاصة بإقصاء الذميين من الوظائف الحكومية «دليل على أن مثل هذه الأساليب التي تنطوي على التعصب لم تكن توضع موضع التنفيذ دائمًا». ولكن العنصر الأبرز في إفساد العلاقة بين المسلمين والذميين كان الغزو الأجنبي. فلقد أحدثت تجربة الحروب الصليبية شرخًا عميقًا في العلاقات الإسلامية المسيحية.
العدد القادم إن شاء الله
شهادة قاض وسيرة رمز
«المجتمع» تبدأ نشر مذكرات المستشار «علي جريشة» على حلقات
هذه المذكرات.… شهادة رجل عدالة على ثلاثة عهود تراوحت علاقة النظام السياسي فيها بالإخوان بين العداء والاحتواء.. أو الصدام والتحالف، وشهدت أحداثًا فاصلة كان للإخوان فيها دور فعال، وتحيط مذكرات المستشار على جريشة بتلك الأحداث وذلك الدور، وترصد بحس قضائي متوازن و منصف ملامح هذه العهود وسماتها متمازجة مع رؤيته الشخصية ومواقفه من الأشخاص والأحداث.