العنوان المجهول من المخططات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 659
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 21-فبراير-1984
عندما يتأمل المواطن العربي في الأحداث الجارية على الساحة العربية يحار في تفسير الكثير منها.. وعندما يتأمل فيما هو معلن من المخططات يختلط عليه الأمر ولا سيما عندما يقف على خلفيات مغرضة لبعض تلك المخططات وقد ألبست اللبوس الوطني!!.. هنا يصل المواطن إلى مرحلة الشك في كل ما هو معلن من تلك المخططات.. وإلى يأس كامل- وهو يراقب الأحداث- من إمكانية انتشال هذه الأمة من الهوة السحيقة التي سقطت فيها.. وأشد ما يفتك بمشاعر المواطن العربي سقوط ثقته بما يقرأ وبما يسمع من مبشرات على ألسنة الساسة حيث ما عاد المواطن العربي يصدق شيئًا مما يقال له.. وهذا ما يزيد في حالة التدهور النفسي التي يعاني منها شعبنا إزاء الأحداث الدامية المزمنة.
- ولو تأملنا في الأزمة اللبنانية التي تعتمل أحداثها بضراوة لوقفنا على حقيقة تكشف لنا أن الحالة العربية السائدة.. وحالة المجهول السائد من المخططات هو الأمر الذي تنفذ من خلاله القرارات الإسرائيلية التوسعية، ولعل المواطن العربي يدرك الآن هذه الحقيقة عندما يتأمل في الأحداث اللبنانية. وإذا كانت- على سبيل المثال- مطالبة الفئات المعارضة بإسقاط اتفاق ۱۷ مايو بين لبنان وإسرائيل مطلبًا شريفًا في شكله.. مجهولًا في حقيقته فإن إسرائيل تنفذ من هذا الحيز المجهول بقراراتها التي يلاحظ المواطن العربي أنها جاهزة لكل ما يستجد من الظروف.. وقد اقترب ريمون اده من لمس هذه الحقيقة في تعليقه على الموقف الإسرائيلي من إسقاط الاتفاقية اللبنانية- الإسرائيلية. عندما أكد أن إسرائيل ستنفذ من خلال هذا الموقف المستجد لإكمال حالة التقسيم للبنان وإكمالها، وفي تعليقه قال: «إن إسرائیل قررت منذ عام ١٩٥٤ تقسيم لبنان ووضع يدها على مياه الليطاني- كما ورد في مذكرات موشيه شاريت- وأن تصميم إسرائيل على تقسيم لبنان واحتلال جنوبه ومصادرة المياه فيه تبريرًا لوجود الدولة الصهيونية كان واردًا لدى جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام ١٩٥٤م».
وإذا كانت إسرائيل تجيد انتهاز أية مناسبة عربية فإنها وجدت في الأحداث اللبنانية الأخيرة منفذًا جديدًا للإعلان عن التوسع والاستمرار في الوجود على أرض لبنان بحجة حماية حدودها الشمالية من أية هجمات فدائية كما قال إلياهو بن اليسار.
على أن إسقاط اتفاقية ١٧ مايو لعام ۱۹۸۳م بين لبنان وإسرائيل مطلب شعبي وإسلامي.. لكن السؤال هو:
ما هي طريقة إسقاط هذه الاتفاقية؟
وكيف نوفق بين دعوة جنبلاط على سبيل المثال إلى إسقاط الاتفاقية وأوامره المشددة للميليشيات الدرزية المدعومة من سوريا «حاليًّا» بعدم التعرض لأية دورية إسرائيلية في المنطقة التي يسيطر عليها الدروز؟! حقًّا إنه عصر المجهول من المخططات.. وعصر الغامض من الإجراءات.. بل إنه العصر الإسرائيلي الذي لم يفده شيء بقدر ما يفيده عصر المجهول من المخططات العربية!!!!
وعلى الجانب الآخر من تأملات المواطن العربي نجد مسألة التأزيم الشديد في حرب الخليج بين العراق وإيران. هذا التأزيم الذي لا يصب في المحصلة إلا في سلة الأعداء المتربصين بأمتنا الدوائر، والذين يقطفون ثمرة الإجهاض الاقتصادي والعسكري والبشري في المنطقة.
ترى.. ماذا يفعل المواطن العربي وأمر الأمة على هذه الحال؟ ومن يا ترى يتحمل مسؤولية هذه الأحداث الجسام التي مزقت جسد الأمة شلوًا فشلوًا؟!
- إن حالة التيئيس المدبرة وصلت إلى ذروتها.. ولم يعد بمقدور العربي اليوم أن ينتشل نفسه من خلال مخططات المجهول المفروضة عليه.
- وإن حالة سقوط الثقة بالقرارات والمبشرات تزيد في حالة اليأس التي يعيشها هذا المواطن من كل الإمكانات المطروحة لتضميد الجراح وترميم الصدوع وإطفاء الاحتراقات الناشبة هنا وهناك في المنطقة العربية.
ولعل مثل هذه الحالات هو ما يريده المستعمر الماكر لأمتنا.. ذلك الذي يحاول الإطاحة بكل أمل يمكن أن يداعب الأجفان المثقلة والنفوس المكبلة بحالات التيئيس المختلفة.. وهو من أجل استمرارية استحواذ العتمة والظلام على آمال شعبنا المسلم، يحاول بشتى الوسائل خنق الأمل الإسلامي الذي يمكن له أن يفتح الأبصار وينير البصائر وهكذا تدور الدوائر على هذه الأمة المنكوبة!!!
إن حالة المجهول التي يعيشها العربي اليوم لابد أن تعطى أولوية في الدراسة؛ ذلك أن الأمة لا يمكن لها أن تتحرر من أي قيد قبل أن تتحرر من حالة المجهول تلك، ولن يحرر أمتنا من المجهول ومخططاته إلا المنهج الإسلامي الواضح الذي يرفض كل مؤامرة تحاك في العتمة، ويفقح كل خطة مجهولة توضع من أجل المزيد من اليأس والتيئيس.
فهل يدرك المسؤولون عن قيادة الأمة هذه الحقيقة؟ قل عسى أن يكون قريبًا.