; المحكمة الدستورية تستند إلى حكم «قراقوش»: بالحل.. حقق الرفاه أكبر انتصاراته | مجلة المجتمع

العنوان المحكمة الدستورية تستند إلى حكم «قراقوش»: بالحل.. حقق الرفاه أكبر انتصاراته

الكاتب المستشار فيصل مولوي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 54

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-فبراير-1998

حل حزب الرفاه في تركيا كان أهم الأخبار الإقليمية قبل أسبوعين، وكان موضوع تعليق وتحليل الكثير من الكتاب والصحفيين في تركيا، وفي العالمين العربي والإسلامي، بل وحتى في الكثير من الصحف الأجنبية، فمنهم من رآه قرارًا سياسيًا أملاه العسكر، ومنهم من رآه ضربة للديمقراطية والتعددية السياسية، ومنهم من رآه اعتداءً من القضاء على اختيار الشعب تحت ذريعة تنظيم العمل السياسي، ومنهم من اغتنم المناسبة ليعلن شماتته بحزب الرفاه، وبقائده الأستاذ نجم الدين أربكان، وبأسلوبه في العمل السياسي، وليعتبر احترامه لقواعد اللعبة الديمقراطية سببًا لاتهامه بالتراجع عن مبادئه ومواقفه السياسية حرصًا على البقاء في الحكم الذي تسلمه شريكًا مع حزب تشيلر العلماني، وليس منفردًا حتى يطالب بتطبيق مبادئه ومواقفه كلها.

أما نحن فقراءتنا للحدث وأبعاده تختلف عن جميع ذلك، نحن نعتبر حل حزب الرفاه إشارة واضحة إلى تحقيق أكبر انتصار له في حياته السياسية، ذلك أن إقدام المحكمة الدستورية على اتخاذ قرار الحل بالشكل الذي تم فيه، وللأسباب التي ذكرتها، يكشف بوضوح خضوع المؤسسة القضائية العليا لتوجهات العسكر في كيفية معالجة ظاهرة حزب الرفاه، والظاهرة الإسلامية المتنامية في تركيا، سواء كان ذلك قناعة أو التزامًا.

 ولقد ذكرت الصحف أسبابًا ثلاثة لهذا القرار القضائي الخطير، هي:

السبب الأول: أن الأستاذ أربكان دعا إلى مقر إقامته الرسمي رجال الدين لإفطار في رمضان الماضي، وهو أمر لا سابقة له، عجيب، وهل رجال الدين هؤلاء مواطنون في بلده أم لا؟ وهل يجوز لرئيس الحكومة استقبال الأعداء والأجانب، ويمنع عليه استقبال بعض مواطنيه؟ وإذا كانت العلمانية التركية تقتضي عزل الدين عن المجتمع وقوانينه، فهل تقتضي أيضًا نبذ رجال الدين، وحرمانهم كمواطنين من حقهم في زيارة رئيس بلادهم في مقر إقامته الرسمي؟ ألا يشكل هذا السبب إعلان حرب ضد الدين ورجاله؟ ألا يعتبر حرمانًا لبعض المواطنين من أبسط حقوق الإنسان؟

 السبب الثاني: أن الأستاذ أربكان طلب من أنصاره تقديم دعم مالي لإحدى شبكات التلفزة المؤيدة للرفاه كتعبير عن الجهاد بالمال، هل هذا الأمر ممنوع؟ أليست شبكة التلفزة هذه مرخصة من قبل الدولة؟ ألا يحق للمواطنين أن يدعموا بالمال شبكة التلفزة التي تعبر عن مبادئهم ومواقفهم؟ ألا يحق للزعيم السياسي أن يجمع المال من أنصاره لدعم حزبه وإعلامه؟ هل طلب أربكان الدعم المالي من جهات أجنبية أو معادية؟ أم أن الأمر المستنكر هو استعمال كلمة الجهاد باعتبارها اصطلاحًا دينيًا؟ لكن أي منطق يقبل أن يحل حزب، ويمنع من النشاط السياسي لأنه استعمل كلمة لها مدلول ديني إذا كان هذا المدلول لا يدخل في قائمة الممنوعات؟

السبب الثالث: تصريح لأربكان جاء فيه أن الرفاه سيصل إلى السلطة، ولكن المسألة تبقى معرفة ما إذا كان ذلك يتم مع أو من دون إراقة دماء، هل يفهم من ذلك أن الأستاذ أربكان يهدد بالوصول إلى السلطة ولو عن طريق إسالة الدماء؟ أو أنه يقول سنصل إلى السلطة ولو أرقتم دماءنا؛ لأن هذا هو خيار الشعب؟ ولو سلمنا جدلًا أن عبارة الأستاذ أربكان تحمل المعنيين، فالمبدأ القضائي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن الإدانة لا تكون بعبارة محتملة، بل لا بد لها من يقين جازم، ولو راجعنا تاريخ الرجل الذي جاوز السبعين من عمره، لوجدنا أن ممارساته كلها لا تؤيد تفسير المحكمة، فهو معروف ومشهور بأنه يتعاطى العمل السياسي السلمي، وينبذ كل دعاوى العنف، ولقد أقدمت المحاكم سابقًا على حل حزبين له «حزب الخلاص، وحزب السلامة»، فلم يلجأ إلى إسالة الدماء رغم الظلم، وإنما أنشأ حزبًا ثالثًا هو الرفاه، مما يدل بوضوح على إصراره على العمل السياسي السلمي ضمن القوانين، وقد أكد منهجه هذه المرة رغم أن حزب الرفاه هو أكبر أحزاب البرلمان، ولديه أربعة ملايين منتسب وستة ملايين ناخب، وهذا يغري بالثورة، ولكنه رغم ذلك كله أعلن رضوخه لقرار المحكمة، وطلب من أنصاره ألا يردوا على هذا الاستفزاز، وأعلن تأسيس حزب جديد لمواصلة العمل السياسي، بل وجدد تفاؤله بوصول هذا الحزب إلى السلطة، ولكن منفردًا هذه المرة «في إشارة إلى اضطراره سابقًا للتحالف مع حزب تشيلر». 

أن تضطر المحكمة الدستورية- وهي أعلى سلطة قضائية- إلى اتخاذ مثل هذا القرار الذي وصفه الرئيس سليمان دميريل، ورئيس الحكومة مسعود يلماظ بأنه ضرورة مؤسفة، يذكرنا بما يعرف في التاريخ «بحكم قراقوش»، وهو مثال للحكم غير المبني على قواعد العدالة، وقراقوش هذا يقال أنه تولى إحدى ولايات الشام أيام العثمانيين، وفي عهده أصدر القاضي حكمًا بالإعدام على أحد الناس، ولما أخذوه للتنفيذ أمام قراقوش تبين أنه قصير لا يصل رأسه إلى حبل المشنقة، فما كان من قراقوش إلا أن اختار من الحاضرين رجلًا طويلًا وشنقه بدلًا عنه.

والمحكمة الدستورية بدل أن تحل الأحزاب المرتبطة بالعدو الإسرائيلي أو الخاضعة للأجنبي، أقدمت على حل أكبر الأحزاب وأكثرها أصالة ووطنية.

وإذا كان التاريخ سيذكر ماذا قدم أربكان لأمته، وكيف كان حريصًا على السلم الأهلي، مصرًا على العمل السياسي السلمي، نابذًا لكل أنواع العنف، فإنه سيذكر له قوله الشهير يوم نجحت محاولات العسكر في إقالة حكومته، وفي تشكيل حكومة مسعود يلماظ، وأثناء عملية التسليم والتسلم بين الرجلين، يومها قال أربكان: «إنها من أسعد لحظات الديمقراطية»، وذلك رغم الأساليب غير الديمقراطية التي مورست بحقه لإبعاده عن الحكم. 

يتهم كثير من العلمانيين الإسلاميين بأنهم لا يؤمنون بالتداول السلمي للسلطة، فماذا يقولون في نجم الدين أربكان الذي اختاره الشعب؛ فتآمر العلمانيون مع العسكر عليه حتى أبعدوه عن السلطة، ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا إخراجه من الساحة نهائيًا؟

نحن الإسلاميين نعتقد أن الديمقراطية بما تحمل من المحافظة على الحريات وحقوق الإنسان والتعددية السياسية، هي وسائل معاصرة، يمكن أن تساعد في تحقيق مبدأ الشورى الإسلامي الذي نعتبره أصدق صورة لأصالتنا الإسلامية، ونعتقد أن التداول السلمي على السلطة من أهم منجزات الديمقراطية المعاصرة التي يقبلها الإسلام، ولكن المشكلة الأساسية التي تعاني منها أمتنا- وأكثر دول العالم الثالث- هي في الأنظمة المستبدة التي تصادر الحريات، وتقيد الحقوق، وتمنع التعددية الحقيقية، ثم تدعي أنها أنظمة ديمقراطية أو شرعية.

العلمانية في كل بلاد العالم اليوم لا تنفصل عن الديمقراطية، إلا في بلاد المسلمين، فإن العلمانية تفرض على الناس بالقوة، كما يجري في الجزائر وفي تركيا وغيرهما، ولكننا نعتقد أن المستقبل لا يكون إلا لإرادة الشعوب، وأن شعبنا العربي المسلم لن يختار غير الإسلام مرجعية عليا، يقوم في ظلها بإعادة ترتيب أوضاعه كلها مستفيدًا من منجزات العصر وتجارب الشعوب.

وكل التحية للمجاهد نجم الدين أربكان ولإخوانه، والمستقبل لن يكون إلا لهم، وعلى الإسلاميين في كل مكان أن يستفيدوا من هذا الدرس، فنحن مع إخواننا نتسابق على بناء الوطن، ولن ننجر إلى صراع يؤدي إلى تمزيقه؛ فالإسلام الذي ندين به يبني ولا يهدم، وبناء الأوطان لا يكون إلا في ظل الحريات، واحترام حقوق الإنسان، والحوار الإيجابي، ثم العدل بين الجميع.

الرابط المختصر :