; المحكمة الإدارية.. قضية لم تكتمل بعد؟! | مجلة المجتمع

العنوان المحكمة الإدارية.. قضية لم تكتمل بعد؟!

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982

مشاهدات 67

نشر في العدد 583

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 17-أغسطس-1982

اذا كانت الحكومة اختارت للقضاء الإداري غرفة أو دائرة لأنه أهون الشرين، فلماذا وافق تعديل النواب على هذا الخيار وهو أضعف الخيارين؟

  • القضاء يجب أن يراقب وسائل السلطة الإدارية والقرارات والعقود.

     صدر بقصر السيف مؤخرًا مرسوم بالقانون رقم (20) لسنة (1981) يقضي بإنشاء دائرة إدارية بالمحكمة الكلية؛ للنظر في المنازعات الإدارية، تشكل من ثلاثة قضاة، ويكون للدائرة الإدارية وحدها ولاية الحكم بإلغاء القرارات الإدارية، وولاية الحكم بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن تلك القرارات، ويتكون هذا المرسوم -الذي صدر قبل انتخابات مجلس الأمة بفترة وجيزة- من سبع عشرة مادة، ونص على أن يعمل بهذا المرسوم من أول أكتوبر سنة (1981م).

     ومن الجدير بالذكر أن مجلس الأمة قد أقر هذا المرسوم من ضمن المراسيم الأميرية التي صدرت في فترة التأمل، وذلك في جلسته المنعقدة في دور الانعقاد الأول بتاريخ 21/11/1982م؛ حيث حاز المرسوم على موافقة (36) صوتًا، ورفضه (8) نواب، وامتناع اثنين آخرين.

    من الغريب أن يصدر هذا المرسوم في وقت متأخر جدًا، فقد كان المفروض أن يصدر قبل ثمانية عشر عامًا من تاريخ صدوره؛ أي مع وضع الدستور الكويتي، حيث نص الدستور على إنشاء محكمة إدارية أو دائرة، تختص بالنظر في القرارات الإدارية والجهاز الإداري في الدولة، كما جاء في المادة (169) من الدستور: «ينظم قانون الفصل في الخصومات الإدارية بواسطة غرفة أو محكمة خاصة، يبين القانون نظامها، وكيفية ممارستها للقضاء الإداري شاملًا ولاية الإلغاء، وولاية التعويض بالنسبة إلى القرارات الإدارية المخالفة للقانون».

     وجاء في المذكرة التفسيرية لهذه المادة أن المقصود بالغرفة دائرة من دوائر المحكمة، وكان الأولى والأفضل أن يقضي المرسوم بإنشاء محكمة مستقلة خاصة للقضاء الإداري لتشمل عددًا أكبر من القضايا، ولتأخذ صلاحياته كاملة في الرقابة القضائية على القرارات الإدارية، فلماذا سلكت الحكومة هذا المسلك، ولجأت إلى هذا الأسلوب؟

أهمية المحكمة الإدارية:

     لا بد أن نتطرق إلى أهمية هذه المحكمة؛ فقد ثبت أن وجود القضاء الإداري ممثلة بمحكمة إدارية تراقب القرارات الإدارية هو ضرورة ملحة لعدم إعطاء الجهات الإدارية الفرصة لإصدار قرارات مجحفة وظالمة بحق المواطنين الموظفين فيها، ولحمايتهم من قرارات الفصل من الخدمة، وقطع الراتب أو الخصم منه دون سبب حق.

     كما أن القضاء يجب أن يكون له دوره كاملًا في استخدام سلطته التي خوَّلها لها الدستور؛ حيث يجب أن يراقب وسائل السلطة الإدارية والتي تشمل القرارات الإدارية والعقود الإدارية، وهذا لا يتأتى إلا بوجود محكمة إدارية مستقلة، وهذا الشيء يجب أن يكون واضحًا بإتاحة السلطة القضائية ممارسة صلاحياته كاملة دون أدنى تأثير من السلطة التنفيذية.

الحكومة سكتت عن مشروع المحكمة الإدارية ثلاثة عشر عامًا، ورفضت مشروع النواب سنة 76.

تخوفات الحكومة:

     إن لجوء الحكومة إلى ذلك المسلك ليعكس عدة تخوفات ومحاذير تخشاها الحكومة نوردها كالآتي:

  • شعور الحكومة بضعف جهازها الإداري وعيوبه، الأمر الذي يكشفه القضاء الإداري من خلال المحكمة الإدارية، وهو ما تتخوف منه الحكومة، كما ذكر ذلك الدكتور عادل الطبطبائي في محاضرته عن المحكمة الإدارية في ديوانية اتحاد طلبة الكويت بتاريخ 16/10/82. 
  • كما يمكن أن تكشف المحكمة الإدارية عن عيوب قرارات الوزراء التي قد تكون مجحفة أحيانًا بحق المواطنين لما لهم السلطة الكاملة على القرارات، وكان النائب محمد الرشيد قد أشار إلى ذلك في مناقشات مجلس الأمة حول مشروع المحكمة الإدارية في الفصل التشريعي الرابع بجلسته المنعقدة بتاريخ 12/7/76. 
  • وتتخوف الحكومة كذلك من أن تفقد الصلاحية التي تخولها لتوقيع عقوبات إدارية تصل إلى إنهاء الخدمة، والفصل من الوظيفة لإبعاد بعض الأفراد الذين قد يثيرون لها المشاكل، كما حدث في قضية الدكتور عبد الله النفيسي الذي فصل من الجامعة، وكانت المحكمة الإدارية هي بمثابة ضمانة لحماية المواطنين من مثل تلك القرارات. 

     إن على الحكومة أن تزيل أوهام تلك التخوفات، ويجب أن تضع السلطة القضائية في موضعها الحيادي والفاصل الحق بين الشعب والحكومة. 

المحكمة الإدارية في مجلس الأمة:

     مع أن الحكومة سكتت دهرًا من سن (1963م) ولم تضع مشروعًا لإنشاء المحكمة الإدارية، والتي كانت مطلبًا دستوريًا وشعبيًا، إلا أن مجموعة من النواب تقدموا بمشروع قانون بإنشاء المحكمة الإدارية في المجلس سنة (1976م)، ولكن الحكومة أحست بالتخوف من ذلك المشروع فرفضت مشروع النواب، وقدمت مشروعًا آخر هزيل بإنشاء دائرة لفض المنازعات الإدارية، ولم تعط الحكومة أسبابًا مقنعة وصريحة في المجلس لذلك الرفض، ورفض النواب هذا الرفض، وحاول بعضهم أن يرى أسبابًا واضحة ولو في جلسة سرية، وانتهى دور الانعقاد دون أن يقر أي من المشروعين، وكان ذلك قبل فترة وجيزة من المرسوم الأميري بحل مجلس الأمة في رمضان (1976م) مما عطل المشروع إلى الوقت الحاضر. 

    ولم تعط الحكومة بالًا لذلك المشروع في فترة التأمل حتى جاء المرسوم الأميري المذكور في بداية المقال قبل انتخابات مجلس الأمة الحالي وانتهاء فترة التأمل، وقد وافق المجلس على المرسوم كخطوة أولية لإنشاء قضاء إداري. 

     ومما يعكس أن المرسوم قد جاء ناقصًا لصلاحيات المحكمة الإدارية أن الحكومة قد اختارت في مرسومها إنشاء غرفة؛ أي دائرة من دوائر المحكمة الكلية، وهو الخيار الأضعف لسلطة القضاء، ويجعل الهيمنة للحكومة أكثر مما لو اختارت الخيار الآخر الذي نص الدستور في المادة (169) من القاضي بإنشاء محكمة إدارية خاصة؛ أي مستقلة وللأسف جاء مشروع التعديل لهذا المرسوم، والذي قدمه خمسة نواب غير مشير إلى تعديل المادة الأولى من حيث إنشاء محكمة إدارية مستقلة، وليست دائرة من دوائر المحكمة الكلية، والمحكمة الإدارية المستقلة هو مطلب شعبي كبير؛ لأنه يمس قطاعًا عريضًا من المواطنين. 

     وكان الأجدر بمقدمي المشروع من النواب الأفاضل المطالبة بالخيار الدستوري الذي يزيد من سلطة الأمة ورقابتها، خاصة وأن السلطات في الكويت تعيش غير متوازنة، وأن السلطة التنفيذية تهيمن على بقية السلطات. 

     كما جعل المرسوم الذي أصدرته الحكومة صلاحيات إنهاء الخدمة بيد مجلس الوزراء دون الرجوع إلى المحكمة الإدارية التي نطالب الحكومة والنواب بها؛ مما دفع خمسة نواب يتقدمون بمشروع التعديل للمرسوم، وهم: أحمد السعدون، محمد الرشيد، فيصل القضيبي، راشد الحجيلان، خالد العجران.

المطلوب:

     ومن هنا نرى ضرورة توسيع صلاحيات القضاء الإداري، مع محاولة جادة لإنشاء محكمة مستقلة خاصة للقضاء الإداري، وعدم اقتصارها على دائرة لفض المنازعات والخصومات الإدارية، ولا تشمل إلا عددًا محدودًا من القضايا.

     كما نطالب الحكومة التعاون مع المجلس، والموافقة على مشروع التعديل المقدم من النواب الخمسة على المرسوم، لما كانت تحوي على صلاحيات أوسع للقضاء الإداري، وحماية المواطنين من الظلم والقرارات المعيبة، فهل يتم ذلك في دور الانعقاد الثالث؟ نرجو ذلك.

الرابط المختصر :