; المخابرات الأمريكية تبيح تصفية المعارضين في العالم الثالث | مجلة المجتمع

العنوان المخابرات الأمريكية تبيح تصفية المعارضين في العالم الثالث

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1243

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 25-مارس-1997

الجيش الأمريكي ظل على مدى عشرين عامًا يرعى عمليات تصفية المعارضين في الدول الموالية للولايات المتحدة.

كشف تقرير نشر مؤخرًا كانت وضعته وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" قبل أكثر- من عشرين عامًا عن موافقة البنتاجون في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان على استخدام القتل والتعذيب والابتزاز في الحرب التي كانت الولايات المتحدة تشنها ضد قوى اليسار والمعارضين للديكتاتوريات الحاكمة في أمريكا اللاتينية. 

وكشف التقرير الذي كان إلى وقت قصير جدًّا ضمن الوثائق السرية لوزارة الدفاع الأمريكية أن الجيش الأمريكي وعلى مدى عشرين عامًا تقريبًا كان يقوم بتنفيذ برنامج التدريب رجال الاستخبارات في البلدان الصديقة للولايات المتحدة مستعينًا بكتيبات أعدها خصيصًا تتضمن تعليمات وتوجيهات تطلب من ضباط الاستخبارات في تلك البلدان استعمال أساليب شتى المقاومة معارضي الحكومة، من بينها التجسس على المعارضين السياسيين للنظام، واختطاف أفراد عائلاتهم، وعرض مكافات سخية جدًّا مقابل إلقاء القبض على المتمردين أو قتلهم، ومحاولة ابتزار المخبرين غير المرغوب فيهم.

وكان الجيش الأمريكي بادر في عام ١٩٦٥م بإعداد مشروع أطلق عليه اسم «برنامج إكس»، وهو عبارة عن برنامج تدريب وتوجيه لكي تستعمل من قبل برنامج مساعدة الاستخبارات الأجنبية، الذي تموله الولايات المتحدة، وادعى الجيش بأن برنامج إكس ما هو إلا عبارة عن معلومات وتوجيهات ترمي إلى مساعدة الحكومات الصديقة في مقاومة ومكافحة ثوار أمريكا اللاتينية الذين تساندهم وتلهمهم كوبا والاتحاد السوفييتي، إلا أن لجنة من خبراء الجيش الأمريكي قامت مؤخرًا بمراجعة بعض المواد التي يتضمنها مشروع إكس، أعلنت أن هذه التعليمات ما هي في الحقيقة سوى إرشادات وتوجيهات حول تنفيذ عمليات سرية ضد الأعداء والمعارضين السياسيين المحليين لتلك الحكومات وليس كما يدعي الجيش الأمريكي.

وفي نفس الوقت كشف البنتاجون في العام الماضي أن برامج التدريب التي استعملت كتيبات مشروع إكس، قد وزعت في مدرسة الجيش الأمريكي الخاصة بالأمريكتين التي مقرها الآن في مدينة فورت بينينغ بولاية جورجيا، وتشرف هذه المدرسة على تدريب الضباط العسكريين لبلدان أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى.

 فالوثائق الجديدة التي كشف النقاب عنها طبقًا لقانون حرية المعلومات تشير إلى أن هذه التعليمات الأصلية قد جرى استعمالها بشكل أوسع بكثير مما هو معروف، وذلك من قبل عناصر الجيش الأمريكي العاملة في عدد كبير من البلدان الأجنبية.

ورغم أن مشروع مساعدة الاستخبارات الأجنبية، الذي يعتبر مشروع إكس، جزءًا منه قد انتهى وفقًا للوثائق المتوفرة، إلا أن بعض كتيبات التدريب والتوجيه قد استمر استعمالها بين الحين والآخر في مدارس الجيش الأمريكي وفي البلدان الأجنبية، ولم يتوقف استعمال تلك الكتيبات إلا عام ١٩٩١م عندما أثارت وكالة استخبارات الدفاع بعض النقاط القانونية والأخلاقية، وأمرت بوقف تداول الكتيبات وتدعو التعليمات التي يتضمنها البرنامج إلى أنه ينبغي على استخبارات الجيش أن تتسلل داخل مختلف الجماعات، بما في ذلك الأحزاب السياسية ونقابات العمال ومنظمات الشباب والطلبة، والمنظمات الدينية ودور النشر ومن الصعب معرفة تاريخ برنامج مساعدات الاستخبارات لأن مسؤولي الإشراف على المخابرات في وزارة الدفاع قد طلبوا بعد اطلاعهم على الكتيبات عام ١٩٩١م وتدمير كل الوثائق الأصلية، قائلين: إن السبب هو كي لا يتم استعمالها مرة ثانية أبدًا، إلا أن مذكرة لوزارة الدفاع صادرة عام ۱۹۹١م قالت: إن وثائق مشروع إكس يجب تدميرها لأنها أصبحت قديمة وغير صالحة للاستعمال.

إلا أن مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية قالت: إن الهدف من تدمير تلك الوثائق هو التستر على فصل محرج من سلوك الجيش في الخارج فتدمير وثائق فيدرالية أمر غير قانوني بدون موافقة إدارة الوثائق القومية التي سارعت إلى فتح تحقيق في الموضوع، فالوثائق الجديدة تسلط الضوء على دور الجيش الأمريكي خلال الحرب الباردة في تزويد الحكومات الأجنبية بأساليب مقاومة ما تعتبره قوى يسارية تخريبية. 

وكان برنامج مساعدة دوائر الاستخبارات الخارجية في أواسط السبعينيات مطبقًا في كل بلدان أمريكا اللاتينية تقريبًا، ويقول كولونيل أمريكي متقاعد: لم يكن لجيوش أمريكا اللاتينية أي دور يلعبونه في الدفاع عن بلدانهم «ضد تهدیدات خارجية»، فالدور الحقيقي الوحيد الذي كانوا يلعبونه إنما كان في مجال الأمن.

هل انتهى برنامج إكس؟

إن مشروع إكس يتلخص في تصدير التكنولوجيا الأمريكية في مجالات احتواء وإسكات معارضي «الحكومات الصديقة» بأساليب تشكل فصلًا محرجًا في تاريخ السلوك العسكري الأمريكي في الخارج، كما قالت مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية وتتسائل هذه المصادر عن ماهية «مشروع إكس» كيف تم إعداده ومتى ولماذا؟ وكيف تم الكشف عنه؟ وحتى الآن فإن هذا البرنامج كان أعد من قبل الاستخبارات العسكرية الأمريكية لتدريب ضباط الاستخبارات الأجانب على شتى انواع أساليب الضغط والقتل في بلدانهم، وتقول هذه المصادر بأن ما تحويه من توجيهات وتعليمات على الدفاع الداخلي، «فالجيوش التي كنا ندربها كانت جيوشًا يمينية وليست ليبرالية». وتشير الوثائق التي تم الحصول عليها أن الكتيبات الأصلية قد أُعدت من قِبَل مدرسة الاستخبارات التابعة للجيش الأمريكي التي مقرها فورت هولا بريد بولاية ماريلاند وأن نائب رئيس هيئة أركان الجيش المسؤول عن الاستخبارات قد أقر استعمالها وتصديرها وهي تتضمن روسيا في وضع قائمات سوداء ورمادية وبيضاء الخصوم محتملين وإجراء جرد دقيق لمختلف العائلات وموجوداتهم لتوفير معلومات عن السكان.

وتتضمن مواد مشروع إكس، التي جرى استعمالها وثائق حول المراقبة الجوية والتنصت الإلكتروني، والاستجواب، وإجراءات مكافحة التخريب الأساسية، ووثائق تتعلق بتجنيد وطرد المخبرين والرقابة، ومن ضمنها المراقبة على القوات المسلحة، كما تشمل الوثائق أيضًا فصولًا عن «معاملة العملاء» و«مكافحة التجسس»، ويقول الرائد توماس هزباند- مساعد نائب مدير إدارة مكافحة التجسس

لقد تضمنت هذه الوثائق تدريبات على كيفية استعمال مركب سوديو بينتاثول "مصل الحقيقة" أثناء الاستجواب واختطاف أعضاء عائلة الخصوم، ووضع أولويات بالخصوم الذين يجب اختطافهم أو طردهم أو ضربهم أو قتلهم، وتدعو وثائق مشروع إكس أيضًا إلى التسلسل داخل الحركات السياسية والديمقراطية المعارضة ومطاردة المعارضين من مختلف فئات المجتمع باسم مكافحة الشيوعية.

وتتضمن بعض التعليمات أيضًا تشكيكًا بالعملية السياسية، إذ تقول: إن المتمردين يمكن أن يلجؤوا إلى تخريب الحكومة عن طريق الانتخابات، فزعماء المتمردين يشاركون في الانتخابات كمرشحين لمناصب حكومية، وفي منتصف السبعينيات أي بعد أن تم نقل مدرسة الاستخبارات إلى فورت هواشوكا بولاية أريزونا وفقًا لوثائق أعدت عام ١٩٩١م بدأت المدرسة في تصدير الوكالات العسكرية للحكومة الأمريكية التي تشارك في برامج التدريب الأمريكية في البلدان «الأجنبية الصديقة» فمقر بعض هذه الوكالات الحكومية قد يكون في السفارات الأمريكية في الخارج أو قد يكون مقرهم في وزارات دفاع تلك البلدان، وكثيرًا ما كان يتم إرسال وفود صغيرة من ضباط الاستخبارات العسكرية إلى البلدان الأجنبية «الصديقة» للإشراف على التدريب أو قد يسمح في بعض الأحيان لضباط استخبارات من تلك البلدان بالقدوم إلى الولايات المتحدة للتدريب. 

وبالرغم من أن الوثائق المتوفرة لا تذكر متى انتهى البرنامج، إلا أن الرائد هزباند قال في مذكرة صادرة عام ١٩٩١م أنه يعتقد بأن إدارة الرئيس كارتر هي التي أوقفته خوفًا من أن يساهم في انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان الأخرى، ولكن في عام ١٩٨٠م وهو آخر عام الرئاسة كارتر، أشار تقرير سنوي حول البرنامج أعده مساعد رئيس هيئة اركان الاستخبارات إلى أن المشاكل الرئيسية التي واجهها «برنامج توفير المساعدة في مجال الاستخبارات» كانت الثورة التي حصلت في إيران التي أضعفته، إضافة إلى المزيد من التخفيضات في عدد العاملين في الملحقيات والمنظمات الخاصة بمساعدات الأمن.

وقد أصدر مكتب عضو مجلس النواب الأمريكي جوزيف كنيدي "ديمقراطي من ولاية ما ساسوشيتس" تقريرًا يوم السادس من الشهر الجاري كشف فيه النقاب عن طلبه سابقًا بإغلاق ولاية تدريب ضباط أمريكا اللاتينية في مدرسة جورجيا بعد أن كانت نقلت من بنما، وقال في تقريره بأن أقبح ديكتاتوري أمريكا اللاتينية وضباطها الذين ينتهكون حقوق الإنسان كانوا قد تخرجوا من تلك المدرسة.

ويقول التقرير: إن العسكريين الأمريكيين وضعوا سبع مواد مخابراتية تدريبية وقاموا بتوزيعها أيضًا، وجميعها تنتهك القوانين الأمريكية وسياسات وزارة الدفاع نفسها في أمور التعذيب وإعدام المتهمين بأعمال المقاومة ويضيف تقرير كنيدي القول بأن حكومة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر كانت أوقفت تلك التدريبات بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان غير أن مجيء إدارة رونالد ريجان بعد ذلك قد أعاد العمل بتلك التدريبات.

ويشير التقرير إلى أن برنامج التدريب في مدرسة جورجيا مشابه للمواد التي كانت تستخدمها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي. أي. إيه" في تدريب عناصرها في جمهوريات أمريكا الوسطى في الثمانينيات من هذا القرن، ومن بين الأساليب التي تنص عليها مواد التدريب سجن واعتقال وضرب والدي المتهمين، ويضيف التقرير بأن مركز وأهمية رجال المخابرات الأمريكية يمكن أن يرتفع ويزداد إذا قام بأعمال الاعتقال والقتل.

الرابط المختصر :