; المدارس القرآنية بالجزائر.. قلاع منيعة تحرس الهوية | مجلة المجتمع

العنوان المدارس القرآنية بالجزائر.. قلاع منيعة تحرس الهوية

الكاتب غنية قمراوي

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010

مشاهدات 41

نشر في العدد 1893

نشر في الصفحة 55

السبت 13-مارس-2010

روادها يزدادون سنويًا

المدارس القرآنية بالجزائر.. قلاع منيعة تحرس الهوية

لم يمنع الطابع الغربي الغالب على وجه الجزائر العاصمة من وجود أكثر من ٥٠ مدرسة قرآنية لتعليم الكبار والصغار، و۱۰ مدارس داخلية تفرض بوجودها هوية قال عنها الشيخ عبد الحميد بن باديس: شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب.. إنها القلاع المنيعة لتربية النشء في زمن العولمة.

الجزائر: غنية قمراوي

ستة آلاف مدرسة يدرس بها ما يزيد على ستة ملايين شخص.. تحفظ النشء من غزو العولمة

٥٠ مدرسة لتعليم الكبار والصغار و١٠ أخرى بالنظام الداخلي

علم وقدوة ومحك الصقل الأخلاق وإنتاج السلوك القويم

والمدارس القرآنية في الجزائر ليست تقليعة جديدة ولا هي موضة فلم تخل مدينة ولا قرية منذ العهد العثماني من الكتاتيب والمدارس والدليل أن الفرنسيين في كتاباتهم الأولى عند دخولهم الجزائر محتلين سنة ۱۸۳٠ م شهدوا بأنهم لم يجدوا أمية في البلاد، بل بهتوا لأن الشعب كان يعرف القراءة والكتابة نساؤه ورجاله والسبب انتشار هذه المدارس في كل مكان، وما يلفت الانتباه حقًا اليوم في هذه المدارس التي ينتشر عدد منها في بلديات الجزائر العاصمة وأحيائها، هو طابعها الإسلامي الأصيل وحفاظها على مقوماتها التي بدأت وعرفت بها، مثل الزوايا الموجودة في الأرياف تمامًا، فلا يزال تلاميذها يقصدونها غير مرغمين مثل المدارس الحكومية والتعلم بها ليس إجباريًا يمليه القانون، ويجلس الطلاب فيها على السجاد والحصير دون الطاولات والكراسي، ويكون اللوح والمداد أدوات المتعلم الخاضع لأوامر شيخه، والشيخ يحظى بكل الاحترام والتقدير لأن المدارس أساسًا تتخذ لها موقعًا داخل المساجد أو في أطرافها، ما يجعل حرمتها من حرمة بيوت الله، والالتزام بالأخلاق فيها واجب على طلابها بالغين كانوا أم ناشئة.

سر الإقبال

ويرجع إمام مسجد «نور اليقين» ببراقي سر استمرار الإقبال على المدارس القرآنية من قبل التلاميذ في مدينة مثل الجزائر العاصمة إلى رغبة الآباء في تلقين أبنائهم المبادئ الدينية وتهذيبهم ووضعهم على طريق حفظ القرآن الكريم الشيء الذي لا يمكن مقارنته بالمدارس الحكومية التي تلقن الدروس في مختلف مواد العلوم، وهي ليست منافسة لها ولا خيارًا مقابلًا، ولا حتى للمدارس الخاصة التي فتحت أبوابها وفق القانون في السنوات الأخيرة، إنما هي مكمل ومنارة لتعليم القرآن الكريم والمواد الشرعية والأخلاق الإسلامية، يتأرجح مستواها بين البساطة والكفاءة العالية بحسب نوع البرنامج المتبع ومستوى الطلبة والأساتذة الذين يدرسون.

وفي معظم الأحيان تكون المدرسة القرآنية مفتوحة بحس المحسنين والمتطوعين وأموالهم وليست تابعة لوزارة معينة لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت في دائرة اهتمام وزارة الشؤون الدينية والأوقاف حيث قررت استعادة تسيير أمور المساجد بعدما عرف في تسعينيات القرن الماضي من سيطرة الأحزاب السياسية الإسلامية على المساجد وملحقاتها، ومنها تلك المدارس التي تحولت وقتها إلى منابر لتسويق أفكار معينة وساحة للتناطح بين القناعات المختلفة، التي أدت بدورها إلى ابتعاد منارات العلم تلك عن رسالتها التي وجدت من أجلها منذ عصور خلت.

يقول مدير الشؤون الدينية والأوقاف لولاية الجزائر العاصمة الدكتور «الزهاري مساعدي»: إنه لا تخلو بلدية من تلك المدارس، وهناك من البلديات ما تحوي عددًا منها، وإذا كانت المديرية تحصي نحو ٥٠ مدرسة فهذه التي تتوافر فيها مواصفات المساحة وعدد الطلبة والمدرسين، إنما أقسام تحفيظ القرآن لا يخلو منها مسجد.

مدارس للكبار والصغار وبالتعداد تحصي هذه المديرية ما يزيد على ٥٠ مدرسة، تتوزع على مختلف أحياء العاصمة الراقية منها والبسيطة، حيث توجد مدرسة «الأمة» ببولوغين «النور» بمناخ فرنسا «الهدى» بالرايس حميدو «الفرقان» و«عمر بن الخطاب» بباب الزوار، «بلال بن رباح» ببرج الكيفان، «خالد بن الوليد» ببوروية، «السلام» ببوزريغة، «أسامة بن زيد» ببئر مراد رايس، «التقوى» بالشراقة «أبو ذر الغفاري» و«مالك بن نبي بعين البنيان الأرقم» بدالي إبراهيم، «المقداد بن الأسود» بالحمامات، «البشير الإبراهيمي» و«الشهيد العربي» ببراقي عبد المؤمن بالكاليتوس علي بن أبي طالب بالدرارية، «العربي التبسي» بحسين داي، «الأنصار» بالقبة، «موسى بن نصير» بالرغاية، «والرحمة» بالرويبة، «الرحمن» بجسر قسنطينة العتيق بالمدنية، «طارق بن زياد» و«النور» ببوروبة، ومدرسة «النور» بالجزائر الوسطى وليست هذه فقط بل هناك أخرى كثيرة تنشط على مستوى المساجد، لكن بعدد طلبة أقل أو بإمكانيات لا تسمح بتصنيفها.

أهداف تربوية

ومثلما هو معلوم في المجتمع الجزائري فإن المدارس القرآنية لم تنشأ للعب دور الحضانة، إنما لأهداف تربوية واجتماعية وثقافية تجمعها غاية أساسية هي: حفظ الدين، وتأكيد الإيمان في النفوس، وتنشئة الصبيان نشأة إسلامية، وتربيتهم على الإسلام، واكتسابهم السلاح الذي يمكنهم من الدفاع عن دينهم وثقافتهم وكيانهم.

كما يحرص القائمون على هذه المدارس على تحفيظ النشء القرآن الكريم وحسن تلاوته وفق قراءة نافع برواية ورش المعتمدة في بلدان المغرب العربي، وتعليمهم مبادئ العبادات، وتعويدهم على أدائها والمواظبة عليها، كما تشحذ فيهم المدرسة القرآنية الهمم وتهذب الأخلاق، وتمرنهم على العادات الحسنة.

وتحمي المدرسة القرآنية الطفل من الانحرافات والمزالق وخاصة تلك التي يتعرض لها في فترة المراهقة وأطوار البلوغ باعتبارها لبنة مهمة في تكوين نفسية الطفل وشخصيته في المجتمع، وتساعده على إيجاد الأمن النفسي والاطمئنان وسمو الروح، في جو من التعارف والانسجام بين أترابه، بحيث يتكيفون مع الجو الجديد، وتتوسع دائرة معاملاتهم، وينشؤون على وجود القدوة في حياتهم المتمثلة في شخص «شيخ المدرسة» الذي يتقبل منه الأطفال والآباء ما لا يتقبلونه من معلم المدرسة الحكومية والأستاذ.

علم وقدوة

ومن الناحية الثقافية والإدراكية للأطفال في أمور الدين والعلم، أثبت الاختصاصيون النفسانيون في دراسة حالات تناولت أطفالًا يرتادون المدارس القرآنية إلى جانب المدارس الحكومية، وآخرون مكتفون بالمدارس النظامية، أثبتوا أن الأولين تصدر عنهم سلوكيات سوية بعيدة عن العنف، ويتقبلون النصح، ولا تبدر منهم ردود أفعال عدوانية مثل غيرهم، زيادة على تمكن الطفل منهم من القرآن، ولو من مجموعة من السور والآيات القرآنية، وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة التي تغرس في نفوسهم الروح الدينية والتنشئة على القيم الإسلامية، كما ينمو عندهم الرصيد اللغوي الغني بالمفردات الفصيحة، وتشارك بذلك المدرسة القرآنية في الحفاظ على بقاء اللغة العربية أمام تيارات التغريب التي تهب على البلاد من جميع الأنحاء وبشتى الوسائل، وتعصف بالنشء لتضعه في قالب العولمة.

من جهته يقول الإمام حمدان سفاج من مدرسة الأمة ببولوغين: «إن منهج التدريس المتبع في المدارس القرآنية بالجزائر يكون برواية ورش»، ويتم الحفظ بالأحزاب باعتبار «ورش» هي الرواية التي تعتمدها دول المغرب العربي وتسعى للحفاظ عليها.. كما يؤكد بعض مؤسسي المدارس القرآنية ومؤطريها الذين سألناهم أن المدارس لم تعرف عبر التاريخ توحدًا في برامج التدريس لا في الماضي ولا في الحاضر، رغم سعي الوزارة إلى تأطيرها وإخضاعها لبرامج الوصاية، لكن المناهج المتبعة تبين اختلافًا بين ما كانت عليه وما هي عليه اليوم، حيث كانت المدرسة في الماضي تلقن تلاميذها التعليم القرآني علي فترتين صباحية ومسائية، تتوجه تحديدًا للأطفال غير المنتظمين في مدارس ذكورًا وإناثًا، سواء من لم يبلغوا سن التعليم النظامي بعد أو من لم يلتحقوا بالمدارس أصلًا، وهذا كان منذ زمن بعيد.

أما في الحاضر ومع إجبارية التعليم التي يعاقب القانون بموجبها الآباء في حال الامتناع عن تسجيل أبنائهم أو إهمالهم، أصبحت مدارس التعليم القرآني تركز أوقاتها بالدرجة الأولى على فترات بعد الظهر وعطلة نهاية الأسبوع حين يكون التلاميذ متفرغين، إضافة إلى البرامج المكثفة خلال العطلة الصيفية، وهذا اقتراح وزارة الشؤون الدينية التي وفرت الوسائل والمعلمين، وقد لاقت هذه المبادرة إقبالًا منقطع النظير، حيث أصبحت كثير من العائلات المقيمة بالعاصمة تضحي بعطلاتها من أجل أن يتابع الأبناء دروس حفظ القرآن في فصل الصيف.

ويكون التعليم داخل المدرسة بكتابة الألواح وحفظها، والقراءة الجماعية للحزب المقرر، وحفظ الألواح، ثم عرضها على الشيخ، ومحوها بعد ذلك، إضافة إلى قراءة جماعية للقرآن بالتلقي، وقراءة المتون قراءة الحزب الراتب تعليم الكتابة (الخط)، تعليم كيفية الوضوء، حفظ الأحاديث الأربعين النووية، حفظ أناشيد دينية ووطنية، ودروس في الأخلاق والآداب، زيادة على تحفيظ أذكار الصباح والمساء.

مدارس داخلية

وإلى جانب أكثر من ٥٠ مدرسة تعني بتلقين المبادئ الأولى لعامة التلاميذ صغارًا وكبارًا، يوجد بالجزائر العاصمة ١٠ مدارس داخلية منها مدرسة «المحمدية». و«الرويبة»، و«بئر خادم»، وهذه تحتوي على أماكن للنوم والطعام والملحقات الصحية وتسير بتمويل المحسنين الذين لا يبخلون على الطلبة بما يحتاجونه، باعتبارهم يقيمون بعيدًا عن أهليهم، وجلهم قدم للعاصمة من مدن أخرى لطلب العلم.

وتتجلى صور التكافل الاجتماعي في هذه المدارس بتنافس المحسنين على التكفل بطلبة العلم، خاصة في شهر رمضان الكريم علما بأن النظام داخل المدرسة يشبه الكشافة الإسلامية، حيث يقوم الطلبة بخدمة أنفسهم بالتنظيف والطهي إلى جانب العلم وتسمى هذه بـ مدارس من المستوى الثالث يقصدها طلبة من الفئة العمرية بين ١٣ إلى ٢٥ سنة، وممن سبق لهم تكوين أساسي في مدارس قرآنية من المستويات الأولى والثانية ويكون هؤلاء الطلبة قد اتضحت لديهم ميول في طلب العلم الشرعي وامتهان الإمامة واعتلاء المنابر.

ويدوم التعليم في المدارس الداخلية سنوات متواصلة، يزول فيها فرق الزمن بين الليل والنهار، حيث تتوزع الدروس على مدى ٢٤ ساعة لحفظ القرآن، وتعلم فقه العبادات وقواعد اللغة العربية، والسيرة، ودروس في الفقه والتربية والأخلاق، وقراءة المتون في العقيدة والآداب والأناشيد الدينية والوطنية.

وكثيرًا ما يكون شرح المتون في الفترة الليلية من طرف شيخ الحي أو إمام المسجد أمام جمع من الحضور بشكل مبسط ومفهوم لدى كافة الحضور لتعميم الفائدة، كما تتم القراءة الليلية في المساجد الموجودة بالأحياء بحضور المصلين بما فيهم آباء التلاميذ القاطنين بقرب المساجد.

ويدرس بمدارس التعليم القرآني بدولة الجزائر، والبالغ عددها ستة آلاف وفقًا للإحصاءات الرسمية ما يزيد على ستة ملايين شخص، ويحصل خريجو هذه المدارس على شهادات تثبت مدى تحصيلهم العلمي، بما يسمح لهم باستخدامها في التقدم لبعض المسابقات التي تعلن عنها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من أجل توظيف الأئمة والخطباء ومعلمي القرآن الكريم، وحتى المؤذنين في المساجد، وقد اتخذت الدولة قرارًا مريحًا لهؤلاء باعتبار شهادة حفظ القرآن الكريم توازي بكالوريا التعليم الثانوي التي تسمح بدخول معاهد تكوين الأئمة في كامل ربوع الوطن.

الرابط المختصر :